رائحة الجنة. (شذرات من رواية شاهد عيان على نكبة فلسطين)

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 713

نشرةارسل: الاربعاء يونيو 07, 2017 12:25 pm    موضوع الرسالة: رائحة الجنة. (شذرات من رواية شاهد عيان على نكبة فلسطين) رد مع اشارة الى الموضوع

التحية للجميع هنا.وآمل أن تكونوا على مايرام.عثمان

عدل من قبل عثمان محمد صالح في الاحد يونيو 11, 2017 5:58 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 713

نشرةارسل: الاربعاء يونيو 07, 2017 12:30 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

رائحة الجنة

ماكان بوسعي الوقوف على شيء مما قد يكون قد دار بخلد غسان كنفاني وهو ينعت فلسطين في إحدى مجموعاته القصصية بأرض البرتقال الحزين حتى قيّضت لي الصدفة التعرف على فلسطيني آخر يُدعى أنيس النَجَمي وهو نقابي وفدائي مخضرم مازال قلبه يتّقد حماساً للقضية التي وهبها حياته. يمتزج في تكوينه الفكري ماركس وماو وجيفارا وفانون وتجارب حركات التحرر الوطني. في السابعة والسبعين من العمر. نشط في صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، شارك في عملياتها الفدائية ودبج المقال السياسي على صفحات مجلة " الحرية ". قاتل وقوتل وحوصر مع رفاقه في حرب أيلول 1970.. جاع وعطش حتى اضطر لشرب بوله الخاص من بطن الحذاء العسكري ذي الرائحة القاتلة. مؤتزراً حلكة الليل تدرب على مهارات التسلل من وراء ظهر العدوّ والعودة دون أن يصيبه مكروه متخذاً إلى ذلك دروباً تشقّ أودية ملغومة بالمخاطر تتربّص به من وراء كل نبتة وتل، يغالب باستمرار دواراً لاشفاء منه يباغته في كل مكان وغالباً ما ينتهي إلى غيبوبة تضع حياته على محك الخطر .

التقيت بالنجمي في مدينة تِلْبُرُخ الهولندية حيث روى لي* طرفاً من سيرته الذاتية المعجونة (والتعبير للنَجَمي نفسه) بوقائع عام 1948، عام النكبة الفلسطينية:

" في مسجد الفتح بتِلْبُرُخ -والحديث للنَجَمي - تذكرت طريق العودة من يافا إلى البيت في بلدة عبلين - قضاء شفا عمرو.
أثناء انتظار المصلين للإمام بعد أن صلّيت ركعتين تحيّة للمسجد جلس إلى جانبي شخص لا أعرفه ناولني حنجوراً من المسك شممته فأصابتني
بالدوار رائحة من الماضي جعلتني أردّد : اللهُّم صَلّ وسلم على سيّدنا محمد. هدهدتني الرائحة حتي أوشكت على النوم أثناء الصلاة واعتصر قلبي ألم عظيم قاومته بشق الأنفس حين داهمتني ذكرى فلسطين المحتلة فأتممت الصلاة بمشقة بالغة لحظها المصلون من حولي إذ كنت أترنح محاولاً بقدر المستطاع الثبات معتدل القامة وأنا أقاوم الدوار كلما طالت الصلاة وقد تبلّل وجهي وصدر جلبابي بدموع غزار تفجّرت كينبوع يزفر الأسى والشوق والشجن.

كنت طفلاً غريراً برفقة أبي يتهادى بنا الباص من يافا إلى عبلين بين مسافرين مستغرقين في تجاذب أطراف الحديث عن الشئون اليومية حتى انتزعتهم منها هبّة قوية أشاعت في الأنحاء أريج البرتقال اليافاواي. سمعت همهمات المسافرين بوجوه ناضحة بالبشر وهم يتبارون في الصلاة على النبي شكراً لما أُوتيناه من نادر العطر الذي يضوع وكأنه يهبّ من الفردوس.. تلك كانت بالفعل جنّة طفولتي فعندما نظرت من نافذة الباص شاهدت على مدّ البصر صفوفاً من أشجار البرتقال تنوء بحملها من الثمار اليانعة التي اثقلت الأعضان حتى كادت أن تلامس الأرض .. شاهدت أشجار الليمون واليوسفي والقريب فروت المثمرة. ثم رفعت بصري إلى قمم أشجار النخل العالية البعيدة محمّلة بعراجين يخطف الأبصار بريقها اللامع في ضوء شمس فلسطين الرازحة تحت الانتداب البريطاني. استسلمت لسطان الأريج الطاغي الذي أشاع في أعطافي خدراً أرخيت له القياد واغمضت جفنيّ ليقودني إلى حيث يشاء.
---

* استمعت إلى أنيس النجمي وهو يحكي مايرد هنا باللغة المحكية. تركته يستسرسل بلاقيد ويستجيب بطلاقة لشتى الانفعالات التي انتابته اثناء ذكره للوقائع .كان يهتف حيناً، وحيناً آخر كان صوته ينخفض حتى تمسي متابعته أمراً في غاية الصعوبة. كان يبكي تارة، وتارة أخرى يبسم في حزن. وكان في كل ما يصدر عنه من أفعال وأصوات يتعذب في سعيه لنفخ الروح في مشاهد الماضي.

ساعات طوال وأنا اصغي إليه لا أقاطعه إلا لالقي عليه سؤالا أو ملاحظة. ثم قمت بتفريغ مااستمعت إليه وباسلوبي وطريقتي في الكتابة..

ع. م .ص


عدل من قبل عثمان محمد صالح في الاحد يونيو 11, 2017 6:41 am, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد سيد أحمد



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 541
المكان: الشارقة

نشرةارسل: السبت يونيو 10, 2017 6:38 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عثمان محمد صالح


يا
لتلك الرائحة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة AIM عنوان
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 713

نشرةارسل: السبت يونيو 10, 2017 8:18 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سلام ياأخي العزيز محمد سيد أحمد. أرجو أن تجد وقتاً لمطالعة ماسيتصل من قول عن أنيس الاستثنائي وفلسطين.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 713

نشرةارسل: السبت يونيو 10, 2017 8:42 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الطفولة الباكرة

ولدت، أنا أنيس كامل النَجَمي، في 12.10.1940 في بلدة عبلين التابعة لقضاء شفا عمرو. أنحدر من أسرة كبيرة مكونة من والدين وأحد عشر طفلاً: أربع إناث وسبعة ذكور. وكنت الثاني من حيث الترتيب يكبرني أخ . ويدلّ اسمي على انتسابي لبيت النَجَمي وهو بيت معروف في عكا حيث كان جدي سليم النجمي من أعيان القوم بها. ويمتد البيت ليشمل حيفا والناصرة وشفا عمرو وعبلين وتمرة. وهي بلدات متقاربة بعضها من بعض. أصل النَجَمية وسُرّة جمعهم عكا التي هي أول مايخطر على بال أي فلسطيني متى ما سئل عن بيت النَجَمية.

سكنا بعكا وكان أبي يشتغل عاملاً ميكانيكياً في محطة السكة حديد بحيفا. وعندما تلبدت أجواء عكا بحوادث العنف اليومية خشي أبي أن يصيبنا مكروه فقرّر نقلنا إلى عبلين حيث أقمنا في بيت أهل أمي حتى خروجنا من فلسطين عام 1948.

كان البيت واسع الأرجاء، رحب الحجرات وعالي السقف. ولجدرانه مايشبه الشرفة الداخلية تسمّى سدّة وهي مكان مخصّص لحفظ الأغراض غير المستعملة. وللوصول إلى السدّة لابدّ من الصعود على
درج ترقاه وعندما تبلغ نهايته لتطل على الألحفة المطويّة وأواني صنع القهوة التي يستجلب بُنها من اليمن السعيد تهبّ في وجهك عاصفة مرفرفة ومذعورة يحدثها فرار الطيور التي اتّخذت من السدّة وكراً. تتفرق الطيور في القِبَل الأربع مخلّفة وراءها زقزقات الزغاليل الخائفة من المجهول.
تتناثر في محيط البلدة آثار قديمة. وبه وادٍ يقال أن المسيح اتّخذه مرعى لأغنامه.


دخان اللعنة

عند حلول المغيب في عبلين كنت أرقب تحولات الشمس الغاربة وأيلولة أشعتها إلى مايشبه خيوطاً حمراء اللون وبرتقالية تنسل من أطراف رداء قديم مهلهل.
ثم أخذ صوت القتال يدنو أكثر فاكثر.... ومن فوق مزبلة عالية ارتقيها كنت أطلّ على حركة السفن القادمة لميناء عكا فأرى الدخان الاسود يتصاعد من دويّ الانفجارات.. كان الجوّ كله محتقناً وملغوماً بكارثة وشيكة الحدوث..
كان نشاط الهاغاناه وغيرها من العصابات الصهيونية يتنامى وتزداد أعداد ضحاياهاويتطاول سجل جرائمها ضد العرب و تتوحش فظاعاتها مثيرة الرعب بين المدنيين.
اعتمت الدنيا ودبّ دبيب الذعر وأخذت النيران تندلع من كروم الزيتون. ثم نادى منادٍ من جهة المسجد: العرب وصلت.. الجيوش العربية وصلت.

وذات يوم تنادى رفاقي في المدرسة ثم ركضوا فلحقت بهم وهم يطلّون على الطريق القادم من حيفا ويافا يذرعه جنود يدبّون على الارض في مشية عسكرية.
.كان ذلك جيشاً من أرض الحجاز ينشد أهزوجة حماسية.
سار الجيش وسط ترحاب الأهالي الذين أكرموا وفادة الجنود بالشاي المصنوع في الطناجر الكبيرة.. وبرؤية هؤلاء الجنود وهم يشيعون الحماس والجرأة آبت السكينة والطمأنينة إلى القلوب، وارتفعت المعنويات التي كانت قد انحدرت إلى الحضيض.
سار الجنود حتى بلغوا دكاناً قريباً من المقبرة وعسكروا هناك.

مارد من فلسطين

خيّم الجيش السعودي ليلته تلك بالقرب من مقبرة البلدة. وفي وقت متأخر من الليل شقّ سكون البلدة الهاجدة تحلم بالنصر المؤزر بعون الجيوش العربية على العصابات الصهيونية قرعٌ متتالٍ لأبواب الدور. طُرِقتْ
الأبواب من حولنا. ثم طُرِقَ بابُ دارنا أيضاً فاستيقظ أبي وخرج ليستجلي حقيقة الأمر. تناهى إليّ صوت يذيع على الأبواب المطروقة في نبرة فرح: إجا محمود.. إجا محمود .. ومحمود هذا من زمرة المجاهدين وهو رفيق للشبلي الذي كان هو الآخر مجاهداً ذائع الصيت في المنطقة.
الشبلي وما أدراكم ما الشبلي!...هباه الله القوة الخارقة والعقل الراجح وفوق هذا وقبله قلباً ينبض شغفاً بفلسطين.

كان يمتلك مخبزاُ لكنه كان مولعاً بصحبة المجاهدين يتبعهم ليل نهار والسلطات البريطانية تلاحقه وتقتفي أثره. وكثيراً ما أتي الجنود البريطانيون لينصبوا الرشّاشات ويضربوا الحصار على عبلين بحثاً عن الشبلي، لكنه كان يعرف كيف يفلت من فخاخهم المحكمة. وفي إحدى تلك المرات تمكنت السلطات من القاء القبض عليه واقتياده مصفّد اليدين والقدمين بالجنازير، ومع ذلك لم يستسلم بل ظل يقاوم الجنود من حوله وهو يساق في القيد حتى غيّبوه عن الانظار.. ولكن المفاجأة تمثلت في عودة السلطات بعد أسبوع من أسرها إياه للبحث عنه مجدداً بعد أن افلت من قبضتها بطريقة ما ولاذ بالفرار. وتضافرت جميع تلك الحكايات المثيرة ليتعملق الشبلي في خاطري ويستقرّ ويرسخ رمزاً للبطل الفذّ الذي لايقُهَر. بعدها اختفى الشبلي من مشهد طفولتي حتى خروجنا من فلسطين.

في عام 1956 بعد أن أستقرّ بنا المقام في حلب تحسن حالنا نوعاً ما حتى أنّه صار لدينا فائض من المال نستطيع أن ندفع به أجرة الباص إلى لينان فقد قر عزمنا على زيارة بيت خالنا محمد أسعد النَجَمي بصيدا.

وفي بيت خالنا في مخيّم عين الحلوة قلّبتُ جمر الذكريات مع بن خالي محمد الذي كان مسئولاً في حركة فتح عن توزيع الرواتب لأسر الشهداء. ذكّرت محمداً بالشبلي فلم يصدّق أنني مازلت أذكره ووعدني أن يأخذني إليه في اليوم التالي. وبالفعل طرقنا في اليوم التالي باب بيت الشبلي في مخيّم تلّ الزعتر ببيروت. كان البيت عبارة عن عِشّة مشيّدة من الصفيح. رحّبت بنا زوجته وأخبرتنا أن الشبلي ليس بالبيت وأنه سيعود عند الساعة الثانية ظهراً. فقرّرنا أن نستغل الوقت في القيام بطواف على النَجَميّة في مخيّم برج البراجنة ببيروت.
وعندما أزف الوقت عدنا إلى بيت الشلبي فأخبرتنا زوجته أن عودته قد دنت. ثم قيل أنه آتٍ فتحفزت وكان الباب مفتوحاً فرأيت من موقعي - وياليتني لم أر - شخصاً مهدوداً ومكدوداً يدبّ على الدرب بصعوبة منتعلاً حذاءً ممزقاً ويحمل أغراضاً في كيس فارغ من الأسمنت. آهِ ما الذي فعلته النكبة وذلّ اللجوء والفقر المدقع ببطل من هذا الزمان ؟!. كان في مخيلة طفولتي حاملاً بندقيته ومتزيناً بأمشاط من البارود مارداً يسد الفراغ مابين الأرض والسماء . وهاهو ذا أمامي هنا في هذه العشة البائسة الكائنة في مخيّم يكتظ بالبشر والأحزان، هاهو ذا معدم ومحطم وممزق النعال لايجد مايقيم الأود.
كنت مصدوماً غير مصدق لما أراه.

جلس إلينا فسألته عما إذا كان يذكر عندما اعتقله الجنود البريطانيون ونحن الأطفال نتبعهم أنه خاطبني وأمرني أن أعود الى البيت. فأجابني أنه يذكر كل ذلك ثم أخذ يبكى.

وعندما خرجنا من عنده انتابني إحساس بأنني خلّفت ورائي منحوتة حجرية رائعة انهالت عليها مطرقة الزمان. وفي طريق العودة إلى صيدا كان بن خالي يتميّز غضباً من حديثي مع الشبلي.أنّبني ثم أردف قائلاً : لو كنت أعلم أنك ستسأله ذاك السؤال لما أخذتك إليه. زوجته تواسيه لينسى وأنت تقلّب عليه المواجع.


عدل من قبل عثمان محمد صالح في الاحد يونيو 11, 2017 3:14 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 713

نشرةارسل: الاحد يونيو 11, 2017 5:55 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

قاطرات النكبة

قبل انسحاب البريطانيين من فلسطين عملت سلطة الانتداب على تقوية جانب اليهود واضعاف العرب. تركت اليهود مسلحين بالرشّاشات يتدربون طلقاء، بينما العرب مكبّلون ومحرّم عليهم حتى حمل السلاح الابيض. ومما زاد الطين بلة وعجل بالرحيل أن دائرة القتال التي بدت واسعة وبعيدة أخذت تضيق وتدنو من عبلين.

انتشرت انباء المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في الطنطورة ودير ياسين وكفر قاسم. وتوالى سقوط المناطق العربية في أيدي الصهاينة، ولما لحقت بها تمرة القريبة من عبلين أيقن أهلي أن الأمر قد
قد قضي وأنه لا أمل لهم في النجاة من الذبح إذا تشبثوا بالبقاء في فلسطين. فأرسل أبي سيارة شحن مخصصة لنقل الحجارة مليئة بالفارين. صعدنا إلى ظهر السيارة. وقبل أن تنطلق بنا السيارة رأيت خالتي صبحية وهي تركض حتى أدركتنا وجعلت تودّعنا وتقبّلنا وتمزّق خصلات شعرها. كانت تنظر إلينا وتلثم حتى معدن السيارة التي أقلتنا بعيداً عنها ولم نرها بعد ذلك قط.

قصدنا في باديء الأمر بلدة صفد ولكن سرعان ماتراجعنا ونكصنا على أعقابنا وغيرنا اتجاهنا إلى محط الرملة للقطار حينما شاهدنا أهالي صفد في منتصف
الطريق أن أهالي صفد أنفسهم يفرون بعد أخلوا ديارهم أمام الصهاينة الذين اجتاحوها بالسلاح. وأثناء تقدمنا
باتجاه الرملة شرعنا في التخلص من جلّ مانحمله من متاع صار يمثل عبئاً ثقيلاً تصعب معه مواصلة الفرار.
من علياء الطريق نظرت إلى الأسفل حيث بدت لي في بطن أحد الأودية العميقة أشياء تتحرك وتجوس كمالنمل ولكن عندما دققت النظر اكتشفت لذهولي أن "الأشياء" المتحركة إنما هي قوافل من اللاجئين يزحفون كالنمل هرباً من القتل.

ومن محط الرملة ضمتنا عربة قطار مكتظة بالبشر وتفوح من أرضيّتها رائحة روث البهائم
حتى وصلنا محط صور لبنان حيث شاهدت القيامة بأمّ عينيّ. كانت هناك على الرصيف ثلاثة قاطرات ساكنة لايُرى لها أول ولاآخر من فرط الزحام الذي يكتنفها . وعلى الرصيف يفور خلق عظيم. أمّهات مختلات العقل بعد أن تعمّد المسلحون الصهاينة ذبح فلذات أكبادهن على افخاذهن لاشاعة الرعب في النفوس.. هذه امرأة تفتش عن بنتها الضائعة وهي تتوسل ياناس، ياعالم!، وتلك تمزق شعرها وهي تركض شبه عارية٬ وأولاء أطفال صغار تائهون لا أهل لهم.
جنون مطلق ساد المكان.

هناك، فى تلك الفوضى العارمة، بين أكداس اللاجئين، حملني ضابط لبناني ووضعني على كتفيه ومن ذلك العلا رأيت دمعة تسيل على خده ثم أنزلني ومضى.

جاء عدد من السسترات ( الراهبات) وزعن علينا الحليب والحلوى والعجوة. ثم غبن يوماً أو يومين وعدن هذه المرة لتوزيع جبنة صفراء معلبة.

كنا ننام تحت قبة السماء قريباً من نبع الحلوة الذي يسقينا وينحدر ليصب في البحر المتوسط.

من صور إلى حلب

لبثنا بصور ثلاثة أو أربعة أيام ننام في العراء قبالة البحر.
ثم أطلق قطار متأهب للانطلاق صافرة فعرفنا أنه متجه الى حلب فأدخلنا أبي بين المسافرين دون أن نعلم شيئا عن المكان الذي نقصده. تلك كانت أول مرة نسمع فيها بحلب، فحدود معرفتنا بجغرافية سورية لم تكن تتجاوز الشام.

في حلب قاموا بوضعنا في مخيم النَيْرَب المجاور لمطار النيرب.. وهو عبارة عن بركسات وهنقارات كانت على أيام الاحتلال الفرنسي لسورية مأوى للأبقار التي كانت تزوّد الجيش الفرنسي بالمؤن.. وبجلاء الاستعمار ظلت الأبنية في مكانها خاوية حتى جئنا فصارت لنا سكناً.. مُنِحنا غرفة واحدة لم تكن تسعنا لاسيما
عند النوم إلا بالرقاد مطويي الرُكَب نلصقها بصدورنا.

أقمنا في هذا المخيم عاماً لاقينا فيه ويلات الجوع والعري والمشي حفاة في زمهرير شتاء غير مسبوق ولا متبوع ... تجمّد الماء وأخذ الثلج المنهمر بكثافة يحصد أرواح الأطفال والمسنين من الرجال. لم يكن يمرّ يوم إلا وتخرج فيه ثماني جنائز من المخيم. تتالت ابتلاءآت أسرتنا: مات أخي جميل. وامتلأت عينا أخي بشير بماء أبيض كاد أن يعميه لولا أن فاعل خير قد تكفّل بعلاجه، أما أخي وليد المولود بإعاقة جسدية فقد لزم فراش المرض
ونحن نبكي عليه لعجزنا عن دفع نفقات علاجه حتى أسلم الروح. وتفشّى القمل بيننا فكنت ترى الحشرة اللعينة وهي تسقط من الرأس والحاجبين كلما اهتز الرأس .أثناء الكلام

بعون من السيّد نشأت الورّاق مدير المخيم الذي بيّن له أبي حيرته في معرفة السبيل الذي يمكنه من الحصول على تعويض مالي لسنوات خدمته في مصلحة السكة خاطب أبي السفارة البريطانية بدمشق كتابة. وتكلّل مسعاه بالنجاح وحصل على تعويض جاءه من لندن. مكّننا ذلك التعويض من الخروج من المخيم واكتراء بيت في حيّ كرم الجيل جوار حيّ الشعار. بعده انتقلنا لحي الكلاسة ثم مالبثنا أن تركناه وعدنا لكرم الجبل.
كل هذه العوامل ألقت بثقلها على نفسية والديّ وأصبح أبي يمشي محني الظهر.

كلّما أعملت ذهني في ما آل إليه حال اللاجئين الفلسطينيين لايهديني التفكير إلّا لحل واحد لاثاني له وهو العودة إلى فلسطين. بعد سنين س سيمرض أبي ويموت وهو يسعل دماً بُعيد انهيار مشروع الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961، ذلك المشروع الذي راهن عليه أبي لحل القضية الفلسطينية لأنه برأيه قد وضع
إسرائيل بين فكّي كمّاشة وأرغم اليهود على الهجرة المعاكسة. دُفِنَ أبي بعيداً عن فلسطين. كنّا صغاراً في أمس الحاجة إليه. لم أصدق أنّه قد تركنا في قلب تلك المأساة الكبرى ومضى. في الليل حملت معولي وقصدت قبر أبي وشرعت في الحفر وكدت أتعمق لولا أن ٱهلي أدركوني قبل أن أخرج الجثمان من اللحد.. كان بعضهم يضربني، والبعض الآخر يقول لي بأنّ ما فعلته بالقبر حرام وانتهاك لحرمة الميت الذي ارتفعت روحه إلى السماء.

عثمان محمد صالح
تلبرخ - هولندا
11.06.2017
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة