حول القَوامة والنشوز والضرب: د. محمد محمود

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عثمان حامد



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 302

نشرةارسل: الاربعاء مارس 07, 2018 11:01 pm    موضوع الرسالة: حول القَوامة والنشوز والضرب: د. محمد محمود رد مع اشارة الى الموضوع

في يوم المرأة العالمي 2018

النساء كاملات عقل

حول القَوامة والنشوز والضرب

محمد محمود

واضْرِبُوهُنَّ: قراءات الأمس
(1)
تقول الآية 4: 34 (النساء):
الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفِظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعِظُوهُنّ واهْجُرُوهُنّ في المضاجع واضْرِبُوهُنّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا إن الله كان عليا كبيرا

وحول المناسبة الظرفية لهذه الآية تحكي المصادر أن رجلا لطم امرأته فلجأت لمحمد شاكيةً فأراد أن يقتصّ لها منه. وعندها جاءت الآية فدعا محمدٌ الرجلَ وتلا عليه الآية وقال له: أردتُ أمرا وأراد اللهُ غيره (تفسير الطبري). إن هذا الخبر وبهذا التسارع في الأحداث ربما لا يكون قد حدث. إلا أن الحدث يعكس بلا شك واقعا كان قائما: واقع الخلافات الزوجية التي كانت تقع وتؤدي في بعض الأحيان للاعتداء الجسدي للأزواج على زوجاتهن. وحسبما يورد الأخباريون فإن ردّ الفعل بين نساء المدينة كان احتجاجهن على إباحة ضرب المرأة وثورتهن التي يحكيها حديث "لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم" (تفسير الرازي). وفي صيغة أخرى للحديث نقرأ "ولن يضرب خياركم" (المستدرك على الصحيحين للحاكم).
وآية القَوامة والنشوز هذه تلخّص الرؤية القرآنية لمكانة المرأة وتبسط الإجراءات التي يجب أن تُتّخذ ضدها إن لم تقبل الاعتراف بوضعها هذا وتمرّدت أو ثارت عليه. والآية تخاطب الرجال، وهو النمط الغالب في الخطاب القرآني --- فرغم أنها تبدأ بجملة تقريرية ("الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضَهم على بعض ... إلخ") إلا أنها لا تلبث أن تتوجّه بخطابها المباشر للرجال ("واللاتي تخافون نشوزهن فعِظُوهُنّ ... إلخ"). وعلى ضوء الجملة الخاتمة ("إن الله كان عليا كبيرا") نرى التراتبية الضمنية للنظام القرآني: الله (العلي الكبير)، وتحته الرجل (القوّام على المرأة)، ثم المرأة التي يجب أن تخضع لطاعة الرجل ("فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا").
والآية تقدّم اعتبارين لهذه القَوامة وهما علّة التفضيل الإلهي للرجل من ناحية وإنفاق الرجل على المرأة من ناحية أخرى، أي اعتبار الواقع الاجتماعي الذي جعل الرجل تاريخيا مالكا ومحتكرا للقوة الاقتصادية. ولا توضّح الآية طبيعة التفضيل الإلهي للرجل، وهي مسألة توضّحها مادة الحديث عندما نقرأ ما رواه أبو سعيد الخُدْري أن محمدا قال لجمع من النساء: " ... ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهبُ للبِّ الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن بلى. قال: فذلك من نقصان دينها" (البخاري، كتاب الحيض). وهكذا وحتى نفهم التفضيل الإلهي فلابد من أن نقرأ آية القَوامة والنشوز مقترنة بآية أخرى هي الآية 2: 282 (البقرة) التي تشترط بشأن الشهادة "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى". ومن الواضح أن جمع النساء اللائي تحدّث إليهن محمد في حديث الخُدْري كنّ مدركات لما يقوله القرآن عن شهادة المرأة، إلا أن ذلك على ما يبدو لم يعنِ بالضرورة في نظرهن التقاط إشارة قرآنية بأنهن ناقصات عقل. وسؤالهن عن سبب نقصان عقلهن ودينهن ربما يكون مجرد سؤال استفهامي أو سؤالا استنكاريا، وإن كنا نرجّح الاحتمال الثاني وخاصة على ضوء اعتراف محمد وإقراره بأنهن قادرات على إذهاب لبّ الرجل الحازم مما يدلّ على ذكاء المرأة وقوة عقلها (وهي قدرة يصوّرها الموقف الديني كقدرة دهاء ومكر وكيد شيطاني يعود أصلها لما فعلته حواء من إغراء آدم وإيقاعه في حبائل الشيطان).

(2)
وتقدّم الآية نموذجين متقابلين للمرأة وهما نموذج المرأة الصالحة ونموذج المرأة الناشزة، ثم تنتقل مباشرة لمسألة معالجة النشوز. وفي قراءة عبد الله بن مسعود نطالع: "فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن" (تفسير الزمخشري). وهكذا وبإزاء الانتقال المفاجىء في آية المصحف العثماني فإننا نجد أن وجود تعبير "فأصلحوا إليهن" في قراءة ابن مسعود يُدْخِل توازنا في الآية بالتأكيد على عنصر الثواب في حالة الصالحات مقابل عنصر العقاب المذكور في حالة الناشزات.
ولقد أثار تعبير "واللاتي تخافون نشوزهن" مشكلة. فلفظة "تخافون" داخلة في منطقة الظن والاشتباه ولا تفيد بالضرورة وقوع الفعل. وكان من الطبيعي أن يُصرف المعنى الظاهر للّفظة لمعنى أكثر ملائمة لمقتضى حالة خطيرة كالنشوز. وهكذا أوّل الفرّاء مثلا الكلام بمعنى "واللاتي تعلمون نشوزهن" وقال إن الخوف يضارع الظنّ والعلم (معاني القرآن). ووجد البعض أن "تعلمون" نفسها تحتاج لتأكيد وتقوية فقالوا إن الخوف هنا معناه اليقين (تفسير أبي حيان). وركّزت نزعة تفسيرية أخرى على فعل النشوز نفسه لتقطع الشكّ، وهكذا نقرأ أن ابن عباس قال في تفسير هذا التعبير: "تلك المرأة تنشز وتستخفّ بحقّ زوجها ولا تطيع أمره" (تفسير الطبري). بيد أن محمد بن كعب وآخرين قالوا إن معنى الخوف هنا: "إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن عليكم من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه، ويدخلن ويخرجن، واستربتم بأمرهن، فعظوهن واهجروهن" (تفسير الطبري). وهكذا نجد أن هذا التفسير يقترب اقترابا شديدا من كلمة "تخافون" عبر استخدامه للفظة "استرابة" ولكنه يحاول في نفس الوقت أن يربط هذه الاسترابة بأفعال تبررها وترقى لمستوى النشوز.
وعندما يقع النشوز، أو يعتقد الرجل بأنه قد وقع، تدخل المرأة دائرة المحاسبة والعقاب. والآية تتحدّث عن ثلاثة إجراءات هي: العظة والهجر والضرب. ولقد اختلف المفسرون حول "القصد الإلهي" هنا وعما إن كانت الواو في صياغة الآية بقصد الترتيب أم بقصد الجمع. فذهب بعضهم إلى رفض الترتيب لأن العطف بالواو لا يفيد ذلك وأعطوا الرجل حقّ أن يبدأ بما شاء، وأصرّ آخرون على أنه ورغم ظاهر اللفظ إلا أن مقصد الآية هو الترتيب. وفي تلخيص هذا الترتيب نقرأ قول الرازي: "يبدأ بلين القول في الوعظ، فإن لم يفد فبخشنه، ثم يترك مضاجعتها، ثم بالإعراض عنها كلية، ثم بالضرب الخفيف كاللطمة واللكزة ونحوها مما يشعر بالاحتقار وإسقاط الحرمة، ثم بالضرب بالسوط والقضيب اللين ونحوه مما يحصل به الألم والإنكاء ولا يحصل عنه هشم ولا إراقة دم، فإن لم يفد شيء من ذلك ربطها بالهِجار وهو الحبل، وأكرهها على الوطء، لأن ذلك حقه. وأي شيء من هذه رجعت به عن نشوزها على ما رتبناه لم يجز له أن ينتقل إلى غيره ... " (تفسير أبي حيان). وتفسير الهجر بأنه من الهِجار هو تفسير أبي جعفر الطبري، والهِجار حبل يُشدّ به البعير، وبالتالي فإن المعنى هو ربط المرأة وإكراهها على الجماع. وقد نفرت حاسة الزمخشري الأخلاقية من هذا التفسير ووصفه بأنه من تفسير الثقلاء.

(3)
أجمع العلماء على أن ضرب الرجل لامرأته يجب أن يكون "غير مُبَرِّح" كما رأينا في وصف الرازي. وفي تفصيل ذلك أضاف بعض العلماء أن الضرب يجب أن يكون بمنديل ملفوف أو باليد أو بالسواك وأن لا يضرب بالسياط ولا بالعصا. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه في حالة الجلد يجب أن يكون دون الأربعين جلدة، وهو تخفيف حرص علماء آخرون على تخصيصه إذ قاسوا المرأة على العبد وقالوا إنه يجب ألا يبلغ عشرين جلدة لأنه حدّ كامل في حقّ العبد (تفسير الرازي). وهذا القياس مستوحى من حديث يقول: "يَعْمِد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد فلعله يُضاجِعها من آخر يومه" (البخاري، كتاب التفسير).
إن المادة التفسيرية والفقهية عكست خيارات العلماء في محاولاتهم الدؤوبة لاحتواء إجراء الضرب لما يمكن أن يُلْحِقه من ضرر عضوي ونفسي بالمرأة. وهي خيارات انصبّت، كما رأينا، على وضع قواعد خاصة بصِنْف من الضرب يختلف عن أصناف الضرب الأخرى وينسجم مع "المراد الإلهي" كما فهمه هؤلاء العلماء. إلا أن خيارات العلماء هذه اعتمدت اعتمادا كليا على الحضّ والحثّ من غير أن تكون ملزمة لأن عبارة "واضربوهن" في الآية لا تضبطها شروط وغير مقيّدة إلا برجوع المرأة عن نشوزها وخضوعها لسلطة الرجل. وعندما نقرأ في المادة الأخبارية عن سلوك الصحابي الكبير الزبير بن العوّام مع زوجاته نلمس الهُوَّة الشاسعة بين ما يتمناه العلماء على الناس والواقع الذي عانت منه المرأة عندما تتعرّض لمهانة الضرب. تحكي أسماء بنت أبي بكر الصديق قائلة: "كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها" (الزمخشري). وشتان ما بين عود مشجب الزبير بن العوّام وبين سواك العلماء ومنديلهم الملفوف.
إن إجراء الضرب في آية القَوامة والنشوز ألقى المسلمين في مأزق أخلاقي عويص. وعندما نظروا للحديث علّهم يهتدون لمخرج وجدوا حديثا يقول لهم "ولن يضرب خياركم" وحديثا آخر يقول للرجل "علِّق سوطك حيث يراه أهلك". وظَنُّنا أن غالبيتهم ربما وجدوا ضالتهم في شيء شبيه بقول الشافعي حتى وإن لم يسمعوا به: "الضرب مباح وتركه أفضل" --- فهذا موقف يقرّر الواقع القرآني ويسمح بتجاوزه في نفس الوقت.

واضْرِبُوهُنَّ: قراءات اليوم
(4)
محمد عبده
أقدم محمد عبده (1849 – 1905) (ورشيد رضا (1865 - 1935)) على تفسير القرآن (المعروف بتفسير المنار) في عالم مختلف عن عالم تفاسير القرون الوسطى التي ورثتها الثقافة الإسلامية وبِنِيّة تقديم القرآن كنص قادر على التعايش مع هذا العالم الجديد الذي تصوغه وتسوده القيم العَلمانية والعلمية للاستنارة الأوربية التي امتدّ أثرها للعالم العربي والإسلامي.
لم يختلف تحدِّي آية القَوامة والنشوز في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين عن تحدّي القرون السابقة في أنه كان تحدّيا على مستوى تبرير مؤسسة القَوامة من ناحية وعلى مستوى تبرير إجراء الضرب من ناحية أخرى.
وفيما يتّصل بمؤسسة القَوامة نجد أن تفسير المنار تبنّى الموقف التقليدي المدافع عن تفوّق الرجل الطبيعي (أو "الفطري" بتعبيره) تبنّيا كاملا قائلا إن الله "فضّل الرجال على النساء في أصل الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام، أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد ... " (تفسير المنار). ولتأكيد التفوق التام للرجل يقدّم عبده نظرية نفسية – عضوية قائلا إن "مِزاج الرجل أقوى وأكمل، وأتمّ وأجمل، وإنكم لتجدون من الغرابة أن أقول إن الرجل أجمل من المرأة وإنما الجمال تابع لتمام الخلقة وكمالها، وما الإنسان في جسمه الحي إلا نوع من أنواع الحيوان فنظام الخلقة واحد، وإنا نرى ذكور جميع الحيوانات أكمل وأجمل من إناثها كما ترون في الديك والدجاجة، والكبش والنعجة، والأسد واللبوة. ومن كمال خلقة الرجال وجمالها شعرُ اللحية والشاربين ولذلك يُعدّ الأجرد ناقص الخلقة ... " (المصدر السابق) (فكرة اللحية هذه ترجع للقرون الوسطي، وقد رفضها القرطبي (ت 1273) ببساطة قائلا: "وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية وليس بشيء" (تفسير القرطبي)).
وفي ظل مؤسسة القَوامة تنشأ تراتبية يصبح فيها الرجل بتعبير عبده "بمنزلة الرأس" وتصبح المرأة "بمنزلة البدن". وهذه المرأة – البدن لابد أن تخضع للرجل – الرأس لأنها إن نشزت "تكون قد ترفّعت عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء." (تفسير المنار).

(5)
وعلى ضوء هذا يدافع عبده عن ضرب الناشز قائلا: "إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل ... " ويقول إن هناك حاجة لضرب المرأة إن فسدت البيئة والأخلاق وإن الضرب يُستغنى عنه عندما تستجيب المرأة إذ أن "[لكلِ] حالٍ حكمٌ يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء، واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدا" (المصدر السابق).
وهكذا نجد أن عبده لم يختلف عمّن سبقوه في أنه حاول احتواء إجراء الضرب رغم تبريره له، ونظر مثل من سبقوه في اتجاه مادة الحديث لرفع الضيم عن المرأة. ولقد التقط تلميذه رشيد رضا من موقع التفاعل مع موقف أستاذه ومن موقع الاحتجاج الأخلاقي خيطَ عبده ليقدّم طرفا من أحاديث "تقبيح الضرب والتنفير عنه" (تفسير المنار). والأحاديث التي يقتبسها رضا أحاديث مألوفة تركّز على التنفير من ضرب الزوج لزوجته بتشبيهه بضرب السيد لعبده (وهي أحاديث ملتبسة أخلاقيا إذ أن لغتها في الإشارة لضرب العبد ذات طبيعة تقريرية لا نستشفّ فيها تعاطفا أخلاقيا واضحا مع العبد، ولنا أن نتخيّل تعقيد الوضع عندما يكون موضوع هذا العنف أمَةً يستغلها الرجل كمتاع جنسي). وعندما يورد رضا خبرَ أن الرجال كانوا قد نُهوا عن ضرب النساء وأنهم شكوهن إلى محمد الذي خلّى بينهم وبين ضربهن ثم قال: "ولن يضرب خياركم" يجد فرصته للتعبير عن الوضع الأخلاقي الأمثل الذي يختلج بداخله فيعلّق قائلا: "فما أشبه هذه الرخصة بالحظر" (تفسير المنار).

(6)
محمد شحرور
قضية المرأة من الهموم الأساسية في مشروع الإصلاحي السوري محمد شحرور (1938 - ) وقد ناقش آية القَوامة والنشوز وحاول تقديم رأي جذري بشأنها.
يبدأ شحرور مناقشته للقَوامة بالإشارة لعنصريها وهما القوة الفيزيائية (ويعني بها القوة الجسمانية) والقوة المالية الاقتصادية. ويلاحِظ أنه وبما أن الآية تقول "بعضهم على بعض" فإن هذا يعني أن الوضع من الممكن أن ينعكس. فإن كان الزوج يعاني من وضع صحي يجعله معتمدا على زوجته أو كان يعتمد اقتصاديا على زوجته وهي التي تكسب وتنفق فإن القَوامة ستكون موضوعيا لها. وهكذا فهو يقرأ في تعبير "بعضهم على بعض" وضعا يقوم على التكافؤ والتعادل في العلاقة بين الرجل والمرأة.
ويمضي شحرور ليقول إن صياغة بداية الآية وهي تتحدث عن قَوامة الرجال على النساء صياغة ذات طبيعة عامة تتحدث عن مطلق الرجال في مقابل مطلق النساء، ولكن عندما ينعكس الوضع وتصبح المرأة هي صاحبة القَوامة فإن الصياغة تتغيّر وبدلا من الحديث عن مطلق النساء فإنها تتحدّث عن المرأة الصالحة. وعندما تصبح هذه المرأة الصالحة في وضع القَوامة فإنها تتصف بصفات أخلاقية معينة وهي القنوت بمعنى الهدوء والاستقامة وحفظ الغيب بمعنى أنها تحفظ خصوصيات زوجها وعائلتها.
وعندما يدخل النشوز في العلاقة الزوجية فإن الوضع يصبح ذا طبيعة استثنائية. وشحرور يصرّ في معالجته للآية أن يجعل النشوز فعلا متكافئا بمعنى أنه نشوز المرأة على الرجل أو الرجل على المرأة. وعندما يأتي الأمر لإجراءات العظة والهجر والضرب فإن شحرور يقرر وضعها في مجالين مختلفين. وحسبما يقرره فإن العظة والهجر إجراءان يتمّان بين الزوجين في مجال خصوصية تامة ومن غير أن يخرجا للعلن. أما عندما يأتي الأمر للضرب فإنه فعل مختلف عما نعتقد ومجاله مختلف عن مجال الإجراءين السابقين.

(7)
يبدأ شحرور مناقشته لإجراء الضرب بإعادة تعريف اللفظة نفسها ليقول إنها يجب ألا تفهم بمعناها المباشر المألوف. وهو يدرك أن الكلمة لها معنى أصلي ومن الممكن أن تكون لها معان أخرى مستعارة ومحمولة. وهكذا فإن المعنى الأصلي لكلمة "ضرب" هو معناها المألوف (وفي تعريف كلمة ضرب يقول صاحب لسان العرب إن الضرب معروف) إلا أن هناك معان أخرى مجازية للكلمة مثل أن نقول ضرب في الأرض بمعنى سار في طلب الرزق أو ضرب مثلا بمعنى بيّن ووضّح. وشحرور يدرك أمرا آخر في غاية الأهمية للعملية التفسيرية وهو أن القول يتركّب من كلمات تكتسب معناها من سياق الكلام وليس من معاني الكلمات المفردة، أو ما يطلق عليه عبد القاهر الجرجاني (ت 1078) النظم.
وعندما يأتي شحرور للفظة "اضربوهن" في الآية فإنه يقول إنها تعني اتّخاذ "موقف علني حازم، لا الضرب باليد أو العصا كما فهمه البعض" (الكتاب والقرآن، الفصل الثالث). وبذا ومقارنة مع العظة والهجر اللذين يتمّان كفعلين خاصّين لا يخرجان للعلن، فإن ما تصفه الآية بالضرب ليس ضربا بالمعنى الذي تعطيه اللفظة وإنما هو تحوّل في الموقف يَخْرُج الفعلُ بموجبه من مجال الخاص لمجال العام في شكل "قرار حازم".
وهكذا وفي شطط تفسيري واضح يجرّد شحرور كلمة "ضرب" من معناها الحقيقي وينزعها من سياقها ليُسقط عليها معنى اعتسافيا، مفارقا بذلك المنهج الموضوعي للجرجاني ليقدّم لنا تفسيرا ذاتيا بحتا. (والشطط التفسيري من سمات عمل شحرور، ويبلغ أحيانا درجة ما يمكن وصفه بالسخف التفسيري مثل محاولته في تفسيره لآية سورة الأعراف "قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سواءاتكم ورِيشا" (7: 26) إقامة علاقة بين كلمة "ريش" الواردة في الآية وكلمة "ريتش" الإنجليزية، بجامع كثرة المال.)
إن قراءة شحرور لكلمة "اضربوهن" ليست بذات قيمة من الناحية التفسيرية ولا نستطيع أن نأخذها مأخذا جادا على هذا المستوى، إلا أن مغزى قراءته هو في تعبيرها عن تلك الحاجة المحرقة التي ظلت تساور الكثيرين في الماضي والحاضر لنسخ الكلمة وإبطال حكمها إبطالا تاما.

(8)
أبو الأعلى المودودي
رأى أبو الأعلى المودودي (1903 - 1979)، الإسلامي الباكستاني، أن معالجة النشوز تتّم على الترتيب. وعندما يأتي الأمر لإجراء الضرب فإنه صريح غاية الصراحة في دفاعه عنه ويقول: "والحقيقة أن هناك بعض النساء اللائي لا يُصْلِحْن سلوكهن إلا بالضرب" (تفهيم القرآن).

(9)
محمود محمد طه
نشأ محمود محمد طه (1909؟ - 1985) في بيئة صوفية غذّته بحس ديني عميق وتلقّى في نفس الوقت تعليما علمانيا حديثا فتحه على معارف وقيم العصر الحديث. وهكذا وعندما قدّم مشروعه الإصلاحي فإنه قدّم مشروعا متوتّرا منقسما بين جذب الإسلام من ناحية وجذب معارف العصر الحديث وقيمه من ناحية أخرى. ولقد اهتمّ بمسألة المرأة اهتماما كبيرا وكان موقفه منها من أوضح تجليات هذا التوتر والانقسام الفكري.
دعنا نعطي مثالا واحدا لنوضّح ما نعنيه بهذا التوتّر والانقسام ثم نأتي لمعالجته لآية القَوامة والنشوز.
يفرد طه مكانة خاصة لمسألة المرأة في برنامجه العالمي والطموح الذي يصفه بالرسالة الثانية من الإسلام، وهي رسالة بحسب تصوره تتجاوز الإسلام الذي ورثه المسلمون من محمد (ما يسميه بالرسالة الأولى) كما تتجاوز في نفس الوقت كل الفلسفات والحلول المعاصرة المطروحة في عالمنا اليوم. وعماد هذه الرسالة مساويات ثلاثة: الديمقراطية كمساواة سياسية، والاشتراكية (ذات الأفق الشيوعي) كمساواة اقتصادية، ومساواة اجتماعية تبتغي محو الطبقات والفوارق.
وبشأن المساواة الاجتماعية يقول طه إنها "أصعب المساويات تحقيقا، وتُعتبر المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية مقدمة لها، وهي تتويج لهما وخلاصة وقمة" (الرسالة الثانية من الإسلام، الباب السادس). ويقرر أن موضوع المساواة الاجتماعية هو الفرد البشري وأنه يجب "ألا تقوم بين الأفراد فوارق من جرّاء المولد، أو العنصر، أو اللون، أو العقيدة، أو الجنس من الذكورة والأنوثة" (نفس المصدر). نشر طه هذا الكلام في عام 1967.
وفي عام 1971 نشر طه كتابه تطوير شريعة الأحوال الشخصية الذي يطرح فيه رؤيته الإصلاحية لقوانين الأحوال الشخصية التي يعتبرها أهم شريعة بعد شريعة العبادات. وفي إطار بسط هذه الرؤية ناقش موضوع الكفاءة. والكفاءة تعني اصطلاحا أن يساوي الرجل زوجته طبقا لاعتبارات مخصوصة. وفي المذهب الحنفي فإن الكفاءة لها ست خصال هي الإسلام، والدِّين (بمعنى الأخلاق)، والحرية، والنسب، والمال، والحرفة. وحسب مشروع طه الإصلاحي فإن كل هذه الأمور ستسقط في شريعة الرسالة الثانية "ولا يظلّ منها قائما غير الدين والنسب" (تطوير، تداخل الشريعتين). وهكذا أبقى طه في شريعته المقترحة خصلة النسب، إلا أن ما نلاحظه أنه تجنّب تجنبا تاما ذكر تعليله لهذا الإبقاء.
والنسب شرط ذو طبيعة عنصرية ونشأ في سياق الإمبراطورية الإسلامية المنقسمة عنصريا وعكس الاستعلاء العنصري للعرب بإزاء غير العرب. وهكذا ذهب الحنفية إلى أن قريشا بعضهم لبعض أكْفاء، والعرب بعضهم لبعض أكْفاء، والموالي بعضهم لبعض أكْفاء، فالرجل من الموالي (أو العجم) مثلا ليس كُفْئا للعربية في الزواج.
ولقد عارض مالك بن أنس هذه النظرة وقال إن أهل الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكْفاء، واستدلّ بآية سورة الحجرات التي تقول "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (49: 13). وهكذا دافع مالك عن موقف إنساني رفيع مقابل الموقف العنصري لأبي حنيفة ومدرسته.
وما يفجؤنا (وربما يفجع الكثيرين) أن طه لم يجذبه موقف مالك واختار الانحياز لموقف أبي حنيفة الذي يدوس على قيم المساواة الاجتماعية التي دافع طه عنها عندما كتب الرسالة الثانية من الإسلام. إن هذا الاختيار وهذا التراجع في تقديرنا مظهر صارخ من مظاهر الانقسام الفكري لطه --- وهو ما سنلمسه أيضا في قراءاته لآية القَوامة والنشوز.

(10)
لكي نفهم أصل القَوامة حسب رؤية طه لابد أن نعود للبداية الأولى، أي خلق آدم وزوجته حسب ما ترويه القصة التوراتية - القرآنية. وفي وصف طرف من هذه البداية تقول الآية 4: 1: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" (النساء). عندما نقرأ هذه الآية على ضوء القصة التوراتية فإننا نجد أنها تشير لحدث خلق حواء من ضلع آدم. إلا أن طه، مع قبوله للقصة التوراتية، يقدّم قراءته "العرفانية" ويقول إن هذه النفس الواحدة "هي نفسُه تبارك وتعالى". وهكذا تنزّل الإلهُ ليخلق نَفْسَ الرجل. ثم تنزّلت نَفْسُ الرجل العليا لتُخلق نَفْسُه الدنيا. ثم تنزّلت نَفْسُ الرجل الدنيا لتُخلق المرأةُ، وتصبح حواء بالتالي هي "انبثاق نفسه [أي آدم] السفلى عنه خارجه" (القرآن والفهم العصري، الفصل الثالث).
وبذا فإن التراتبية المتصلة بصورة الخلق عند طه هي: الله، آدم (الرجل)، حواء (المرأة) (نظرية الصدور أو الفيض هذه من أثر الفيلسوف اليوناني أفلوطين (ت 270) على التصوف الإسلامي). ويقول طه ملخّصا مغزى ذلك: "وتنزلات النفوس هذه هي التي جعلت كل نفس عليا تسيطر على النفس التي دونها. والقاعدة العرفانية هي "لكل لطيف سلطان على كل كثيف"، ذلك بأن كل لطيف إنما هو أحدث بربه من كل كثيف. وهناك قولة تقول "للعارف على الجاهل ولاية طبيعية" وهي مأخوذة من سيطرة اللطائف على الكثائف. وهذه السيطرة هي السر في قَوامة الرجال على النساء ... " (القرآن والفهم العصري، الفصل الثاني). ويعبّر طه عن هذه التراتبية عبر صورة درامية عندما يخبرنا أن الله عندما غضب وطرد آدم وحواء من الجنة فإن ترتيب المطرودين كان "إبليس أولا، متبوعا بحواء، ثم آدم ... " (الرسالة الثانية، الباب الثالث). وهكذا وعلى ضوء هذه "الفيزياء الروحية" تصبح قَوامة الرجل على المرأة خاصية طبيعية تابعة لخواص مادة الخلق نفسها بحكم لطافة الرجل وكثافة المرأة (من التعابير التي اجتهد طه لتصحيحها في الخطاب العام تعبير "الجنس اللطيف" الذي يجب في رأيه أن يُوصف به الرجل وليس المرأة).

(11)
إلا أن نظرية طه هذه المستندة على الخيال الأسطوري من ناحية والمركوزة في نزعة المحافظة الدينية الاجتماعية لديه من ناحية أخرى اصطدمت بالواقع الحي المتغيّر المحيط به كشخص يعيش في القرن العشرين وتحيط به الإنجازات المذهلة للمرأة وعزيمتها على تحرير نفسها.
وهكذا وعندما كتب طه في السبعينيات كتابه تطوير شريعة الأحوال الشخصية فإنه تراجع إلى حدٍّ عن غُلْواء دعوته أن المرأة مكانها البيت (التي كان قد أطلقها في الخمسينيات) وتجنّب الحديث بلغة "فيزيائه الروحية" وقانون سيطرة "اللطيف" على "الكثيف" فهبطت آية القَوامة لترتفع مكانها آية أخرى. وعاد طه للتفسير المألوف لعبارة "بما فضّل الله بعضهم على بعض" وقال إن الفضيلة هنا "هي في المكان الأول فضيلة جسدية، هي قوة الساعد وقوة الاحتمال، والمقدرة على الانتصار في مآزق الحروب، أو مضانك كسب العيش ... " (تطوير، الوصاية). وبهذا التأكيد على علاقة القوة الاجتماعية-الاقتصادية أضحت الآية في نظره هي آية الوصاية على النساء بامتياز.
وكان من الطبيعي أن يبحث طه، وحسبما يقتضي منهجه، عن آية بديلة تعبّر عن مقصد "أصلي" يرفع الوصاية عن المرأة ويعطيها حقوقها. وكان أفضل ما وجده هو الآية 2: 228 (البقرة) أو بالأحرى عبارة "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" الواردة في الآية. انتزع طه هذه العبارة من سياق آيتها التي تتحدّث تحديدا عن المطلّقات ورفعها لمقام الآية "العتيدة" التي تمثّل "أس الرجاء لمستقبل المرأة". وأساس حماس طه في واقع الأمر هو الطرف الأول من العبارة ("ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف")، وهو طرف صرفه في اتجاه القول إنه يضع الأساس للمساواة القانونية بين النساء والرجال.
ولكن ماذا عن الطرف الثاني من العبارة والذي يقول: "وللرجال عليهن درجة"؟ يقول طه إن هذه العبارة تتعلق بـ "منطقة الأخلاق" وإن ذلك لا ينتج عنه وضع يؤثّر على منطقة القانون. وهكذا يسحب طه تفوّق الرجل من المنطقة الروحية (حيث المرأة "كثيفة" بطبيعتها حسب "فيزيائه الروحية" كما رأينا) لمنطقة الأخلاق وكأنه يريد أن يدخل في تعاقد جديد مع المرأة وهو أن تتوفر لها في ظل شريعة الرسالة الثانية مساواتها القانونية مقابل أن تقبل بوضع تمييزي يضع الرجل درجة فوقها.
ولكن كيف يبرّر طه هذه "الدرجة" باعتبارها تحديدا "درجة أخلاقية"؟ ما الذي يضع الرجال في موضع "علو" أخلاقي "طبيعي" والنساء في موضع "دُونِيّة" أخلاقية "طبيعية"؟ يقول طه بصدد هذه المنطقة الأخلاقية إنها حيث "يقع التفاوت بين الرجال، فيما بينهم، وبين النساء فيما بينهن، وبين بعض النساء وبعض الرجال ... " (تطوير، المساواة بين الرجال والنساء). إلا أن كلام طه هذا يطمس العبارة القرآنية التي لا تتحدث عن فروقات نسبية بين أفراد من رجال ونساء وإنما عن التفضيل الإلهي المطلق لعموم جنس الرجال على عموم جنس النساء. وواقع الأمر أن هذه العبارة منسجمة مع باقي القرآن ولا تخرج عن رؤيته التي تعبّر عنها باقي آياته عن المرأة.
وما يلفت نظرنا أن مناقشة طه لآية القَوامة والنشوز تتجنّب الحديث عن مسألة النشوز وإجراء الضرب. وهكذا فإن رأيه في هذا الجانب المكمّل لواقع القَوامة غائب. ولقد أعمل بعض تلاميذه رأيهم، قياسا على موقفه من آيات العنف الأخرى في القرآن التي حكم بنسخها، وقالوا إن الضربَ حكمُ وقتٍ ولّى زمنه ولا يدخل عهد الرسالة الثانية. وهذا رأي معقول، إلا أنهم عندما يُعملون القياس فإنهم يخالفون منهج طه لأنهم يقولون برأيهم وهذا أمر يرفضه طه.


(12)
إن الأديان في الغالب ذكورية، وخاصة اليهودية والمسيحية والإسلام. والتمييز ضد المرأة في هذه الأديان أصيل.
هل من الممكن حلّ هذا التمييز من داخل الدين؟ إن أكبر محاولة في هذا الاتجاه قدّمتها المسيحية في القرن العشرين. ولقد كان من الطبيعي أن تتم المحاولة داخل المسيحية وليس داخل أي دين آخر لأن المسيحية مكوّن أساسي في الغرب الذي يقود الثورة العلمية والفكرية في عالم اليوم. وتاريخيا كانت الثورة الفكرية الكبرى التي حدثت في الغرب، أي ثورة حركة الاستنارة، ثورة على المسيحية ودعوة لإبعاد إلهها ونظامها الاعتقادي من مركز حياة الناس ووضع الإنسان والعقل في هذا المركز. والمفارقة أنه عندما شرعت المسيحية في مراجعتها الحديثة لمعتقداتها، وهي تصارع في خضم تحديات القرن العشرين الذي انفجر بالثورات الفكرية، فإنها لجأت لقيم حركة الاستنارة لتبعث دما جديدا في شرايينها. وكان أن ظهر ضمن تيارات التجديد والتحديث المسيحية التيار النسوي الذي هجم على ذكورية المسيحية وأعمل فيها مباضع نقده، وهي مباضع لم تسلم منها صورة الإله الذكر في الكتاب المقدّس.
وهذه الحرب لا تزال مستمرة، ومن أوضح مظاهرها في وقتنا الحاضر محاولة المسيحيات أن ينلن حقّ الترسيم (أي أن يصبحن قسيسات)، وهي محاولة تلقّت مؤخرا ضربة كبرى على يد البابا الحالي فرانسيس الذي أعلن انحيازه لمنع الكنيسة الكاثوليكية التاريخي للنساء أن يصبحن قسيسات وقال إنه منع أبدي.
إن مقاومة المسيحية واليهودية والإسلام لطموحات النساء مسألة طبيعية ومتوقعة لأن هذه الأديان أديان مؤسسة على تراث "كتابي" صلد ونصوصها المقدّسة واضحة وعتيدة في موقفها التاريخي من المرأة. بيد أننا عندما ننظر للقضايا المطروحة على ضوء الحقائق الأولية والأساسية فإن الوضع في تقديرنا مسدود في وجه النسوية الدينية لأنه لا يوجد في واقع الأمر أساس حقيقي لـ "لاهوت نسوي" أو مساواة بين المرأة والرجل في هذه الأديان. إن ذكورية هذه الأديان خاصية أصيلة وليس مجرد صفة وقتية عارِضة.
وعندما نأخذ الضرب تحديدا كموضوع للمقارنة بين هذه الأديان فإننا نجد أن التوراة والأناجيل لم تذكر ضرب المرأة، وأن القرآن هو النص المقدّس الوحيد بينها الذي يذكره ويبيحه. إلا أن هذا لا يعني أن ضرب المرأة ممارسة غريبة على اليهود والمسيحيين. فالمادة التلمودية عكست وجود الممارسة وسط اليهود وناقشتها كاعتبار يبرّر الطلاق. وفي مادة فتاوى الأحبار نجد انقساما حادّا بين فريقين: فريق حرّم الضرب بينما أباحه فريق آخر في حالات معينة كإجراء تربوي وتأديبي. أما في المسيحية فإن القوانين الكنسية أباحت ضرب المرأة بحجة التأديب. وربما يكون هذا التراث من العنف ضد المرأة وسط اليهود والمسيحيين هو ما يفسّر ارتفاع إباحة الضرب لمستوى النص القرآني في الإسلام بدلا من انسحابه لمستوى المادة الفقهية مثلا.
لقد كان واضحا للمسلمين منذ عهد محمد وبعده أن الضرب إجراء ينطوي على احتقار للمرأة وإسقاط لحرمتها (وهذا ما لاحظه الرازي مثلا في معرِض وصفه لكيفية معاملة الناشز). وكان الصحابة فيهم الغليظ العنيف الذي يضرب (كما رأينا في حديث أسماء بنت أبي بكر عن الزبير بن العوّام) والخيِّر الذي يكفّ الأذى عن زوجته. وبينما أخذ ذوو العنف رخصتهم من الآية فإن الخيِّرين تمسّكوا بالحديث المنسوب لمحمد الذي يتحدّث عن الخيِّر الذي لا يضرب وبمثال محمد نفسه الذي تؤكّد المادة الأخبارية باستمرار أنه لم يضرب. وهكذا فإن هؤلاء الخيِّرين لم يجدوا مثالهم الأخلاقي الأعلى في الآية وإنما في مادة الحديث والنموذج النبوي. أما على المستوى التفسيري فإن المسلمين لم يجدوا في الماضي حلّا لمأزقهم الأخلاقي أفضل من محاولة تقييد العبارة القرآنية بعبارة "غير مُبَرِّح" واقتراح كيفيات وهيئات الضرب غير المُبَرِّح.
ماذا فعل المسلمون المعاصرون بإزاء الوضع المُربِك والمشوِّش الذي ورِثوه؟ إن ما فعله أفضلهم هو أن اقتدوا بالخيِّرين من قبلهم وأهملوا ما تقوله الآية عن الضرب وعدّوه عمليا منسوخا في حقّهم لأنهم أدركوا أن ضرب الزوجة عمل غير أخلاقي. أما على المستوى النظري، أي مستوى تفسير الآية، فإن المفسرين من المسلمين المعاصرين لم يتجاوزوا عمليا أفق من سبقهم من المفسرين في الماضي، وهو أفق لن يستطيعوا تجاوزه لأن النظام الاعتقادي لن يسمح لهم بذلك.


محمد محمود أستاذ سابق
بكلية الآداب بجامعة الخرطوم
ومدير مركز الدراسات النقدية
للأديان

kassalawi99@hotmail.com

للحصول على الورقة بصيغة بي دي اف الرجاء الذهاب للرابط أدناه:

https://gallery.mailchimp.com/bccb7fbf5829f7e87ecb43c20/files/91fe65c7-7c2a-4952-9fd8-c932f2f217cd/On_Nushuz.pdf

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3184

نشرةارسل: الخميس مارس 08, 2018 2:08 pm    موضوع الرسالة: الحي افضل من الميت رد مع اشارة الى الموضوع


كتب محمد محمود
"
وما يلفت نظرنا أن مناقشة طه لآية القَوامة والنشوز تتجنّب الحديث عن مسألة النشوز وإجراء الضرب. وهكذا فإن رأيه في هذا الجانب المكمّل لواقع القَوامة غائب. ولقد أعمل بعض تلاميذه رأيهم، قياسا على موقفه من آيات العنف الأخرى في القرآن التي حكم بنسخها، وقالوا إن الضربَ حكمُ وقتٍ ولّى زمنه ولا يدخل عهد الرسالة الثانية. وهذا رأي معقول، إلا أنهم عندما يُعملون القياس فإنهم يخالفون منهج طه لأنهم يقولون برأيهم وهذا أمر يرفضه طه.

"
جاء في حكمة الشعب ان " الحي افضل من الميت" لكن كمان السؤال قايم:ـ
ماذا نصنع بتركة الأستاذ محمود؟
و من هم ورثته ؟
و كمان سؤال انصرافي ، في معنى أنه ينصرف بنا لموضوعنا الاساسي الماثل في السؤال:
" ماذا نصنع بالدين؟"


حتى أعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عبد الله الشقليني



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1089

نشرةارسل: الجمعة مارس 09, 2018 11:11 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

حول تطوير العقيدة الإسلامية لتواكب العصر

1.تبني منهاج أن الآية (106 ) من سورة البقرة هي المنهاج لتنقية القيم السابقة ومواكبة القيم الجديدة ،۞ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106 ) البقرة


2.من الأوفق تطوير نظرة الجمهوريين التي تقول بأن للرجال على النساء درجة ، وتبني المنهاج في البند الأول التي فيها يُسقط كثير من المفاهيم والقيم التي لا تواكب العصر.
إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) الأحزاب



شكراً دكتور محمد
*
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عبد الله الشقليني



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1089

نشرةارسل: الجمعة مارس 09, 2018 2:31 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الشكر الجزيل للأستاذ عثمان حامد
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة