و " مدرسة الخرطوم" نسخة الشارقة..
انتقل الى صفحة السابق  1, 2
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
محمد عثمان ابو الريش



اشترك في: 13 مايو 2005
مشاركات: 938

نشرةارسل: الخميس ديسمبر 29, 2016 6:17 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الأخ حسن
أولا دعنى اشكرك عظيم الشكر على الكلمات الطيبات مما أكرمتنى بهن.

عود على بدء:
فى امريكا وغيرها فلا يحق لأى شخص ان يسجل طلب حقوق ملكية فكرية لكائنات الطبيعة سواء البذور والنباتات و الأنسجة الحيوية (كما هى).. والذى
تم منح حق الملكية الفكرية عنه كان عمل العالم الهندى (من اسمه) فى تطوير بكتيريا جديدة بتعديل الجينات الوراثية حتى تقوم بتحليل المواد البترولية التى تتسرب او تتدفق فى المحيطات والخلجان.. إذا هى براءة لعمل هندسى اوجد بكتيريا لم تكن موجودة فى الطبيعة، وصرف فى ذلك، أو لدى الدقة صرفت شركة جنرال الكتريك أموالا فى البحث والتطوير. أما البذور والنباتات الطبيعية الغير معدلة وراثيا فلا يحق لأحد ادعاء ملكيتها.

بالنسبة للفنون الأفريقانية.. قصدى هو، هل سيأتى يوم نقول نحن فنانين بدون ان نذكر القبيلة؟ ولو تركنا اوروبا جانبا.. نحن فى السودان عندنا برضو اوروبتنا وافريقتنا.. أنا أعتز بتراث البجا فى الشرق واستهلك اغانى المردوم من كردفان والطمبور والربابة والحقيبة والبلابل وكأنها فنى وثقافتى.. رغم تنوع منتجات هذه الشعوب الفنية.. فهل يمكن تطبيق هذا على الفنون من كل العالم، علما بأنى مواطن عالمى برضو والاغانى الكلاسيكية فى الصين هى ارثى أيضا على ان اسعى له.. محيى الدين بن عربى فى كتبه يقول "وصل" بدل فصل من كل فصول الكتاب.. فهو لا يؤمن ان هناك كائن مفصول فى هذا الوجود. أنا زاتى.

وشكراً
_________________
Freedom for us and for all others
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
عبد الماجد محمد عبدالماجد



اشترك في: 10 يونيو 2005
مشاركات: 1647
المكان: LONDON

نشرةارسل: الجمعة ديسمبر 30, 2016 5:15 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الأخ الفنان حسن موسى
أتابع بشغف شديد واهتمام خاصة وان المامي قليل بما يختص بمدرسة الخرطوم وهو رأي ليس محكما
ذلك لقلة في الدراية والمتابعة وكان كثيرا ما يخطر ببالي ان مدرسة الخرطوم هذه كانت أول إعلان لما تسميه اليوم الفئة الحاكمة بالمشروع الحضاري !!! قبل ان يعملها جماعة الغابة والصحراء.
وكنت أعتقد خطأ ان هذه المدرسة اندثرت او في طريقها الاندثار.
لكن في الأيام القليلة الماضية اتضح لي ان هناك قلة من العمالقة لا زالت تحتفظ منها بشيء ولكنها دورته بحرفية - ان جاز التعبير - وصعدت به إلى مراحل عليا صعودا لا يتبينه المرء قليل التركيز ضعيف التأمل .
وجدت ناسا طوروها او هضموها فأصبحت لها بقية باقي في أعمالهم.
سأذكر أربعة وحسن موسى نفسه واحد منهم وسأحاول الاستشهاد والاستدلال
فاعذروني ان شططت
مرة أخرى لك التحية يا حسن والشكر على ما رفعت من بقية جهل لدينا
_________________
المطرودة ملحوقة والصابرات روابح لو كان يجن قُمّاح
والبصيرةْ قُبِّال اليصر توَدِّيك للصاح
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة انتقل الى صفحة المرسل
عبد الماجد محمد عبدالماجد



اشترك في: 10 يونيو 2005
مشاركات: 1647
المكان: LONDON

نشرةارسل: الجمعة ديسمبر 30, 2016 5:15 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

اسف مكرر ما عارف ليه
_________________
المطرودة ملحوقة والصابرات روابح لو كان يجن قُمّاح
والبصيرةْ قُبِّال اليصر توَدِّيك للصاح
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة انتقل الى صفحة المرسل
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3005

نشرةارسل: الجمعة ديسمبر 30, 2016 2:05 pm    موضوع الرسالة: تراجيديا فنأفريقانية ميد إن أميريكا رد مع اشارة الى الموضوع



13

تراجيديا فنأفريقانية ميد إن أميريكا


نيخاو يا محمد عثمان
يازول موضوع تملّك الأحياء داير ليهو خيط مستقل و مذاكرة طويلة في خصوص الإلتواءات القانونية التي يتذرع بها الجماعة الطيبين الذين لم يكتفوا بتملك العباد لكن هم بصدد تملك الأحياء. و عشان ما نضهب زي صاحب البالين كدي خلينا في الأول نركز على سيرة " مدرسة الخرطوم" الهوينة دي و بعدين نرجع لسيرة تملك الأحياء و النباتات.و هي سيرة عامرة بكافة تناقضات الحياة و الموت في عالمنا المعاصر.ـ


كتبت يا محمد عثمان
« 
بالنسبة للفنون الأفريقانية.. قصدى هو، هل سيأتى يوم نقول نحن فنانين بدون ان نذكر القبيلة؟ ولو تركنا اوروبا جانبا.. نحن فى السودان عندنا برضو اوروبتنا وافريقتنا.. أنا أعتز بتراث البجا فى الشرق واستهلك اغانى المردوم من كردفان والطمبور والربابة والحقيبة والبلابل وكأنها فنى وثقافتى.. رغم تنوع منتجات هذه الشعوب الفنية.. فهل يمكن تطبيق هذا على الفنون من كل العالم، علما بأنى مواطن عالمى برضو والاغانى الكلاسيكية فى الصين هى ارثى أيضا على ان اسعى له.. محيى الدين بن عربى فى كتبه يقول "وصل" بدل فصل من كل فصول الكتاب.. فهو لا يؤمن ان هناك كائن مفصول فى هذا الوجود.
« 
.طبعا كلمتك دي يا محمد عثمان هي من بديهيات الحس السليم ، لكن الغرض الذي يمرض الحس السليم و يعمي بصائر ود ابآدم صار يجعلنا نكافح و نتعب من أجل إثبات البديهيات.
غايتو ربنا يجيب العواقب سليمة.ـ


سلام يا عبد الماجد
و الله لا تتصور مدى فرحتي بطلتك بعد الإنقطاعة الطويلة.و كمان في موضوع «  مدرسة الخرطوم » التي رغم أن الناس ظلوا يكتبون عنها أكثر من غيرها إلا أنها مازالت تحتاج لكتابة تفرز موياتها المتلاطمة بين فضاءات الرسم و السياسة.كتبت يا عبد الماجد :ـ
« 
.. وكان كثيرا ما يخطر ببالي ان مدرسة الخرطوم هذه كانت أول إعلان لما تسميه اليوم الفئة الحاكمة بالمشروع الحضاري !!! قبل ان يعملها جماعة الغابة والصحراء.
و . « 
و في نظري [ الضعيف] فكلامك هذا صحيح ،و ناس المشروع الحضاري ذاتهم استقبلوا و كرموا بعض أعلام مدرسة خرطوم الغابة و الصحراء تحت بصر و سمع الشعب السوداني الصابر على المدارس. غايتو أنحنا الله شاف لينا ساكت ، نجينا بجلودنا و نفدنا من عواقب المدارس الحضارية الكثيرة التي تتربص بنا عند منعطفات التاريخ عشان تصرف لينا الهوية الفلانية أو تقلع مننا الهوية الفلتكانية. و أنا متشوق لقراءة بقية كلامك في هذه السيرة العامرة و مافي شطط.




  من يعرض يتعرّض
مثل إفريقي من إختراعي
.
قلت في مطلع كلامي أن الفرق بين منهج " جان هيوبير مارتان" و منهج "سوزان فوغل" في تدبير عرض فن الأفارقة للجمهور الأوروأمريكي يتلخص في كون "مارتان" « سعى لعرض فن العالم بما فيه الأفارقة"، في حين اختارت "فوغل" أن تعرض فن الأفارقة للعالم الأمريكي" .ـ

و يبدو منهج "مارتان" كما لو كان يساوي بين ثقافات العالم المختلفة على زعم أن كل ثقافة إنما تنطرح ،في نهاية التحليل، كموضوع إكزوتي يقف مستقلا بسيادته الجمالية، في مواجهة للثقافات الأخرى. لكن زعم "مارتان" يفسد أولا لأن واقع التواصل و التداخل و التمازج الثقافي الطبيعي بين المجتمعات الإنسانية المعاصرة يكذب مزاعم أستقلالية الثقافات ، مثلما هو يفسد ثانيا لأن واقع حيوات المجتمعات المعاصرة تحت شروط ثقافة السوق المعولم يمحق الخصوصيات الثقافية و يثلم فاعلية المواريث الثقافية التي كانت تؤثر في توجيه السلوك الإجتماعي للمجتمعات المعاصرة.و يتناسى "مارتان" أن علاقة القوى الطبقية غير المتوازنة التي تمكن الأوروبيين الأقوياء من تدبير المحافل الثقافية الكبيرة و دعوة "الآخرين" من ضعفاء العالم الثالث لللمشاركة فيها هي نتيجة طبيعية لواقع الحياة تحت شروط مجتمع طبقي معولم يتسنم الأوروأمريكيون فيه موقع الحظوة، حظوة إحتكار تعريف الأناو الآخر و الحضارة و البربرية و الحياة [ و الموت] والأخلاق و اللاأخلاق و الفن و اللافن . و في نهاية التحليل، يمكن للمراقب المتفائل عقلنة شعار "مارتان" بكون " كل ثقافة هي إكزوتية بالنسبة للثقافات الأخرى" كمجرد أمنية بتحقق يوتوبيا المساواة الثقافية بين مجتمعات العالم المعاصر.أما المراقب الحذر فهو يملك أن يرى في مشروع "مارتان" مناورة سياسية أوروبية غايتها تخليق حلف ثقافي /سياسي بين الأوروبيين و مجتمعات العالم الثالث، غايته التحسب قبل المواجهة الإقتصادية و السياسية الثلاثية المتوقعة بين الأوروبيين و الأمريكان و الآسيويين.و من ينظر في الأدب السياسي الذي انتجته الآلة السياسية الأوروبية، بسبيل تحفيز المواطنين الأوروبيين لدعم مشروع الوحدة الأوروبية ،يقرأ فيه بوضوح نبرة تخويف الأوروبيين من مخاطر الحياة في عالم مُعولم يهيمن فيه الأمريكان و الصينيون، و قيل الأمريكان "قبل" الصينيين ، كون العداء لأمريكا ظل يبطّن علاقة الأوروبيين و الأمريكان منذ أن استحوذ الأمريكان ،بجاه الدولار ، في مؤتمر "بريتونودز" [1944]، على موقع الصدارة الإقتصادية العالمية الذي كان يتسنمه الأوروبيون قبل الحرب الثانية. ـ

و الفحص المتأني للأدب المبذول حول معرض " آفريكا إكسبلورز" الذي نظمته " سوزان فوغل". و الذي يعتبر أهم مقاربة أمريكية ممنهجة غايتها تقديم فن الأفارقة في المشهد الثقافي الأمريكي، يمكن أن يساعدنا في فهم التنويع الأمريكي في عملية تخليق موضوعة " الفن الإفريقي المعاصر". و هو تنويع وثيق الصلة بـموقف الطبقة الوسطى البيضاء في الولايات المتحدة من التاريخ المعقد لحضور الجماعة الآفروأمريكية في المجتمع الأمريكي المعاصر.مثلما هو تعبير منطقي لمسلك القلق الهويولوجي الذي انتاب العالم الأوروأمريكي في سنوات الثمانينات.ـ فسنوات الثمانينيات كانت بحق لحظة مفصلية في مشهد الزلزلة التي اجتاحت االمسلمات و الثوابت السياسية و الجمالية التي انتظمت عليها علاقات عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.في حقبة الثمانينيات شهد العالم إنعكاسات الأزمة الإقتصادية العالمية التي جلبت الشقاء الإقتصادي و المجاعات للمجتمعات الإفريقية[اأكثر من مليون شخص ضحايا مجاعة إثيوبيا في 1984] التي كانت ترزح تحت ثقل الكوارث الطبيعية [ التصحر و الجفاف] والإجتماعية [ الفقر و الأوبئة] ناهيك عن كوارث السياسة [ الديكتاتوريات العسكرية الموالية لدوائر رأس المال].ـ
في تلك السنوات دخل المجتمع الأوروأمريكي المغامرة النيوليبرالية [ رونالد ريغان في أمريكا و مارغريت ثاتشير في بريطانيا] بينما هرع الأوروبيون لبناء الوحدة الأوروبية ، [ السوق المشتركة]،تحسبا من إجتياح إقتصادي أمريكي و/أو من هيمنة إقتصادية آسيوية على خلفية الإزدهار الإقتصادي لبلدان آسيا [ اليابان و تايوان] ، فضلا عن التحولات الجيوبوليتيكية الكبيرة في الإتحاد السوفييتي بوصول "غورباتشيف" و إصلاحاته السياسية التي ستؤدي لسقوط "حائط برلين" و نهاية الحرب الباردة و نهاية الإتحاد السوفييتي و توابعه. و في الثمانينيات أيضا دخلت الصين في عهد الرئيسّ دينغ سياو بينغ" مغامرة [ الإصلاح السياسي والإقتصادي الذي نكص عن إقتصاد الدولة الإشتراكية و اتجه نحو إقتصاد السوق ليجعل من الصين قوة إقتصادية مرهوبة في المشهد الإقتصادي الدولي..ـ
و إلى جانب الهزات السياسية و الإقتصادية عرفت الثمانينيات التحولات الثقافية المهمة من شاكلة تراجع الكنيسة الكاثوليكية [جان بول الثاني] عن إدانة "جاليليو"و انتشار الثقافة الرقمية بفضل التقدم التكنولوجي [ ماكنتوش و ميكروسوفت و إنترنيت]و أظن أن نجاح " مايكل جاكسون" في تغيير لون بشرته الأسود ينطوي على دلالة رمزية جبارة زعزعت القناعات العرقية التي يستند عليها الوجدان الشعبي لغالبية الأمريكان بيضا و سودا.ذلك أن الطبقة الوسطى البيضاء النصرانية صاغت هوية المجتمع الأمريكي على أساس مجموعة من الحدود الطبقية و الدينية و العرقية و الجندرية. و قد كان لون البشرة ـ و ما زال ـ يلعب دورا كبيرا في تعريف وضعية الفرد الأمريكي من هرم التراتب الإجتماعي. و قد ظل النضال ضد "حد اللون" ملمحا مهما من ملامح حركة المساواة في المواطنة و الحقوق المدنية بالنسبة للأمريكان من أصل إفريقي.و في هذا المشهد يحفظ تاريخ حركة الحقوق المدنية في أمريكا مساهمات ساسة مرموقين قادوا المنظمات و الحركات الشعبية في اسلوب مواجهة إنتحارية ضد خصم هزيمته مستحيلة.هؤلاء القادة العظام، من " مارتن لوثر كنغ" لـ " مالكولم إكس" و قادة حزب " الفهود السود"[هيوي نيوتن"و بوبي سيل"و ستوكلي كارمايكل"]، لغاية « محمد علي كلاي » و "تومي سميث" و " جون كارلوس" الأبطال الأولمبيين الذين خفضوا رؤوسهم و رفعوا قبضاتهم السوداء المقفزة، تضامنا مع حركة الحقوق المدنية للسود، كل هؤلاء الابطال يمثلون في منظور التاريخ كشخصيات مسرحية أسطورية تواجه مصيرها الأسود المكتوب و المعروف سلفا، داخل تراجيديا إفريقية "ميد إن أميريكا".و في هذا المشهد تبدو أهمية حركة «  مايكل جاكسون » كبطل نيتشوي حديث يسمو بفرادته الوجودية فوق أقدار الجماعات التي تعرّف هوياتها و هويات غيرها على قيم اعتباطية فالتة من حكم الإختيار الحر. لقد اختار مايكل جاكسون أن يعبر " حد اللون" ،الذي رسمه البيض و قبله السود،فأثار روع الجميع لأنه هدم هذا الحائط الوهمي القائم في المخيلة العرقية للمجتمع الأمريكي بمباركة السلطة السياسية و الدينية ، و الذي سوّغ للأمريكان بيض البشرة أن يضطهدوا مواطنيهم السود مثلما سوّغ لغالبية السود الأمريكان قبول اضطهادهم كقدر إلهي لا فكاك منه. ـ
ـ
في هذا السياق الثقافي و الإجتماعي فـ " سوزان فوغل"، مثلها مثل " مارتان" و " جان كلير " و غيرهم من خفراء الهوية الأوروبية، تعبر عن روعها من التحولات المادية و الرمزية، التي تمخض عنها التحول نحو واقع العولمة في الثمانينيات، بطريقة مماثلة مضمونها حماية الهوية الإجتماعية للأوروبيين من التحولات الجديدة التي قد تعصف بالثوابت الرمزية و المادية التي بنى عليها الأوروبيون بأسهم الإجتماعي في إطار ثقافة رأس المال. لقد دبرت " فوغل" مشروع عرض الفن الإفريقي للأمريكان كمحاولة لترميم وجدان الطبقة الوسطى البيضاء من آثار الصدمات التي حاقت به في النصف الثاني من القرن العشرين [ هزيمة فيتنام و الأزمة الإقتصادية العالمية و صعود «  الآخر » كشريك و كخصم في ساحة المنازعة الطبقية.فمعرض " آفريكا إكسبلورز" يمثل في المشهد الأمريكي كمسعى نفسي لتطمين الذات الأمريكية النصرانية البيضاء الملتاعة من تقلبات عالم متحول في كافة المستويات، و ذلك من خلال تقديم صورة ثقافة إفريقية فالتة عن طوائل التاريخ. ثقافة إفريقية أزلية تستعصي على التطور و تشهد عن ثبات عالم بائد كان الناس فيه يُعرّفون وفق تصانيف "الحضارة" و "البربرية" و "السيادة" و "الإسترقاق" . فكأن فوغل " تخاطب أهاليها قائلة :ـ يا أمريكا اطمئنّي، ليس من داع للروع لأن بلسم الثقافة الإفريقية السرمدية سيضمد جراح الروح الأمريكية المعذبة، و هذه الثقافة الإفريقية الثابتة أبدا ليست بعيدة المنال في عالم أجنبي مستحيل.إنها هنا، مكنونة في حرز أمريكا السوداء ، تجري في شرايين الأمريكان الأفارقة .ـ

.و في هذا المنظور يمثل مفهوم "الفن الإفريقي المعاصر"، في نسخته الأمريكية، كنوع من «  رزيرف هندي  للسود» تحفظ فيه أمريكا البيضاء الفنانين الآفروأمريكانيين بعيدا عن فضاء الفن الأوروبي الذي يزعم لنفسه صفة الـ « مين ستريم آرت ». في مقام الفن الإفريقي المعاصرتملك الطبقة الوسطى النصرانية البيضاء ـ من جهة أولى ـ أن تداهن عواطف الجمهور الأوروبي النصراني بتقديم فن الأقلية الآفروأميريكانية كند جمالي يواجه ، أو يحاور، التقليد الفني الأوروبي من علياء تقليد الفن الإفريقي الأسود الزنجي العريق.و من جهة ثانية فصيانة أمريكا البيضاء لفن آفروأميريكاني يتيح لها فرز الفنانين الأمريكان السود كفئة أجنبية على المشهد الفني الأمريكي و ذلك بتكريسها كـ " دياسبورا" إفريقية.و المصطلح النصراني " دياسبورا" المستخدم لتوصيف فئة الفنانين الآفروأمريكيين يخفي وراءه برنامجا سياسيا طموحه إحالة الفنانين الآفروأميريكان لوطنهم الأم في القارة السوداء "إفريقيا". و إرجاع الأمريكان من أصل إفريقي للقارة الإفريقية حلم عنصري قديم بدأ في القرن التاسع عشر حين احتارت الطبقة الوسطى البيضاء في اتخاذ موقف إنساني عادل تجاه المواطنين الأمريكان سود البشرة الذين توصلوا للمواطنة بعد تحريرهم من قيود الإسترقاق. ـ
و في هذا المربط يتكشف المشهد الثقافي الأمريكي عن عناية بالفن الإفريقي مختلفة من نسخة الأوروبيين ، فالأمريكان لم يستعمروا أرضا في القارة الإفريقية، لكنهم وجدوا في إفريقيا مقاما يناسب حلمهم الإستعماري في القارة الأمريكية، و لو كانت العناية قد سخرت لهنود أمريكا أشخاصا من طينة لينكولن الذي كان يبشر بمجتمع سعيد سوده يحيون بمعزل عن بيضه ، لكان هنود أمريكا اليوم في إفريقيا أو في إسرائيل حتى و كل شي في الحيا جايز على قول المغني.و في هذا المنظور تجد عناية الأمريكان بالفن الإفريقي المعاصر جذرا تاريخيا في صلب مشكلة الأمريكان من أصل إفريقي " آفروأميريكانز" .الذين حاولت أمريكا البيضاء إرجاعهم لأفريقيا"في مغامرة استعمارية فريدة في التاريخ. الأمريكي. و هكذا أورثنا التاريخ الأمريكي تراجيديا " ليبيريا"[ 1822]، حيث قامت " الجمعية الإستعمارية الأمريكية" بتوطين العبيد الأمريكان السابقين في ليبيريا، ضمن حركة " باك تو آفريكا" [ العودة لإفريقيا]، و سهلت لهم استعمار السكان الأصليين و استغلالهم في أشنع سابقة استعمارية من نوعها.. و "الجمعية الإستعمارية الأمريكية" كانت تتمتع بدعم عدة رؤساء أمريكان بينهم "جيفرسون" و "لينكولن" الذين كانوا يحبذون تطهير المجتمع الأبيض من المواطنين السود الأحرار
. ـ
[size=10]http://quod.lib.umich.edu/j/jala/2629860.0014.204/--abraham-lincoln-and-the-politics-of-black-colonization?rgn=main;view=fulltext

في عام 1931 أدانت عصبة الأمم شروط العمل الإجباري الذي فرضته الدولة الليبيريةعلى السكان الأصليين لليبيريا. فقد كانت دولة العبيد الأمريكان السابقين تجبر أهالي البلاد على العمل سخرة في مزارع المطاط لصالح الشركات الصناعية المتعددة الجنسيات. و جدير بالذكر أن السكان الأصليين في ليبيريا لم يحصلوا على حق التصويت إلا في 1945،أي بعد قرن من تأسيس جمهورية ليبيريا التي سنت «  آبارتايد » أسود/أسود لا يعرفه أحد.و لم يتخلص شعب ليبيريا من هذا الأبارتايد الأسود " ميد إن أميريكا"،إلا في عام 1980 حين قام العسكري "صامويل دوي" بإنقلابه و نكل بالصفوة الأمريكية الحاكمة و افتتح عقدا من العنف و الحرب الأهلية الدامية.ــ
الرابط
http://lencrenoir.com/histoire-du-liberia/


لو تأملنا في موقف " فوغل"التي تزعم عرض فن الأفارقة في العالم،"آفريكا إكسبلورز"، نجدها صممت مشروعها على تصور زنوجي أسود معرقن لمجتمعات القارة.و هذا التصور الضيق، فضلا عن كونه يصادر واقع التعدد العرقي و الثقافي للقارة ،فهو يطرح إفريقيا ككيان ثقافي صافي قائم بالتعارض مع " الغرب".و سأحاول في اسطري القادمة عقلنة تصورها للفن الإفريقي، و الذي تمثلت عواقبه، على الصعيد العملي، في استبعاد أفارقة شمال إفريقيا من أول معرض مهم لفنون الأفارقة في الولايات المتحدة.و من عواقب التصور المعرقن للفن الإفريقي أن الفنانين الذين يعملون على المراجع التقنية و المفهومية لتقليد الفن الأوروبي يستبعدون بذريعة كونهم يقعون تحت طائلة الخيانة الثقافية أو/و الإنحطاط الجمالي لأنهم يعكّّرون الصفاء الجمالي المزعوم للفن الإفريقي . و لـ « فوغل » نظرة تستحق التأني في موضوع «  غربنة » الفن الإفريقي لأنها تنظر للمحمول الأوروبي التقني و المفهومي، في الممارسة الفنية للأفارقة كوجه من وجوه عملية " هضم"و " تمثل" يقوم الفن الإفريقي خلالها بأفرقة التأثير" الغربي" الوافد. و إعادة إنتاجه كفن إفريقي أصيل. و هو منطق مضمونه السماحة و الإنفتاح لكل ما يخصب الممارسة الفنية للأفارقة، و تجربة الفن الأوروبي الذي انفتح على فنون الشرق الأقصى في القرن التاسع عشر و القرن العشرين عامرة بدروس نافعة .لكن المشكلة هي أن "فوغل" تتوجس من تأثير المحمولات "الأجنبية" على الثقافة الإفريقية  و تدين التأثير السلبي للنصرانية و الإسلام على الثقافة الإفريقية. وذلك رغم أن الأفارقة يتعاملون ،منذ قرون طويلة ،مع النصرانية و الإسلام كديانات إفريقية.[أنظر ف"فوغل "، آ"فريكا إكسبلورز"ص 28][ سأعود لهذا بتفصيل لاحقا، فصبرا]. و يبدو أن هاجس الصفاء الجمالي الزنجي الذي تعرّف عليه " فوغل" الفن الإفريقي الأصيل هو المسؤول عن كونها أشاحت بوجهها عن فنون أثيوبيا ذات الثقافة الإفريقية النصرانية مثلما أشاحت بوجهها بعيدا عن فنون أهل شمال إفريقيا من ذوي الثقافة الإسلامية، لكن ثالثة الأثافي في ورطة "فوغل" المناهجية تتمثل في إشاحتها عن النظر وجهة فنون مجتمع جنوب إفريقيا . ففي هذا المعرض الذي يزعم تقديم الفن الإفريقي للأمريكان تجاهلت فوغل فناني جنوب إفريقيا الذين هم ـ على تباين أصولهم العرقية وقفوا على الدوام ضد نظام التفرقة العنصرية للأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا.و موقف "فوغل" هنا يبدو كمحاولة بائسة لتجنب الحرج الذي قد يجره الخوض في ما كان يجري في جنوب إفريقيا.و قد فضلت " فوغل" تأمين معرضها من مخاطر الأسئلة الصعبة عن واقع التفرقة العنصرية [ آبارتايد] التي كانت تجسد السياسة الرسمية لنظام الأقلية البيضاء و الذي كان يتمتع بدعم دوائر رأس المال الأوروأمريكية في سنوات "الحرب الباردة". فكأن " فوغل" لم تكتف بفرض الصفاء العرقي على الأفارقة و إنما أضافت عليه صفاءا سياسيا كاذبا لا تعكره عوارض الجيوبوليتيك السياسي الإفريقي البالغ التعقيد.ـ




سأعود
[/size]


عدل من قبل حسن موسى في الخميس يناير 19, 2017 5:22 am, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3005

نشرةارسل: الاحد يناير 01, 2017 8:53 am    موضوع الرسالة: و جيوبوليتيك الفن الجنوب إفريقي رد مع اشارة الى الموضوع




14
و جيوبوليتيك الفن الجنوب إفريقي

قلت في خاتمة مقالي السابق أن حرص " سوزان فوغل" على تجنب البعد السياسي للثقافة الإفريقية المعاصرة حفزها على تجاهل فناني جنوب إفريقيا على تباين ألوانهم ، و ذلك رغم أن سنوات الثمانينيات شهدت تطورا ملحوظا لحركة الفنانين الجنوبإفريقيين السود داخل جنوب إفريقيا، و هو تطور كانت إحدى ملامحه القوية ذلك المعرض الكبير الذي نظمته " جوهانسبيرغ آرت غاليري" في 1988،تحت عنوان لا يخفي المضمون السياسي المعارض لهذا الحدث المهم :ـ" التقليد المهمل :نحو تاريخ جديد للفن الجنوب إفريقي، 1930ـ1988 ».ـ
أنظر
Mark D'Amato, Beyond the Trauma, the transition of the Resistance Aesthetic in Contemporary South Africa,inLiberated Voices, Contemporary Art From South Africa.The Museum for African Art/Prestel,NY 1999
و قد شكل ذلك المعرض حدثا ثقافيا و سياسيا لا يمكن تجاهله و بالذات من طرف حفنة المعنيين بالفن الإفريقي في العالم الأوروأمريكي،و على رأسهم «سوزان فوغل» التي كانت تحضر لمعرض "آفريكا إكسبلورز" لحساب"مركز الفن الإفريقي"
Center forAfrican Art
،[الذي صار لاحقا » متحف الفن الإفريقي »
Museum for African Art

].
و قد علق " فرانك هرمان"،مدير المعارض [البلجيكي] في "متحف الفن الإفريقي"[نيويورك] أن المتحف قرر استبعاد فناني جنوب إفريقيا من معرض " آفريكا إكسبلورز" «  بسبب المقاطعة الدولية الإقتصادية و الثقافيةلنظام الأبارتايد" .ـ
أنظر
Frank Herreman,Liberated Voices, contemporary art from South Africa,The Museum for African Art/Prestel,1999,p.179
و هرمان يشير لـ "الإتفاقية الدولية لمناهضة العنصرية "التي تدين سياسة الأبارتايد ، والتي وقعت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في 1965.
https://en.wikipedia.org/wiki/International_Convention_on_the_Elimination_of_All_Forms_of_Racial_Discrimination#Condemnation_of_apartheid
و "القانون الشامل لمناهضة الأبارتايد"
The Comprehensive Anti-Apartheid Act of 1986
الذي أجازه الكونغرس الأمريكي ضد الفيتو الرئاسي الذي حاول رونالد ريغان تفعيله لتعطيل القانون.ـ
للإستزادة أنظر الرابط
https://en.wikipedia.org/wiki/Comprehensive_Anti-Apartheid_Act

هرمان هنا لا يكتفي بالكذب حول حقيقة المقاطعة الـ" دولية"المزعومة لنظام الأبارتايد الذي لم يتوقف عن البيع و الشراء مع الأمريكان و الإنجليز و الألمان و الفرنسيين إلخ، بما يجعل من المقاطعة الدولية نوع من " فرض كفاية" يقوم به الأعضاء الفقراء في إفريقيا و دول العالم الثالث فيسقط عن أغنياء العالم في الدول الصناعية الأوروأمريكية بل هو يوقع العقاب على الفنانين الواقفين في وجه غول الأبارتايد فسرت عليهم الميتة و خراب الديار في آن،لكن يبدو أن التعاطف و التحالف السياسي بين فناني جنوب إفريقيا و المعارضة السياسية لنظام الأبارتايد لم يكن بحجم التعاطف بين نظام الأبارتايد و الأنظمة السياسية الأوروأمريكية [ الولايات المتحدة و فرنسا و بريطانيا]التي لم تنقطع عن دعم نظام الأبارتايد دبلوماسيا و سياسيا و إقتصاديا. و حتى عسكريا في حربه ضد مقاتلي حركة التحرر الإفريقي.فقد ثابرت فرنسا[ موطن " حقوق الإنسان" كما يقال ] من عهد ديغول على دعم نظام الأبارتايد سياسيا في المنظمات الدولية، و رفضت تقديم أي عون لمنظمة المؤتمر الإفريقي التي كانت تقاتل من أجل الديموقراطية و المساواة في الحقوق بين الجنوبإفريقيين. و قد ذكر فرانسوا إكزافييه فيرشاف في كتابه "لافرانسأفريك" »[1998] أن إغتيال « دولسي سبتمبر » ممثلة « المؤتمر الإفريقي الوطني » [أفريكان ناشونال كونغرس] في باريس في مارس 1988، كان من ثمرات التعاون بين أجهزة الإستخبارات الفرنسية و الإستخبارات الجنوب إفريقية.
أنظر

François -Xavier Verschave,La Françafrique,1998,P.199

و باعت فرنسا لنظام جنوب إفريقيا أول مفاعل نووي في القارة.كما باعت باريس لنظام بريتوريا العنصري العتاد العسكري رغم قرار حظر بيع السلاح لجنوب إفريقيا الذي أجازته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1977 و قد كانت حكومة جنوب إفريقيا هي ثالث أهم مستوردي الأسلحة الفرنسية. و بشكل عام واصلت السلطات السياسية الأوروأمريكية دعم نظام الأبارتايد حتى لحظة إنهياره التام في مطلع التسعينيات.ـ
لقد شهدت سنوات الثمانينيات تضييق الخناق الإعلامي و السياسي على نظام الأبارتايد و الأنظمة المتعاونة معه.و وسط التوتر الذي كان يلف الواقع السياسي الجنوب إفريقي،كان من الطبيعي أن يكشف منظمو المعارض عن قلقهم من عبور الفضاء الفني الإفريقي المعاصر الملغوم بحضور جنوب إفريقيا.هذا الواقع الجيوبوليتيكي ثبّط همم منظمي المعارض الأفريقانية في أوروبا و في أمريكا فسدوا أذنا بطينة و الأخرى بعجينة و زهدوا في سماع أصوات الفنانين الجنوب إفريقيين حتى فرجها الله عليهم بإنهيار نظام الأبارتايد في 1993 و استقرار جنوب إفريقيا في المشهد السياسي الدولي كقوة إفريقية لا يمكن تجاهلها. و منذ منتصف التسعينيات انطلق الأوروأمريكيون ينظمون معارض الفن الجنوب إفريقي بهمة كبيرة حتى ليظن من يجهل تاريخ إفريقيا أن فناني جنوب إفريقيا ولدوا بعد نهاية الأبارتايدـ
ضمن هذا السياق يبدو أن تجاهل منظمي المعارض الأوروأمريكيين للبعد السياسي في التعبير الثقافي للأفارقة، كان لازمة ثابتة في معظم تظاهرات الفنأفريقانية التي كان ينظمها الأوروأمريكيين في فترة الحرب الباردة. و لو فحصنا هذا التجاهل ، من مشهد الواقع الثقافي الإفريقي، فهو يبدو كما الوجه الآخر لنبرة البروباغندا السياسية الغوغائية التي كانت تخيم على المهرجانات الثقافية التي كانت السلطات السياسية الإفريقية تنظمها محليا لتجميل الوجه القمعي السافر لأنظمة الإستبداد الإفريقية. و في السودان عشنا، في فترة السبعينيات، أبلغ حالات البروباغندا السياسية التي تستثمر التظاهرات الفنية في سلسلة "مهرجانات الثقافة" و "معارض الثراث" و "معارض الثورة الثقافية" الموسمية التي كانت السلطات السياسية تصرف عليها ببذخ لتجميل وجه النظام و لتهيئة رأس النظام لإنتحال هيئة راعي الفنون الأكبر في البلاد. هذا الراعي الكذاب الذي لم ينجح في بناء متحف للفن المعاصر أو حتى صالة عرض واحدة في السودان طوال مدة حكمة الذي قارب العقدين. و يمكن فهم النبرة السياسية المباشرة في التظاهرات الثقافية الموسمية التي تنظمها الأنظمة الديكتاتورية الإفريقية بوضوح الغاية السياسية البسيطة التي ينتظر من المهرجانات تحقيقها، بينما يبدو ميل المنظمين لتجنب البعد السياسي في التظاهرات الفنية التي ينظمها الأوروأمريكيون في بلادهم أدخل في مسلك الحذر الدبلوماسي الذي يراعي حساب المصالح المادية و السياسية التي يمكن أن تضار من مخاطر إثارة حفائظ السلطات في هذا البلد أو ذاك من بلدان القارة الإفريقية. لكن تجنب البعد السياسي المباشر في معارض الفن الأفريقاني التي ينظمها ـ
الأوروأمريكيون يتكشف عن بعد سياسي غير مباشر مضمونه أشد وطأة من مجرد إتخاذ موقف سياسي مع أو ضد الكيانات السياسية المعاصرة.و أعني به العمل على صياغة المجال الذي يتم فيه تفعيل الطاقات الفنية للأفارقة بطريقة تجعله لا يطيق سوى النتاج الفني المنسجم مع التوجه الآيديولوجي لسلطات دوائر رأس المال التي ترعى التظاهرات الفنية الإفريقية.. و في هذا المنظور أحاول عرض الملابسات السياسية و الجمالية التي يسعى من خلالها فريق الـ"عملاء" الثقافيين لدوائر رأس المال لتخليق فضاء جمالي منسوب للثقافة الإفريقية ظاهرا لكن غايته الحقيقية هي تدجين المبدعين الأفارقة داخل بنية مفهومية تحظر عليهم اية فاعلية إجتماعية ذات نفع، ولا تسمح لهم بأكثر من زخرفة الوجود الـطبقي لسدنة رأس المال بكليشيهات منسوبة لفن إفريقي لا وجود له إلا في خيال الرعاة الأوروأمريكيين.ـ
فالفنان الإفريقي الشاب الذي يرغب في عرض عمله للعالم المعاصر يجد نفسه مضطرا لقبول شروط الرعاة الأوروبيين الذين يحتكرون فضاءات العرض و يحتكرون أدب العرض مثلما يحتكرون سوق العرض.و في هذا المشهد يجد الفنان الشاب القادم من إفريقيا نفسه مضطرا لمضايرة فرادته و تناسي خصوصيته الجمالية و الإنصياع لنصائح الرعاة ذوي البأس الذين لا يعرفونه و لا تهمهم معرفته كفنان متفرد، لكنهم يتعاملون معه كممثل لفئة مفهومية و عرقية صماء معرّفة سلفا، فيبيحون لذواتهم مشروعية التصرف في متاعه الجمالي و توجيهه بما يوافق مشاريعهم و آفاق رؤاهم الإجتماعية. ـ


سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3005

نشرةارسل: الثلاثاء يناير 03, 2017 7:22 am    موضوع الرسالة: القيّم و الراعي رد مع اشارة الى الموضوع




15
الراعي واعي

و عدت في مقالي السابق بـ" عرض الملابسات السياسية و الجمالية التي يسعى من خلالها فريق الـ"عملاء" الثقافيين لدوائر رأس المال لتخليق فضاء جمالي منسوب للثقافة الإفريقية ظاهرا لكن غايته الحقيقية هي تدجين المبدعين الأفارقة داخل بنية مفهومية تحظر عليهم اية فاعلية إجتماعية ذات نفع، ولا تسمح لهم بأكثر من زخرفة الوجود الـطبقي لسدنة رأس المال بكليشيهات منسوبة لفن إفريقي لا وجود له إلا في خيال الرعاة الأوروأمريكيين".ـو قد وضعت عبارتي " العملاء" بين مزدوجين لأن هؤلاء الناس المكلفين بعرض فن الأفارقة المعاصر للجمهور في حواضر أوروبا و أمريكا هم أكثر من مجرد وسطاء "منظمين" أو منسقين لحركة الأشياء و المفاهيم الجمالية الصادرة عن الفنانين الأفارقة المعاصرين.و عبارتي " العملاء" تصعدهم لمقام الذوات الفاعلة "إيجنتس "
Agent, Actant
و الذين يتجاوزون، جورا، مقام الوساطة الثقافية المحايدة [ و المستحيلة عمليا] لمقام الخصم الذي يدافع عن مصالحه المادية و الرمزية [ من موقع الحَكَم ]، ذلك أن هؤلاء العملاء لم يدخلوا فضاء الفن الإفريقي لنفس الأسباب التي جعلت الفنانين الأفارقة ينخرطون في الممارسة الإبداعية. إنهم عملاء محترفون مأجورون للقوامة على حوادث هذا المجال الإفريقي المستحدث المسمى بالفن الإفريقي المعاصر، فيهم من يحمل شهادات أكاديمية مبرئة للذمة المهنية مثلما فيهم نفر من أهل الخبرة التنظيمية و الفهلوة الغريزية القادرين على اللعب بالبيضة و الحجر بموهبة خلاقة تجعل منهم فنانين بين الفنانين.طبعا هناك النفر القليل الجاد المخلص الحادب على كفاءة الصناعة المعارضية مثلما هناك النفر الأقل الذي لا يتورع عن التغرير بالفنانين و سرقة إنتاجهم بأكثر الأساليب سوقية.و قد جاء في المثل [ الفرنسي] :ـ "في العالم الواقعي هناك متسع للجميع رضينا أم أبينا" :ـ
Il en faut de tout pour faire un monde 
و لو اتسع براحي فسأخاطر بجرد فئات و أنواع العملاء الناشطين في فضاء الفن الإفريقي المعاصر، و ذلك من وحي تجربتي الشخصية. لكني حاليا أفضل العناية بتقديم الفئة الجادة المؤهلة مهنيا من " عملاء" الفن الإفريقي المعاصر، و هم يمتازون على غيرهم بتوفر أدبهم و وضوح سيرهم على المساند الورقية و الرقمية المبذولة في الفضاء العام، فضلا عن الحظوة المفهومية العالية المنتظرة من محاولة تقعيد مساهماتهم على مقعد النقد.ذلك أن أمرهم ،الذي ينطوي على قدر كبير من التركيب المفهومي السياسي و الأخلاقي، معقد بما يجعل كل محاولة لعقلنة عمالتهم أزرط من خرط القتاد. ربما لأن هؤلاء الناس ، من خلال إنخراطهم في المشروع الطبقي لرعاتهم يتوصلون ، بطريقة أو بأخرى، لجرف قطاع من الفنانين الأفارقة الذين لا يضيرهم كثيرا إتباع أرزاقهم على درب "عملاء " الفنأفريقانية الأوروأمريكية، و لا يكلّف الله نفسا إلا وُسعها" [ البقرة]. و مغزى هذا الكلام في حق الفنانين الأفارقة، الباحثين عن الرزق بأي ثمن، هو أن عالم الفنانين الأفارقة ـ مثله مثل غيره من عوالم البشر، لا يقتصر على جمع الفنانين الطيبين النبلاء الذين يضحون بكل شيء من أجل الفن. فعالم الفنانين لا يفلت من طوائل الصراع الإجتماعي و تناقضاته التي لا تحصى. ـ

القندول الشنقل الريكة

أذكر أنني حين كتبت رسالتي أعلاه لـ " جان هيوبير مارتان".ـ في نهاية التسعينيات ،كان قصدي هو شرح رغبتي في عرض أعمالي في التظاهرة الفنية الكبيرة التي دعاني إليها، و في نفس الوقت كنت حريصا على شرح تحفظاتي النقدية تجاه الأسس الأخلاقية لمشروعه المسمى " قسمة الإكزوتية".و كل ما في الأمر ـ أمري ـ هو أنني ، من جهة ، جازفت بمفاوضة هشة تستمد قوتها من سعة خيال خصم آيديولوجي ذكي، توسّمت في وعيه بالحدود الفكرية لقناعاته ، قابلية تحفّزه على استيعاب تحفظاتي، و ربما قبولها، و من ثمّ تهريب عملي لفترينة معرضه الإكزوتي الذي يضم كافة أشتات العالم الجمالية. و من الجهة الثانية ، في حالة قبولي في المحفل الإكزوتي، فرهاني الحقيقي كان على استجابة الجمهور لأني أعرف أن جمهور المعارض المعاصر هو جمهور ذكي، ينطوي على خبرة عالية بأدب المشاهدة تؤهله للفرز النقدي بين خطاب منظم المعرض و خطابات الفنانين المعروضة في أعمالهم .ـ
مر عام دون أن أتلقى ردا على رسالتي لـ " مارتان"و ظننت أن الرجل زهد في عرضي و سمعت تنويه "مدام موسى" الناقد لـ "وقاحتي" التي تمنعني من «العمل في صمت» زيّيي و زي الفنانين التانين ، و ضحكنا من حالي حين شرحت لها قولة أمي أن «مرمي الله مايرفعه إلاّ الله».و هكذا لفلفت حسرتي في ثوب المشاغل اليومية و نسيت الموضوع.و قبل شهر من إفتتاح المعرض اتصل بي "تيري برات"، القوميسير التنفيذي للمعرض، و اعتذر لي عن عدم عرض عملي في معرض " قسمة الإكزوتية"، لكنه طلب مني الإذن لنشر رسالتي لـ «مارتان» في كتالوغ المعرض. و ذلك لأن رسالتي أثارت مناقشة بين فريق المنظمين كونها، حسب عبارته،" تعقلن الحدود المفهومية التي ينهض عليها مشروع المعرض" .طبعا قبلت نشر رسالتي في الكتالوغ و عزّيت النفس على مبدأ «المال تلته و لا كتلته»، و وعدني « تيري برات» بعرض عملي "في مرة قادمة" إن شاء الله..ـ"
بعد إفتتاح المعرض بأسابيع اتصل بي " سيدريك فانسان" الباحث في الفن الإفريقي المعاصر، و الذي كان آنذاك يعمل بالتدريس في كلية الفنون بمدينة "بوردو"، غربي فرنسا، و قال لي أنهم قرأوا رسالتي لـ " مارتان" في كتالوغ معرض " قسمة الإكزوتية" و اهتموا بمضمونها، و دعاني للمشاركة في السمنار الذي ينظمونه في كلية الفنون حول موضوع "الفن غير الأوروبي ». بعدها تواترت الرسائل و الدعوات المشابهة من أشخاص مختلفي المشارب لكنهم يلتقون حول التفاكر النقدي في موضوعات الهوية الإجتماعية للممارسة الفنية.بل أن رسالتي لـ «مارتان» صارت تعرف وسط المهتمين بالفن الإفريقي المعاصر بـ "الرسالة التي كتبها حسن موسى لـ "مارتان" "الأمر الذي أضفى على شخصي " رَقـَشـَة" نقدية لم تكن في حسباني .و العبارة " الرسالة التي كتبها حسن موسى لمارتان " صاغتها أقلام بحاث مشغولين بأسئلة الفن و الآيديولوجيا و دارسين في الفن الإفريقي المعاصر، فيهم من دعاني للحديث في سمنارات أو لقاءات أكاديمية، مثلما فيهم من استكتبني حول الموضوعات التي أثارتها الرسالة. و لا أظن أن الرواج الذي لقيته رسالتي لـ "مارتان" يعود للنوعية الأدبية غير المسبوقة التي جادت بها قريحتي النقدية، و إنما لأن رسالتي، من جهة كانت أمرا مشاترا لا يتوقعه الناس في عالم منظمي المعارض، لأن الفنان ، عادة ـ، إما أن يقبل عرض عمله فيبعث به لمنظم المعرض أو يرفض و السلام. لكن أن يقوم فنان بإنتقاد فكرة المعرض مع إبداء رغبته في عرض عمله ايضا ، فهذا أمر لم يكن في حسبان منظمي معرض "قسمة الإكزوتية ».و حسب علمي، كنت ـ مع "كريس أوفيلي"، الرسام البريطاني من أصل نيجيري ـ كنت أحد اثنين أبديا موقفا سلبيا من فكرة المعرض . فقد رفض "كريس أوفيلي" صراحة عرض عمله في معرض يرفع شعار الإكزوتية، بينما سعيت أنا للمفاوضة النقدية التي لم تعجب منظمي " قسمة الإكزوتية".و من جهة أخرى أظن أن رسالتي لـ "مارتان"بدت ،في عالم الفن الإفريقي المعاصر الصغير، كما " القندول الشنقل الريكة"،لأنها نشرت في لحظة وصلت فيها المناقشة حول الهوية الإجتماعية للتعبير الجمالي المعاصر لمفترق مهم بين دروب المنازعة الطبقية المعولمة التي يعي أطرافها حقيقة التعبير الجمالي كساحة مواجهة إجتماعية بالغة الأهمية.هذه المنازعة المستعرة المدممة بين القوى المضمحلة في المجتمع الأوروأمريكي و القوى الحديثة الخارجة من ثنايا إقتصاد العولمة المزدهر في المجتمعات المعاصرة، تملك أن ترمي بالمجتمع الكوني في أتون حرب واسعة شاملة طويلة يختلط فيها الحابل بالنابل في عنف مادي و رمزي غير مسبوق.ـ
في هذا المشهد الذي يفرض على الأوروبيين إعادة النظر في جملة المسلمات التي تخلقت عليها المواريث الثقافية للعالم القديم ،انطرحت موضوعة الهوية الثقافية كساحة مواجهة مرموقة تتداخل امتداداتها السياسية و الأدبية و الفنية و الإقتصادية و الدينية و الجندرية في آن معا. في هذه الساحة الواسعة بحجم العولمة ، يسعى حرس الثقافة البائدة ،التي كانت ـ و ما زالت ـ تؤمن مصالح الرأسماليين الأوروبيين على حساب غيرهم، يسعون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بشتى الوسائل بما فيها وسيلة الهوية الثقافية. و تحت هذه الشروط
تتخلق مبادرات ثقافية جديدة بين مقام السياسة و مقام الفن، يدبرها نفر من القائمين على المؤسسات الثقافية الأوروبية أو الأمريكية مثل « جان هيوبير مارتان» و" سوزان فوغل» و آخرين، من حرس الثقافة البائدة، الذين أسبغوا على هذا الفرانكشتاين الجمالي، المسمى "الفن الإفريقي المعاصر"، دينامية ثقافية حقيقية لم يعد بالإمكان تجاهلها من قبل أي من أطراف المنازعة الدائرة في ساحة المواجهة المعاصرة..ـ

و حين أقول حرس الثقافة البائدة" فعبارتي لاتقتصر على الدعاة من أصل أوروبي و إنما تتجاوزهم لتشمل ذلك النفر من غير الأوروبيين. و نجانب الصواب لو جرّمنا الأوروبيين وحدهم فالأفارقة انخرطوا ،منذ عقود طويلة ، في المشروع الأوروبي للهوية الذي يتوسل بوسيلة الثقافة لإستبعاد الأفارقة عن مركز المبادرة الحضارية المعاصرة ـ
و على وجه الخصوص هذه " الفرقة الناجية" من الأفارقة الفنانين و الأدباء والنقاد و المؤرخين و الأنثروبولوجيين و منظمي المهرجانات و المؤتمرات و المعارض الذين يتخذون من حجة الهوية الثقافية منصة عملية لإطلاق دعاويهم الرامية لتقييد حركة الخلق داخل الأطر الآيديولوجية القومية و العرقية البالية و يجنون ثمار جهدهم من عطايا دوائر رأسمال الأوروأمريكي و ملحقاتها الإقليمية و المحلية.
و القائمة طويلة تبدأ من دعاة العودة للتراث الإفريقي و للجذور الإفريقية و لبراءة الروح البدائي الأصيلة ،روح الإنسان الإفريقي الطفل وثيق الصلة بعناصر الطبيعة و بالحدس العفوي وبعالم الأحلام واللاوعي و بصفاء السلوك الإنساني الأول، و غير ذلك من ترهات أدب الحركة السوريالية المتوجس و المعادي لتقليدالفكر المادي العقلاني المفخخ بمثالب ثقافة رأس المال.لقد خلق السورياليون الفرنسيون الأسس الجمالية لمفهوم البدائوية في الفن[«  بريميتيفيزم"]، من واقع ثورتهم على عقلانية المجتمع الرأسمالي التي أودت بالمجتمع الأوروبي نحو الإستغلال الإفقار و الحرب العالمية .و على درب الأدب النقدي السوريالي تقدم سدنة ثقافة رأس المال الفرنسية ليقيموا صرحا عجيبا من الإلتباسات و الأكاذيب و أنصاف الحقائق سموه " الفن الإفريقي المعاصر". و رغم أن هذا " الفن الإفريقي المعاصر" ينهض على مجموعة المسلمات الجمالية و السياسية التي انصاغت داخل التقليد الجمالي لحركة الفن الأوروبي،[الدور الإجتماعي للفنان في أفق حركة التقدم الإنساني،فرادة الخلق الفني، إتصال التقليد الفني داخل تقليد ثقافي يشكل مفهوما جامعا للعالم ]، إلا أن سدنة الفن الإفريقي المعاصر يحرصون على تقديم هذا الفن الإفريقي المعاصر كظاهرة ثقافية بعيدة من، أو/و مضادة للفن الأوروبي الذي يزعمون إضمحلاله و أنحطاطه و موته، ضمن موت مزعوم للحضارة الغربية التي أنتجته.و قد لعبت الملابسات التاريخية لحركات التحرر من الإستعمار في إفريقيا و بلدان العالم الثالث بالتزامن مع التطور الثوري في مجالات العلوم الإنسانية [ أنثروبولوجيا الشعوب غير الأوروبية] دورا مهما في تسويغ المزاعم التحررية و الوطنية لحركة الفن الإفريقي المعاصر . هذا الواقع الذي تتداخل ضمنه المكونات السياسية و الجمالية هيأ المشهد العالمي لقبول النزعة العدوانية الجائرة للفنانين و للمثقفين الأفريقانيين تجاه مجمل مواريث الثقافة الغربية مختزلة لحدود ثقافة المجتمع الأوروبي بدون أي فرز طبقي يعقلن تأثيراته .ـ
و حين يصدر الموقف العدائي تجاه ميراث الثقافة الأوروبية من أشخاص عاديين فهو أمر يمكن قبوله على زعم أن هؤلاء الأشخاص لا يملكون متاعا معرفيا يؤهلهم لفرز الأمور المشتبهات في مشهد المنازعة الجمالية المعولمة. لكن حين يصدر هذا الموقف من طرف مثقفين من ذوي الوزن الأكاديمي المعروف فهو يحتاج منا لمزيد من التأني. و أتأنى هنا عند بعض أعلام الفن الإفريقي المعاصر بغاية فرز تفاكيرهم و تفهم الأسباب التي تحفزهم على الإنحياز لجانب الخصوم الطبقيين لشعوبهم و الوقوف في موقف العمالة تجاه دوائر رأس المال .ـ

و" العمالة الثقافية" ميد إن آفريكا :ـ

و لو عدنا لفريق " عملاء" الثقافة في ساحة الفن الإفريقي المعاصر فـ "هؤلاء الناس" لا يوصفون أنفسهم بصفة " العملاء" لكنهم يستخدمون عبارة ألطف و أشد فتكا في نفس الوقت هي « القيّم»أو صاحب القوامة المفهومية و الإدارية و المالية على الفنان و على المعرض. فمنظم المعارض في رطانتهم هو الـ " كيوريتار» :ـ
Curator
و ترجمتها المتوفرة ـحاليا ـ في العربية:ـ هي " القيّم"،[ من القوامة و صاحبها هو قيّم المعرض أو قيّم المشروع الفني]. قد نجح الأنجلوساكسون ـ بجاه التأثير الأمريكي ـ في فرض مصطلح الـ " كيوريتار" في فرنسا التي كان أهلها ، حتى سنوات الثمانينيات، يستخدمون عبارتي "قوميسير »[و هو المُكلّف بمهمة أو مشروع]ـ"
Cmmmissaire
و "كونسيرفاتور"[و هو الأمين أو المحافظ].ـ
Conservateur
و الـ "كيوريت"
curate
في الأصل الإنجليزي تدل على رجل الدين المدني الذي يساعد القس في أداء مهامه في الكنيسة، أما" كيوريتور"الفرنسية
curateur
فهي تدل على الشخص الراشد الذي يعتني بالطفل القاصر أو يتولّى أمر الشخص من ذوي العاهات.و الـ " كيوريتار"
Curator
هو الشخص الذي يتولى مسؤولية القوامة على العرض في متحف أو غاليري. و هي مسؤولية تتنوع حسب حدود الممهمة المكلف بها القيّم. سواء كانت إختيار الفنانين أو إختيارالمعروضات أو تحضير النصوص المصاحبة للعرض أوتولي إختيار المقتنيات إلخ.و في عروض الفن الإفريقي المعاصر من النادر جدا أن ينظم القيم معرضا واحدا لفننان فرد، فالسائد في هذه المعارض هو الطابع الجماعي، من جهة لأن الفنان الإفريقي الفرد ، هو في الغالب شخص بلا سيرة معروفة أو بسيرة فقيرة في المعلومات بالنسبة للجمهور الأوروبي أما لقصر عمره الفني أو لصعوبة تحصيل الأدب النقدي في خصوص عمله.أما المعارض الجماعية فهي تتميز بكونها تنبني على موضوع مشترك،" ثيمة"، ينضوى تحت مظلته الجامعة أكبر عدد من الفنانين فضلا عن كون المعارض الجماعية تمكن القيّم من تمثيل القارة ،غالبا ، من خلال فنان من كل بلد.و هي طريقة تتيح للقيم معالجة الموضوع الفني العام مثل :ـ " الهوية " ،" الآخر" «  الذاكرة"،"التراث"، المستقبل"،"الحرية" ،"السلام" و غيرهابتنويعات عديدة شخصية و قومية هذا النوع من المعارض الجماعية يحتاز على رضاء الجميع، الرعاة و الجمهور [الأوروأمريكي]، كونه يزعم تلخيص إفريقيا بأكملها و بكامل تعقيداتها في معرض واحد. فلا أحد يفكر اليوم في إقامة معرض للفن الأوروبي أو للفن الآسيوي أو الأمريكي. لكن القارة الإفريقية هي الوحيدة بين قارات العالم التي ما تزال موضوعا لطموحات القوامة المعارضية الأوروأمريكية.ـ
و في المعرض الجماعي، أي معرض جماعي يتم إختيار أعمال الفنانين من طرف القيم ، حسب إنسجام العمل مع الموضوع الذي عرّفه القيم للمعرض. و في هذا السياق يصبح عمل الفنان كمجرد إقتطاف ينتفع به القيم في دعم مشروعه من خلال تنظيم نسيج المساهمات المختلفة.هذا الواقع يمسخ المعرض الجماعي شأنا خاصا بالقيم أكثر من كونه شأن الفنانين العارضين.و هكذا يكتسب شخص القيّم ،بحكم موقعه الإداري، أهمية تتجاوز أهمية كل فرد من الفنانين العارضين كونه يتحكم في إختيارهم و إختيار أعمالهم حسب الخطة التي رسمها للمعرض.و تطرح هذه الوضعية الغريبة أكثر من سؤال حول المشروعية الفكرية و الجمالية التي تموضع القيّم فوق أي من الفنانين المساهمين في معرضه.و طبعا نجانب الصواب لو صدقنا أن القيّم شخص حر يصمم معرضه و يختار موضوعه و فنانيه حسب مقتضيات جمالية بحتة. فالمعارض الجماعية الكبيرة تفترض ميزانية مهمة و إعداد "لوجستي" ضخم.و هي أمور لا تتيسر إلا للرعاة القادرين الذين تسندهم أجهزة الدولة أو الشركات التجارية و الصناعية الكبيرة أو المنظمات الدولية المهمة.و يبقى«المال عصب الحرب» حتى في ساحة هذه الحرب الغريبة التي اسمها الفن الإفريقي المعاصر.و في هذا المشهد، مشهد العلاقة بين القيم و الراعي، يفقد القيّم مشروعيته الأخلاقية مثلما يفقد استقلاليته الإدارية الإفتراضية و ينمسخ لمجرد منفذ لمشيئة الراعي الذي يدفع تكلفة العرض، أو كما جاء في الأثر"خادم الفكي مجبورة على الصلاة"و ترجمتها
He who pays the piper dictates the tune
و صلاة القوامين في "مائدة معاوية" مؤسسة ذات أصول و أتيكيت يرعاه كل من يحلم بدخول ملكوت الفنأفريقانية الأوروأمريكية.و أول أركان العقيدة الفنأفريقانية هو قبول خرافة الهوية الثقافية كإطار مفهومي لعمل الفنان الإفريقي المعاصر.طبعا الهوية الثقافية للفنان الأوروأمريكي الوافد من الفضاء الثقافي للطبقة الوسطى الأوروأمريكية البيضاء النصرانية، لا خوف عليها و لا حزن، فهو « عارف عزه و مستريح» و قد يعمل في صمت ، أو يملأ الدنيا ضجيجا دون أن يشغل نفسه بأسئلة الهوية الثقافية ، فهو حر حرية بلا حدود. أما الفنان الإفريقي فموضوعة الهوية الثقافية تنطرح عنده كهاجس بحث عصابي بلا نهاية. و وضعية البحث عن الهوية تعني ببساطة أن هذا الإفريقي الفنان هو كائن بلا هوية ثقافية، أما لأنه فقدها من تلقاء نفسه بإنكارها أو بالتفريط فيها أو لأنها صودرت منه بيد غيره[ إقرأ بيد المستعمر الأوروبي].طبعا لا أحد ، بين سدنة نظرية الهوية الثقافية، يتأنّى للتفكر في الإستحالة المفهومية لوجود كائن " بلا هوية" ثقافية، كائن منقطع عن الثقافة ، يقف معلقا في الفضاء كما شخوص " شاغال" الفالتة من قانون الجاذبية الأرضية. و بحث الفنان الإفريقي عن هويته الثقافية يؤدّي به للموضوعة الثانية التي لا تقل عنها أهمية، و هي موضوعة " الصدمة" الثقافية أو ما يسميه القوم بـالـ "تروما»،:ـ
Trauma
و " الصدمة" الثقافية هي ما يصيب صاحب الهوية الثقافية الإفريقية حين يجد نفسه ـ في إفريقيا أو في أوروبا أو أمريكاـفي مواجهة هوية ثقافية مغايرة [ و قيل :معادية].هذه الهوية الثقافية المغايرة أو المعادية تعرف حدود الإطار المفهومي الذي يتحرك فيه الإفريقي الباحث عن هويته.ذلك أن الإفريقي لا يبحث عن هويته على مرجع أي هوية أخرى ، مثل الهوية الصينية أو الهندية أو هوية الأمريكان اللاتينيين أو هوية هنود أمريكا إلخ، و إنما يبحث عن هويته الثقافية بالتعارض أو بالمقارنة مع الهوية الثقافية للأوروبيين. و سواء بنى الإفريقي هويته على منطق التعارض أو على منطق المقارنة فهو يبقى رهينا لحالة إحباط ثقافي و نفسي كبير لأنه يعرف أنه لن يكسب الحرب ضد الخصم الهويولوجي الأوروبي الذي يمتاز عليه بكونه يحتل موقع الخصم و الحكم معا مثلما يعرف أنه لن يدرك مقام النموذج الهويولوجي الأوروبي أبدا.و في هذا المشهد يمكن عقلنة نبرة العداء للغرب الثابتة في أدب الهوية الفنأفريقانية سواء صدر من طرف الأفارقة أو من طرف الأوروبيين الضالعين في تقديم الفن الإفريقي المعاصر للعالم الأوروأمريكي.و لا أظنني بحاجة لطرح الأمثلة حول الأدب النقدي، الذي يبذله فنأفريقانيون أوروبيون من طينة[ «مارتان» و «فوغل» و «كلير» [و آخرون]، و الذي يطفح بآيات العداء السافر للهوية الثقافية الغربية ، إما بسبب إرتباطها بالهيمنة الإستعمارية و الإستغلال الرأسمالي أو بالنزعة العرقية أو بالأنانية الأوروبية و تهميش الآخر إلخ، و فيهم من لا يتورع عن التنبوء بقيامة الغرب و إنقراض حضارته إلخ. لكني ، في أسطري القادمة ، سأحاول فحص الملابسات التي تحفز الفنأفريقانيين الأفارقة المعاصرين على الإنخراط في النسخة الأوروأمريكية لهويولوجيا الإستبعاد.ـ
سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
ياسر عبيدي



اشترك في: 27 مارس 2008
مشاركات: 1147

نشرةارسل: الثلاثاء يناير 03, 2017 6:29 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع



سلام يا حسن .. متابعين ومستمتعين


الصورة المرفقة صورة قديمة قطعتها من مجلة أفتكر أمريكية، ولا أدرى ما إذا كانت هذه المجلة مازالت موجودة عندى أم لا، المهم أنها لفنان أرجِّح أنه أمريكى، وأذكر التعليق المصاحب لصورته هذه يوضح موقفه الرّافض لمفهوم "الفن أفريقانية"، ولأن الصورة أكبر من "الإسكانر" ألصقتها على جزئين، لذلك قد تظهر ما مظبوطة:








عدل من قبل ياسر عبيدي في السبت يناير 21, 2017 12:18 pm, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3005

نشرةارسل: الاربعاء يناير 04, 2017 1:19 pm    موضوع الرسالة: مزروعي و أرزاق الهويولوجيا الأفريقانية رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا ياسر
زي ما شايف عندنا مشكلة مع تحميل الصور في المنبر
و قلة حيلتي الرقمية لا تسمح لي بأكثر من الإنتظار حتى يصل " أهل المروءة الرقمية" و يفرجوها علينا.
و كان ماوصلوا إلا نبيع حماري دا و نفرجّا على رقبتي و...هيهات.






علي مزروعي
و أرزاق الهويلوجيا الإفريقانية

ختمت مقالي السابق بوعد فحص الملابسات التي تلهم الفنأفريقانيين الأفارقة الإنخراط في النسخة الأوروأمريكية من " صنعة" هويولوجيا الإستبعاد الإجتماعي.ـ.
و في هذه الأسطرعن لي التأني عند كلمة للباحث الإفريقي المعروف "علي مزروعي"، أظنها تصلح مثالا لعقلنة حالة الإحباط الثقافي التي تسكن وجدان الأفارقة الذين ينظرون وجهة النموذج الأوروبي.ـ
و علي مزروعي[1933ـ2014] :ـ
Ali Mazrui
لمن يجهلونه ،أكاديمي كيني مسلم،كان أستاذا للعلوم الإنسانية في جامعات نيويورك[ بينغهامتون ] و كورنيل و ميتشيغان. و جامعات جوس [ نيجيريا] و
ماكريري[ يوغندا] و جوموكنياتا [كينيا]، و إلى جانب نشاطه الأكاديمي و السياسي عمل مزروعي ايضا كمستشار في البنك الدولي. و في الولايات المتحدة اشتهر كناشط "بانأ فريكاني" وسط الآفروأميريكانيين الذين كان يعتبرهم أفضل وسيط للتواصل بين أمريكا و أفريقيا.و مزروعي، عبر مساهمته في الكتاب الجماعي،" ملهمات الحداثة، دراسات في الثقافة كتنمية في إفريقيا" لو جازت ترجمتي لـ :ـ
The Muse of Modernity, Essays on culture as Development in Africa,.Editedby Philip G.Altbach and Salah M. Hassan, Africa World Press,Inc.1996
يطرح نقدا لمؤسسات الثقافة الإفريقية الحديثة ، أقل ما يمكن أن يقال فيه هو تحامله على النخب الإفريقية بجريرة عجزها عن خلق هوية ثقافية تطلق التنمية الإجتماعية و تحرر المجتمع الإفريقي من عقابيل التخلف.
و مساهمة مزروعي في مقالته التي تتصدر الكتاب، و التي اختار محررا الكتاب عنوانها كعنوان للكتاب :ـ
Perspective;The Muse of Modernity and the Quest for development
هي بمثابة تلخيص لمحتوى الكتاب حتى أن القارئ ليتساءل عن ضرورة حضور المساهمات الأخرى التي تكاد تكرر ما جاء في مقالة مزروعي.و الكتاب تجميع لمساهمات عدد من البحاث المعنيين بالثقافة الإفريقية يوصفهم كاتبا التصدير :ـ [فيليب جي آلت باك و صلاح حسن ] ،بكونهم"من أفضل المفكرين في قضايا الثقافة الإفريقية » ممن يتقاسمون "قناعة كون الثقافة محورية بالنسبة للتنمية الإفريقية ". و قد تمت مساهماتهم في إطار مؤتمر انعقد في مركز بيلاجيو للبحوث بإيطاليا التابع لـ"مؤسسة روكفلر" في 1995،وبعون من السلطة السوديدية الدولية للتنمية و " مؤسسة فورد" بفضل بعض مؤسسات الرعاية الثقافية الأمريكية.و يرى كاتبا التصدير أن " الكتاب يعكس الأفكار التي طرحتها "ألبرتا آرثرز"، مديرة شعبة الفنون و الإنسانيات في "روكفلر فاونديشان"، في مؤتمر" الثقافة والتنمية في إفريقيا جنوب الصحراء" الذي عقده "البنك الدولي" عام 1992.ـ و فكرة "آرثرز" المحورية تتلخص ، حسب عبارتها في أن "النظرة السائدة للتنمية تتميز بكون التنمية حركة تنطلق من الشمال في إتجاه الجنوب لكننا يجب أن ننظر للثقافة بطريقة مختلفة.فالثقافة تتحرك في إتجاهات عديدة.حركة الثقافة أمر يصعب التنبوء بإتجاهه.إنها لا تسير في إتجاه واحد".و يلتقط مزروعي فكرة "تحرير" الثقافة من سياق التنمية الإقتصادية التي تبشر بها "ألبرتا آرثرز"، و التي تمسخ الثقافة لحال ظاهرة روحية تهوّم فوق التناقضات الإجتماعية الطبقية و فوق قوانين الإقتصاد، لينتفع بها في دعم استراتيجية البنك الدولي الذي يتمتع مزروعي فيه بمنصب " مستشار" في قضايا الثقافة و التنمية في إفريقيا. ـ

و مزروعي ،الذي يعول كل التعويل على الثقافة، بل و يجعل منها اساسا للتراتب الإجتماعي أو كما جرت عبارته :ـ"المنفعة الرابعة للثقافة تتعلق دورها كأساس للتراتب الإجتماعي.فالثقافة إذا لم تخلق التصانيف الإجتماعية كالفئة و الطائفة و الطبقة فهي تؤثر فيها بعمق".ـ

"The forth fonction of culture concerns its rôle as the basis of stratification.Rank,caste and class are all profoundly conditioned by-if not created by- culture"(P.2)ـ
و على أساس مفهومه للثقافة يلوم مزروعي المجتمعات الإفريقية لأنها لم تؤصل ثقافة الحداثة في اللغات المحلية و قعدت في إسار اللغات الأوروبية، لغات المستعمرين الإنجليز و الفرنسيين.ـ
و مزروعي يستخدم مفهوم " الحداثة المؤصلة" :ـ
Indigenized modernization
و يورد مثال التنمية الصناعية الكبيرة لليابان و كوريا لكون اليابانيين و الكوريين نجحوا في جعل لغاتهم القومية وسائط علمية ذات كفاءة في حين بقيت إفريقيا في حالة إعتماد تام على اللغات الأوروبية. طبعا مزروعي ، أستاذ العلوم السياسية و العالم الأنثروبولوجي الأفريقاني ،لا يجهل أن إفريقيا قارة ينطق أهلها في أكثر من لغة، و أن اليابان أرض و دولة و قومية تكونت عبر القرون على تاريخ مشترك و قيم ثقافية مشتركة و أن أهله يتقاسمون لغة مشتركة إلخ، لكن مزروعي يبيح لنفسه مقارنة جائرة تتجاهل الإختلافات الإجتماعية و الثقافية الكبيرة بين إفريقيا و اليابان أو كوريا.لماذا؟مندري؟ لكني اظن ـ غير آثم ـ أن التفسير الوحيد الممكن لهذا الشطح المناهجي [ ميثودولوجي] هو أن مزروعي يتجاهل معطيات التاريخ الإجتماعي للقارة الإفريقية [و لليابان] لأنه يداهن عواطف جمهور آفروأمريكي لا يبالي كثيرا بكون إفريقيا قارة أم قطر.جمهور أمريكي أسود [ و أبيض] القارة الإفريقية عنده هي بلاد السود و السلام.و من وراء الجمهور الآفروأمريكي يتوجه مزروعي لمؤسسات رعاية الثقافة الآفروأمريكية و الثقافة السوداء في إفريقيا ، و جلها مؤسسات أمريكية تسندها الشركات الكبيرة التي تشكل عماد دوائر رأس المال في العالم. "
و خلاصة حركة مزروعي تنتهي لقناعة غريبة تعتبر "العلمية" خاصية مودعة في وسيلة اللغة و ليست في منهج التفكير العقلاني الذي يتوصل إليه المجتمع في لحظة من لحظات تطوره الثقافي.و يخلص مزروعي ، في براءة مفهومية تامة، إلى أن هناك لغات علمية و لغات تفتقر للعلمية،فكأنما وسيلة اللغة تتحصل، بطريقة ما، على ذلك الـ "سمسم" السحري الذي ما أن ينطق به حتى تنفتح مغارة المعارف العلمية ويخرج الأفارقة من سجن التخلف.ـ

مزروعي لا يكتفي بمطلب تحويل اللغات الإفريقية لوسائط علمية لكنه يطالب الأدباء الأفارقة بالكتابة في لغاتهم الإفريقية بدلا عن الفرنسية و الإنجليزية.و لا يسلم من لومه الهويولوجي كاتب في أهمية"وول سوينكا" لأنه لم يكتب لجائزة نوبل في لغة قومه الـ"يوروبا"كما جرت عبارته :ـ".منذ 1986 نال ثلاثة أفارقة جائزة نوبل للأدب.كان من الممكن لعربي كنجيب محفوظ أن ينال جائزة نوبل للأدب عن كتابته في العربية ،لغته الأم . كما كان ممكنا لكاتبة جنوب إفريقية بيضاء ، "نادين غورديمر" ،أن تنال جائزة نوبل للأدب عن كتبها المكتوبة في لغتها الأم الأوروبية، لكن لم يكن ممكنا للكاتب الأسود الوحيد، «وول سوينكا»،أن ينال جائزة نوبل للأدب عن كتابته في لغة اليوروبا ،لغته الأم.و ما كان لـ "سوينكا" أن يدخل مضمار المنافسة إلا في لغة الآخر الإمبريالي.إن الهيمنة اللغوية الأوروبية على ثقافات المجتمعات الإفريقية جنوبي الصحراء أشد وطأة من الهيمنة اللغوية الأوروبية على العالم العربي. »[ص5]. ».ـ

رحم الله مولانا "كاتب ياسين" ، الأديب و المسرحي الجزائري الفرانكفوني الذي خاض حرب التحرير من الإستعمار الفرنسي ، و الذي كان يقول :ـ" اللغة الفرنسية غنيمة حرب »،ردا على لائميه من رفاقه الذين كانوا يعتبرون كتابته في اللغة الفرنسية علامة إستعمار ثقافي. و هي قولة تلخص بذكاء كبير كل تركيب الظاهرة الثقافية تحت شروط الهيمنة الإستعمارية ،كون المجتمع المستعمَر يتملك وسائل الثقافة الإستعمارية و يعيد تدويرها و يشحنها بمضمون إجتماعي مضاد للإستعمار. و لو تمادينا بقولة كاتب ياسين لنهاياتها المنطقية فاللغة و الفن و الأدب و جملة المعارف و الخبرات التي يتحصلها الشخص المستعمَر ،تحت شرط الهيمنة الإستعمارية للأوروبيين، تصبح "غنائم حرب" قابلة للإستثمار الثوري التحرري الذي يعيد تأهيلها لصالح قضية التحرر الإنساني. لكن مزروعي ـ لسوء حظنا ـ ليس كاتب ياسين.مزروعي ينتظر من الأفارقة أن يقوموا بإعادة "إختراع العجلة" لأنه لا يقبل لهم أن يستخدموا العجلة الموجودة التي جلبها الأوروبيون في متاعهم الإستعماري. ، ربما لأن مزروعي المتخندق في حمى أصالة ثقافية إفريقية مصنوعة من متاع الإكزوتية الأوروبية، بعيد كل البعد عن واقع حركة التحرر من الإستعمار التي تعيد إختراع فكرة الأصالة الثقافية الإفريقية بطريقة خلاقة حسب معطيات الواقع و ضروراته.فقراء كاتب ياسين الجزائريين [و غير الجزائريين] كانوا في أغلبهم من الفرانكوفونيين الذين لم يسمح لهم النظام التعليمي الإستعماري بتعلم العربية ، لكن كاتب ياسين كان يعرف أن الأولوية القصوى لهؤلاء القراء كانت التحرر من الإستعمار قبل تعلم العربية.و في هذا المشهد تتجلّى كل أصالة كاتب ياسين كمبدع "إفريقي" واع بأولويات مجتمعه.و أنا أضع صفة " إفريقي" بين مزدوجين لأن مزروعي ، مثل عدد كبير من دعاة البانأفريقانية المعرقنة ،لا يعتبرون أهل شمال إفريقيا أفارقة مثل غيرهم من سكان القارة.فهم " بيض" لأنهم ليسوا "سودا" بما يكفي لإدراجهم في هذه الفرقة السوداء الناجية[ من ماذا؟مندري؟]، و لهذا ورد تنويهه بصفة نجيب محفوظ كـ "عربي" في قوله :ـ"
«It was possible for an Arabe -Neguib mahfuz -to win it(The Nobel Prize) for literature in his native Arabic »
(P.5)
أما الكاتبة الجنوب إفريقية "نادين غورديمر" ،فهي ـ رغم تاريخها الطويل العامر بالتضحيات في مناهضة نظام الأبارتايد،إلى جانب حزب مانديلا،" المؤتمر الوطني الإفريقي"، لا تنج من آلة الأصالة الإستبعادية في يد مزروعي الذي يحيلها بجرة قلم بعيدا عن القارة الإفريقية التي ولدت و عاشت فيها عمرا طال لـ 90 عاما[1923ـ2014]،يحيلها مزروعي، خبيرالبنك الدولي، الذي يتأفف من الفكر الإشتراكي باعتباره فكر غربي غريب على أصالة القارة و مستورد من أوروبا، يحيلها لأوروبا بذريعة كونها"بيضاء" تكتب في اللغة الإنجليزية.[نفس الإنجليزية التي نقرأ فيها نحن أدب مزروعي الكاتب الآنجلوفوني].ـ
.
«It was possible for a South African white -Nadine Gordimer- to win the Nobel Prize for books written in her native European language »
أما "سوينكا"فمصيره أشنع من مصير محفوظ و "غورديمر"لأنه يقيم في مقام الخائن السامي الذي يشيح عن أصالته اللغوية ليكتب في لغة المستعمر بدلا من الكتابة في لغة أهله اليوروبا.. رحم الله مولانا " مانديلا" الذي كان يقول" أنا عربي، أنا جزائري، أنا مسلم" في زيارته الثانية للجزائر1990، التي كانت أول من قدم لحزب المؤتمر القومي الإفريقي ،في 1962، العون المادي و الرمزي حين بدأ نضاله المسلح ضد نظام الأبارتايد.ـ أتحسر على رحيل مانديلا كلما لمست نوع الرواج المريب الذي تلقاه البانأفريقانية المعرقنة على يد دعاة هوية ثقافية إفريقية صارت أداة عالية الكفاءة في صيانة الفرقة و التشظي بين أهل القارة.ـ
هذا المزروعي لا يحتاج لمن يذكره بأن اللغة العربية لغة إفريقية و أن اللغة الفرنسية لغة إفريقيةو أن اللغة الإنجليزية لغة إفريقية،لأنه يعرف كل هذه البديهيات. مزروعي هو في حقيقته الطبقية واحد من سدنة الهويولوجيا الإستبعادية الذين يرتزقون لقاء عملهم في صيانة مصالح دوائر رأس المال في ساحة المنازعة الآيديولوجية المعاصرة.و فضله ـ في نظر مخدميه ـ على العملاء الأوروأمريكيين من شاكلة "فوغل" و " مارتان" يكمن في كونه يلعب دور " شاهد من أهلها" لا سبيل لرميه بسبة الإستعمارية، ذلك لأنه إفريقي قرينة أصالته مكتوبة على بشرته السوداء. تاني شنو؟
تاني مافي غير الإمساك بمواقفه و نصوصه و فرز اشتباهاتها السياسية و الجمالية حتى يتاح للأفارقة ،و لغير الأفارقة ، عقلنة هذا الجنس من أجناس هويولوجيا الإستبعاد" اميد إن آفريكا"، و الذي صار «  صناعة » رابحة يتوسل بها نفر من الناس ـ سودا و بيضا و ما بينهما من « خاتفي الألوان » الأراذل ـ لكسب عيشهم و إن كلفنا ذلك الكسب استبعاد الأفارقة عن دائرة المبادرة الحضارية المعاصرة..ـ

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
ياسر عبيدي



اشترك في: 27 مارس 2008
مشاركات: 1147

نشرةارسل: الاربعاء يناير 18, 2017 7:16 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا حسن

تمكنت من تحميل الصورة اللوحة عبر موقع خارجى.

.. هناك جزء مهم ورد عندك فى موضوعك بالعدد الثالث من مجلة "كتابات سودانية" بعنوان: "شُبهات حول الهوية"، يدور حول توجه "الغربيين"، بإيعاز من بعض الأساتذة، للنهل من الثقافات الأخرى بالذات الأفريقية، فى شتى ضروب الفنون وذلك لشعورهم بإفلاس الحضارة الغربية فى هذه المجالات. أرى أنه لصيق بأجزاء ممّا كتبته هنا ولكنك أغفلته. أرجو أن تجد له مُباصرة ما لتدعيم كتابك هذا العالى القيّمة.

بالمناسبة الخيط إتفتل من خطوط الروابط الموجودة فى رسائلك، قم بوضعها فى حجم خط صغير.

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد سيد أحمد



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 512
المكان: الشارقة

نشرةارسل: الاربعاء يناير 25, 2017 2:49 pm    موضوع الرسالة: ووو رد مع اشارة الى الموضوع

قبل شوية كنت بشاهد فى قناة سودانية24
راش دياب بيتحدث عن مدارس الفن التشكيلى فى السودان
ذكر مدرسة الخرطوم
والمدرسة الكريستالية
ومدرسة الواحد

عن مدرسة الخرطوم قال من اطلق التسمية هو تنيسى ويليامز
انا قلتا بسم الله تنيسى ويليامز زولنا بتاع المسرح
رجعتا لبوست حسن موسى دا ولقيت الزول
اسمو دينيس ويليامز
هى ما فرقت كتير دينس وتنيسى كلهم عجم
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة AIM عنوان
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2
صفحة 2 من 2

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة