منعم رحمة "بيضة الكلب؟"

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3066

نشرةارسل: الثلاثاء يوليو 25, 2017 5:33 am    موضوع الرسالة: منعم رحمة "بيضة الكلب؟" رد مع اشارة الى الموضوع



بيضة الكلب ؟



منعم رحمة



واقف حطبة .
و فى كل مرة كنت أقف ذات الوقفة الحطبة .
علماً بأن كل ما بداخلي مُهزوزٌ و مضطرب . كما إنني لم أبلغ الحلم بعد ، و الطقس فى مجمله دائماً ما يكون غرائبياً و مريبا ،
أبى هو الآخر يبدو غامضاً ، كثيفاَ ، بعيداً و مجروحاً فى جلبابٍ متسخ و بالٍ . و كلانا يرفع يده اليمنى بتحيةٍ عسكرية لا أفقه
من أمرها شيئاً ، فى إنتظار أن يأذن لنا جدى لأبى بالدخول عليه و خدمته .
هو يحمل كيساً به مقداراً من التمر ، كيسين من حلاوة دربس أو كرميلا ، صندوقا للبسكويت و صندوقا آخراً صغيرا من حلاوة
لكوم مع علبتين من سجائر ابو علم المحلي و كروسة من الكبريت . و أنا أحمل كيساً ورقياً آخراً به بعضاً من سبيطة موز ،
– يااا كركووووون ، يا ابن الهووون ..
يصيح جدى بصوت راعدٍ و منذر ، لندخل .
كان منظره مهيباً مخيفاً و شجِّياً فى آن .
يجلس القرفصاء فى البرندة الأمامية وسط أكوامٍ من الحصى ، نواة التمر التى أنبت و أينع بعضها ، مع أكوام أُخر متفاوتات من
الحديد و الهتش و كرات الشُّراب التى ضلت طريقها الى المرمى فاستقرت بين رجليه . شعر كثيف و ذقن يشتبك بشنبٍ يخالطه
شيب و بقايا من طعام ، وجه دائري بعينين كما الأسئلة الحائرة و أنف سالطُ و محزون .
دخلنا لنخرج ،
انا بجردل فارغ لجلب الماء مثنى و سباع من بئر الزقاق حتى تمتلئ الأزيار الثلاث ، و أبى بصينيتين و أوان فارغات مع براد شاي
و جبنة فخارية ، تقوم جدتى من بعد غسيل العدة بإعادة تعبئتها . و مجدداً حال أن ننتهى من هذه المهام ، نرفع اليدين بالتحية
العسكرية ، و من ثم نُغلِّق الأبواب على جدي ، و الباب الخارجي بجنزيرٍ من حديدٍ ثقيل .
– جدك ما مجنون ، غرقان غرقان بس يا الحبيب .
تقول ذلك جدتى بطريقة راسخة ، و هي تلحظُ رهقى و قِلّة حيلتي و ارتعاشات يدي .
و لكن ما هو الغرق؟ و كيف يكون و يتم ؟ و ما الفرق بينه و الجنون ؟ ثم ، لماذ لم تغرقى معه يا جدتى ؟
و ما السِّر فى جلباب أبي البالي المتسخ ، و فى كلتا المرتين اللتين نذهب فيهما لجدي ، من كل إسبوع ، و نفعل ذات الأشياء ؟
أخافه و أحبه كثيراً جدى لأبى ، و على الرغم من كونه يجهلنى تماماً و الجميع .
أحبه و أخاف غرقه هذا ، مثلما أخاف و أحب تلك المرأة التى تنز حليباً و غرقاً ، كُثيب الرملة القمحية و القمر يضوضأه و كأنه يُنعِّم
أطرافه فى إستدارة كما الأسى ، كما الحنين ، كما النزق ، بل كما الغرق .. يا صدرها .
و هي الأخرى ، و من دون أهلنا جميعا ، كانت غرائبية التفاصبل ، محمودة النفايل ، لا يشينها طول زائد و لا يقعد بها قصر حسير ،
عوان بين ذلك . صافية اللون مرهاء ، بضّة المعاطف ، نهارية العينين ، ليلية القوام ، طاعمة كغلمة ، كثيرة العطايا ، يهابها و يطرب
لطلعتها الجميع ، بل يطلبون النظر إليها ، و هل رآها الناس إلا ضاحكة مستبشرة . و عِند ، ملء ضحكتها تلك تأخذنى إليها ، تشمني
و تضمني ، داسة يدها فى سروالي ، لتُمسِّد (عصفوري) كما تسمبه ، و الذى لِمشِّها يكاد أن يطير ، فتضغط عليه صغطات خفيفات
كما المعاتبة فيصغى لها و يهدأ ، لتقول هي بصرامةٍ مُغوية :
- الولد ده عندو فرِّد بيضة و سوووده زي الكلب ؟
أحس بخجل و سعادة ينفرد بها طهري ، و أنا أنفلت منها هارباً الى الزقاق ، و للمرة الألف بعد المائة آخذ فى تأمل عصفوري و بيضتى
الواحدة السوداء .. بيضة الكلب ؟
فهل تراني كنت كلباً لم يبق منه إلا تلك البيضة الواحدة ، و أُذنان تتسمع نبض ساعة أبي و على بعد 30 قدماً من غرفة حبوبتي ، و التى دائماً
ما أنام فيها ؟ أم تراني كنت فى طريفي للتخلق لأكون كلبا كاملا من فصيلة الكلبيات الثدييات اللواحم ، و أنا أتشمم الهواء لألتقط رائحة تلك المرأة ؟؟
و من غيرها ؟ نعم ، شموم ، و هي على مبعدة نصف ميلٍ من بيوتنا ؟
و حسم الأمر أبي ذات صباحٍ ندي ، و كأنه قد قد سمع قولها أي شموم ، أو أجس بهلوساتي ، إذ و من بعد أن صلى الفجر حاضراُ ، ذات خميس ، و أعقبة
بتلاوة نديةٍ لسورة يسن ، حتى عاجل أُمي ، و هي تضع أمامه صينية شاي اللبن باللقيمات ، قائلاً :
- خلاص كلمى الحاجه – بقصد أمه ، حبوبتى- تقضى ليك الليلة حاجاتك من القروش العندها ، الولد ده حنطهرو بكرة ..
و من فورها بدأت الطقوس من الحمام أب ليفه أب مويهً دافية إلى الحناء فى اليدين و القدمين و العراقى الساكوبيس الجديد بسرواله أب تِّكة .
و أندلعت حمى الدلاليك و عبق الحوش الكبير بدخاخين من طلحً و صندلٍ و بخور جاولى و تيمان ، نساءٌ يرقصن ، رجالٌ يبشرون و الزغاريد غمام .
صوانى الأكل داخلة فاضية و مارقة ملانة ، و كفاتير الشاي و الجبنات تأخذ بالدّروب .
- أبشر يا عريس ، أيشر..
الكّل يصيح بى ، و أنا قى وسط عنقريب القّد ببرشه الأحمر و ملاءىه القطيف ، و هي بجانبي ، قمر و شمس المكان و الزمان ، تهش عني الذباب
طوراً ، و تضمنى و تشمنى أطوارا . شموم و أحيانا الشموم .
الفرس الدّونقلاوي ، أم لَبَنين - العصيدة التى أُدامها الّلبن و تعجن يالّلبن كناية عن جمالها و طيبها ، القرمصيص ، الكنّانة ، السريرة ، الفركة أُم صفيحة
و الجِّنية إذ يقال (مِصاحِبه جّان) ، و هو الذى تسبب فى موت زوجها بعد أربعين صباحاً و ليلة من دخوله عليها ، الملكة .. كل ذلك بعضاً من أسمائها .
الزقاق إنزرد عن آخره بحمير الأهل الذين تفاطروا من المدن القريبة و الحلال ، و وجدوا فى الديناب المجاور لبيت جدى ببرنداته النملى الثلاث و حوشه
الوسيع ، متسعا لهم ، و لبعض هداياهم من الانعام .
لم يظهر أبى ، إذ و كما حدثت مفتخرة بذلك أٌمي ، كان مشغولاً فى غرفته بنظافة ( أب جقره و مرمطون) بنادق من زمن التُّرك كانت لجدى ، و ذلك
حتى لا تخذله غداً ، حال أن تتم عملية الطهارة . أعمامي و أخوالي يباشرون الضيوف و الأهل ، و الزمان طوع اليدين .
أما أُمي فقد أشهرت كل حفلتها من الذهب .. الزمام و الرشمة ، الفِدَّو ، التيلة ، الغوايش و نص الجنيه ، و خصتنى بالهلال الذهبي من فوق حريرة
حمراء على جبهتى .الفرح يأخذ بالنواصى و الأقدام إذ كنت محبوباً بين الناس ، و أبي بدينابه كان مشهوراً و قبلة للأهل ، الجيران و الضيوف ،
- ها عب ها .. أبشر .
- (العّب ، حمار المراسيل) .
كنت واسطة العقد بين ثلاث أولاد قد سبقوني ، و الأقرب إلى أخواتي الثلاث الّلاتى لحقن بي . يميل لوني للزرقة و قوامي للطول .
(العّب ، حمار المراسيل) .
هكذا كانوا ينادوننى ، فقد كنت طول النهار طالع نازل مراسيل تلبية لطلبات ناس البيت . لكن أفضل أسمائي و أحبها إلى نفسي هو :
(حبيب شموم) .
هكذا كانت تنده لي ، و تسأل عنى ، و تفصح عن حبها لي ، الكل فى إستغرابٍ من ذلك ، و إن كانوا لا يستهجنونه أو يُعيِّبوها به .
– من بكره انته حتكون راجلى ، و أوعك تبكى من الطهارة ، لو بكينت تانى ما حتشوفنى ..
همست شموم فى أذنى بذلك ، مُقبلةً لي - لأولِ مرة - فى فمى ، قبلة كحسو الطير لطيفة و سريعة ، فصحتُ راجلاً :
- السما قريب ؟
فتبسَّمت بِكُلَّها و انتفضت قائمة على كمال طولها ، وريف قوامها ، هاتفة ، بل أمرة و مقررة بأنها هي ، و بنفسها و لا أحد سِواها من سيقوم
بطهارة حبيبها ، حبيب شموم ، طهارة بلدية بالموسى ، بلا بنج و لا خياطة ؟
صنّ الكون كله و الناس أجمعين .
فَترستُ و الحناء فى قدمي ، ممسكاً بسوط وجدته فى يمناي بعد أن خرت الحناء منها ، و نزلت فى المخاليق جلد .
أشيل و أجلد ، أجلد فى الخلوق و من طرف .
صنّ الكون كله ، الأنعام و الدواب ،
و انا أجلد ، أجلد فى الخلوق من طرف ، الحناء فى قدمي قد اختلطت بالتراب و الحصى ، و السوط فى يدى .
و فى لحظة وجت زغاريد الدنيا كلها ، انفجرت الخلوق باليكاءِ الفَرِح . و فرقع فى الجو بارود أب جقرة و أعقبه المرمطون ، و عينا أبى تدمعان دماً ،
و دَخَن الجّو كله ببارود الخراتيش البنادق ، و دمدم و رزّم نحاس لا أدرى من أين أتى ، و بلغت القلوب الحناجر .
و من مكمنها ، مكمنه جاءت الصرخة ، لتأذن لي :
– يااا كركووووون ، يا ابن الهووون ..
و تَّوَا أسقطت ردائي ، مستلقياً على الأرض و بيضة الكلب تسند عصفورى الذى إشرأبت غلفته ، ، و عواء جميع كلاب الدتيا فى رأسى . و ....
تتقدم شموم فى رقصة هي للحب و الغرق ، شفرة تلمع فى يمناها كبرقٍ صدوق ، و صُّرة صغيرة فى يسراها . حين أنشحطت ميامن الرجال
و كتوفهم تسند قبة السماء ، و أرجلهم رواسى تمسك بالأرض حذر أن تمور ، و حلاقبهم كما سيلٍ خرَّ من علٍ .
– ياااحبييييبي ..
أنّت و شهقت شموم .
و كما صفرٍ ينقضّ على فريسته من بعد طولٍ تحليقٍ و مراعاة ، إنكبت عليّ و غمرتنى أعطافها ، ملايَّنها و رائحة الأنثى . لم أشعر بشئ ،
فقط شَّح و وحّةٌ لِسان عصفوري ، ثمَ شئ كالبّرَد إلتصق به و مصّه ، و كلمحِ البصر أو هو أقربُ ارتفعت شموم سامقة ، فجراً صادقاً ،
و هي ترفع يدها اليسرى مُدماة و غلفتى خاتماً فى بنصرها ، و قد بدت فى ضوء القمر ككائن خرافي قد خرج لِتّوه من أحاجى الحبوبات و الخالات ،
و شهد القمر الذى كان فى لياليه البيضاء الثلاث .
و أنا (العّب ، حمار المراسيل) زائغ البصر ، منجذب أحدق فىه و أُصّوت ، أُزمجر ، أزوم ، أنبح و اعوي ، و قد وقفت مني الأذنان و انفردتا ، و تبعهما
شعر رأسي الذى إنتصب كما شوك السدر ، و شموم هائجة مائجة تصيح :
- غمِّد غمِّد .. ما تعاين للقمر ..
و غمرنى كامل جسدها ، و هي تكاد تهشّم ظهري الذى أحسُ بألم فى آخر فقارياته ، و حكة فى مؤخرتي و كأن شيئاً يريد أن ينبت أو يخرج .
- غمِّد غمِّد.. ما تعاين للقمر ..
تواصل شموم نداءاتها ، و غمّضت غمّضت و صوت جدتي هو الآخر يأتينى - نائحاً و لاعناً - من قعر ليالى القمر البيضاء الثلاث و الدنيا موج و هوج :
- واااي يا يمه وااي ، الله يشيلو الداير يشيل وليدى زي ما شال جَّدو ..
واااااي الليله وووووب علي يا شموووووم .
لثلاث ليالٍ بيضاء كاملات ، و شموم تلقمنى ثدييها و دمعها ، و أنا بين البرزخين ، الشمس و القمر ، الأرض و السماء ، الليل و النهار .
لثلاث ليالٍ بيضاء كاملات ، و جدتى تشد من رجلي حتى تبقينى مستقيما ، و تتفتل فيهما يسن و الجبال أرساها ، نون و القلم و ما يسطرون
ما أنت بنعمة ربك بمجنون ، الإخلاص و المعوذتين .
لثلاث ليالٍ بيضاء كاملات ، و أبى يحصد النجوم برصاص أب جقرة و المرمطون و للعجب ، من برندة جدى .
لثلاث ليالٍ بيضاء كاملات ، و الديناب و الحوش الكبير يقيض و يفرغ بما فيه من خلوق و دواب .
و من مكمنها ، مكمنه جاءت الصرخة ، حاسرة للقمر ، و فاكّة لي من أسره و إساره :
– يااا كركووووون ، يا ابن الهووون ..




انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة