اعادة اكتشاف لينين : تأطير "ما العمل؟"

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاحد يناير 08, 2017 5:24 pm    موضوع الرسالة: اعادة اكتشاف لينين : تأطير "ما العمل؟" رد مع اشارة الى الموضوع

سلام للجميع
وسلام لحسن


الـ " خيانة" يا عصام ،و أعني بها خيانة الهم الديموقراطي الذي يجمعنا ضد الإستبداد الظلامي،أنا شايفها في أصل الفكرة اللينينية كفكرة رسولية [ في المعنى النصراني للعبارة]التي تسوّغ للبورجوازيين الصغار إنتحال هوية الأمة بحالها بذريعة تملكهم للوعي الثوري الذي سيحقنونه في جسم البروليتاريا، وسيلتهم لتحقيق يوتوبيا السعادة على الأرض.

حسن موسى



فى مجرى النقاش لورقة عبدالجبار " البندر فوانسيو .(... ) وقدن " فى موقع الحوار الديمقراطى ، حضرت سيرة لينين - بمداخلات من حسن – و فكرة قيادة الصفوة البرجوازية الماركسية للحزب ، زاعمة تمثيل مصالح الكادحين فى البلد . ودفعنى هذا الى استحضار جزئى للكتاب المذهل للارس لى ( Lars T. Lih) الماركسى الكندى بعنوان : " Lenin Rediscovered :What Is To Be Done In Context. والذى يمكن ترجمته الى " اعادة اكتشاف لينين : تأطير " مالعمل ؟" . الكتاب تصدى لقناعات ميثولوجية عن لينين ، يسميها لارس لى "شروحات الكتاب/المرجع المدرسى " نسبت خطأ مثل تلك المفاهيم الشائعة للينين ووجدت طريقها لقناعات البعض ومنهم الديمقراطيين الثوريين كما فى حالة حسن فى تعليقه اعلاه . اقول ان الكتاب مذهل – وهى فكرة عامة عند معظم قارئيه – لان لارس لى قرا كمية من الادب مذهلة حقا . فقد قرا الاعمال الكاملة للينين بالروسية ، وكل الادب ذو الصلة بالموضوع المكتوب بالالمانية والفرنسية والانجليزية . قرأ كل الترجمات المتوفرة لكتيب "ما العمل " بالذات الترجمات الانجليزية والتى حددت طريقة و ومحتوى فهم لينين للناطقين والقارئين بالانجليزية ، وقام باعداد ترجمة جديدة بمنهجية شرحها وسنتعرض لها لاحقا ، ليبلغ حجم الكتاب اكثر من 860 صفحة . قام لارس لى بهذا العمل بدون اى دعم من اى مؤسسة رسمية . لارس لى يدرس يملك سيرة مهنية واكاديمية عجيبة فهو استاذ الموسيقى فى جامعة ماكغيل بمونتريال ولكنه متخصص فى الاقتصاد السياسى ( دكتوراة – برنستون) ويكتب فى التاريخ السياسى لروسيا فى اوقات فراغه (اى بدون اى عون من المؤسسات الداعمة للبحث) وناشط فى الحركة الثورية الاشتراكية فى كندا ، امريكا واروبا .
نحصص هذا البوست لمادة كبيرة وممتدة لينين ، وهذا سبب افتراعه منفصلا عن بوست عبدالجبار ، ارجو ان يصادف ذلك قبول الجميع .
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الجمعة يناير 13, 2017 12:11 am    موضوع الرسالة: المقدمة رد مع اشارة الى الموضوع

ترجمة سريعة للمقدمة







الخطأ الاساسى الذى ارتكبه اولئك المحاججون ‘لما العمل؟ ‘ فى الوقت الحاضر،
هو انهم نزعوه كليا خارج سياق تاريخى محدد ، خارج لحظة تاريخية محددة
– مضى عليها وقت طويل – من تاريخ تطور حزبنا .

لينين 1907



حظى الكتاب بشعبية كبيرة وسط من توجه لهم خطابه . فالاستجابة للاسئلة التى طرحها الكتاب ارتبطت جذريا بالظروف الملموسة لحركة الديمقراطية الاشتراكية فى روسيا العشرينات (1901-1902 ) ، وهى كما يتضح فترة قصيرة . ففى 1903 انجز الاشتراكيون بنية مكتملة لحزب وطنى ، تجاوزت مرحلة وهموم تكوينه السابقة .
وفى النظام الجديد فى روسيا السوفيتية ، ومن خلال التجربة المذهلة ، تكاثر الانتباه لمجموعة قناعات القائد ، وعمليا وجهت بؤرة الضوء الى " ما العمل؟" بالذات بعد 1920 بعد طباعة اعماله الكاملة . غيرت ثورة 1905 المشهد السياسى فى روسيا . اصبح "ما العمل؟" ذكرى فى حرب المقالات التى اشتهرت فى ضحى الامس , ولم يذكره لينين بعد 1907 باى حال من الاحوال .
فى 1917 اصبح المؤلف رئيسا لاول دولة اشتراكية فى العالم ، شعر الكثيرون فى الغرب ان الكتيب هو المفتاح لكامل التجربة ، والمصدر الرئيسى لادق تفاصيلها السياسية المهولة . وفى قول احد اشهر المتخصصين فى روسيا السوفيتية " ان الحجج والنكهة ل "ما العمل؟" ، استمرت مضغمة فى نظام القيم والمعتقدات فى النظام السوفيتى . تظهر فى تصريحات خرتشوف كما كانت حاضرة فى تصريحات استالين ولينين .
لقد كان ذلك اسوأ اختيار لواحد من اثار لينين . فقد كُتِبَ للمجادلة ضد خصوم محددين ، بصدد سياسات محددة ، فى لحظات محددة ، ولكنها عابرة . ولم يكتب لشرح قناعات لينين لمجموعة قارئين ياتون فى المستقبل . واذا اردنا ان نبحث فى هذه القناعات فعلينا ان نعالج الاستنتاجات بصددها من خلال الوقوف على اختياراته السياسية ، والمناقشات التى اثارتها فى اطار ومحتوى الافتراضات التى تشاركها مع القراء المعنيين فى ذلك الوقت . وهى المعلومات التى لاتجدها فى اى لغة ترجمت لها اعماله ، حتى ان المتخصصين يواجهون صعوبات بالغة فى تحديد الظروف المحيطة بتلك الكتابات .
اعتبر المتخصصون "ما العمل؟" الوثيقة المؤسسة للبلشفية ، الناقلة لجوهر فكر لينين . وهى استنتاجات جاءت فى شح من معرفة صحيحة بالمحتوى ، بالذات الظرف الخاص بالحركة الديمقراطية الاشتراكية العالمية ، وفى قلة من معرفة الظروف المحلية الخاصة بنفس الحركة فى روسيا ، ومحتوى صراع المناظرات و الجدال الحاد بين الفصائل المتعددة فى اواخر 1901 . لم يحسنوا قراءة "ما العمل؟" ولم يفهموا لينين ، ورفعوا تلك الصورة – وليدة غياب الفهم - الى مستوى "المرجع ".
هذا "المرجع" هو العائق الاساسى لاعادة التفكير الجاد حول لينين ، حيث انه مصدر قناعة الجميع بانهم يحتازون على فكرة اساسية لما يمثله لينين . ولذلك يأتى هذا الكتاب – والترجمة الجديدة ل"ما العمل؟" - لتوفير خلفية معلوماتية اساسية ، تساعد فى اعادة التفكير الجاد بصدد لينين ، تساعد فى اعادة اكتشافه .
كان لينين ايرفورتيا ( وايرفورت هى المدينة الالمانية التى استقبلت مؤتمر حزب الديمقراطيين الاشتراكيين الالمان ، الذى احتفل بنجاحهم فى اسقاط قانون بزمارك المعادى للاشتراكية ، وقدم فيها برنامج جديد للحزب ، سمى برنامج ايرفورت وارتبطت به تعليقات كثيفة من تروتسكى ، قائد الحزب و الاب الروحى للاشتراكية فى ذلك الحين - المترجم) . وقد حدد برنامج ايرفورت مهمة الحزب – المهمة التاريخية – بانها حصول البروليتاريا على جهاز الدولة واستخدامه لتقديم الاشتراكية . يقول كاوتسكى ان الحزب يقوم " بجلب الاخبار السعيدة " الى البروليتاريا التى تسقبلها بحماس . ولانجاز المهمة خلق الديمقراطيون الاشتراكيون حزبا من نوع جديد ، مكرسا لجلب التنوير والتنظيم لصفوفها ، ويسعى الحزب لتحقيق هدفها النهائى وهو بناء الاشتراكية . هو حزب يقوم على الانضباط ، حزب مركزى ومنظم على مستوى الوطن وديمقراطى ، يسمح بالاستخدام الفعال للتخصص وتقسيم العمل .
احتدم النقاش حول امكانية تطبيق النموذج الالمانى للحزب فى روسيا القيصرية ، والى اى مدى . لم يكن الجدال تجريديا بل قام على وقائع التجربة ، حيث تم تأسيس المنظمة فى منتصف 1890 فى مجرى تراكم ومعرفة بالفرص ، والحدود الفعلية والممكنة لمنظمة تعمل تحت الارض فى ظروف العمل السرى . فى هذا الخضم من الجدل وصراع الافكار بين مجموعات الاشتراكيين ، يسهل تماما تحديد موقع لينين ؛ فقد كان مع تلك المجموعة التى كانت تقدم اكثر الافتراضات ثقة فى الامكانيات العملية لحركة جماهيرية تعمل تحت الارض . ضمن الثوريين الروس كان الماركسيون اكثر ثقة من الشعبيين فى منتصف 1890 . ضمن الماركسيين كان الارثودوكس (التقليديون) اكثر ثقة من الاقتصادويين . ضمن التقليديين كانت حلقة الايسكرا (البولشفيك) اكثر ثقة من المنشفيك . ضمن البولشفيك كان لينين اكثرهم ثقة .
مثلت نجاحات تجارب الحركة العمالية فى اروبا مصادر ثقة لينين فى الطبقة العاملة ، وكذلك تجارب الديمقراطيين الاشتراكيين الملهمة فى المدى الاروبى ؛ كما انبنت ثقته وقامت فى افتراض قدرة الطبقة العاملة الروسية على الاستقبال الايجابى لرسالة الحزب الالمانى . كان لينين يحاجج ان الفئات المتقدمة من العمال هم اصلا ديمقراطيون اشتراكيون ملتزمون ، وهم فى موقع يمكنهم من نشر الرسالة الى مدى ابعد ، حيث انه يمكن قبولهم من قبل العمال كقيادتهم الطبيعية . حكم تجريبى فى الثقة ، يمكن اسناده على الاعتقاد فى القدرة المكينة على الاستمرار الوطيد فى نشاط العمل السرى (تحت الارض) . كانت منظمات العمل السرى تحطم باستمرار من قبل البوليس . ( عمر المنظمة السرية يبلغ 3 الى 4 شهور) كان مستحيلا التواصل بين المنظمات المحلية ، الاضرابات ، المظاهرات ، حملات توقيع المذكرات كلها كانت تعبر جريمة مخالفة للقانون . لكى تتمتع بالثقة فى استقرار منظمات العمل السرى فلابد ان تجترح افتراضات بطولية حول استمرار وجود الناشطين المستقر فى عناد ، وحول اخلاص وثبات التزامهم ، وحول قدراتهم على التفادى الذكى للبوليس ، وعلى الثقة فى امكان زرعهم لجذور حامية تشرئب متوهجة فى المحيط العمالى . قدم لينين كل تلك الافتراضات . ان حقيقة قيادته لحمله تستهدف رفع مستويات الاحتراف للناشطين فى العمل السرى (تحت الارض ) ، تُثبّت قناعاته بالثقة الوطيدة فى تطوير قدراتهم ، مما سينعكس ايجابيا على قدراتهم فى البقاء والاستمرار والتغلب على صعوبات العمل السرى ، وهى ثقة دافئة عميمة مستقرة فى صدره لم يشاركه فيها الاخرون .
يمكن بلا شك العثور على اخلاص لينين للايرفورتية ، وافتراضاته القائمة على الثقة بروسيا ، مبثوثة فى كل كتاباته قبل واثناء وبعد كتابته ل"ما العمل؟" , وقد كانتا العامل البنائى لكامل مناقشات الكتيب . ولرؤية ذلك بوضوح علينا النظر الى المحتوى الدقيق ، الوضع الذى واحهه لينين فى 1901 حين كتابة المخطوطة . ان الشعور بالضغوط وضرورات الاستجابة السريعة ، والحماس الجدالى ، دفع القراء الى افتراض ان لينين كان يستجيب لازمة . ولكن ستوضع مناقشته تحت ضوء مختلف قليلا ، عندما نفهم انه كان يستجيب لفرصة . راءها لينين فى اقتراب العاصفة الثورية فى روسيا . ففى اثناء كتابة "ما العمل؟" خص لينين جريدة الايسكرا بمقال ذكر فيه : " علينا ان نستخلص قناعة جديدة فى القدرة الكونية للحركة العمالية ، نقودها نحن ، عندما نشاهد كيف يتم تحويل الحماس المشتعل من الطبقة الثورية المتقدمة الى الطبقات والفئات الاجتماعية الاخرى – كيف ان هذا الحماس المنير يقود ليس فقط الى انبعاث متدفق لايصدق فى الروح الثورية فى الطلاب ، بل ايضا للصحوة الجزلاء فى القرى التى تستشرى الان ."
القلق بصدد العمال :
كتب ابراهام اشر - مؤرخ امريكى محترم – " واجه الماركسيون الروس مشكلة اصابت الراديكاليين فى سنين السبعينات (1870 ) وانتصبت لهم عقبة كأداء : الدواخل السياسية للجماهير . فلو رفض الناس – الذين يوقرهم عاليا عديد من الراديكاليين الروس – التزحزح باتجاه النشاط السياسى ، فكيف يمكن انجاز الثورة ؟ تعامل لينين مع موضوع الدواخل السياسية للجماهير، وحلله باكثر الاشكال عمقا فى كتيب "مالعمل ؟"" . وهذه عبارة تقف ناقصة ، هل نحن نتحدث عن نفس ذلك ال لينين ؟ عن "ما العمل؟" ؟ لقد وصفت لينينا متحمسا كتب " ما العمل فى خضم نهوض ثورى، بينما بتحدث اشر عن لينين قلق متشائم يحاول ان يفهم مالذى جرى ، واى الاخطاء اُرتكبت ؟ بالنسبة لى لم يكن لينين محللا باردا او قلقا متشائما وانما كان واثقا يتدفق حماسا ، كتب كتابه فى زمن نهوض ثورى روسى . يعكس اشر هنا صورة لاتفاق قوى بين المتخصصين اسميه " تفسير الكتاب/المرجع المدرسى " وذلك لانه على الاقل ابتداءا من منتصف الخمسينات (1950) وجدت هذه القراءة السلبية ل " مالعمل؟" طريقها الى داخل مراجع العلوم السياسية ومراجع التاريخ الروسى ، ومن هناك الى اى مراجع ثانوية توفر لها سببا لذكر لينين . تم تدوير الفقرتين او الثلاثة الشهيرات اللائى خلقن الاساس النصى لهذه القراءة/التفسير ، تدور بشكل لانهائى من مرجع الى كتب التاريخ المشهورة الى مخطوطات متخصصة الى المراجع مرة اخرى لتعود الدورة من جديد .
فى وصف تفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " ساحصر اهتمامى باولئك الذين دعموا قراءاتهم ببحث تاريخى يقوم على الحقائق . هؤلاء يمكن تقسيمهم الى فئتين ، الاكاديميون والناشطون السياسيون . قام المؤرخون الاكاديميون بارساء حجرالاساس لتفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " ، ومثلوا الجيل الاول بعد الحرب فى الدراسات السوفيتية .
بدأت الدراسات الاكاديمية بواسطة هؤلاء فى الخمسينات (1950) الباكرة ، كما يدأت فى الاختفاء فى السبعينات الباكرة (1970) ، وقد تكرّست لدراسة جوانب مختلفة من الثورة والحركة العمالية فى الفترة التى كتب فيها لينين "ما العمل؟" . يلعب الكتاب نفسه دورا غريبا لدرجة ما فى هذه المؤلفات . فمن ناحية ليس هناك فحص تفصيلى ل"ما العمل؟" كنص ؛ ومن ناحية اخرى يوفر الكتاب وبشكل ثابت ما يمكن تسميته بالمفصلة (المعلاق )اوالشماعة السردية لهذه المؤلفات . ففيه ومن خلاله اظهر لينين نفسه ، وخلق البلشفية فى فعل يكاد يكون كافعال الالهة .

فى السبعينات (1970) بدا الناشطون فى التقاليد التروتسكية اصدار قراءاتهم التاريخية للكتيب . وقد كتبوا (تونى كليف ، جون مالينو وقريبا بول لابلانك) فى ردفعل على المتخصصين الاكاديميين ، ولكن غالبا برغبة لجلب دروس لينينية لحركتهم المعاصرة . كان موقفهم ملائما جدا ، ولكن لم يكن خاليا مما يوقعه تحت طائلة النقد . بالرغم من الاختلافات السياسية بينهم والاكاديميين الا انه كان هناك تداخل كاف فى تفسيراتهما ل"ما العمل؟" يبرر تضمين الناشطين للمؤيدين لشروحات "الكتاب/المنهج المدرسى" ويمكن تلخيص موقف الناشطين كالاتى : ‘نعم ، ولكن ..‘ .
العقيدة الاساسية لشروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" هى ان الكتيب عبّر عن قلق لينين بخصوص العمال . ففيه اظهر لينين ‘عدم ثقة بالجماهير ، وقناعة بان الوعى الاشتراكى يحظى به القليلون منهم ‘. قلق ينطلق من افتراض متشائم بخصوص الميل الاصلاحى الطبيعى للعمال ، وهذا ما قاد الى تجديداته النظرية والتنظيمية . الاساس النصى لهذه الاوصاف ، هو تصريحاته بصدد موضوعة التلقائية/العفوية والوعى . كان لينين يخشى التطورات التلقائية /العفوية للحركة العمالية ؛ وطالب بتحويلها او حرفها من مجراها الطبيعى وبتوجيهها من الخارج بواسطة غير العمال ، تحديدا بواسطة المثقفين الثوريين البرجوازيين . حقيقة لن يكون الامر مبالغة اذا قلنا ان الاساس النصى من الكتيب لهذه الصورة للينين ، ليس فقط كتابا واحدا ، ليست فصلا من كتاب ، ليست فقرتين مشهورتين من ذلك الفصل تقتطف بشكل حتمى ، بل فقط 3 كلمات وجدت فى تلك الفقرات هى "التلقائية/العفوية " ، " حرف (او تحويل)" وكلمة "من الخارج" ( تكتب فى الانجليزية كwithout) from) - المترجم ) وفى الروسية هى كلمة واحدة ) .

ازمة هى سبب قلقه (بصدد العمال) ، تطور هدد رؤيته للعالم وسممت تفاؤله القديم . قاد الاختلاف حول طبيعة الازمة الى انقسام رئيسى داخل شروحات "الكتاب/المرجع الدراسى" . الغالبية نسبت التحول عند لينين الى صعود التحريفيين . يقولون ان لينين كان تحريفيا فى عميق دواخله ، ووافق على ميول العمال المتدرجة نحو الاصلاح ، يبتعدون عن الاشتراكية . يقول ادم اولام بروفسور العلوم السياسية فى هارفارد : " بالرغم من ان المحاججة كانت موجهة نحو التحريفيين الالمان وتابعيهم المفترضين الروس ، لكنه كان هناك اتفاق اساسي بين لنين وادوارد بيرنشتاين : قوى التاريخ لاتجعل من العمال طبقة ثورية ، فالتنظيم العفوى للعمال يقودهم لا الى الثورة ، بل الى الصراع من اجل تقدم او تحسين الاحوال فى المجال الاقتصادى والمهنى . فلماذا اذن يكون برنشتاين تحريفيا ولينين ماركسى اورثودكسى؟ لان برنشتاين يؤمن بضرورة ان يتبع حزب العمال ميل العمال ، وينحنى الى العمالية الاصلانية للعمال الصناعيين ، بينما لينين يعتقد بتحويل العمال القسرى الى الماركسية الثورية " .
التفسير الثانى لتحول لينين الى القلق هو ما يمكن تسميته بتفسير"العامل المغرور" ؛ يقول ريجينالد زلنيك فى نهاية 1890 " علم لينين ان بعض من اكثر العمال صدامية واخلاصا ، منخرطون الان فى رفض درامى لوصاية المثقفين عليهم ، نوع من اتجاه "حب العامل " الذى اعاد ارجاع صدى ميول كهذه فى اجزاء من اروبا ، وهى ميول حاربها لينين بقوة لا تلين"
كان هولاء الاكاديميين - ممن اخترعوا هذه التفسيرات - يرون لينين كشخص مدفوع بعدم ارتياح عميق ، او حتى غضب كبير ، من مشهد العمال يأخذون مصيرهم باديهم . والرغبة فى ابعادهم من المواقع القيادية كنتيجة طبيعية .
اذا هذا التشاؤم اللينينى ( المكتشف حديثا ) قاده الى رفض الماركسية الاكثر تفاؤلا، يمثلها النموذج الديمقراطى الاشتراكى الغربى ، باخلاصه المميز للميول الثورية "التلقائية/العفوية" للعمال . لينين مستعد دائما لاعادة تفسير ماركس ، بينما يدعى – طبعا – انه يتبع المنهج حرفيا وباخلاص .
رَفْضُ لينين للماركسية - كما فهمها الديمقراطيون الاشتراكيون فى غرب اروبا - قاده منطقيا الى رفض البنية الحزبية الشعبية الجماهيرية المفتوحة ، والمنظمة ديمقراطيا ، والمرتبطة باتحادات نقابية مهولة ، وقاد – بالتالى - افكاره نحو الصيغة التأمرية ، وافكار التروييج للثورة ، وفكرة الحزب من نوع جديد يتكون من ثوريين متخصصين ، يتم تجنيدهم من صفوف المثقفين ، يكرسون للنشاط التآمرى (العمل السرى). وبالطبع قاد هذا الى الانشقاق بين من بقوا متمسكين بالديمقراطية الاشتراكية لاروبا المتحضرة ، واولئك الذين جددوا تقاليد روسيا البربرية .
اذا جمعنا كل تاكيدات "الكتاب/المرجع المدرسى " يظهر لنا ان "ما العمل ؟" – ذلك التجديد النظرى و التنظيمى العميق - كدستور للبلشفية والمصدر النهائى للاستالينية . وبطرح الصلة العميقة بين الكتيب والاستالينية تستغنى شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" عن الاشارة الى مركزية الحريات الديمقراطية فى برنامج لينين . بالطبع و من المؤكد ان المتخصصين الذين كتبوا فى التاريخ السياسى للديمقراطية الاشتراكية فى روسيا فى تلك الفترة ، قد انتبهوا الى ان لينين ومجموعة الايسكرا ، اصروا وبقوة على الحاجة الملحة للحرية فى روسيا ، ولكنهم تكلموا عنها بطريقة لا تعلنها بوضوح . فقد وضعوا اقل قدر من التاكيد على موضوعة الحرية ، بينما وضعوا تاكيدات عالية لاقل تلميح ( باهت فى كثير من الاحيان) يشير الى قلة صبره ، يريد تخطى المراحل ، يقفز الى الاشتراكية ..الخ . واحيانا يصيبك الانطباع بان اصراره على الحرية السياسية اصبح يبدو قطاعيا وطائفيا .



يتبع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاربعاء يناير 18, 2017 6:58 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع



التفسيرات من قبل الناشطين (كليف ، مولينو ولابلانك واخرين ) ترفض قطعيا الصلة بين " ماالعمل؟" والاستالينية . الصورة الكلية للينين تتعارض بقوة مع صورة الاكاديميين ، ومع ذلك و فيما يخص الموضوع الخاص ب"ما العمل؟" فان التعارض اقل قوة من التقاطع مع الاكاديميين ، مع اختلافات بسيطة. يحكى الناشطون الحكوة التالية :
عانت الديمقراطية الاشتراكية فى غرب اروبا المؤسسة على الماركسية ، من رؤية للتنظيم السياسى تقريرية ومميتة . التجاوز العظيم الى التنظيم الطليعى اتى به لينين فى "ما العمل؟" ، بالرغم من ان لينين لم يكن واعيا بفرادته واعتقد انه كان يطبق مفاهيما ماركسية قياسية . إتجه لينين فى ذلك الانجاز الى إنتاج معادلات او نماذج او مقولات بصدد التلقائية/العفوية ودور المثقفين ، كانت احادية الجانب وبالتالى خاطئة . ولكنها فقط طرائق لينين فى فعل الاشياء ، فى التصرف . فهو يتجة بعيدا فى اتجاه معين يحتاجه فقط للتاكيد على نقطة محددة . فى 1902 احتاج ان يتجه بعيدا نحو تأكيد اهمية المركزية ولذلك اكد اهميتها فى كل منعطف .
قادت مقولات لينين الى انقسام الديمقراطية الاشتراكية الروسية ، وذلك لان المنشفيك استمروا مخلصين للموقف الديمقراطى الاشتراكى السلبى الجبرى الحتمى الاقتصادوى المرتبك الذى يحدد العلاقة بين الحزب والطبقة ، ولكن مواقف لينين استمرت فى التطور ، تحديدا فى استجابة لثورة 1905 ‘ حيث تخلص من الصفوية التى شابت "ما العمل؟" و "خطوة الى الامام .." ‘ لقد تقدم كثيرا امام البولشفيك ، فعندما اراد ادخال عمال اكثر فى لجان الحزب ، عارضه زملاؤه الذين لازالوا يتمثلون روح "ما العمل؟" .

اذا يتفق الحركيون مع الاكاديميين فى ان لينين انجز تجاوزا اصيلا ولكن بشكل عفوى فى مجال التنظيم الحزبى . وقد مثل التنظيم الطليعى قطعا بائنا مع التقاليد فى غرب اروبا . كما يتفقان ان معالجات لينين لمسالة التلقائية والوعى هى جوهر "ما العمل؟" ، وفى هذا الصدد يتفق الحركيون والى حد كبير مع الاكاديميين على انها صفوية ، ويتمثل الفرق فى ان الحركيين يعتقدون بان لينين راى لاحقا انها وحيدة الجانب ، وبالتالى لا يمكن الزعم بانها تمثل قلب رؤيته . واخيرا يتفقان بان الرسالة التى قدمها الكتيب هى "القلق بصدد العمال " ، واحتاج الامر ثورة 1905 ليغير رايه ، وبالرغم من ذلك استمر رفاقه فى ابعاد العمال عن اللجان الحزبية.

كما يجب ان يكون واضحا الان، فانا ارفض كل المقترحات المركزية لتفسيرات "للكتاب/المرجع المدرسى" . الفكرة المفتاحية لرؤية لينين لم تكن القلق بصدد العمال ، بل الفرح بامكانياتهم ووعدهم . المعالجات الخاصة بالتلقائية/العفوية لم تكن قلب "ما العمل؟" وانما هى بعض ما علق من مناظرات وحجاج هجومى (فلو ان خصم لينين بوريس كريشيفسكى لم يستخدم الكلمة فى نقده للايسكرا الذى نشر فى سبتمبر فى 1901 ، لما ظهرت فى الكتيب الذى نشر بعدها فى غضون بضعة شهور ) . لقد كانت تلك صيغا مربكة ، ويجب وضعها بين قوسين حتى يتم اعتبار كل الادلة الاخرى بصدد رؤية لينين . لم يكن "ما العمل؟" استجابة مكتئبة لازمة ، وانما استجابة مشرئبة لفرصة مواتية . لم يرفض الكتيب النموذج الغربى للحزب الديمقراطى الاشتراكى ، بل استحضره فى كل منعطف . من المؤكد ان لينين دعم فكرة الحزب الطليعى ، لان ذلك كان الفهم العام لماهية الحزب الديمقراطى الاشتراكى . لم يؤيد "ما العمل؟" مركزية عالية او حزب تآمرى صفوى ، متاح فقط للثوريين المتخصصين من الانتلجنسيا . لم تكن المواقف التى طرحت فى الكتيب سببا للانقسام فى 1904 . الموقع المركزى للحرية السياسية فى البرنامج اللينينى ، تجعل من المستحيل خلق اى صلة مباشرة بين "ما لعمل؟" والاستالينية .

كيف لهذا الاتفاق و لهذا الخطأ ان يتم ويستمر لكل هذا الوقت الطويل ؟ ان الرؤية السياسية لهؤلاء الكتاب لايمكن ان تكون حاسمة فى تقديم تفسير ، بالذات اذا اعتبرنا التحالف الغريب المذكور عاليه بين الكتاب المنحازين ضد لينين والاخرين المنحازين له . احد تفسيرات هذا الاتفاق إنه يرجع الى تحالف مشابه قام فى 1904 . ففى ذلك الوقت كان تروتسكى ولوكسمبورج – وهما من ابطال الناشطين الحركيين – مناشفة ، او على الاقل مستعدين للعمل معهم لمنازلة لينين . وتستمر حتى الان مجموعة صغيرة من الجمل من تروتسكى ولكسمبورج يتم الاستشهاد بها لتصبح جزءا من دعائم شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" .

سبب اخر هو الافتتان العام بالسؤال الخاص باتجاهات لينين حول "التلقائية/العفوية" . وهو تمرين غير منتج – لاسباب ساذكرها لاحقا - فواحد من النتائج السيئة للتركيز الحصرى على هذه القضية ، هو صغر حجم وشح القاعدة النصية التى تم استخدامها لتأكيد وجهة نظر لينين ، حيث ان لينين – وببساطة - لم يتحدث كثيرا عن هذا الموضوع . هما فقرتان ، بابعاد كل شئ اخر فى الفصل الثانى من الكتتيب . فصل واحد اذا استبعدنا باقى الفصول ، كتيب باستبعاد كل شئ اخر كتبه لينين فى الايسكرا فى الفترة (3-1900) . ولا عجب ان تظهر بعض المفاجأت عندما ناخذ فى الحسبان مجموعة اوسع من اثار لينين المكتوبة . واهمال كتابة لينين فى الايسكرا فى تلك الفترة يثير الدهشة والاستغراب بالذات فى موقف الناشطين.

لايمكن فهم لينين فقط بقراءة ما كتبه . ثلاث محتويات او اطر اساسية تم تجاهلها بشكل كبير بواسطة شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" . الاطار الاول الديمقراطية الاشتراكية العالمية – اسميها الرؤية الايرفورتية . شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" كما شروحات الناشطين لهما دوافع مختلفة للتجاهل هذا الاطار . بستمتع الاكاديميون المتخصصون فى دراسة روسيا بتقفى الجذور الروسية لتفكير لينين ، ويميلون الى عدم تحصيل معرفة تفصيلية بالديمقراطية الاشتراكية الالمانية . ااما لناشطون التروسكيون فقد ورثوا ازدراءا للاممية الثانية ولكاوتسكى تخصيصا ، وعفاهم هذا من اجراء اى بحث حقيقى لارائهم الفعلية .

والاطار الثانى هوالعاصفة الثورية المتنامية فى روسيا فى منعطف القرن . بالطبع كان جمع المتخصصين على معرفة بالازمة الروسية ، تراكم زخمها المتوهج فى 2-1901 ، ولكن يبدو ان ذلك لم يكن له اى تأثير فى عرضهم لصورة لينين كرجل يملاء الفضاء باغنيته القلقة . ففى الوقت الذى كتب فيه "ما العمل؟" كان كامل براح الفكرة الثورية مدعوما وزاخرا بالطاقة من وراء وبسبب رغبة العمال فى اظهار عدم الرضى السياسى الغليظ فى الشوارع العامة .

الاطار الثالث هوالافتراضات المشتركة بين المساهمين فى الجدال الحامى وسط الديمقراطيين الاشتراكيين . فاذا لم نلاحظ ان الجميع اعتقد ان تنفيذ النموذج الالمانى لايمكن ان يتم الا فى صورة مشوهة سرية تعمل تحت الارض ، فاننا سنضيع اهمية اطروحات لينين . اذا لم نعقل ان لينين اعتقد كليا ان قراؤه وحتى خصوصمه سيرون سوء الاقتصادوية ، فاننا سنضيع او نخسر اهمية مجادلاته .

فكرة "المرجع المدرسى" عن القلق بصدد العمال :
ادم اولام هو من حولها الى ثيمة اساسية فى "المرجع المدرسى" . يقول : " ‘ لمحاربة التلقائية/العفوية ..‘ العبارة الادبية التى تقترب من ان تكون سخيفة ، وبطريقة تتضاعف فى الظروف الابتدائية لصياغتها او لانتاجها . من سيحرف الحركة العمالية المتنامية فى روسيا من مجراها الطبيعى ؟ مجموعة من الثوريين لا تتعدى قبضة اليد - بعضهم فى سجون القيصر - يعملون من خلال جريدة تطبع فى الخارج . لكن العبارة الادبية هذه تحتوى جوهر اللينينية ، اى التصور :ان التطور الطبيعى للقوى المادية ، والاستجابة الطبيعية من الناس لذلك التطور ، سوف – وفى الوقت المناسب – تقود بعيدا عن توقعات ماركس بصدد اثار التصنيع فى العامل . انت لا تهجر الماركسية لانها اخفقت فى ان تتنبأ بسيكولوجية العامل فى دولة صناعية متقدمة . انت ‘تحسن ‘ وتطور هذه السيكولوجية فى اتجاه ثورى بوسائل حزب . انه اداء غير منطقى بامتياز . انت ترفض الافتراضات الاساسية لايديولوجيتك ، ومع ذلك تدعى الاستمساك بارثودكسية صلدة . حجتك عقلانية ومادية ، ومع ذلك تذهب ناشرا لاسطورة الثورة ، وضرورتها ، التى اكدّتَ – قبل لحظة مضت – ضرورتها التى سوف يحسها العامل بشكل اقل فاقل . "

احيانا يقترحون افتراضات لم يتفوه بها لينين . مثلا ريتشارد بايبس يلخص مقالة للينين كتبها فى 1899 بالقول بان " افتراض لينين غير المصرح به ان اغلبية الشعب هى فعلا او امكانا رجعية ، نتيجته غير المنطوقة هى ان الديمقراطية تقود الى الرجعية ". ذلك صحيح تماما ، فلينين لم ينطق هذه الافتراضات ابدا . افتراضات لينين المنطوقة كلها كانت بصدد غالبية الجماهير تقتحم قلعة الاستبداد من اجل تحقيق الحرايات السياسية الديمقراطية ، باعتبارها الخطوة الضرورية التالية نحو الاشتراكية .

احيانا اخرى يتم التعامل مع الادلة المباشرة – يتم اعادة تفسيرها - لتؤكد ان لينين كان يطرح وجهات نظر مختلفة ، بطريقة تجعل منه غير مفهوما ، ومن حججه صيغا مفككة لايجمعها اى رباط . نقرأ فى كتاب مهم فى التقاليد الاكاديمية كتبه الفرد مير (Alfred Meyer) بعنوان اللينينية ، ان لينين اتجه لافتراض ان العامل مصاب والى الابد بعلة الوعى غير الكافى ، بغض النظر عن مدى سؤ ظروفه . ومع ذلك – مرة اخرى ، لان مير عارف واكثر وعيا من الغالبية – يبدا مباشرة بجعل لينين غير مترابط . ويضيف مباشرة : " كماركسى ارثودوكسى ، ينفى لينين الموضوعة التحريفية الخاصة بفقد العمال لوعيهم الطبقى (او انهم لم يمتلكوه بداءً) . ثم بعد قليل نقرأ :" بينما هى حقيقة انه بشكل عام نفى العقلانية كصفة للعامل ، ولكنه لم يحافظ على هذه الوجهة بشكل يخلو من التردد . بل على العكس سمح لنفسه ان يقاد بعيدا بتقييم متفائل غير عادى للوعى العمالى " !

تصر تقاليد " القلق بصدد العمال " فى الاكاديميا المعاصرة ، على فكرة عدم التماسك عند لينين . وقد طرحت الدراسات الاكاديمية الباكرة نوعا من التحول المفاجئ عند لينين بعد "ما العمل؟" . ولكن حديثا زاد عدد مرات التحولات والتحولات المضادة بشكل كبير . كتب روبرت ماير و آنا كرايلوفا دراستين منفصليتين ، قدما فيهما ما اسميه فرضية التخبط مزدوج الوجه : عانى لينين ازمة قناعات مباشرة قبل "ما العمل؟" ثم مر بتغيير جذرى فى ارائه بعد ذلك مباشرة ، مما يجعل "ما العمل؟" غير مرتبط بماضى لينين ولاحاضره . فكريلوفا مثلا، تقرر ان وجهة نظر "ما العمل؟" فى العمال هى ‘متناقضة بشكل صارخ ‘ مع كتابات لينين السابقة ، وان "ما العمل؟" فى حد ذاته يمثل ‘ انسايكلوبيديا ‘من الشك الحداثى ، وانه مباشرة بعد نشر "ما العمل؟" وضع لينين حدا لشكوكه بتبنى وجه نظر جديدة كليا للعمال ، باعتبارهم محفزين تماما بغريزة طبقية .

ومن الطرق الاخرى لاستبعاد او تجاهل الادلة الشاذة بخصوص افكار لينين، هى الادعاء وببساطة ان لينين كان منافقا ، بوعى منه او بدون وعى . فوفقا ل ريجينالد زلنك (Reginald Zelnik) لم يكن باستطاعة لينين ان يكون واضحا فى التعبير عن قلقه بخصوص العمال ، وذلك بسبب المترتبات السياسية الخطرة للافصاح عن افكاره الحقيقية ، حتى لنفسه . نفس الموقف يعبر عنه الناشطون ، وكأنهم يعرفون قناعات لينين افضل مما يعرفها . يكتب جون مالينو مثلا " لم يكن لينين يعى فى تلك المرحلة ( 1904) انه انحرف – باى درجة اساسية – عن الارث الديمقراطى الاشتراكى " وبالتالى ربط نفسه بالمساق العام للحزب الالمانى ونجومه ككاوتسكى واوغسطت بيبل . وهنا نحن نترك مع الصورة التالية : لم يكن هناك فى روسيا من قراء نصوص كاوتسكى الواسعة بشكل منتبه وكثيف وبكل الاعجاب كلينين ، ومع ذلك يبقى كليا غير منتبه للانحرافه الاساسى عن كاوتسكى ! .

‘ثنى العصا‘ (Bending the stick) من طرفها فى اتجاه محدد ؛( والمقصود بالعبارة ان لينين كان يستخدم المبالغة لشد الانتباه لموضوعة محددة ، او التركيز حصرا على موضوعة واحدة وغض النظر عن المواضيع الاخرى . ثم بعد ذلك يتجه الى وضع العصا لاصلها المستقيم - المترجم) كانت الجهاز المفضل للناشطين لتفسير ما يسمى بالاشياء الشاذة (anomalies) . بالطبع فان لينين اتجه لوضع تأكيدات حصرية فى بعض الاوقات على نقطة او عدد قليل من النقاط . بالتأكيد نحتاج ان نضع ذلك فى الاعتبار ، عندما نحاول أن نفهم تصريحاته . بالرغم من ذلك فان ذلك الرجوع المتكرر الزائد الى تفسيراته ، ينتهى بأن يجعل لينين يبدو كقائد غير كفؤ وغير مفهوم . تونى كليف من كبار المقدرين للينين ، ومع ذلك فأن تصويره له فى الفترة من1895 الى 1905 لا ينتج صورة جاذبة ؛ حيث يكتب ان لينين اعتقد فى 1895 أن " الوعى الطبقى ، متضمنا الوعى السياسى ، يتطور اتوماتيكيا من ثنايا الصراع الاقتصادى " . وبعد عدد من السنين ابتعد من تلك القناعة المتطرفة . بكتب كليف " انه ذلك الخوف على الحركة من نمو الاقتصادوية الروسية والتحريفية الالمانية فى النصف الثانى من 1899 ، هو الذى حفز لينين لثنى العصا مرة اخرى بعيدا عن التلقائية ، والصراع الاقتصادى اليومى المجزأ ، وفى اتجاه تنظيم الحزب السياسى فى نطاق الوطن " . ‘ان ثنى لينين للعصا حتى تصل الى التأكيد الزائد الميكانيكى فيما يخص التنظيم فى "ما العمل؟"‘ كان عملا ‘اجرائيا مفيدا تماما ‘ ، حيث أن ‘الخطوة الضرورية الان ، كانت للنهوض ، على الاقل فى جانب الوعى السياسى للجماهير، بشغف للفعل السياسى ‘ . ولكن ، كما يوضح كليف بجلاء ، فى الوقت الذى جلس فيه لينين لكتابة "ما العمل ؟" كانت الاقتصادوية فى حالة من واضحة من التضعضع ، ‘ وقد اصبح العمال القوة النشطة للمعارضة السياسية للقيصر ‘ واضح جدا هنا أن لينين كان بعيدا عن الواقع ، حتى إنه ثنى العصا بالتحديد فى الاتجاه غير المرغوب !

استخدم لينين شخصيا صورة ‘ ثنى العصا ‘ فى بعض تعليقاته على "ما العمل؟" . وبناءا على اهمية هذه الصورة فى التناول للكتيب ( بالذات من قبل الناشطين الحركيين) فانه يجب ام نكون واضحين تماما فى قناعاتنا بصدد مالذى قاله لينين على وحه التحديد . فهناك طريقتين لفهم صورة ‘ ثنى العصا ‘ . فلو ثنيت العصا فى اتجاه ما ، فانت تثنيها فى الاتجاه الاخرلارجاعها الى الوضع المستقيم ، وفى هذه الحالة فانت تشرح لماذا ثنيتها فى هذا الاتجاه تحديدا وليس اى اتجاه اخر ، او – بشكل اقل مجازا – لماذ اخترت ان تحدد بعض النقاط من دون النقاط الاخرى . او – الطريقة الاخرى – ان العصا ثُنيت بحزم فى احد اتجاهات ، وانه عليك ان تثنيها بشدة فى الاتجاه الاخر ، فى توقع انه وفى حالة اطلاقها فانها ستستقيم . اى وبشكل اقل مجازا ، فانت تبالغ او تعمل على زيادة تأكيد وجه نظرك لتلفت انتباه الناس اليها .


يتبع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الجمعة يناير 27, 2017 10:41 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


اعادة اكتشاف لينين :
الى الان ، يبدو الامر وكانى الشخص الوحيد فى مجابهة المجال الدارس للينين ، ولحسن الحظ فالامر ليس كذلك . فالدراسة هذه تمثل جزءا من تقاليد التفسير الممتدة لكتيب "ما العمل ؟" ومنذ تاريخ صدوره . وفعلا عندما ننظر الى تفسيرات " الكتاب/المرجع المدرسى " فاننا نجد انها تحتل موقعا فى الاقلية .
لقد رأينا كيف ترجع تفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " الى منشورات لوكسيمبورج وتروتسكى فى 1904 . هناك مفارقات مرتبطة بوضعهم كأيقونات رسولية اطلقت سراح العواقب الشيطانية ل "ما العمل ؟" . لم تذكر مقالة لوكسيمبورج كتيب " ما العمل ؟ " مطلقا ، وحصرت مقالة تروتسكى نقدها فى ضربات طائشة لبعض من ملاحظات لينين العابرة . وجّه المقالان ضرباتهما على خطايا لينين الانقسامية فى اثناء وبعد المؤتمر الثانى فى اغسطس 1903 ، ولم يبذلا جهدا لارجاع تلك الخطايا الى كتيب " ما العمل؟" . والاكثر اهمية – اذا استمعنا لما يقولانه فعلا – نجد ان نقدهما للينين يسبب اضرارا مميتة لتفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " . والمثال الناصع هنا هو دور المثقفين ، طالما ان لوكسيمبورج وتروتسكى هاجما وبضراوة عداء لينين للمثقفين . وسنرى لاحقا ان لوكيمبورج وتروتسكى يشاطران عددا من تفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى" يرونها كخصائص فريدة لصفوية لينين .
وفى الاثناء ، يتم تجاهل كامل لقراءة متسعة انجزها احد خصوم لينين لكتيب " ما العمل ؟ " . ففى سلسلة من المقالات فى 4-1905 نشرها الكساندر بُتريسوف – عضو مجلس تحرير فى جريدةالايسكرا ( الشرارة ) مع لينين ، وخصم لاحق – حلل فيه " ما العمل ؟" كتعبير كلاسيكى عن الرومانسية الفخيمة ، والتفاؤل الخادع للذات من قبل النشطين فى العمل السرى ( او تحت الارض) . فاولئك الناشطون (practiki كما يكتبها لى – يشرحها لاحقا – المترجم) امتلكوا فكرة غير حقيقة لما يمكن انجازه ، والدعم الذى يمكن توقعه من قبل الجماهير . صحيح ان لينين انتقد الناشطين وبشكل حاد ، ولكن ذلك كان على طريقة المدرب الرياضى قبل بداية الشوط الثانى ، يملأ لاعبيه بالحماس المستشيط ، يحرضهم بانه يمكنهم ان يؤدوا بشكل افضل ، بشكل افضل كثيرا مما فعلوا .. وعليه فإن هذا الطقس جعل من لينين بطلا ، بالتحديد للاولئك الناشطين.
لقد اظهر نقد بُتريسوف المعادى ولكن المفكر ، نقطة مهمة . ان الطعنة النجلاء التى تهدف تفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " لتوجيهها ، هى ان تشاؤم وعدم ثقة لينين فى الجماهير هى شيئا سيئا . وبالنتيجة فان اى قراءة تؤكد ثقة لينين فيهم تعتبر قراءة متحيزة للينين . هذه الدراسة ليست ضد او مع لينين . هدفها ان تعطى رصدا دقيقا لرؤية لينين وتقريراته العملية فى مجرى تجربته . يفتح بوتريسوف امكانية ان ثقة لينين كانت رؤية خاطئة للواقع ، قادرة على تسبيب الاضرار العميقة ؛ وهذه الامكانية لايمكن قياسها الا فى مجرى الاعتبار الواسع الكلى لجامع الحياة العملية للينين .
تحليل مطول اخر لكتيب "ما العمل؟" جاء فى 1905 من ناشط جورجى مغمور حينها ، اسمه دزوجاشفيلى (Dzugashvili ) عرف لاحقا باسم استالين . قدم استالين دفاعا حيويا عن " ما العمل؟" ضد نقاده المنشفيك ، الذين اعتبروا الكتاب معاديا للعمال . بالرغم من ان استالين كان بلشفيا شرسا إلا ان دفاعه عن الكتيب توافق مع تحليل بوتريسوف فى نقطة رئيسية : ثقة لينين فى قدرة العمال على ايصال الرسالة الديمقراطية الاشتراكية . لقد كانت مقالة استالين مساهمة فى المناظرات الجدالية التامة فى 1904-1905 التى خاضتها مجموعة لينين (مثل بوجدانوف ، فوروفسكى وليادوف) . ولم تكن كتابات اولئك البولشفيك تدافع عن اى شئ يشبه شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" باى درجة من الدرجات.
انتقلت حركة الديمقراطين الاشتراكيين بعد 1905 الى قضايا اخرى وازمات اخرى ، ولم يجر ذكر "ما العمل ؟" مرة اخرى ، حتى من قبل مؤلفه ، خارج اطار تاريخ الحزب . وباسترجاع الذكرى ، فقد راى اقرب العاملين معه وكاتبى سيرته ( زينوفيف ، كامينيف وكروبسكايا ) فى الكتيب وثيقة مميزة ، ولكنها – بالتاكيد – ليست وثيقة متجاوزة او وثيقة دستورية للبلشفية . تمثل عبارة زينوفيف مدخلا مناسبا لعرض وجهة نظرى بصدد الاختلاف بين الارثودوكس والاقتصادويين :
سيقول الناقد الاقتصادوى : ‘ ماذا يعنى ، فى وجهة نظركم ،
ان الطبقة العاملة هى المسيح؟‘ على ذلك نحن اجبنا ونجيب الان :
ان المسيح والمسيحية ليست لغتنا ونحن لا نحب مثل تلك الكلمات؛
ولكنا نقبل المفاهيم التى تحتويها: نعم الطبقة العاملة وبمعنى محدد
هى المسيح ودورها هو دور مسيحى ، لانها هى الطبقة التى ستقوم
بتحرير العالم اجمع ... نحن نتفادى المصطلحات شبه الدينية كالمسيح
والمسيحية ، ونفضل المفاهيم العلمية : الهجمنة البروليتارية .
قد يكون ممكنا تحديد الدور الذى لعبه " ما العمل ؟" فى البلشفية اللاحقة ، بالنظر لمساهمة الاجيال التى اتت الى الحزب بعد جيل زينوفيف ، مثلا نيكولاى بوخارين والذى انضم للحزب بعد 1905 بعد ان جاءت ومرت دورة "ما العمل؟" . اذا كانت هناك اشارة واحدة للكتيب فى كل كتابات بوخارين ، فاننى لم اعثر عليها . الكتيب غائب عن لستة الكتب الدراسية التى تقدم للقادمين الى الحزب ، والمضمنة فى المطبوعة الحزبية ‘ الف باء الشيوعية ‘ والتى ساهم بوخارين فى كتابتها فى 1919 . كتب بوخارين مرتين عن وضع لينين كمنظّر اصيل ، وعن مساهمته فى المعرفة الماركسية ؛ وفى المرتين لم يذكر " ما العمل؟" ، بل لم تظهر موضوعة التنظيم الحزبى اطلاقا .
اذن "فالكتاب/المرجع المدرسى" ، هو - وبشكل عام - اختراع انتجته ظروف ما بعدالحرب . صعد الى منطقة زاعقة ، واحد اسباب صعوده هو النسيان العظيم لما مثلته الديمقراطية الاشتراكية الدولية ما قبل الحرب . وقد سببت رياح ثورة اكتوبر ذلك الفقد العظيم للمحتوى ، حيث انها قسمت اليمقراطية الاشتراكية الى قسمين ، واعطت الاسم ‘ الديمقراطية الاشتراكية ‘ للقسم المعتدل . وفى اليسار خلق اولئك الذين لم تكن لهم جذور عميقة فى الدولية الثانية ( لوكاتش ، جرامشى وكارل كروش) نظرية ، اقترحت ان اللينينية هى الرفض المبدئى للماركسية القدرية التى وسمت الدولية الثانية وكاوتسكى تحديدا . وهى نظرية لم يشاركهم فيها لينين . وفى نظرى ان الاصرار على رؤية تباعد عظيم بين تروتسكى فى جانب ، ولينين ، تروتسكى ولوكسمبورج فى الجانب الاخر قد اصابت الناشطين فى التقاليد التروتسكية بسؤ فهم عميق لابطالهم . نسيان عظيم مشابه تم فى التقاليد الاكاديمية ، بسبب التركيز الحصرى على روسيا ، مما انتج سؤ فهم اعمق لابطالهم المناشفة والاقتصادويين .
لم تمر شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" فى الحقل الاكاديمى بعد الحرب بدون تحديات . فقد تمكن اثنان من معلمىً من الجيل الذى خلق "الكتاب/المرجع المدرسى" هما جون بلاميناتز (John Plamenatz ) و روبرت تاكر (Robert Tucker ) ، من رؤية الحماس والضرورة وراء "ما العمل؟" . وفى السنين القريبة استمرت فى الظهور تحديات مُصّرة وراكزة تواجه شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" يحفل بها الدرس الاكاديمى . ولم ينتج عن ذلك اى نوع من النقاش الاكاديمى بين هاتين الوجهتين حول معنى الكتيب . فالمناصرون لتفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى " لم يلتفتوا لاى تحدى معتبر واجه شروحاتهم المستقرة . كما اسلفت ، إنه من الصعب العثور على اى تحليل مناقش للكتيب فى مرحلة دورة لايسكرا او الادب التاريخى عموما . لم يطلع اى من المُتحَدّين بوظيفة وضع " ما العمل؟" فى محتوى تاريخى ، او شرح تلك الفقرات التى جعلت من شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" امرا ممكنا ( وهى التصدى للعفوية ، الوعى من الخارج ، تحويل الحركة العمالية ، وما شابه ) وهذا ما ستتصدى له هذه الدراسة .
تعليق وترجمة :
يقوم الكتاب على ثلاثة اجزاء . يتفحص الجزء الاول الديمقراطية الاشتراكية القائمة على البناء النظرى لماركس . اقترحُ مصطلح الايرفورتية كلافتة لهذا البناء النظرى ، واطرح لينين كايرفورتى روسى ، رأى الديمقراطية الاشتراكية الروسية كحلقة من سردية كبرى . كان لينين بين 1900-1903 عضوا فى هيئة تحرير جريدة الايسكرا ( الشرارة) غير القانونية . وطالما رأى الجميع "ما العمل؟" باعتباره التعبير الكلاسيكى عن رؤية الايسكرا ، فقد كرّستُ فصلا لشرح تلك الرؤية وتفاعلها مع الازمة الثورية المتنامية فى روسيا .
يفحص الجزء الثانى المحتوى الجدالى المباشر ل "ما العمل؟" ، وذلك بالنظر الى الاطراف المجادلة الرئيسية فى الحزب الديمقراطى الاشتراكى الروسى ، الذين وصل لينين الى تحديد مواقفه فى المناظرات ضدهم . قام الصراع بشكل اساسى حول جدوى نموذج الحزب فى التربة الروسية ، بالتحديد فرص الانتشار الناجح للوعى الديمقراطى الاشتراكى فى روسيا .
يستكشف الجزء الثالث عالم "ما العمل؟" ، النظرة للعالم المضمنة فيه ، ومصادر طرحه التنظيمى . عقد الحزب العزم على الجمع بين اساليب العمل السرى ومهام غرز الجذور الاشتراكية فى الارض العمالية ، امرٌ شهدت به بعض النجاحات فى بقاع متناثرة فى روسيا فى التسعينات (1890) . كانت مساهمة لينين هى جعل اسس هذه المؤسسة الجديدة مشهودةً ، وبنيةً راسخة ، بالاتكاء عليها والانطلاق منها ، يمكن للناشطين ان يجترحوا المعجزات .
ملحق مع الكتاب ترجمة جديدة لنص "ما العمل؟" من الاصل الصادر فى 1902 . توجد الان اربعة ترجمات الى الانجليزية ، ظهر اولها فى 1929 عندما ترجمت اعمال لينين الى الانجليزية والالمانية والفرنسية بواسطة السلطة السوفيتية . انجزت النسخة الانجليزية بواسطة جو فاينبرج ، والذى قام باختيارات الترجمة الابتدائية ، وهى التى حكمت كيفية قراءة " ما العمل ؟" بالانجليزية ومنذ ذلك الوقت . ما تلى ذلك من ترجمات ادخلت تعديلات غير جوهرية ولكنها احسن حالا . هدفت الترجمات الى جعل لينين مقروءا ومفهوما بدون اللجؤ الى تعليقات وشروحات واسعة . هى بلا شك ترجمات مفيدة ، اقر بالدين لها وانا اترجم النص من الروسية مباشرة .
تظل الحقيقة البسيطة ان " ما العمل ؟" كتيب لايمكن فهمه بدون شروحات واسعة . تسعى هذه الترجمة الى تحقيق اهداف مختلفة ، هى الاتساق و الجلاء فى المصطلحات الاساسية . وهو هدف يقتضى اولا اختيار ترجمة محفزة للمصطلحات المفتاحية . ثانيا ان يتم اجلاء (او مقابلة) المصطلح الروسى بنفس الكلمة الانجليزية ، كما لايتم استخدام الكلمة الانجليزية لاجلاء اكثر من كلمة روسية . ثالثا : يتم ترجمة الكلمات الروسية ذات الارتباط القريب ببعضها بطريقة تحفظ تلك الصلة بينها ، كلما امكن ذلك .
التباين بين "الوعى" و"التلقائية" يعطى مثالا مركزيا لاهداف الترجمة . فهو تباين مصيرى بالنسبة الى شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" ، ومع ذلك لا يحظى القارئ المحصور على النص الانجليزى بفهم مناسب له . فمن ناحية فالكلمة الانجليزية (consciousness) اى الوعى يمكن ترجمتها الى مصطلحين روسيين مرتبطين ولكنهما متمايزين تماما (soznanie) و (soznatel'nost ) . وبعد اعتبار جاد لاستخدامات لينين لهذين المصطلحين قررت استخدام ‘ الانتباه ‘ للاولى (اى awareness) و ‘ الاستهداف ‘ (اى purposiveness) للثانية .
من الناحية الاخرى فالكلمة الروسية التى ترجمت الى التلقائية (او العفوية ) وهى كلمة (stikhiinost) يتم ترجمتها احيانا الى صيغة الوصف ك ‘ابتدائى‘ او ‘اولى‘ ( elemental) . وقد يئست من ايجاد ترجمة مناسبة للمصطلح حيث انه مشاكس يلتف فى خصوصياته وعصىٌ على فرض فهم له من خلال الترجمة ، فاحتفظت بالكلمة الروسية .
اذا فى التراجم الانجليزية تمثل كلمة انجليزية واحدة (consciousness) كلمتين روسيتين متاميزتين ، بينما كلمة واحدة روسية (stikhiinyi) يتم التعبير عنها بكلمتين انجليزيتين متمايزتين ((spontaneous and elemental) اى (تلقائى وابتدائى/أولى) . اللغة الانجليزية تقابل بين الوعى والتلقائية ، وبالتالى تحدث تشويها ما يسكن فى ثنايا نص لينين .
احيانا تقوم الترجمات الموجودة بلف بعض المصطلحات فى دثار الغموض ، فمثلا الكلمة الروسية konspiratsiia تتم ترجمتها الى الكلمة الانجليزية 'conspiracy' اى المؤامرة . وهى لاتعنى كذلك ابدا ، فهى تشير الى القوانين والاجراءات الواجب اتباعها حتى تستطيع المنظمة العاملة تحت الارض البقاء والاستمرار ، تعنى تحديدا الفن الراقى لتفادى الاعتقال . الترجمات الاولى كانت منتبهة لهذا المعنى ولذلك تُرجمت الكلمة احيانا الى السرية .
وبالتالى فالنتيجة تصبح غير مقبولة لاى راغب فى التعامل مع ارث لينين من خلال الترجمة الانجليزية . فبناءً لتفسيرات "الكتاب/المرجع المدرسى" يقف لينين فى "ما العمل؟" مع بنية تنظيمية حزبية قائمة على التآمر . كيف يمكن تقييم هذا الادعاء والكلمة الروسية مخفية ، ولاظهارها احتفظت بالكلمة كما تنطق فى الروسية .
فى بعض الاحيان فالترجمة التى تبدو واضحة يمكن ان تكون مضللة ولحد كبير . فالكلمة الروسية Professiia تعطى نموذجا لذلك ؛ فهى كثيرا ما تعنى – او تقابل الكلمة الانجليزية – trade اى حرفة ، وهى بالتالى تلعب دورا مهما فى بلاغة الكتيب ، بالذات عندما اخذ لينين عن كاوتسكى حجته القائلة بان الصراع الاقتصادى ينحى الى التركيز على حرف محددة ، بينما الصراع السياسى يعمل على توحيد كامل الطبقة . ولكن الكلمة تظهر ايضا فى تعبيره المحتفى به والذى يترجم الى " الى ثوريين بالمهنة " او "الثوريين المحترفين " ولكنى اعتقد انه علينا احترام الربط اللغوى فى نص لينين ، ونترجمها الى ثوريين بالحرفة . وساوضح فى الباب الثامن لماذا تظهر هذه الترجمة - التى تبدو ركيكة - اقرب الى نية لينين . وهناك قاموس للمصطلحات يحوى كل الترجمات المغايرة والمختلفة عن الترجمات السابقة ، وتوجه القارئ الى المناقشات المرتبطة فى التعليقات المصاحبة .
تحتوى الترجمة على مجموعتين من الشروحات . تختص الاولى بفقرتين ، اما الثانية فتختص بباقى الكتيب . اسمى الفقرتين ب "الفقرات الفضائحية " – وهى الجمل التى يتم تدويرها بشكل لا نهائى الخاصة ب "من الخارج" (from without) و"محاربة التلقائية" ، وهى قلب شروحات "الكتاب/المرجع المدرسى" ، وقد كرست لهما قراءة مطلوبة لاجل فهمها بشكل صحيح .


انتهت المقدمة
نواصل مع عرض بعض من الكتاب
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاحد فبراير 05, 2017 2:05 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

يكتب لارس لى عن تاثر لينين الكبير بالايرفورتية بعد اطلاعه على مساهمة كاوتسكى المعمقة التى كرسها لمناقشة قرارات احد مؤتمر الحزب الديموقراطى الاشتراكى ، وانتجت كتابه " برنامج ايرفورت ". وقد ترجم لينين المساهمة الى الروسية . يقول لارس لى ان المساهمة جعلت من لينين ايرفورتيا قحا ، لانه راى فى تجربة الحزب الالمانى نموذجا يمكن ان يقدم اجابات لاسئلة تطرحها الحركة الثورية فى روسيا . مساهمة كاوتسكى توفر المحتوى الذى بدونه لايمكن فهم نص لينين فى "ما العمل ؟"
فى الفصل الثانى يعرض لى مفاهيم كاوتسكى ، ونعرضها بشكل سريع فيما يلى
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاحد فبراير 05, 2017 2:37 pm    موضوع الرسالة: للايرفورتية رد مع اشارة الى الموضوع


ترد عبارة ‘ الديمقراطية الاشتراكية هى دمج الاشتراكية وحركة الطبقة العاملة ‘ مرارا فى كتابات لينين . يحدد ذات مرة ان ‘ صيغة الدمج ‘ هى مساهمة كاوتسكى لاعادة انتاج الفكرة الرئيسية للمانفستو الشيوعى . وهوهنا يربط بين المانفستو الشيوعى وبرنامج ايرفورت لكاوتسكى . والربط يستحضر التعبير عن فكرة مفتاحية هى فكرة المهمة/الرسالة ، اى المهمة التاريخية للطبقة العاملة للحصول على السلطة ، والعمل على تشييد البنية الاشتراكية . إذ يحدد البيان الشيوعى ان " الهدف المباشر للشيوعيين هو نفسه ذات الهدف تقصده كل الاحزاب البروليتارية الاخرى : تكوين البروليتاريا كطبقة ، الاطاحة بحكم البرجوازية ، الحصول على بنية القوة السياسية "
تشير ‘ صيغة الدمج ‘الى استراتيجية سياسية وتنظيمة ، كثيرا ما اهملها الدرس التحليلى . فهى تشير الى ضرورة توفر بعض الظروف السياسية المحددة ، تقترح مهام سياسية محددة ، وتشير الى ضرورة بناء منظمات محددة ، كما تشير الى ضرورة تقييم قوى اجتماعية محددة وتصنيفها كقوى صديقة او كقوى معادية . ‘ صيغة الدمج ‘ اذن هى عملية لا تتحقق الا فى مجرى العمل لانجازها . وهى بهذا المستوى تعتبر قضية اساسية ، وردت فى المقام العالى فى كتاب انجلز "ظروف الطبقة العاملة فى انجلترا “ والذى اقتطف منه كثيرا كل من كاوتسكى ولينين . بقول انجلز " ان الدمج بين الاشتراكية والشارتية - اعادة انتاج الشيوعية الفرنسية فى انجلترا - سيكون الخطوة القادمة . عندها فقط ستكون الطبقة العاملة هى القائد الحقيقى لانجلترا . وفى الاثناء ستستمر التطورات السياسية والاجتماعية التى تدعم هذا الحزب ، تدعم هذا التجاوز الجديد للشارتية " . وقد مثل هذا بالنسبة لكاوتسكى ولينين جوهرالبنية السياسية الواجب اتباعها . فقد فرغ انجلز هنا من تبيان صيغة الدمج ، فانعكست فى معالجات اقسام البيان الشيوعى الثلاثة . يعالج القسم الاول الخاص ‘ بالبرجوازية والبروليتاريا ‘ الحركة العمالية ، والثانى يعالج موضوعة الاشتراكية ، اما الثالث ‘ الادب الاشتراكى والشيوعى ‘ يعالج السؤال الخاص بكيفية دمج الاثنين ، ويكتمل التعبير عن الاستراتيجية السياسية المضمنة فى صيغة الدمج . كان ماركس قد اشار الى تحطم كل الصيغ الاشتراكية عدا تلك التى تمد يدها الى الحركة العمالية . فهى القوة التى ستعمل على تحرير نفسها كواجبها بالذات ، وهنا تنطرح واجبات الاشتراكيين فى هذا الاطار ، اى الاشتراكيين الذين يقبلون السردية الماركسية ، ينخرطون فى تنظيم الطبقة السياسى لكى تنجز انتباهها الى وضعها ومهمتها ، تنجز وحدتها التنظيمية ، وتحتاز على المعارف المتنامية فى تطور مرتبط بالاشتراكية العلمية . يقول انجلز فى ‘ الاشتراكية : الطوبائية والعلمية ‘ " انها المهمة التاريخية للبروليتاريا الحديثة – انجاز ذلك الفعل الذى يحرر العالم . ان هدف التعبير النظرى لحركة البروليتاريا – الاشتراكية العلمية – هو التفسير الراسخ للظروف التاريخية الخاصة بالفعل التحررى وبالتالى طبيعته . بانجاز ذلك ستعمل الاشتراكية العلمية على تحضير الظروف وتحديد طبيعة الفعل الذاتى للبروليتاريا ، باعتباره الانتباه الى ذاتها كطبقة . وبالرغم من قهرها اليوم ، الا انها مدعوة الى هذا الفعل العظيم " .

يمثل عرض صيغة الدمج عند انجلز وتناولها عند كاوتسكى ولينين ، قضية بارزة فى فى احضار الاهمية القصوى لهما وفهم مساهمتهما ، فقد مثلت العبارة الرئيسية المحددة لجوهر المذهبية السياسية لكليهما . وبالرغم من ذلك ، يكاد يكون مستحيلا ان تجد ذكر لهذه القضية فى اى من الادب المرتبط بتفسرات المرجع المدرسى ، الامر الذى يسمح برؤية " ما العمل ؟" بشكل ضمنى كمساهمة ماركسية تحريفية .
ياتى منطق صيغة الدمج متأصلا وبشكل عميق فى البيان الشيوعى . فالبيان يقرر ان الشيوعيين " يصارعون من اجل تحقيق اهداف ومصالح الطبقة العاملة الواقعة مباشرة على مرمى اليد ، ولكنهم ايضا يمثلون صوت الحركة المستقبلية انطلاقا من صوتها الحاضر " . وتمثل هذه العبارة مشروع الخطة الماركسية المحددة والمؤدية الى الاشتراكية .

تتضمن صيغة الدمج استراتيجية سياسية ، يعبر عنها الشعار المنادى بان تحرر الطبقة العاملة ، هو امر تنتزعه الطبقة بنفسها . ويترتب على ذلك ان مهام الاشتراكيين تتحلق حول تأكيد ان الطبقة " متوحدة فى تركيبها تقودها المعرفة " . تتجلى وحدتها البنائية التركيبية ، فى تنظيمها المنضبط فى اوطانها وبين الامم . ، بينما تقدم الاشتراكية العلمية بنية ومحتوى المعرفة . يقول انجلز " انه نداء التاريخ يوجهه للبروليتاريا الحديثة ، يلزمها بانجاز ذلك الفعل المجيد للتحرر العالمى . ان مهمة الافصاح النظرى لحركة البروليتاريا – الاشتراكية العلمية - هو تقديم الشروحات المعمقة للظروف التاريخية لمهمة التحرر ولطبيعتها . وبانجاز ذلك تجلب الاشتراكية العلمية شروط وطبيعة الفعل الذاتى للبروليتاريا وترفعه الى وعى طبقة يتم استدعاءها لتحقيق ذلك الواجب/االرسالة الكبرى بالرغم من ظروف قهرها القائمة " .

تطرح صيغة الدمج ضمنا – وفقا لماركس فى البيان الشيوعى – ضرورة نضال البروليتاريا من اجل الديمقراطية الليبرالية . فوفقا لاوصافه يقول ان الاشتراكيين هم مجموعة من المثقفين الذين " قاموا بقذف اللعنات ضد الليبرالية ، ضد الحكومة التمثيلية ، ضد المنافسة البرجوازية ، الحريات البرجوازية للصحافة ، الحقوق البرجوازية ، الحريات والمساواة البرجوازية " . كانوا متحمسين لاستخدام المطالب الاشتراكية كحجة لتشويه سمعة اى سعى من اجل الحريات السياسية ، حتى اصبحوا ادوات فى يد طبقة النبلاء والحكومات الاستبدادية الالمانية . يختلف الشيوعيون الالمان عنهم تماما ، " والذين يقاتلون الى جانب البرجوازية – عندما تظهر نفسها كقوى ثورية – ضد الاستبداد الملكى ، ملاك الاراضى الاقتطاعيين والبرجوازية الصغيرة " . لقد كان اصرار الديمقراطيون الاشتراكيون الروس على الحريات السياسية موقفا مبدئيا تتشاركه كل حركة الديمقراطيون الاشتراكيون الماركسية فى اروبا ، الامر الذى ميزهم عن كل الاشتراكيين والثوريين وحركات الطبقة العاملة الاخرى .

فيرديناند لاسال :


استحضره لينين فى بعض الفقرات المهمة فى "ما العمل؟" . لقد كان تاريخه كقائد لحركة الديمقراطية الاشتراكية قصيرا مقارنة بتاثيره . فقد سألته مجموعة عمالية المانية عن رأيه ، بصدد افضل المسارات السياسية للحركة العمالية . فى رده ( اشتهر برسالة مفتوحة ، كما سمى ايضا بالمنفستو ) اقترح لاسال تنظيم حزب سياسى عمالى مستقل يهدف الى تحقيق حق الاقتراع العام . وقد ارتبط شخصيا بعملية بناء الحزب ، والتى انتهت فى غضون اقل من سنتين بوفاته . تمثلت مساهمة لاسال فى منح صيغة الدمج بعدا روحيا عندما تحدث عن مهمة /رسالة الطبقة العاملة ، مربوطة باستراتيجية سياسية مضمنة فى ثناياها ، تعبر عن نفسها على مستوى الوطن . اقترح لاسال الوجود المستقل للطبقة العاملة بحيث تشكل كتلة سياسية رابعة ، تنفصل عن الطبقة البرجوازية التى كانت تمثل الكتلة السياسية الثالثة فى المجتمع الالمانى . تعبر الكتلة الرابعة عن تطابق المصالح الذاتية للطبقة العاملة ، و تضامنها الطبقى فى اتجاهها الى تنفيذ مهمتها التاريخية. حددت رسالة لاسال المفتوحة ان المهمة التاريخية ترسم للطبقة شخصيتها الاخلاقية ، ترفع مبادئ طبقتها الى مبادئ انسانية عامة تقود كلية المجتمع . يقول للحركة العمالية بانها الصخرة التى ستشيّد عليها كنيسة المستقبل . يقترح استمرار حضورهم فى حياة الطبقة العاملة فى المصانع فى اوقات العمل ، فى اوقات الراحة ، فى التجمعات من كل نوع . ويقول ان ذلك هو الطريق لتسريع الوقت تاخذه المرحلة التاريخية لانجاز اهدافها . ليس كافيا تحقيق مصالح حياتية للطبقة ، كما انه لايتطلب تحقيق انفصال الكتلة السياسية الرابعة للطبقة العاملة ، فالاخيرة تهدف الى انجاز حركة سياسية على مستوى الوطن منخرطة فى التحريض العام لكامل الطبقة .
اعتقد لينين ان مساهمة لاسال تمثلت فى وضع الاستراتيجية السياسية المضمنة فى البيان الشيوعى فى متناول النشاط السياسى ، فقد حول فكرة المهمة التاريخية الى سياسة عملية .

حزب من نوع جديد : نموذج الحزب الديمقراطى الاشتراكى

عبر الاشتراكى الامريكى عن اعجابه الكبير بالحزب الديموقراطى الاشتراكى ، وصرّح مأخوذا : هناك فى المانيا اشتراكيون اكثر من اعداد الناس فى اسبانيا او المكسيك ، او من اعداد الناس فى هولندا وبلجيكا والدنمارك والنرويج مجتمعين . وذكر مجموعة خصائص تجعل من الحزب منظمة من نوع جديد لم تعرف من قبل . يقول عن الحزب " يدار بشكل ديمقراطى ، ويمتلك شخصية لم تعرف فى السياسة الامريكية " ويقول كذلك " ينجز عملا دعائيا على مستوى عال ومدى فسيح " .

فى 1878 اصدر بسمارك قوانين معادية للاشتراكية صادرت الوجود القانونى للحزب باستثناء شديد الغرابة ، وهو امكانية الحزب ترشيح مناديب للبرلمان . وقد انتهت تلك الفترة ( فى 1890 ) بفوز باهر للحزب باغلبية مقاعد البرلمان ، الذى الغى القوانين الجائرة ، وارسل المستشار الحديدى للغياب . وقد حظيت التاكتيكات التى اتبعها الحزب فى تلك الفترة ، باهتمام عال من قبل الديمقراطيين الاشتراكيين الروس الذين عانوا القهر المطلق بكل اصنافه وتعبيراته . اهم تلك التاكتيكات كانت رسم الدور الذى تلعبه منظمات المنفى فى اعطاء صوت استمرارية و وتوفير حس بالاتجاه .فقد اصدر الحزب - تحت قيادة بيرنشتاين - جريدة الديمقراطى الاشتراكى الاسبوعية من سويسرا لتوزع داخل المانيا . وقد لعبت الجريدة دورا مؤثرا فى ربط القيادة ببقية جسم الحزب ، وابقت السياسة على قيد الحياة والتنفيذ . يقول البريطانى توماس كيركوب " اظهر الديمقراطيون الاشتراكيون صبرا ، عزيمة وانضباطا ، وفى غياب اى شكل من اشكال التنظيم الرسمية ظهرت اشكال تنظيم حقيقية وفعالة من خليط العقل والهدف ، لم يوجد لها مشابه فى محيط الحركة العمالية على نطاق العالم " وذهب للاشادة بنجاح صمودهم واستمرارهم فى وجه قوانين القمع الفظة ،" وفى الحقيقة اعطوا دليلا لكل المزايا العالية التى تناسب الافراد والمنظمات للعب دور عظيم فى التاريخ " .

فى سنين التسعينات (1890 ) تخقق نموذجا للحزب، كان تعبيرا عن التحام الاشكال الجديدة لمؤسساته ، والتى قامت كتجسيد للاستراتجية السياسية الماركسية . والتى تنادى بتوفير النظر المتعمق والتنظيم للحركة العمالية من اجل حمل مهمتها/رسالتها العظيمة ؛ وذلك من خلال التأكيد على وظيفة الحزب التعليمية. كان الافتراض المفتاحى للنموذج الحزبى " بينما ان شروط تجربتهم قد توفر للعمال امكانية الانيحاز الى الديمقراطية الاشتراكية ، ولكن تحديدا فان الوعى الاشتراكى كان يجب تدريسه وتعلمه " . نلك الدفعة التعليمية تسندها آلة تحريضية متقنة ، ضخمة ومسهبة . يقوم عليها كادر مقتدر ، يدعو للمشروع الجديد فى كل مدينة فى المانيا ، تدعو له الوسائل المؤثرة من صحف ، منشورات ، دراسات ، روزمانات والتى يطرح فيها المذهب الاشتراكى باستقرار واستمرار فيقترب من الاذهان وينغرس. بلغ عدد الجرائد الاشتراكية فى 1890 ال 75 جريدة ، تصدر منها 39 جريدة يومية . وهى جرائد خصصت لفئات متعددة من الطبقة العاملة ، كالشباب والنساء والاندية الرياضية ، والمشتغلين بالفن والمسرح ومحبى الشطرنج ...الخ . كل منها ارتبط بكلمة عامل ،مثلا نادى كرة القدم العمالى ، الكورال العمالى ، نادى الكتاب العمالى .. الخ ، وذلك الى جانب التحديد/الوصف الاساسى للنشاط السياسى ، الوضع الاجتماعى ، التنظيمى والمرجع الفكرى كما فى الحركة العمالية ، حزب العمالى /العمال والطبقة العاملة . فكلمة عامل مثلت الشفرة الاساسية لحركة الديمقراطية الاشتراكية . يقتطف لينين من كاوتسكى " العامل ليس فردا معزولا . فهو يشعر بالقوة كجزء من منظمة قوية تمثل فردانيته الى جانب تمثيلها الكل الحزبى . فهو يساهم فى الصراع ، وباخلاص تام ، كجزء من كتلة عامة ، بلا احتمال للفائدة الشخصية او الشهرة ، ينجز واجباته فى جبهة العمل المكلف بها ، بانضباط اختيارى يملاء جماع مشاعره وفكره " . وتلك كانت احدى خصائص النموذج الحزبى الذى زكّت تميزه وحازت على انتباه لينين .

ميزة اخرى مثلت ملمحا تجديديا للنموذج الالمانى ، نبعت من استراتيجية المنفستو ، هى حقيقة انه كان حزبا ممتدا عبرما مثلته الامبراطورية الالمانية من وطن . وميزة اخرى مثلت اهمية قصوى عند لينين هى ان الحزب لم يقف فقط لتمثيل مصالح الطبقة العاملة ،او مشروع التحول الاشتراكى ، وانما من اجل كل مبادئ الديمقراطية والقيم الانسانية فى المجتمع ككل .


يتبع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاربعاء فبراير 08, 2017 1:00 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

[b]
كاوتسكى وقيادة الطبقة [/b]:

اقتطف لينين فى " ما العمل ؟" فقرة طويلة لكاوتسكى لدعم وجهة نظره . كُتِبَ كثيرا عن العلاقة بين وجهة نظر لينين وموقف كاوتسكى المسجل فى الفقرة المذكورة . ولكن معظم المناقشات جانبت النقطة الرئيسية ، حيث ان الدين الحقيقى لكاوتسكى كان اقدم من ذلك كثيرا ، واكثر عمقا .
لقد أُعتبرَ كاوتسكى كاهم المنظرين للحركة الديمقراطية الاشتراكية الدولية ، واكثرهم تاثيرا . كتب برنامج ايرفورت فخلق تاثيرا مشهودا فى الناشطين الروس . ترجم الشاب لينين الكتاب فى 1894 الى الروسية ، فى زمن كان يحقق فيه هويته كثورى ديمقراطى اشتراكى ( كان فى الرابع والعشرين من عمره) . لقد امتلك برنامج ايرفورت تاثيرا هائلا على ذلك الجيل من الثوريين ، يتم تجاهله الان وبشكل يثير التساؤل والشكوك .

الى جانب ‘برنامج ايرفورت ‘ اشير الى كتاب كاوتسكى ‘ البرلمانية ‘ ، كنص استخدمه لبناء رؤية كاوتسكى . وقد ذكره لينين فى " ما العمل ؟" كمرجع لبعض مناقشاته المبدئية . تأتى اهمية الكتاب ليس فقط باقتطاف لينين ، وإنما لان الكتاب يطرح المنطق الذى يكمن خلف ما اسماه الروس ، استراتيجية الهجمنة البروليتارية فى الثورة الديمقراطية .

دوائر الانتباه :

( او دوائر الوعى .. كما ورد سابقا ، فلارس لى يترجم الكلمة الالمانية و الروسية الى الانتباه بدلا عن الوعى - المترجم) .
اسمى هذا الرسم البيانى : دوائر الانتباه لكاوتسكى . ولنوضح النقاط المرتبطة به .


الطبقة العاملة
البروليتاريا
الحركة العمالية



الطبقات العاملة -> البروليتاريا -> الحركة العمالية -> الديمقراطية الاشتراكية
(عفوا : لم استطع رفع الشكل ، ولكنه اربعة دوائر متداخلة ، الدائرة الداخلية تحدد اليمقراطية الاشتراكية، وهكذالتمثل الدائرة الخارجية الطبقة العاملة )

النقطة الاولى – مهمة جدا لفهم "ما العمل؟" – هى ان المصطلح ‘ الحركة العمالية ‘ المستخدم فى صيغة الدمج ، هو مصطلح فنى ( تكنيكالى) يرد بمعنى محدد فى خطاب الديموقراطيين الاشتراكيين . فاالحركة العمالية ليست البروليتاريا ككل ، ولا هى حركة الديمقراطيين الاشتراكيين . انها البروليتاريا المصادمة ، ذلك القسم منها تلهمه روح جياشة بالمقاومة المنظمة .
فى اى لحظة ، يحظى الاعضاء فى الدوائر الخارجية بانتباه اقل ، اى انتباه اقل الى وضعهم الطبقى ، مصالحهم الاساسية وبالتالى مهمتهم التاريخية . ومع ذلك اذا نظرنا الى الوضع فى مدى زمنى اطول ، نجد ميلا عند الدوائر الداخلية الى التمدد . تصبح الديمقراطية الاشتراكية اكبر لتغطى اكبر جزء من كلية البروليتاريا ، وفى النهاية تندمج كل الدوائر فى دائرة الانتباه الكامل . بالرغم من ان كاوتسكى لا يشرح بشكل تفصيلى ميكانزمات وعمليات الانتقال بين الدوائر الا أن الرسم - كتمرين فى التفكير - يقترح انه فى اسوأ الاحوال فان الاشتراكية حتمية . ومع ذلك ( يضيف مباشرة ) فان ذلك هو بالتاكيد اسوأ السيناريوهات ، ذلك لان الاشتراكية تصل بعد " عدد كبير من تجارب سؤ الفهم ، الاخطاء والتضحيات غير الضرورية ، والانفاق غير المفيد للطاقة والزمن " .

اسمى ذلك حجة ‘ عاجلا او اجلا ‘ . وهى حجة ترد بتواتر فى كتابات الديمقراطية الاشتراكية ، كوسيلة لجمع الادعاء بالحتمية ، مع الحاجة الملحة الاساسية للتبشير وسط العمال . بعد رسم هذا السيناريو ، يعود كاوتسكى من التمرين النظرى الى العالم الحقيقى ، ليفسر القوى العاملة حقيقة فى تمدد حلقات الانتباه . اولا هناك القوة التى تأتى تلقائيا من حركة العمال : روح المقاومة . وهذه المقاومة بحد ذاتها قادرة على قيادتنا الى الاشتراكية ، ولكن هذه النقطة تكاد تكون غير مهمة فى العالم الحقيقى . ما هو اكثر اهمية هو ان روح المقاومة ( الى جانب الملامح الاخرى للبروليتاريا الصناعية ) تجعل من العامل قادرا على استقبال " الاخبار السعيدة " تجلبها الديمقراطية الاشتراكية . وطالما ان الحركة الاشتراكية ورسالتها يوجدان فى الواقع ، فاننا نحصل على ضرورة طبيعية جديدة: اى عامل يستطيع ‘ عاجلا او اجلا‘ ان يقرر انه وفى الحياة الواقعية فان الديمقراطية الاشتراكية هى القوة النشطة التى تحول الحركة العمالية بنشر الانتباه . تتأكد الديمقراطية الاشتراكية من ان البروليتارية الصدامية هى الارض الخصبة المثالية للتجنيد وبالتالى تركز جهودها عليها . لاتنبع الديمقراطية مؤكدا بشكل اتوماتيكى من الحركة العمالية ، انها - بالاحرى – قوة تبصّر محددة توفرها حصرا مساهمة ماركس وانجلز .

والان يمكننا فهم معنى " الثقة " فى المحتوى المضمن فى الديمقراطية الاشتراكية . ففى حالة اسوأ السيناريوهات ، نجد ان الديمقراطية الاشتراكية "تثق " ان العمال سيعملون على تقديم الاشتراكية . اما فى السيناريو المرتبط بالحياة الواقعية ، فان الديمقراطيين الاشتراكيين واثقون ان الحركة العمالية سوف تسمع وتستوعب رسالة الديمقراطيين الاشتراكيين ، بمجرد ان تكون فى وضع لاستقبالها . حتى العامل غير المتعلم يستطيع ان ينجز ذلك التفهم و يحصل على نفاذ البصيرة. ان توقيت البصيرة النافذة غير مرتبط بشكل وثيق بدرجة التطور الراسمالى . وقد اشار كاوتسكى الى تقدم التفكير السياسى للطبقة العاملة الروسية قياسا بنظيرتها فى انجلترا . فالامر يتوقف على نوعية القيادة الطبقية اكثر مما يتوقف على تطور القوى المنتجة .

اذن فاننا نرى ان دوائر الانتباه ( الوعى) تتحول باستمار فى علاقتها مع بعضها . فالصيغة الاساسية تُعرّف الديمقراطية الاشتراكية كحالة دمج بين الاشتراكية وحركة الطبقة العاملة . ولكن محتوى الخطاب هو فقط من يخبرنا عن مستوى الانتباه المتحقق عندما يكتب الديمقراطيون الاشتراكيون مصطلح " الحركة العمالية " . فالخطاب يحدد اذا كانوا يقصدون الحركة العمالية قبل وجود الديمقراطية الاشتراكية ( محددة فقط بالمقاومة الصدامية) او بعد تحولها بواسطة رؤى وفعالية تنظيم الديمقراطية الاشتراكية .
يرجع معظم سوء الفهم لاورثودكسية هذه او تلك من الصيغ الى بعض الغموض المحيط بها . من الافضل الانتباه الى السردية التى تجرى على المستوى التأسيسى . ففى جانب ، نجد الحركة العمالية محفزة بروح المقاومة ، وفى الجانب الاخر نجد الديمقراطية الاشتراكية تحركها مفاهيم ضرورة الدمج . تحرك القوى الداخلية لكل منهما فى اتجاه الاخر ، تقود فى النهاية الى التحامهما .

يتبع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: الاربعاء فبراير 15, 2017 4:02 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الفطنة والتنظيم :
يمكننا الان ان نرى ان الاهداف المفتاحية للديمقراطية الاشتراكية كما لخصها كاوتسكى :
" الاشتراكية الديمقراطية هى حزب من البروليتاريا المصادمة ؛ فهو يهدف الى تعليمها ،
الى تنظيمها ، الى نشر قوتها الاقتصادية والسياسية بكل السبل المتوفرة ، لقهر اى وضع
يمكن السيطرة عليه ، وبالتالى مدها بالقوة والنضوج والذى سيمكنها فى النهاية من الوصول
الى السلطة والاطاحة بحكم البرجوازية ".


وقد وردت هذه الاهداف ضمن مناقشة متسعة ، ولكنى ساركز على الثيمات ذات التأثير الاكبر على الديمقراطية الاشتراكية الروسية . وتشمل الاهمية الاصلانية للحريات الديمقراطية ؛ القوة التى يمنحها تجلى هدف واضح نهائى ، للصراع هنا والان ؛ القيمة العالية التى تُعطى للتنظيم والانضباط الحزبى ؛ احساس الحركة الخاص والفخيم برسالتها الجليلة .

لا تنهض – ابتداءا - مهام تعليم وتنظيم الطبقة على مستوى الوطن ، اذا غابت الحريات الديمقراطية . فالمنظمات السرية تكون بديلا ناضب الفعالية للمنظمات المفتوحة الجماهيرية فى خوض الصراع الطبقى على المستوى الوطنى . الدور المؤثر للاعلام الحزبى يعتمد كثيرا على الحريات السياسية . ولذلك ليس هناك اسوأ من الاستهانة بها من قبل الحزب ، فهى بمثابة ‘ الضوء و الهواء ‘ فى صيغة التشبيه التى استخدمها كاوتسكى وقبله انجلز وبعدهما الديمقراطيون الاشتراكيون الروس ؛ فقد ورد فى وثيقة المؤتمر الاول للحزب " تعتبر الحريات السياسية بمثابة الهواء النقى . فهى الظرف الاساسى لتطورها الحر وصراعها الناجح من اجل الاصلاحات الجزئية و تحررها النهائى ." و " ذلك الذى يدع الحريات الديمقراطية تضمحل او يمنعها – الذى يمنع البروليتاريا من الصراع من اجل الفوز بتلك الحريات ، تعمل من اجل تعميمها – ذلك الشخص يعتبر من اسوأ اعداء البروليتاريا " .

اذن فحزب سياسى يمتد على نطاق الوطن – ليس منظمة اقتصادية واسعة – هو اعلى شكل من اشكال الصراع الطبقى . وهوتحول فى الصراع الطبقى الى المرتبة العالية تحققه عملية الدمج بين الاشتراكية والحركة العمالية ؛ تقترب بعده الحركة من تحقيق هدفها . يكتب كاوتسكى : " فالان تحتاز كل جوانب الصراع اهميتها ، حتى تلك التى لاتحقق انجازات عملية مباشرة ، فانها تساهم فى ترقية وتقدم الانتباه الذاتى للطبقة وهيبتها ، و وحدتها الرفاقية وانضباطها . والان ، هناك عدد من المعارك يبدو انها تنتهى الى هزائم ولكنها فى الخقيقة تعادل الانتصار . فكل اضراب وكل مقترح تشريعى مرفوض ، كان من شأنه خدمة مصالح البروليتاريا ، كل ذلك يمثل خطوة للامام نحو هدف بناء وجود انسانى يليق بالكرامة الانسانية " .

يطرح هذا الهدف الانسانى النهائى ضرورة الالمام بالصورة الكبرى . يكتب كاوتسكى :
" اليوم ، وفى مجتمع يضم سوقه العالم اجمع ، فى عالم تسمه عمليات التحول المستمرة
(...) فانه يستحيل على الطبقة العاملة ممارسة صراعها الطبقى بذكاء ونجاح بالاتكاء
فقط على الحس السليم . يصبح من الضرورى لكل مصادم ان يوسع افقه من خلال الفهم
العلمى ، يدرك عمليات القوى الاجتماعية المعقدة تجرى فى الزمان والمكان ( ...) وذلك
من اجل ترتيبها فى علاقات اكيدة مع او ضمن العمليات الاجتماعية ككل
."

ان العواقب الوخيمة لغياب فكرة الهدف النهائى يظهرها ما آل اليه مصير الطبقة العاملة الانجليزية . فالقوة الفردية للاتحادات النقابية ، لم تكن تعويضا لما ترتب من روح ضيقة ذاتية ، قادت الى ‘ الارستقراطية العمالية ‘ . كان من المفترض ان يكونوا ابطالا للجماهير ، ولكنهم تصرفوا كقاهريها .

انهى هذا الجزء بكلمات كاوتسكى فى كتابه " الطريق الى السلطة " ، والذى نال تقديرا عاليا من لينين . وهى كلمات نادرا ما تجد اثرا لها فى المراجع الثانوية الناقدة ، بالرغم من انها تمثل جزءا حيويا لمحتوى " ما العمل ؟ " :
" اليوم تشكل صفوة البروليتاريا فئة ابعد نظرا ، اكثر ايثارا والاشد جرأة ،
وهى التى اتحدت فى اكبر التنظيمات الحرة فى بلدان الثقافة الاروبية .
وبالمثل فان البروليتاريا سوف – ومن خلال الصراع – تاخذ على عاتقها
اصطحاب العناصر الابعد نظرا والاكثر ايثارا من كل الطبقات ، ستنظم و
تعلم وتضم الى صدرها حتى العناصر الاكثر تخلفا ، تملؤهم ببهجة الامل و
الرؤية الوسيعة . ترفع صفوتها الى قمم الثقافة ، تجعلها قادرة على قيادة
تحول اقتصادى كبير يكون قادرا فى النهاية على انهاء الشقاء ينبع عن
العبودية ، الاستغلال والجهل .
مرحى لاؤلئك المنادون للاشتراك فى هذا الصراع العالى وهذا النصر المجيد
"


قيادة الجماهير ( سيناريو الهجمنة ):

يقول كاوتسكى ان الديمقراطية تستبطن ميلا لان تكون جزبا يمتد على ارجاء الوطن وبشكل متزايد . ولكى تصبح كذلك – اى كحزب شعبى - فهى تعمل على تمثيل العمال الصناعيين ، بل على تمثيل كل الفئات الكادحة والمستغَلة ، وبالتالى الغالبية العظمى من السكان ، اى ما يسمى بالجماهير ( او الشعب ) . هذه السمة مثلت اهمية كبيرة للاشتراكيين الروس . فالحزب الديمقراطى الاشتراكى يستطيع تمثيل مصالح جميع فئات وطبقات الكادحين بافضل مما يفعله اى حزب اخر . يطرح هذا فكرة برنامج الحد الادنى ، وهى نفس الفكرة التى يتيح منطقها ان نطلق عليها برنامج الحد الاعلى ، اى اعلى ما يمكن انجازه قبل حكم البروليتاريا . فادنى تبدو مضللة فى حساب مجموعة مقاييس تنتج تحولات اجتماعية وسياسية واسعة فى المانيا الامبريالية ( ديمقراطية تمثيلية ، حريات سياسية ، تسامح دينى ، نظام صحة وطب اجتماعى ، قوانين حماية للعمل .. الخ ) . وفقا لكاوتسكى فإن بعض هذه المطالب لن يدعمها الا حزب ضد رأسمالى . بعضها يمثل - وبشكل رسمى - جزءا من برنامج ‘ البرجوازية الديمقراطية ‘ . ولكن – وهذه نقطة مهمة - لن يقوم بتبنيها والدفاع عنها سوى الديمقراطيون الاشتراكيون . هذه القضية الخاصة بتبنى والدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الكادحة فى المجتمع ، تطرح فكرة الهجمنة . تعبر الفكرة عن امل الديمقراطيين الاشتراكيين فى القيادة لمكون متعدد الطبقات والفئات الاجتماعية فى روسيا . فهى هنا تعنى منطق الاستراتيجية السياسية فى معناها المتداول اليوم . الفكرة الرئيسية هنا بصدد استراتيجية الهجمنة هى ان البرليتاريا الروسية هى القوة الوحيدة القادرة على قيادة الثورة الديمقراطية البرجوازية التى ستسقط الفيصر . بدت الاستراتيجية للبعض كمثيرة للدهشة ، وحتى متناقضة بالنسبة للمنطلقين من الماركسية . فالثورة المناطة بالديمقراطية الاشتراكية هى الثورة الاشتراكية وليست البرجوازية .
ما اود توضيحه هنا ان استراتيجية الهجمنة ، تنبع من المقدمات المقبولة للتفكير الديمقراطى الاشتراكى وهى :
المقدمة الاولى :ان الحريات الديمقراطية هى ضرورة مطلقة للديمقراطية الاشتراكية . يترتب على ذلك ان تحقيق الديمقراطية فى البلدان التى تحكمها الانظمة الديكتاتورية ، يقع بشكل اساسى على عاتق البروليتاريا .
المقدمة الثانية : ان الجماهير صاحبة مصلحة فى الحريات السياسية . الديمقراطية التمثيلية (البرلمان) توفر منبرا يصعده منتقدى المجتمع الحالى ، يفضحونه امام الشعب .
المقدمة الثالثة : ان مصالح البرجوازية فى الحرية الديمقراطية تتعارض عكسيا مع نهوض مصالح البروليتاريا . بالطبع لا تعارض البرجوازية احتياز الحريات الديمقراطية من اجل مصلحتها ، وقد لاتمانع من الحصول على مساعدة البروليتاريا فى الحصول عليها ، طالما تأكدت ان البروليتاريا لن تستخدمها بطريقة خطرة .

لقد كان الروس من الاوائل الذين استخدموا مصطلح الهجمنة لوصف القيادة البروليتارية للثورة البرجوازية . وكانت الفكرة ببساطة ان الحريات الديمقراطية لهى بالاهمية بمكان لأن تترك للبرجوازية . فهى تستخدمها لتحقيق مصالحها فقط، بينما الديمقراطية الاشتراكية ستقود الشعب ، وتستخدم الحريات الديمقراطية لانجازاكثر الدساتيرالديمقراطية المتاحة . لقد جعلت الحريات السياسية من الديمقراطية الاشتراكية مشروعا ممكنا ، وعليه فواجب الديمقراطية الاشتراكية ان تجعل من الحريات السياسية واقعا ممكنا .
وفقا لسيناريو الهجمنة ، تضطلع الديمقراطية الاشتراكية بقيادة ليس فقط الحركة العمالية والبروليتاريا ، بل كل الحركة الشعبية الجماهيرية . وهكذا نجد انفسنا فى مجرى الدائرة الخارجية لدوائر الوعى المذكورة سابقا . فهناك يوجد غياب الفهم ، التارجح بل حتى العداء . يشرح كاوتسكى تعقيد منظومة التوقعات :
فى الوقت الذى ينمو فيه حجم العاملين فى القطاع الصناعى ، وتنمو اهمية القطاع الاقتصادية ، ينمو معه ذكاؤهم ، كذلك ينمو الانجذاب لما تتيحه البروليتاريا على عدد من الفئات الاجتماعية ، لاتنتمى اليها كليا ، ولكنها قريبة منها فى مستوى المعيشة وعلاقاتها الاقتصادية . يقوى هذا الجذب كلما كبر الاستقلال المعرفى الثقافى والتنظيمى للبروليتاريا ، وكلما تعاظمت وحدتها كطبقة .
ان الطبقات فى المجتمع لاتوجد متمايزة بشكل صارم كما هى فى الفكر النظرى , وعليه فهناك درجات متوسطة متعددة بين الطبقة العاملة باجر والفئات العاملة الاخرى ، المزارعين ، الفنيين ، صغار الحرفيين ، مثلما هناك تمايز بينهم والمثقفين . ذلك التأرجح بين البروليتاريا ورأس المال ، يقوم به افراد او مجموعات كاملة من هذه الطبقات والفئات الاجتماعية ، يقررون بشكل اوضح لصالح البروليتاريا او ضدها ، بالاعتماد على التاثرات الشخصية الذاتية الخاصة ، او الاوضاع والظروف التاريخية و/اوالموقع الاقتصادى . وعليه فإن اجزاءً من المزارعين ، البرجوازية الصغيرة والمثقفين ، يمكن ان يقفوا موقفا معاديا للبروليتاريا ، وينجذب جزء نامٍ بثبات ، وخصوصا فى الفئات الاجتماعية الفقيرة ، الى البروليتاريا ويتبنى قضيتها ، فيكبر جيشها ، يسير تحت رايتها . "

الديموقراطية الاشتراكية كاخبار سعيدة :


لقد استطلعنا اراء كاوتسكى بصدد عدد من الموضوعات ، وسنرى صداها فى كتابات لينين . ان قوة هذه الاراء لا تاتى فقط لموقعه الضخم فى الحركة الديمقراطية الاشتراكية الدولية . فوجهات نظره المتعددة تتحد وتتركز بثلاثة طرق : بالسردية التى احتوت على منطق صيغة الدمج ؛ بسطوة البيان الشيوعى ؛ و بفخامة الديمقراطية الاشتراكية المتحققة فعلا وواقعا فى المانيا .
تجمع صيغة الدمج كل حجج كاوتسكى المتعددة الى بعضها . امتداد دائرة الانتباه ، الانفصال الابتدائى بين الاشتراكية والحركة العمالية ، جبهتى الحرب الحجاجية ضد الذين رفضوا التركيبة ( SYNTHESIS ) الماركسية العظيمة ، الحريات السياسية كالضوء والهواء للبروليتاريا ، القوة التى يهبها هذف نهائى ملهم ، الحاجة الى حزب منضبط حديث على المستوى الوطنى ، الحاجة الى تنفيذ الواجبات الديمقراطية التى تهاب البرجوازية توليها ، واخير ا الاحساس الذاتى للديمقراطية الاشتراكية بمهمتها التاريخية ، كل ذلك ينبع من صيغة الدمج المذكورة .

تم استخدام صيغة الدمج فى روسيا كقالب للتطور بواسطة مارتوف ، عندما كتب عن السيرة التاريخية لصراع الطبقة العاملة الروسية فى 1900 . يقول " تتكون الحركة العمالية الاشتراكية العالمية المعاصرة من تيارين ، استمرا فى التطور المستقل ولوقت طويل . " ويتبع ذلك سرد مشابه للتطورات الغربية التى رصدها كاوتسكى فى برنامج ايرفورت ، لينتهى بامانى تُشتهى :
" اتت الاشتراكية الى الحركة الاقتصادية للطبقة العاملة ، كلّفت نفسها
بواجب الافصاح عن المصالح العامة لهذه الحركة , وفى الاثناء جاءت
الطبقة العاملة الى الاشتراكية : بدأت جماهير العمال ترى فى الاشتراكية
هدفها النهائى لمسيرة حركتها التاريخية . وعليه تحقق الالتحام بين الحركة
العملية للعمال مع الفكر النظرى – وعليه تحقق ما سماه لاسال اتحاد العلم مع
العمال . اصبحت فكرة الاشتراكية هى فكرة الطبقة العاملة ، واصبح الحزب طليعتها .
هذه هى الطريقة التى جرت بها الاحداث فى كل البلدان . وبالحديث عن تاريخ
الحركة الثورية الروسية ، فانه يجب – كذلك – تفقى اثر تطور الصراع الاقتصادى
لجماهير العمال وتطور الفكر الاشتراكى الى اللحظة التى اصبح فيها تراثا للبروليتاريا "


وفى بقية الكتيب تقفى مارتوف اثر تداخل الاشتراكية مع الحركة العمالية بطريقة اظهرت جوهرها الاساسى والملامح المحلية للقصة الروسية . كان على الديمقراطيين الاشتراكيين فى روسيا القيصر وتحت ظل حكمه المطلق، ان تحمل عبء مهام الوظائف التى تولتها النقابات فى الغرب ، تحديدا ‘ اعطاء شخصية منظمة ومعقولة للحركة العمالية الابتدائية ( او التلقائية ) ‘ . ولقد ساعدت الثقة التى اكتسبها الديمقراطيون الاشتراكيون فى هذا النشاط ، فى انجاز مهامهم الاساسية وهى " زرع الانتباه للمصالح الطبقية للبروليتاريا فى صفوف الجماهير ، وضرورة الوحدة فى الصراع من اجل الاشتراكية ، فى تحقيق الحريات السياسية باعتبارها الخطوة الاولى فى الطريق الى التحرر الكلى من الاستغلال " .

هذه المقتطفات تثبت تفسيرى لعبارة ‘ الانباء السعيدة ‘ ، والذى يؤدى الى انه وبناء عليه فان المهمة الذاتية للديمقراطية الاشتراكية هى جلب الانباء السعيدة النابعة من مهمتها التاريخية العالمية الى الطبقة العاملة ، تثق فى تلقى الطبقة لها ،تسعى الى تنفيذها .


اواصل
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الوليد يوسف



اشترك في: 10 مايو 2005
مشاركات: 1790
المكان: برلين المانيا

نشرةارسل: الخميس فبراير 16, 2017 2:17 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

شكراً عصام على الكشوفات اللينينية، بكرها وفرها المعرفي، مستمتعين... واصل كفاحك 🙂
_________________
السايقه واصله
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 162

نشرةارسل: السبت فبراير 25, 2017 10:07 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا الوليد
وشكرا على الموآزرة والتشجيع
وعفوا اتاخرت عليك شوية



القسم الاول
الفصل الثانى الايرفورتية الروسية


موقفنا هو الاتى : نشترك فى كل الافكار الاساسية للماركسية - كما هى معروضة
فى البيان الشيوعى وفى برامج الديمقراطيين الاشتراكيين فى غرب اروبا


لينين (1900)


يمكن لمساهمة لينين ان تقودنا الى السردية الديمقراطية الاشتراكية وهى تنشأ وتتحقق فى روسيا ، وتكشف نفسها للوجود . كْرّس الجزء الاكبر من الاربعة مجلدات الاولى من اعماله الكاملة ، لمناظرات مع الشعبويين ، ودراسة الزراعة الروسية بما فيها عمله الكبير " تطور الرأسمالية فى روسيا" ؛ الى جانب كتابات صغيرة هدفت الى تعريف الديمقراطية الاشتراكية . كتب ولمرتين منفصلتين مشروعيين لبرنامج الحزب صاحبتهما تفسيرات وتعليقات مرتبطة ببعض القضايا المثارة . مجموعة ثالثة وجهت الى زملاء الحزب . ضمت قائمة كتاباته فى فترة التسعينات (1890) الاتى : 1- من هم اصدقاء الشعب (1894). 2- فردريك انجلز 3- مسودة وشروحات للبرنامج 4- اهداف الديمقراطيين الاشتراكيين الروس 5- مجموعة مناشير/بيانات احتجاجية . 6- مجموعة كتابات لمجلة .7- مشروع للبرنامج .

من المتوقع ان نجد المكونات البنائية للبرنامج الايرفورتى المعروضة فى الباب السابق ، معبر عنها فى تلك الكتابات ( صيغة الدمج ، الاخبار السارة ، الحرية السياسية ، قيادة الجماهير ، الهجمنة والاممية ) . بالطبع لم تكن رؤية لينين هى نسخة باهتة لتجربة الحزب الالمانى ، فلم يكن ذلك اصلا متاحا باعتبار ظروف القهر القيصرى والغياب الكامل لاى فسحة من الحريات الديمقراطية . لم يرَ الشعبيويون امكانية استلهام النموذج الالمانى وغرسه فى الارض الروسية وفضلوا الارهاب كوسيلة لخوض الصراع . وفضل الاقتصادويين فى الحركة الديموقراطية الاشتراكية النضال الاقتصادى الى حين تحقق الحريات الديمقراطية .

كان على لينين ان يوضح للمتشككين ان الايرفورتية الروسية هى موقف سياسى متماسك ومنسجم . ويمكن المرور على معالجته لمكونات البرنامج الايرفورتي فى بعض ماكتب .
اصدقاء الشعب (1894)
فى الرابع والعشرين من عمره كتب لينين مانفستو جدالى بعنوان ‘من هم ‘اصدقاء الشعب ‘ هولاء، وكيف يحاربون الديمقراطيين الاشتراكيين ؟ " . عبر الكتاب عن استيعاب كامل لمنهج مطروح ، كما عبر عن حماس مشبوب لاظهار قوته ومداه ، وذلك بالتصدى لكل المتواجدين و القادمين الجدد فى والى الحيز الديمقراطى الاشتراكى المرتبطين بتفسيرات مغايرة . اعتقدت كروبسكايا ( زوجة لينين ) " ان الكتاب امتلك تاثيرا اكبر مما امتلكه " ما العمل ؟" ، لانه امتلك تأثيرا ضخما فى تحديد موجهات وملامح الطريق الذى خطته الحركة الثورية ، بينما اضطلع " ما العمل ؟" بوضع خطة ثورية اشارت الى مهام محددة ." .

طرح الكتاب استراتيجية سياسية مكتملة للديمقراطيين الثوريين . وقد اظهرت المعالجات النظرية والبرنامجية لينين كمثال نادر لشخص يدخل المجال السياسى وهوحامل لوجهة نظر حول العالم تكاد أن تكون كلية الاكتمال . لقد مثل الكتاب الصيغة الموجزة ولكن المعبرة عما عناه لينين بالديمقراطية الاشتراكية . فى الكتاب عنت كلمة عامل العمال الحضريين كاحد اقسام البروليتاريا الروسية التى تعانى الاستغلال الرأسمالى . وبعد تحديد دور الديمقراطيين الاشتراكيين فى تركيز كل الانتباه وكل النشاط على العمال الصناعيين الحضريين ، استمر لينين فى رسم اهداف هذا النشاط :
”عندما تستوعب الفصائل المتقدمة من هذه الطبقة افكار الاشتراكية العلمية ، فكرة الدور التاريخى للعامل الروسى – عندما يتم استعياب تلك الافكار بشكل واسع – وعندما يتم تكوين منظمات مستقرة فى اوساط العمال والتى تحول الحرب الاقتصادية غير المنظمة الى صراع طبقى هادف ، عندها سقوم العامل الروسى ، المرتقى الى قمة كل العناصرالديمقراطية ، باسقاط السلطة المطلقة وسيقود البروليتاريا الروسية ( جنبا الى جنب البروليتاريا فى كل البلدان) على عرضات الطريق الواسع للصراع السياسى المفتوح الى الثورة الشيوعية المنتصرة ." .

يمثل هذا المقتطف عبارةً فصيحةً فى الولاء الايرفورتى ؛ فصيغة الدمج تظهرها كلمة الاستيعاب للاشتراكية العلمية سابقة الوجود ، لا تأتى من الطبقة العاملة بل هى تستوعبها . فكرة الاخبار السعيدة تنبع من النشر الواسع لدور العمال التاريخى فى تحويل الحرب الاقتصادية الى حرب طبقية تقود الى بناء الاشتراكية . كما هى تعكس ايضا فكرة دوائر الانتباه ينطلق من الطلائع المتقدمة من العمال الى طبقة البروليتاريا . استقلال التنظيم الحزبى تعبر عنه الصيغة التى تحدثت عن التنظيم يقوم على الصراع الطبقى للبروليتاريا ويهدف ال الاطاحة بالطغيان . فكرة الحريات السياسية تتأتى من عملية الاطاحة بالنظام الشمولى ، التى تفتح الطريق للصراع السياسى . فكرة الهجمنة تأتى فى السياق الذى حدد فيه ارتقاء العامل الى قمة العناصر الديمقراطية فى دور قيادى بارز . اما فكرة الاممية فتأتى فى الاشارة الى مصاحبة البروليتاريا فى كل الاوطان لانجاز الثورة الشيوعية .

فى الرد المتصدى لاولئك الذين ادعوا صداقة الشعب ، وهم الشعبويون ، استهدف لينين فكرتهم التى حددت ان ماركس والديمقراطية الاشتراكية مناسبان للغرب ؛ ففيه تعامل ماركس مع حركة عمالية خلقتها الراسمالية ، بينما بالمقابل فى روسيا ، لم تستطع الراسمالية فعل ذلك . وطرحوا السؤال: هل كان ماركس صائبا فى التنبوء بقدرة الراسمالية على جعل الحركة العمالية الروسية اشتراكية؟ مثلت اجابة لينين افضل العبارات التى عكست جوهر رؤيته حيث كتب :
" إنه فقط ذلك الذى يحمل اضطلاعا سصحيا على الحقائق ، هو من يشجع فكرة ان ماركس عمل مع بروليتاريا جاهزة الصنع . لقد عالج ماركس برنامجه الشيوعى حتى قبل 1848 . اى نوع من الحركة العمالية وجد فى المانيا فى ذاك الوقت؟ فى ذلك الوقت لم توجد حتى الحريات السياسية ، وكان عمل الشيوعيين محصورا فى دوائر سرية (كما هو حالنا الان ). انها الحركة العمالية الديمقراطية الاشتراكية هى التى حققت الدور الثورى و التوحيدى للرأسمالية - وقد ابتدأت هذه الحركة لاحقا بعد عقدين من الزمان ، بعد ان اُنجز الاشتغال العميق على المذهب الاشتراكى العلمى ، عندما انتشرت بشكل اوسع الصناعات الكبيرة ، وعندما وُجدت مجموعة من الناشطين الموهوبين لنشر ذلك المذهب فى محيط العمال .

إن عرض الحقائق التاريخية امام الضوء المعتم و الخاطئ ، و نسيان العمل الضخم الذى بذله الاشتراكيون من اجل جلب الغائية والتنظيم للحركة العمالية يسهل الوصول الى الاستنتاجات الخاطئة . وفوق كل ذلك َنسْبُ فلاسفتنا الاجلاء لماركس وجهة نظر بلهاء عن التاريخية الجبرية . فقد حدثونا إنه وفقا لماركس ، فان التنظيم وتبنى العمال للاشتراكية يحدثان من تلقاء نفسهما وعليه – كما يبدو - فاذا نظرنا للرأسمالية ولم نر حركة عمالية ، فسيكون سبب ذلك ان الرأسمالية لم تنجز مهامها ، وليس لاننا لانزال نعمل بلا همة على مهمة التنظيم والدعاية بين العمال . هذه الخدعة الركيكة والجبانة لفلاسفتنا المحليين لا تستحق دحضا : فهى عاطلة ومهجورة بنشاط الديمقراطيين الاشتراكيين فى كل البلدان ، و يتم دحضها فى كل ندوة يخاطبها اى ماركسى تختاره .

الديمقراطية الاشتراكية – كما قال كاوتسكى وبشكل عادل تماما- هى دمج والتحام الحركة العمالية مع الاشتراكية . ومن اجل ان يظهر العمل التقدمى للراسمالية بيننا وفى كل الاماكن الاخرى، فعلى اشتراكيينا ان يتولوا انجاز مهام عملهم بكل الطاقات المتاحة : عليهم ان ينجزوا تفاصيل فهم ماركسى للواقع و للتاريخ الروسى ، بينما هم يبحثون بشكل ملموس كل اشكال الصراع الطبقى ، و كل اشكال الاستغلال والتى هى مبهمة – بشكل خاص – ومخفاه فى روسيا . ابعد من ذلك ، عليهم نشر تلك النظرية ، جلبها الى العمال ، ومساعدتهم على استيعابها واستخراج شكل من اشكال التنظيم يناسب ظرفنا المحلية ، من اجل نشر الديمقراطية الاشتراكية ومن اجل تماسك العمال الصلد فى قوة سياسية وضاحة . لم يدع الديقراطيون الاشتراكيون ان اكملوا العمل الايديولوجى للطبقة العاملة ( فلا تلوح للعيان نهاية ظاهرة له ) ، بل على العكس فقد اكدوا باستمرار بانهم قد ابتدأوا فى ذلك ، وان هناك الكثير من العمل يظل مطلوبا قبل الوصول الى خلق اى شئ مستقر" .

يقول لينين هنا - تماما كما فعل فى " ما العمل ؟" - ان على الديمقراطيين الاشتراكيين جلب النظرية الاشتراكية الى العمال من الخارج ( from without ) . وهنا ينهض السؤال : لماذا لم تثر هذه الفقرة – فى سنة 1894 - نفس الحس الفضائحى كما فعلت فى " ما العمل ؟" ؟ فلو كانت النسخة منها فى 1902 تجديفية ، فهى ايضا فى النسخة المكتوبة فى 1894 .
السبب فى ان الاكاديميين لم يجفلوا من كفرانية " من الخارج " فى صيغتها الواردة فى 1894 ، هو ان الثقة القائمة فى ‘صيغة الدمج ‘ قد تم طرحها بشكل واضح وفصيح يصعب معه تجاهلها . لماذا يصر لينين على حقيقة انفصال الحركة العمالية والاشتراكية فى اروبا الغربية ولمدى عقود من الزمان ، حتى ظهرت الديمقراطية الاشتراكية الالمانية . هل لانه امتلاء بالشكوك فى غياب الميول الثورية للطبقة العاملة ؟ لا ، لانه – بالاحرى – كان بصدد دحض التوجهات المتشائمة لخصومه . وعليه فهو يطرح حجته – تقريبا – كالاتى : انتم تقولون بانه لاتوجد حركة عمالية ثورية فى روسيا ؟ حسنا – ربما يكون ذلك صحيحا – ولكن الحركة العمالية فى غرب اروبا لم تكن ثورية فى بدايتها ، فانظر مالذى جرى هناك ! اذا فانتظروا قليلا حتى نشمر نحن الديمقراطيون الاشتراكيون عن سواعد الجد وننخرط فى العمل ، وسترون حركة عمالية ثورية ناهضة . ان عبارة " ‘تاريخ كل الاقطار‘ / ‘من الخارج ‘" تأتى دائما فى نفس هذا السياق الحجاجى القاصد لدحض التشكيك فى الفرص المتسعة للديمقراطية الاشتراكية فى روسيا الاتوقراطية .



[align=center]
يتبع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة