و نحن من نفر عمّروا الأرض في ألمانيا أيضا
انتقل الى صفحة 1, 2  التالي
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الثلاثاء مايو 22, 2018 12:08 pm    موضوع الرسالة: و نحن من نفر عمّروا الأرض في ألمانيا أيضا رد مع اشارة الى الموضوع



قبل فترة طلب مني الصديق الدكتور حامد فضل الله عمل تصاوير لكتاب يحتوي على نصوص ادبية سودانية تضامن على عمله مجموعة من السودانيين المقيمين في ألمانيا. فرحت بالمهمة الجميلة و في خاطري عبارة الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم
ايها الناس نحن من نفر عمّروا الأرض حيثما قطنوا
و أنا منحاز بشكل تلقائي لكل جهد جمعي موضوعه الخلق الأدبي و الفني و حماسي يتنامى حين يتم الجهد بين الأشخاص المقيمين تحت شرط الشتات الرمزي و المادي و المبعثرين في أنحاء الدنيا ،ذلك لأن هذا النوع من الجهد المشترك ـ بالإضافة للأثر الفني ـ ينتهي دائما لتعضيد علاقة الود بين الأشخاص الضالعين في المشروع الأدبي المعين. و من تجربتي فأفضل صداقاتي الباقية انعقدت دوما على مشاريع العمل العام المشترك. فشكرا لحامد فضل الله و كوكبة الصحاب في ألمانيا.


هنا مقدمة البروفيسورة أنجليكا نويفرت
Angelika Neuwirth
لكتاب (كتابات سودانية: قصص قصيرة وشعر ومقالات) الصادر باللغة الالمانية عن دار الدليل ببرلين في مارس 2018.

ترجمة د. حامد فضل لله / برلين



تُقدم مجموعة من الكتاب السودانيين نفسها في هذا الكتاب للقارئ الألماني ، وهم ليسوا كلهم بكتاب محترفين، وإنما يشاركون كأفراد في الحياة العامة في ألمانيا، مثلا كأطباء أو خبراء كمبيوتر. ولا تُقدِّمْ (كتابات سودانية) توثيقا للحياة في السودان إلا عَرَضاً، إذ أن معظم أحداث حكاياتها يدور في ألمانيا، وهي لا تدور بالضرورة في بيئة المهاجرين العرب. ومع ذلك، فإن جميع المؤلفين يكتبون قصصا قصيرة، و"قصصا قصيرة جدا"، وشعرا وقصصا للأطفال تحمل بدرجات متفاوتة طابع الثنائية القومية الذي يميّز خلفية المؤلفين.

إنها من ناحية شهادات على ادراكهم للمجتمع الألماني، وخاصة ما يكتبه حامد فضل الله، أخصائي أمراض النساء والتوليد المقيم في برلين، الذي يعود بذاكرته إلى السودان عبر قصة قصيرة واحدة فقط ، تدور أحداثها في عيادة متواضعة اثناء عمله هناك ، بينما يجعل كل قصصه الأخرى تدور في المانيا والتي تدور في الغالب حول المشاكل الجنسية وما يرتبط بها من صراعات تُحكى ببساطة ، وهي مثيرة ومتعاطفة دوما مع بطلات قصصه الالمانيات.
حامد فضل الله الذي لا يكشف في قصصه عموماً عن أصله الأجنبي صراحة، تتبين نظرته كغريب بشكل غير مباشر من خلال نظرة نفسانية تسلط الضوء على “الآخر” في الشخصية الألمانية ، فهو يركز على خصائص "الآخر" وعلى الحياة العاطفية "الأخرى" المعقدة للنساء الغربيات، مقارنة بوطنه الأم.
مرة واحدة فقط يتعرض فيها لـ "اختلافه" هو عن الأخر ولكن هذا يأتي ايضا في سياق تذكر علاقة حب. أما حدة الصراع الذي يحتدم داخله تجاه البيئة الألمانية فهي تظهر في قصة وحيدة، لم تُكتب مباشرة بالألمانية وانما تُرجمت عن العربية وتدور حول صراع أيديولوجي.

قصتان لـ أمير حمد ناصر الباحث في الأدب العربي، إهداء لذكرى عاشقة فُقدت أو صديق رحل، وهما مصاغتان بحنين و مشحونتان باقتباسات من الشعر أو من الأغاني. اما محمد محمود فيستخدم في المقابل نوعا أخر من السرد، فعنوان قصته "حكاية الرجل الذي لم يصدق قصة النملة" يعدنا بمعانٍ كامنة في طبقات تحتية. إنه أدب العبثية الذي أصبح شائعا في المجتمعات ذات الحكم الشمولي منذ بداية القرن الماضي. تبدأ القصة بحادثة جاءت في القرآن الكريم ، وهي قصة الحيوانات المتكلمة في محيط الملك سليمان (الذي أصبح حسب التراث الانجيلي حاكماً للجان والحيوانات الناطقة). في وادي النمل الذي يريد الملك سليمان عبوره ، متفقدا جيشا من الجان والحيوانات، تحذر نملة رفيقاتها من الحاكم، و تدعوهم إلى الاختباء ليأمنوا بطشه. يرضي هذا التحذير كبرياء الملك العظيم ، الذي يفهم ايضا لغة الحيوانات، فيغتبط ويتعهد (بشكل غير مباشر في الصلاة) بنبذ العنف. هذه النهاية هي محور شك بطل القصة الذي لا اسم له في قصة محمد محمود. هو يرفض تصديقها. فالعنف هو الواقع الذي يعيشه، ويصبح هو نفسه ضحية لألوان متعددة منه على يد اصحاب السلطة من عيارات مختلفة، فهم يجسدون جميعا شخصية الملك سليمان الذي لا يرحم: رجال الشرطة، الأطباء، الممرضات، علماء الدين وأخيرا جلاده. إنها قصة تخلو من أي إشارة إلى مكان أو زمان ، وبدون أسماء، ولكنها تتضمن نقداً اجتماعياً صارخاً يهز المشاعر. وقد قدمت لنا عبير بشناق ترجمة ممتازة لها.

ثلاثة عشر "قصة قصيرة جدا"، مع تباين كبير في المضمون والاسلوب – تضم العديد من قصص الأدب العبثي إلى جانب تلك التي تشير بشكل صريح الى تجارب نفسية من الحياة اليومية – يتبعها قسم الشعر. تُرجمت القصائد عموما من اللغة العربية الأصلية. لا يزال الشعر أكثر من مجرد جنس أدبي في جميع انحاء العالم الناطق بالعربية ، حيث يعتنى به العديد من المتعلمين كنشاط فني ويحفظه الأكثر ثقافة منهم عن ظهر قلب. تعتمد القصائد أكثر من القصص على توصيل الطبقات الخفية الكامنة في الكلمة ، والتي يجب شرحها اولا للقارئ الذي لا ينتمي الى نفس البيئة الثقافية. تنعكس هذه الصعوبة أيضا في الاقتباسات الشعرية ، المبثوثة في القطع النثرية ، التي لا يسهل دائمًا الوصول إلى معناها الأعمق للقارئ الخارجي. وقد أولى الناشر حامد فضل الله أهمية خاصة للشعر وحرص على أن يكون حاضراً ضمن مختاراته. يُفتتح قسم الشعر بقصائد لمحمد الفيتوري ( 2015 ــ ?1930). الذي يمكن اعتباره أهم شعراء السودان. وعلى الرغم من أنه ليس معاصراً للكُتاب إلا أنه ينتمي إليهم ، فقصائده هي جزء من كنز ذاكرتهم. ومن هنا فهو يتبوأ في المختارات مكانة فريدة يبدو معها وكأنه شعار الهُوية.
يضم الكتاب أيضا مجموعة من القصائد المعاصرة لـ صلاح يوسف وأمير حمد ناصر ومصطفى بحيري - تُرجمت لأول مرة، أو مؤخراً إلى الألمانية.
يتبع ذلك قصص قصيرة للأطفال والشباب لـ حسن حميدة ، وهو جنس جديد في الأدب العربي. القصص عن الحيوانات في الوطن السوداني موجهة إلى الأطفال ، اما تلك المتعلقة بالهروب والاستقرار في أوطان جديدة فهي مصاغة من منظور البالغين وموجهة غالباً للشباب.

يقدم لنا قسم "النثر" شخصيات معاصرة مختارة. و يبدأ بقصة حياة السباحة السودانية (سارة جاد الله ـ المترجم) التي حققت ارقاما قياسية على الرغم من الاِعاقة الشديدة. ثم ينتقل إلى شهادات ذاتية لبعض الكتاب والشعراء ممثلين لأنفسهم في المختارات. فيقدم صلاح يوسف مثلا حساباً مريراً لمعاناته في الغربة ، يقابله النص الايجابي المتسامح المتوازن بقلم المحرر والمؤلف المشارك حامد فضل الله.

أما ما قدمه مجدي الجزولي حول تواصله المكثف مع الأدب الألماني ، رغم العقبات العديدة ، فهو جدير بالذكر و يوضح مرة أخرى قرب بعض المؤلفين السودانيين شخصيا من الثقافة الألمانية.
يقدم لنا الكتاب الذي يكتسب قيمة إضافية من خلال رسومات حسن موسى، نظرة صادقة الى عالم حياة وعالم فكر العديد من المفكرين السودانيين في ألمانيا، وهو يشع سلاسة بلا تكلف ، ولا يبحث عن مناطق الاختلاف ، كما أنه لا يقدم للقارئ الألماني صورة مقولبة لـ “الغريب”. أما أسلوبه فيمكن القول أنه يتأرجح ما بين النمط الألماني والنمط السوداني.

على الرغم من أن أحداث القصص تدور بعيدا عن السودان فإن العنوان "كتابات سودانية" له ما يبرره، حيث أن الكثير من هذه الكتابات السودانية ، أو بشكل أكثر عمومية، الكتابات العربية ، لها مرجعيات من التراث الشعري العربي، كما أنها تحتوي على أماكن ومشاهد عربية نموذجية وإن لم تذكر بالاسم. إن الكتاب يستحق الاعتبار كمرآة للمجتمع الألماني ، ولكن أيضا للمشاكل والتناقضات الداخلية لوجود سوداني في هذا المجتمع.

1ــ أنجليكا نويفرت أستاذة ومديرة معهد الدراسات العربية السابقة في جامعة برلين الحرة والمديرة السابقة لمعهد الشرق التابع للجمعية الشرقية الألمانية في بيروت واسطنبول.


عدل من قبل حسن موسى في الاربعاء مايو 23, 2018 7:06 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الثلاثاء مايو 22, 2018 11:19 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


السلام للجميع

وسلام عليكم، أخانا حسن موسى،

وعلّكم طيبين في أحيائكم.


قراتُ لك بي فوق: (و في خاطري عبارة الشاعر محي الدين فارس
ايها الناس نحن من نفر عمّروا الأرض حيثما قطنوا )


وَ رحم الله مُحيي الدين، شاعر لن أحيد، وكثير إبداع، لم يفته حتى: ليلٌ ولاجئة ..


لكن، حسب عِلمي، ف: أيها الناس نحنُ من نَفَرٍ عمّروا الأرضَ حيثما قطنوا ..

من إبداع، المرحوم/ محمد عثمان عبدالرحيم .. صاحب: أنا ســـوداني أنا .. والرحمة تشمل، العطبراوي ..



وبعدين نجيء للهرر والهِرّات الهركولات ..



مع التحايا
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاربعاء مايو 23, 2018 7:19 am    موضوع الرسالة: و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا رد مع اشارة الى الموضوع

أبو جودة
يا أخانا الذي في الآدب
لك التحايا و العتبى لشاعرنا محمد عثمان عبد الرحيم حتى يرضى و الرحمة تشمل المغنين و الشعراء و الأولياء أجمعين. و عزائي في قوله"فوق كل ذي علم عليم' و كذا.
طبعا مكاتيب السودانيين المقيمون في بلاد الجيرمان مترجمة للألمانية لكني ساسعى لدى القوم حتى نحصل على بعض النصوص العربية المختارة لبذلها لقراء سودان للجميع فتعم الفائدة
سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الاربعاء مايو 23, 2018 1:08 pm    موضوع الرسالة: ديل لي هسـّة ساكتين كِدا ..؟! رد مع اشارة الى الموضوع



مرحب حسن، وبُورِك فيكم ..

عجبتني كلمة أنجليكا،
ثم تمدّد اعجابي إلى ترجمة الدكتور حامد فضل الله، فالكلام جيرمني و"روح منطقه الداخلي" سوداني ال جوّة وِجداني، أو ال "في حَناني ذاتو Cool" بالطبع، ما يزال هناك بلدٌ يتسمّى السودان(!) غصب عن الأسامي والتّسامي والسامية ذاتو Laughing

كذلك فقد أُعْجِبتُ كثيراً بعبارتك "وصف الخُنتَيْلة" دي:
(و أنا منحاز بشكل تلقائي لكل جهد جمعي موضوعه الخلق الأدبي و الفني و حماسي يتنامى حين يتم الجهد بين الأشخاص المقيمين تحت شرط الشتات الرمزي و المادي و المبعثرين في أنحاء الدنيا ،ذلك لأن هذا النوع من الجهد المشترك ـ بالإضافة للأثر الفني ـ ينتهي دائما لتعضيد علاقة الود بين الأشخاص الضالعين في المشروع الأدبي المعين.)،

وقد استعدتُّ قراءتها مرّات، وفي كل مَــرّة تتفتفَت عليّ منها معانٍ جاسرات، وقد تـعصّى عليّ فهمها أوّل المُنتَهىَ! حتى تساءلتُ بيني ونفسي: إمكن عشان أنا صايم ساي (بمعنى بلا سحور؟!) ففطرت ثم نظرت لكن الحال في حالو..! جِنِس معانٍ عجائب، ومع ذلك فقد شعرتُ لوَهلةٍ بأني ربما التأمتُ على ارتماءٍ معرفيٍّ منها يفيد؛ وسُرعان ما استبانَ أنّ "ما انفهَم" في حدّ ذاتو -"يا عَملات بِشّة الذي نَشّة"- لم يزد عن كونه فلقاناً ومُداواة في نفس الوقت؛ فالمفهــوم موجود موجود يا وِلداه.. بس وين؟ والأزمة مكانها وين..؟! اللهُ العليم. إنه تماماُ كـــ تعريف " تلك الحقيقة" لصاحبكم المرحوم سالم: إنها تبدو ولا تكون.

بلا أدنى ريب، فإن المرحوم، شاعرنا محمد مفتاح الفيتوري، شاعر سوداني مفوّه وإنّه لَفيلسوف، ولا تنقصه الحَالمية، وقد وُلد وعاشَ يسيراً في "غرب بلادي" ثم التحق بالسكندرية مع أبناء خالته، منهم المرحوم، شاعرنا: محي الدين فارس. وهذا ال مُحي وذاك المِفتاح، قد كانا كفَرَسَيْ رِهان، لكلٍّ منهما برزاته وتخواته وكلماته السَّنيّات. أما أن تقرر مجلة لــ كتابات سودانية في ألمانية وبالألمانية بأن الشاعر الفيتوري هو: أهم شعراء السودان، فأنا دا أقول لا.. والصحيح أنه: " من أهمّ ".
ليه يعني؟ Ummal ناس المجذوب و تجاني وجمّاع ومحي الدين، وحتى ناس توفيق! ناهيك عن شرف و كطف وتطرّف؟ هايروحوا فين يعني؟


مــَا لِعبثيات الأخ محمد محمود وتعريف الألمانيين بالسودان من قريبٍ أو بعيد؟ هل يتحدّث محمد محمود الألمانية برضو ...؟ Razz وبالله عليك يا أخانا في الأدب وُ "كَترتِه و..." يا حسن، اسعى لعرض بعض المكتوب السوداني الذي تألمـَنْ، بِــ ها هُنا، ولك الثناء مُعَطّرا، عسى أن نتعرّف على الذي عبَق! أو ذاك الذي للعُنق دقْ.



ــــــــــــــــــــــــــ
ديل لي هسّة ساكتين كِدا؟ Rolling Eyes
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: السبت مايو 26, 2018 7:51 am    موضوع الرسالة: محمد محمود الالماني رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا أبو جودة
ياخي محمد محمود بطنو غريقة فيها إنجليزي و ألماني و فرنساوي كمان و هو من رهط سيدنا بريخت الذين كانوا "يبدلون بلدا ببلد كما يبدلون حذاءا بحذاء "و الأجر على الله...
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: السبت مايو 26, 2018 8:02 am    موضوع الرسالة: "مكالمة" أمير حمد ناصر رد مع اشارة الى الموضوع

شكرا للأصدقاء د. حامد فضل الله و د. أمير حمد ناصر على تكرمهما ببذل نص " مكالمة" لقراء سودان فور أول







مكالمة


د. أمير حمد ناصر \ برلين



! برنس
مترددة أتت نبرات صوتها الناعم عبر الأثير .لم أصدق مسمعي فقد حفرت في ثنايا ذاكرتي بصوتها, بأحرف” برنس” , منقبة عن معبد حب غريق. ¬
ما من أحد سواها يدللني بهذا الاسم . لأكثر من عشرين عاماً وأنا قيد هذا الحب الغريب لامرأة. أكثر غرابة ودهشة من دهشة ابني الصغير حينما رأى البحر لأول مرة.
- برنس !
- جانيت .
- عدت من أمريكا من ( نيو أورلينس") لأراك، أنا الآن في القاعدة الأمريكية في مدينة فلدا " ولكن .... لكن .... ما هذه الأصوات حولك؟ أأمرأة معك ؟
- لا هذا صوت الاسطوانة من بعيد
لم أعش حباً حقيقياً مثل هذا الحب . عادت دون أن تخطرني من قبل . من أين أنت برقم هاتفي ؟ لم نعش معاً عدا شهرين فقط، ألا إن حباً سرمدياً ظل يدفع بي دون يوصله في يم عظيم . إلى أين !الى أين بحق السماء ؟ لم تسألني جانيت أن تزوجت أو حظيت بطفل أو ماذا طرأ في حياتي بعد أن تفارقنا، لا لخيارنا منذ عشرين عاماً ونيف . كنت أدرك في قرارة نفسي بأن هذه الأنثى سرمداً وان اتت به صدفة عابرة . امرأة سمراء لامعة الإهاب ساحرة العينين ضامرة الكشح وحلوة المبسم
. كانت تحب ان حدثها عن ثلاثة اساطين : تهراقا , عنترة , وكافور الأخشيدي
بشغف ظلت تسألني عن عراقة تاريخ السود في السودان وإفريقيا فكنت أحدثها باعجاب عن هؤلاء العظماء وتاريخ الفراعنة السود وأحياناً أضيف من عندي وأزور الحقائق من فرط إعجابي واعتزازي . كانت تتوسد ساعدي وتتألم لعدم معرفة السود بأمريكا لمثل هذه الأمجاد والشخصيات حدثتني بدورها عن توني مورسن الأديبة الأمريكية وعن ابراهام لنكولن ومأساة الهنود الحمر. والتنقيب عن الذهب في غرب امريكا
- برنس : أتسمعني مالك لا ترد ؟
- أسمعك يا جانيت
- سأكون مساءا في مطار برلين
ثم أغلقت الخط . هكذا هي لم تتغير ولم يتبدل حبي لها
دارت الأسطوانة من جديد ل "ري شارلس " وبيري وايت . أعرف أنها مثلي تحب الأخير منهما كثيراً . أشعلت أكثر من شمعة وعطرت الشقة ورتبتها وارتديت سترة السهرة الزرقاء الأنيقة وربطة العنق البيضاء. فعلت الكثير المنير في هذا المساء الوديع. انتظرتها طويلاً ... لم تأت تفحصت في وجوه المسافرين وأنا أحمل باقة ورد . ابتسمت اكثر من سيدة في وجهي فخفق قلبي لظني بانها جانيت وقد تغيرت بفعل السنين ألا سراعاً ما يخيب تيهاي اذ تنعطف لتطوق مستقبل آخر أو تركز بدعة نظراتها على باقة الورد . هاتفت, في ذات المساء , صديق أمريكي لي وسألته إن كان يعرف مكانها , أجاب ضاحكاً بأن جانيت "امرأة غريبة لم تتغير منذ عمله معها في الجيش الأمريكي
- آسف لا أستطيع مؤازرتك , ولكن سأعطيك هاتف شخص عمل معها في نيو أولينس يمكنك مهاتفته.
كنت قد قررت أن أعيش حياتي مع أسرتي بهدوء وفرح بقدر موسوعي في منأى عن هوج العاطفة والارهاق النفسي . أن أغلق دفتر الحزن. ألا إن هذا لم يكن ممكناً كما يبدو !! بعد ثلاثة أشهر على وجه التحديد من مكالمة جانيت عرفت بأنها "توفيت " في حادث حركة وهي تحاول اجتياز سيارة بدراجتها البخارية في طريقها إلى مطار فرانكفورت لتحلق من ثم الى برلين لرؤيتئ .
أدرت الأسطوانة الأخيرة لبيري وايت " التي كانت تحب الاستماع اليها ونظرت إلى شمعة أوقدتها لها تتراقص في موجات نسيم منساب عبر نافذتي المشرعة . قلت لها في آخر لقائنا بأنني أبغض الوداع . ضحكت وقالت لي وهي تردد أغنية بيري وايت :
أفضل حب , هو الحب الذي نسأل عنه , حينما ينصرم . آه لو كنت أدرك ذألك ,اه لو كنت ... لما رغبت فيه
كل شيئ حولي يذكر بها .هنا الان وحدي جوار مقعدها الشاغر اصغي لأغنيتها عينها , تنساب حزينة . كل آهة , حرف ,نغمة , وايقاع يزحم فضاء غرفتي يعيدني اليها
فأردد في سري كلمات سطرتها لها من فرط حنيني

أعوذ بك
من أرق
يا منقذي وحيرتي
حين يغلبني الحنين , إلى رؤاك
فأزفه
حلما سرمديا
على صروحه نلتقي
أعوذ بك منك
حين بصبح المساء شرفة
للعاشقين
يثمر الحنين
في رنين نخبهم
وأنا هنا
مفرد ,
أبصر السنين بيننا
أبحرت
في قار
ب من ورق
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: السبت مايو 26, 2018 1:54 pm    موضوع الرسالة: نص مُكالَمة..! رد مع اشارة الى الموضوع



شكراً حسن، على نص مُكالَمة،

وبالأكيد فالشكر موصول للأخ د. حامد وللأخ د. أمير..

بشكلٍ مبدئي، فالنص مناسب لعددٍ توثيقي لإبداعات سودانيين بألمانيا، بغرض التعرف والتعارف والتعريف؛ ومع أن الــPrince قد يكون "غير ســوداني" إلّا أن دوره في دراما الحديث بنصّ مُكالَمة، يشي بأنه سودانوي كامل الدّردَرة، شفيف الحُزن! يكاد يلتقيك به درامياً وفي غير دراما؛ ولو لم تره، لما أخطأك أرَجِه يملأ الأمكنة فتتسودَن.






ــــــــــــــــــــــــــــ
ربما أعود للنص، أو ما سبقه أو أتى بعده ..
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1691

نشرةارسل: الاحد مايو 27, 2018 7:02 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

لابد أن الراوي قد أوعز لجانيت، الساحرة التي تعشق باري وايت كما يعشقه أبناء جيلنا من المتفرنجين السبعينيين، بان اسمه العربي يعني مفردة برينس بلغة الفرنجة!... في النص الأميري أصداء من السيرة المصطفى سعيدية بالمقلوب...أو هكذا أوحى لي.
شكرًا وننتظر المزيد يا الحسن عند الشدايد... واللطائف بالطبع...
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاثنين مايو 28, 2018 1:15 pm    موضوع الرسالة: السيرة الطيبصالحية رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا المصطفى
تقول"في النص الأميري أصداء من السيرة المصطفى سعيدية بالمقلوب"و قولك لا يجانب الصواب إلا قليلا. و في هذه الـ"قليلا" ونسة طويلة دايرة ليها "شهرين سجن" لكن الحي بلاقي. المشكلة مع أدب الطيب صالح هي في كونه فرض على الكتاب جملة من التصاوير الأدبية الجبارة التي أمسكت بخناق الكتاب السودانيين [ و غير السودانيين] و لم تترك لهم فرقة يتنفسوا فيها.يعني أي زول داير يحكي عن مشهد العلاقة بين السودانيين و الأوروبيين يلقى الطيب صالح حارس ليه الدرب و يلكزه من ورا لمّن يقعده في القالب الطيب صالحي. ياخي خليك من سرديات العلاقة الكولونيالية المعقدة بين الشرق و الغرب، الليلة [ بخلاف ابراهيم اسحق الذي نجا في الجغرافيا] مافي زول قعد كتب عن القرية السودانية بدون ما يمرق من ود حامد العنيدة.و غير ذلك كثير. و أظن أن أصل المشكلة هو أن معظم كتابنا قرأوا الطيب صالح و تكاسلوا عن قراءة الكتاب الذين قرأهم الطيب صالح..
سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاثنين مايو 28, 2018 1:17 pm    موضوع الرسالة: عنبر دُقدق لحامد فضل الله رد مع اشارة الى الموضوع



عنبر دُقدق

قصة قصيرة




د. حامد فضل الله \ برلين




شعر بحرارة شمس الصيف الباكرة فوق رأسه فأفاق مذعوراً، استوى على السرير، كان يشعر بصداع حاد، جفاف في الريق وحموضة في المعدة، نظر إلى الفناء الواسع، جميع الأسرة خالية من الزملاء، والهدوء يخيم على الدار.
نهض بصعوبة وسار في اتجاه الحمام مترنحاً. فتح الحنفية فتدفق الماء بارداً، وقف تحت رشاش الماء طويلاً حتى استعاد حيويته وشعر بارتياح لذيذ.
استرجع في ذهنه أحداث ليلة البارحة، الاحتفال بتخرج زميله مالك في جامعة برلين وعودته إلى الوطن. اجتمع الأصدقاء في حديقة الموردة على شاطئ النيل، تذكروا أيام الدراسة، تحدثوا عن صدمة الحضارة وعن الأمسيات المرحة يوم كان صوت مالك الرخيم يصدح بأغنية "المامبو ده سوداني" فترقص الفتيات. كانت ليلة مقمرة، أكلوا سمكاً "سبكياً" وشربوا نبيذاً قبرصياً وامتدت السهرة حتى الفجر.
جفف جسمه، ارتدى القميص والبنطال، وتناول السماعة الطبية ثم اتجه إلى الخارج.

يتوسط مستشفى أم درمان التعليمي طريق يؤدي إلى ضريح ومسجد الإمام المهدي يميناً، ومنزل الزعيم الأزهري شمالاً، أما بيت أطباء الامتياز الذي يسكنه فيقوم مقابل المستشفى، يفصله عنها شارع عريض غير ممهد. قطع الشارع مسرعاً هرباً من الغبار ومن حركة السيارات العشوائية متجهاً إلى غرفة الكشف، شق طريقه عبر صالة استقبال المرضى بين أفواج من النساء والأطفال والرجال والشيوخ الذين ضاق بهم المكان، ودخل غرفة الكشف التي لا تختلف عن الصالة إلا في مساحتها، مقسمة إلى ثلاثة أقسام لثلاثة أطباء.

حيا زميله المباشر، فنظرهذا في ساعة معصمه ورد التحية باقتضاب دون أن يلتفت.
جلس على مقعده وشرع يستقبل المرضى، يؤازره الممرض في عمله، أيقظته من رتابة العمل امرأة في مقتبل العمر، أنيقة الملبس ذات عينين واسعتين، قالت إنها تشكو ألماً حاداً في الحلق يمنعها من تناول الطعام منذ الأمس. تحسس العنق، ونظر في سقف وأسفل الحلق، وطلب منها أن تتوارى خلف الستارة. وقبل أن ينهض من مقعده كانت المريضة التالية تقف أمامه، امرأة شاحبة تشكو النزيف. طلب من الممرض أن يقودها إلى غرفة الكشف الخاصة واختفى خلف الستارة. طلب من المريضة الشابة أن تستلقي على منضدة الفحص، فتطلعت إليه بابتسامة خجلى وقالت إنها تشكو فقط من ألم في الحلق.
أوضح لها، بأن التهاب اللوزتين الحاد قد يسبب مضاعفات للقلب والكلى.
فتحت أزرار قميصها فانحسر عن صدر متماسك، دفع نهدها الأيسر ووضع السماعة عند منطقة القلب، سمع ضربات القلب المتسارعة نظر إليها فوجدها هادئة تنظر إليه ببراءة، أصابته الدهشة، أبعد السماعة واكتشف أنه كان يسمع ضربات قلبه. تحسس أعلى البطن والخاصرتين وعندما شعرت بيديه تنحدران إلى أسفل البطن أبعدتهما برفق واعتدلت تصلح هندامها، مع شعور مبهم بين الدهشة والاستنكار.
عاد إلى مقعده وراء المنضدة، بينما وقفت هي تنتظر. قال:
- التهاب في اللوزتين، لا داعي للقلق. تناول واحدة من قصاصات الورق البيض ليكتب عليها وصفة من حبوب التتراسيكلين وأضاف:
- سيزول الألم سريعاً مع تناول هذا الدواء.
ـ لا أدري إذا كنت أستطيع الحصول على الدواء في هذا الزحام القاتل أمام الصيدلية.
قال الممرض وهو ينقل نظره بينهما:
لا يوجد في صيدلية المستشفى إلا حبوب السلفا ومزيج السعال.
طلب من الممرض أن يذهب "بالروشتة" ويسلمها لمحسن مدير الصيدلية من الباب الخلفي.
عاد الممرض بعد دقائق قليلة بعلبة الدواء ووضعها على المنضدة بانزعاج ظاهر.
ناولها الدواء وودعته بنظرة امتنان تاركة شيئاً من أريج عطرها في الغرفة. نبهه الممرض إلى المريضة التي تنتظر في الغرفة الخاصة، فتوجه إليها. فتح الباب فوجد الممرضة تتطلع من النافذة إلى الشارع مترنمة بأغنية "الحبيب وين؟ قالوا لي سافر".
حين انتبهت إلى وجوده شعرت بالارتباك وتقدمته متجهة إلى المريضة التي تنتظر في زاوية الغرفة. تطلع إلى المريضة وتحسس جبينها البارد. قاس درجة الحرارة وضغط الدم والنبض، ضغط على أسفل البطن بحذر، نظر بين الساقين، ولاحظ بقع الدم القاتمة على مفرش النقالة. عقد ساقيها فوق بعضهما وغرز إبرة في العضلة. ثم انصرف دقائق لملء استمارة الدخول وطمأنها. سلم الأوراق إلى الممرضة وأمرها أن تذهب مباشرة بالمريضة إلى عنبر دُقدق ــ العنبر الذي يحمل أسم ممرضة تكريماً وتقديراً لتفانيها في أداء الواجب ورعاية المرضى ــ لمراجعة طبيب الاختصاص. حين عاد إلى غرفة الفحص العامة وجد مريضاً يسعل سعالاً حاداً، ولا يستطيع الكلام إلا لاهثاً. رفع القميص المتسخ، وتطلع إلى أضلاعه البارزة، ثم كتب الوصفة وناوله إياها. نظر هذا إلى الورقة معترضاً:

- إنني أتردد على العيادة الخارجية منذ أربعة أسابيع، نفس الكشف ونفس الدواء. هذا لا يفيدني.
- لا يوجد في المستشفى غير هذا الدواء، قال الطبيب، ثم أضاف "أمامك العيادات الخاصة".

نظر المريض إليه يائساً وقبل أن يتفوه بكلمة أبعده الممرض بخشونة ليفسح الطريق لامرأة تحمل رضيعاً.

نظر الطبيب إلى الطفل ثم إلى الأم وسألها:

- كم لديك من الأطفال؟

ردت بجفاء:
- مالك ومال عدد أطفالي! هذا هو المريض أمامك.

كظم غيظه وقال: لماذا لم تأتِ به قبل أن يصل الى هذه الحالة؟

- تركته لعناية الخالق.
قال بسخرية:
-عندما كان طفلك من نصيبنا، تركتيه لعناية الخالق. وعندما أصبح من نصيب الخالق أتيتي به إلينا.
شعر باضطراب وانتابه شعور بالذنب، فاستغفر الله في سره. مسح قطرات العرق عن جبينه.، وشعر بالخجل حين رأى الدموع تسيل على خدي الأم.
نظر إلى الجسد الضامر والبشرة الشاحبة والعينين الغائرتين، تلمس الجلد الجاف وضغط على أسفل البطن المنتفخ، فزفر الطفل زفرته الأخيرة وأفرغ أمعاءه.
"سبحان الله" قال في سره، "نستقبل الحياة بالصراخ ونودعها بالبراز". الكل زائل وقبض الريح.
نهض متجهاً إلى النافذة المطلة على فناء المستشفى، هروبا من نواح الأم المكلومة وهي تحتضن طفلها بحنان. أشعل سيجارة وبدأ يدخن بشراهة. في الخارج كانت ثمة ضوضاء. وصوت الحارس الذي يقف أمام البوابة التي تفصل العيادة الخارجية عن عنابر المرضى يصرخ ويقسم بأغلظ الأيمان بأنه لن يسمح بالدخول إلا في ساعات الزيارة المحددة. بين حين وآخر تمتد يد منقبضة إلى جيبه وتخرج منبسطة، فينفرج الباب. قذف بعقب السيجارة المشتعل، أغلق النافذة متجهماً وعاد إلى مكانه. حين نظر من فتحة الباب الموارب لاحظ أن صالة الانتظار لا تزال تغص بالمرضى كما كانت في الصباح. كان عدد منهم قد دخل الغرفة وأحاط بمنضدته، ليس ثمة أمل في ابعادهم. حدج الممرض بنظرة ناقدة، فرد هذا:
"هؤلاء فقط، أما الباقون فسينتظرون نوبة المساء".
فحصهم بعجالة، لم يستغرق فحص أي منهم أكثر من دقيقة، ثم لف السماعة الطبية حول عنقه وأعاد قلمه "الباركر المذهب" إلى جيب قميصه وغادر الغرفة تلاحقه توسلات وصراخ وشتائم المرضى.
عند عتبة الباب الخارجي سمع صوتاً يناديه التفت فرأى المرأة التي فحصها من قبل تفترش الأرض و أوراق المستشفى مبعثرة حولها. رفعت يداً مرتعشة وسألته بصوت ضعيف:
"يا ولدي، بالله عليك، عنبر دُقدق1 ده وين؟".


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الخميس مايو 31, 2018 7:18 pm    موضوع الرسالة: دا ال مُــبـَــرِّر فـ كيف نسائله ..؟! رد مع اشارة الى الموضوع




دا ال مُــبـَــرِّر فـ كيف نسائله ..؟!

بطلٌ آخر، يفلِق ويداوي. حَطّته الظروف ثم حَـرّكته، وكان في حالَيْ الحركة والسكون مـُستجيباً مادّياً وغير مُعانِد روحياً إلّا قليلا. من ذاك القليل المُمانِع تمحوَر شيءٌ لافتٌ من إبداع؛ وَعادةً فإنّ الإبداع ليتأتي من تهاويم الروح. أو على الأقل يبدأ من تلك الوقفات، ثم يتوكّأ على ما تجود به الطبيعة من ظروف مادّية.

من خُلل النص في قراءة أولى، لابد أن القارئ سيلحظ أن الطبيب الرّواي لــ "عنبر دُقدُق" بطلٌ تستنفد طاقاتَه التّقلّباتُ الحياتية، فهو على الدّوام بين بين، شيئٌ من هُنا وآخر من "الآخر". في ذات الآن هو كغيرِه، مهموم بالمجد الوظيفي لأجل عيون هذه الحياة. يظلّ يُعافر مادّياً وروحياً عسى أن تتكلّل المشاوير الممشاة بالوصول للقمة، حيث يُتاح غرز البيرق، كآخر ممشيات الشوط، حيثُ لابعد..!

لكن بعض القُرّاء قد يضطرّون لتقصِّي مستوى المبدئية عند هذا البطل؛ وما إن كان قد تحلّى بالشجاعة الكافية في سرد شيئٍ دالٍّ - أو فلنقل في دلالة قاطعة - أن المسرود هو واضحات المُنعَرَج؟ فالسَّهَر والتأخّر عن الدوام وباقي المتشابه، ليست على الدوام هي "كُلّ الخَيَّات"، وَ نَعَم، فالتّلصُّص بناءً على صوت الغِلمَة، بما صاحبه من انتهاز، ربما كان خَيّة مُثلَى! وأكثر من ذلك، فهل كان العنبر التكريمي، موجود في الواقع؟ أم كان من الماضي الجميل؟

بالطبع، لا أقول إن السرد مرواغ، هكذا على الإطلاق! فالنصوص غير المرواغة ربما اتّسمَتْ بالتقريرية، بالتالي، ففي القصة القصيرة، ينبغي أن يكون النص مرواغ، ولو إلى حـَدِّ معقول، أعني الحــَد الذي لا يؤدّي لتيقُّن القارئ بأنّ مراوغة النص، قصدية، لأجل أن تموّه عليه مُرتَكزات المفهوم السردي ال ممكن الاتفاق عليه؛ وعندها ستتضّح عناصر الاستمساك في سبيل الوصول إلى الــ "ما وراء" وهو المُستفاد من المحكي.

لم يدَع لي النصُّ في قراءتي الأولى له، أن أتعاطَف مليّاً مع البطل الطبيب، لكنّ ذات القراءة لم تدفعني لشيطنته؛ ذلك أن كثير من تعاطفي الجاد كقارئ أوّلي، قد ذهب توّاً إلى هؤلاء الممكونين وصابرين؛ من لدُنّ التي بعثرت أوراق إحالتها لعنبرٍ في الخيال! مروراً بتلك التي حَرِصتْ أن تأخذ "حق" الهِبِّيش وإلّا ..! ثم وصولاً إلى أولئك المصلوبين خلف الجدران الزجاجية في معية أنفاس "غير الورد" يتوسّلون نظرة واااحدة وبس، ثم لا يجدونها.

انتهت تساؤلاتي بغتةً، وربما في قراءة ثانية قد أجد ذات التبرير، وإمكِن لاااا Razz




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكراً لكم، فقد أثريتمونا، ولكن ماذا سيقول الجيرمان؟!
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1691

نشرةارسل: الجمعة يونيو 01, 2018 9:41 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

قراءة حصيفة للنص يا محمد لا شك. وأجدني أتفق معك تمامًا في أن النص يقول أكثر مما يفصح عنه السرد بكثير... لابد أن المؤلف قد قرأ تشيخوف كثيرًا، فنصوص تشيخوف تترك للقارئ فسحة كبيرة للتأويل.
أمّا "بالمقلوب" يا الحسن عند الشدايد فهي بالضبط تعني ما قصدته أنت في قولك " أظن أن أصل المشكلة هو أن معظم كتابنا قرأوا الطيب صالح و تكاسلوا عن قراءة الكتاب الذين قرأهم الطيب صالح"... فها هو حامد فضل الله يحتج بأحد الكُتّاب الذين قرأهم الطيب صالح.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الجمعة يونيو 01, 2018 7:58 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع



وافر شكري والتقدير، عزيزي مصطفى، على التعضيد؛ وسرّني أكثر إشارتك ل" تشيخوف " الذي كاد يتوارى عنّي في نص الأخ حامد، في وُسعِه التأويلي. أما بالمقلوب، فبالفعل، سريعاً ما رُدّ راسُ السوط إلى الحسن.

تشرُّب النصّ في عنبر دُقدق، من روح النصوص التشيخوفية، يبين ويتوارى؛ وإن كانت الإبانة قد بدت عندك مباشرةً، فإنّ تواريها عنّي ربما يُحال إلى عُمر النص، نصّنا هنا، مع مقارَنة أعمار نصوص الرّوسي، والزمن غلّاب في كثير الأحيان؛ وذلك من غير أن نُغَيِّب "ميسم" صاحب الموسِم.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: السبت يونيو 02, 2018 12:13 pm    موضوع الرسالة: و من لم يقرأهم الطيب صالح رد مع اشارة الى الموضوع


السلام يا أهل الكتابة
و شكرا لكما على عنايتكما الرشيدة بهذا الخيط.
قلت يا المصطفى:ـ
"أمّا "بالمقلوب" يا الحسن عند الشدايد فهي بالضبط تعني ما قصدته أنت في قولك
" أظن أن أصل المشكلة هو أن معظم كتابنا قرأوا الطيب صالح و تكاسلوا عن قراءة الكتاب الذين قرأهم الطيب صالح"...
فها هو حامد فضل الله يحتج بأحد الكُتّاب الذين قرأهم الطيب صالح.

و قولك سديد، و حامد فضل الله كاتب متمرس بصناعة الكتابة منذ قديم الزمان ، قل: قبل أن يخلق أدب الإنترنيت و أظنه يمضي نهاره يكتب و يمحو حتى يستوي مكتوبه على جادة الأدب كما يراه.و على كل حال لا بد من إفراد حيز مستقل لمكاتيب حامد فضل الله فتعم الفائدة.
أما بالنسبة لمنهج الطيب صالح في صناعة الكتابة فهو ـ في نظري الضعيف ـ بسيط و معقد في آن. و فحواه أن يصبر الكاتب على القراءة فيقرأ و يقرأ و يقرأ ، ثم ينسى ما قرأ [ و هيهات] قبل أن يجلس للكتابة. و ربما لهذا السبب ظهرت مكاتيب الطيب صالح للقراء و هو في عقده الرابع.[ الليلة الشباب الناهض العنده كيبورد و مدخل للشبكة العنكبوتية الشريرة يقعد يكتب و يكتب و يكتب و ينشر و ينشر و ينشر ثم يجد من يقرأه ، و ربما وجد من يقرظ مكاتيبه و الله ما شق حنكا ضيعه]. طبعا درب الطيب صالح ـ رغم طوله ، قد لا يكون بالضرورة أكثر المناهج كفاءة لكن درب السلامة للحول قريب. و في نهاية التخليل يواجهنا [ و يواجه الطيب صالح هيمسيلف] السؤال العويص: ماذا نفعل بمن لم يقرأهم الطيب صالح؟ إما لأنه لم يتفرغ لهم " شهرين سجن" أو لأنهم ظلوا مدسوسين في حرز اللغات الأجنبيات التي لم يجد الطيب صالح إليها سبيلا.
و هكذا يا سادتي فقد ورطنا في وعوث مناهج الكتابة الأدبية عن غير قصد لكن أهلنا قالوا " كان اتبلبلت حاول تعوم" عسى و لعل,

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1691

نشرةارسل: الاحد يونيو 03, 2018 8:27 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الحسن عند الشدايد قال ليك جيتني في جرح حول فكرة الكاتب يقرأ ويقرا ويقرا ثم ينسى تمامًا ... كتفسير مقبول لما اعتمد اصطلاحًا ب " التناص":
"...... هات
الدمع أنكيدو، ليبكي الميت فينا
الحي. ما أنا؟ من ينام الآن
أنكيدو؟ أنا أم أنت؟ آلهتي
كقبض الريح. فانهض بي بكامل
طيشك البشري، واحلم بالمساواة
القليلة بين آلهة السماء وبيننا. نحن
الذين نُعِّمِّر الأرض الجميلة بين
دجلة والفرات ونحفظ الأسماء
لابد أن درويش عندما كتب هذا الجزء من النص قد استعاد، في عقله ما استبطن من قراءة سابقة نسيها تمامًا، كما تقول أنت أعلاه: " أن يصبر الكاتب على القراءة فيقرأ و يقرأ و يقرأ، ثم ينسى ما قرأ [ و هيهات] قبل أن يجلس للكتابة." ... استعاد ما قرأه في كتاب بروفسور كامبل الشهير عن أسطورة جلجامش وأنكيدو Campbell: Oriental Mythology, Penguin books 1982, pp.87-91)).... ويمكننا بوضوح اكتشاف التناص التام بين أغنية سيديرو في كتاب كامبل وبين شعر درويش كأنما الأمر يتجاوز منصة التناص ليقبع في مستوى الترجمة المباشرة .... ولا أعتقد أن درويش بغافل عن ذلك:


Oh Gilgamesh, whither do you fare?
The life you seek, you will not find
When the gods created man,
They appointed death to mankind,
And retained life to themselves.
Oh Gilgamesh, fill your belly;
Make merry, day and night;
Make of each day a festival of joy,
Dance and play day and night

Pay heed to the little one holding into your hand,
Let your wife delight your heart.
For in this is the portion of man.
)
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاثنين يونيو 04, 2018 11:02 am    موضوع الرسالة: رجل وحيد و ملكة زنزبار رد مع اشارة الى الموضوع

سلام يا المصطفى و سيرة "التناص" عامرة بالتفاكير و لي فيها واحدة ابذلها بعد أن تكتمل وثائقي [و هيهات].
أواصل هنا مناولة جديدة من الأخ حامد فضل الله الذي تفضل و بعث ببعض مكاتيب شعراء الكتاب.
القصيدة الأولى" إلى رجل وحيد " لمصطفى بحيري المستوحش بين برلين و دمشق ، و القصيدة الثانية " ملكة زنزبار" لـصلاح يوسف.



إلى رجــل وحيــد

مصطفى بحيري \ برلين ــ دمشق


لا الخمرُ تَشفي ولا الأغاني . .
من عضة الليل . .
حل الظلام.
فعد إلى البيتِ
ولا تقلِّبِ المارةَ بحثاً عن وجهٍ أليف . .
افتحِْ . . و . . ادخلْ !
لا تنقِّبْ في البابِ على ضوءِ الكبريت
عن جملةٍ كتبها صديقٌ أتاك ولم يجدك.
لا تذرعِ الغرفة. .
فليس في دروبها دربٌ جديد. .
ولا تُفرحْكَ تلك الخشخشةُ المريبة . .
فما من لصٍّ يضيع وقتَه في سرقتِك.
لا تكسرِ الزجاجَ. .
لا تركلِ الكرسيَّ. .
لا تنهشِ الستائرَ. .
لا تفلقِ الجدران برأسك. .
أم . . رأسك بالجدران.
فلا شيء يشفي من عضة الليل.
انطفأ الشباك الأخير في البناية المقابلة ـ
انطفأت النجمة الأخيرة في السماء القاتمة ـ
وسكن آخر طبول السهارى
المرعب البارد: سريرك الأصم. .
قد. .
هدأ ..
ونام.
فاهدأ أنت، . .
اهدأ . .
و. . نمْ ّ !






..........




ملكة زنزبار

صلاح يوسف \ برلين

أختطفك من هذه البلاد
التي لا تتوجك ملكة
ونمتطي مهرة السحب السوداء..
أبني لك قصراً عربياً
بجزيرة زنزبار
يحسدك عليه
سلطان عُمان،
وأضمّخ جسدك
الذي يحاكي المانجا
بزهر القرنقل..بالمسك..
بالصندل والعنبر
ضد العين الشريرة
استجلب لك تميمة
من شيوخ تمبوكتو
عند المساء
يضج الدم في عروق الغابات
وتمتزج ألوان الغروب
في حريق خافت
ترجع طيور إفريقيا إلى أعشاشها؛
يبدأ حوار الليل
وتنفرط من عقد اللغة الكلمات







.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الاثنين يونيو 04, 2018 11:38 am    موضوع الرسالة: ويتتابع المدد الرصين فأهلاً به.. رد مع اشارة الى الموضوع



ويتتابع المدد الرصين فأهلاً به..

ويجدُر بي أوّلاً أن أقول، إن شِعر الشاعرين مصطفى بحيري، و صلاح يوسف؛ قد صادف عندي "يوم بؤسٍ" ضد شعر القصيدة النثرية، هذا الذي لكأنه ترجمة لأشعار بعضٍ من كِبار شُعراء للأفرنج! بينما لا يمِتُّ للعربية بِصِلةٍ ولا لُحمَةٍ أو سداة.

ذات الخاطر "غير الماطر" قد التفّ بي وأنا أقرأ لـــِ الأخ مصطفى، يلفت الناس إلى خَيّات " درويش " ولكن على استحياء " كِدا " ..! نعم، هناك تقديس وتعلية غير عاديين من كُتّاب معيّنين لأسطورة " ملحَمة جِلجامش " وقد صدّعنا بها الشوام، أو بالأحْرَى، صناديدهم الذي تأوربوا، وتاقَ بعضهم أن يترَوْمَن، يتهلسن ( هلينيستية ) ناهيك عن الذين تنفَينقوا وتأوشَروا . أقول صدّعونا بها، لأنها وإن كانت لا تخلو من مثالَة إبداعية، إلّا أنها متواضعة، وكثيراً في مقارنيّات مَــا "لها" وما لل"آخر" الإبداعي.



ـــــــــــــــــــ
وسلام، إلى عودة بعد أن نجغملنا شيء Wink
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1691

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 05, 2018 8:52 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وبعد أن جغمتلك شيء يا محمد نعود... أتيت بمثال درويش هنا لتأكيد ما ذهب إليه الحسن عند الشدايد في أمر الكاتب يقرأ ويقرأ ويقرا وينسى ما قرأ ( وهيهات) قبل أن يشرع في الكتابة.
قرأت جدارية درويش مرارًا، وهوشاعر له أثر كبير، إن لم يكن الأثر الأكثر طغيانًا، في الشعر العربي المعاصر، وربما كان أكثر من الذين "تأوروبوا" وتفرنسوا و "تخوجنو". ورأيت فيها، ببساطة، ما جاء به الحسن عند الشدايد هنا... وقد كان ذلك منذ بداية الألفية... وكنت قد قرأت كتاب السيد كامبل مرة واحدة منذ ثمانينيات القرن المنصرم، وعدّت إليه مرارًا للبحث عن مصادر العديد من علامات "اليوننة- اليونان" "والرومنة- من الرومان" الأشرنة - من الأشوريين" وغيرهم في الكتابة العربية. وانتبهت لما أتى به درويش فيما يخص أسطورة جلجامش وإنكيدو... يبقى السؤال، غض النظر عن رايك أو رأي أنا في شعر درويش، هل هذا التخاطر بين درويش وكامبل ترجمة صريحة أم تناص...؟ لا أرى أي مبرر هنا لإيراد مفردة "سرقة".
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 05, 2018 1:05 pm    موضوع الرسالة: التّناص ذاتو - أحياناً- سرقة بي خشم الباب..! رد مع اشارة الى الموضوع





التّناص ذاتو - أحياناً- سرقة بي خشم الباب..!
لك التحايا عزيزي مصطفى، وحقيقي لأول مرة اطّلع على هذا التناص "الكامبلي/الدّرويشي" ولكنّني بالواضح، كنتُ وما أزال!! مُـعَــنَّىً بأسطورة جُلجامش، تعركها أمام عيوننا بعض فتية ثقيفيّين، شبيبة وكهول من الشرق الأوسط، حتى ظننا أنّ جُلجامش سيورِثنا..! أو سَــنُوَرَّثهSad عطرُ مِسكٍ مُفَخَّما .. يطيبُ به كُل الأدب فيتبخترا ويتيه تيها .. اللّهُمّ صَلِّي عالنّبي بأا..

لكَ أن تعمى عن رؤية دلائل السرقة في التناص الحاصل! عزيزي مصطفى - ولو في المرحلة دي! بالذات- لكنني وبعد قراءتي لشوفك منذ زمن، أراني لا أستطيع أن أُخرج المسألة السرقاتية عن كونها - At least - استلاف واستيراد كُلّي لعوالّم "جُلجامش" عسى أن يُحارب بها الناسُ عوالَم أوسلو وما بعد.

معك حق، فالحسن عند الشدايد، ظلّ مُّذكِّراً (وَ مُسيطِر ربما Laughing ) بحكاية تقرأ وتقرأ وتقرأ، ثم تنسى (بِــ هيهاتها) فتجلس للكتابة بعد أن تكون قد نسيت كل ما قرأته وَ هيهات أظرط هُنا..! ولكنني أذكر أن هذه كانت وصية أحد حُكماء الشعر في الجاهلية العربية "السّمْحَة ديك نان!" لأحد الذين كانوا يطلبون أن يكونوا شُعراء بُرَعاء؛ قالوا لهم احفظوا الشعر الذي تقدرون، ثم روّحوا حفظكم، وحينها ستكتبون مالم يُكتَب بعد (ال ما انكتَب!) يعنون؛ أما النثر، وصحيح أنه ضلفة باب الإبداع الأدبي مع الشِّعر، وقد يكون "النثر" هو الضلفة الثابتة بالترابيس فوق وتحت، وفيها - كمان - قلب الباب، رَزّته والجخنون؛ لكن الشعر أبقى، أحيانا؛ ولعل الحسن عند الشدائد، قد رأى من خلال " دليل الفالح " أن الطيـّب شاعرٌ يستنطق الصخر العصيّا، بأكثر مــنه مجرد "نثّار" يقول فيه "آل جُلجامش" أخدها الرجل الطيــِّب من "جوزيف كونراد"، ولم يزِد عليها "فرقاطة" واااحدة.

بالطبع، لا يُمكن أن تُخلي سرقة "تناصّية" واحدة، ما انبنى للشاعر "درويش" في مخطّطات الأمة العربية سريعة الدّككان، من "روعة المشهد" ومع ذلك لا أنكر أن التئامي على هذا التناص المُستّف بين درويش و كامبل حول أسطورة "جلجامشxأنكيدا" قد جعلني في حالِ مَنْ فوجيء بابنه أمام عينيه قد بلع"Shilling" فظلّ يخبط على فِقرته آملاً إخراج الشيلينق! وهو غير مُتَدَبِّر تماماً ما إن كان ملهوفاً على ال " ولد " أم "الشيلينق" Wink




ـــــــــــــــــــ
شكراً لكما
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 05, 2018 1:25 pm    موضوع الرسالة: مارسيل دوشان سارق المبولة و النافورة رد مع اشارة الى الموضوع



سلام يا المصطفى و مثله لأبوجودة

جاء في الأثر أن " الحرامي في راسو ريشة" لكن الشاعر ما عنده راس،الشاعر مراهق مجنون [ جن الأمين علي مدني داك].الشاعر يكتب بقلبه، و القلب مساحة حرية فالتة عن قبضة العقل، مساحة حرية تحفها المخاطر من كل جنب[ بما فيها مخاطرة القبول بالرضاء الغوغائي من جهة السلطات الرسميات و الشعبيات]. ربما لهذا السبب يسحرنا الشاعر من لحظة إعلانه : يا جماعة الخير أنا شاعر.
يا مصطفى أظن أن " التناص" الواعي أو الغافل ـ هو في نهاية التخليل ـ طريقة في الكتابة. و طرائق الكتابة تتعدد بتعدد الكتاب[ شوف بالله طريقة كتابة أبوجودة القدامنا دا. و الله الواحد مرات يقرّب يقول ليه : ياخي أعمل معروف، ترجم لينا كلامك دا بالعربي.عشان عربي أبوجودة مرات يغرق فيعربي الجاهلية الأولى و مرات يغرق في رندوك عربي الجاهلية الأخيرة ، لكنها كطريقة في الكتابة فهي مشروعة و نص و يبقى الرّك على طريقة القراءة.].و لو عرّجت على مولانا " مارسيل دوشان" صاحب الـ " ريدي ميد " لشرح لك أن معنى الأثر الإبداعي إنما يكمن في الطريقة التي ينظر بها الناظر أكثر منه في الثنايا المادية و التقنية للأثر الإبداعي. فبأي طريقة نقرأ درويش؟و قد روّع مارسيل دوشان معاصريه [،في 1917 ،[ و كمان معاصرينا كمان] حين وضع أمامهم مبولة من السيراميك الصناعي اشتراها من حانوت لمتاع الحمامات و عمّدها أثرا ابداعيا و سمّاها " نافورة". و من حينها تحرر الفن من قبضة الأثر " التحفة" ليصبح مخاطرة مفهومية مبذولة للغاشي و الماشي [ برضو هيهات]. و بعد هيهاتات كثيرة فمقطع درويش ربما كان وجها من وجوه الـ «  ريدي ميد » الدوشاني و لا جناح.. و بذريعة تعدد طرائق الكتابة فالترجمة ما هي إلا طريقة في الكتابة ، زيها زي غيرها.و لهذا ساغ لي إتهامك [أنت و نفر من تراجمة الشعر الكرام في هذا المنبر ]بصفة الشاعر. ذلك أن الشعر ـ حسب ما جاء في الأثر " لا يترجم" ، و لو شئت قل : « الشعر لا يترجم إلا بشعر جديد آخر". و كون هذا الشاعر اللابد وراء أكمة الترجمة لا يضع قناعه فهذا لا يغير من أمره شيئا.فهو شاعر "سيك سيك معلق فيك". و قديما انطوى إتهام العرب للنبي بقول الشعر ، انطوى على قبولهم للطريقة المغايرة التي تخلّق عليها المبنى الأدبي للقرآن بوصفها إحتمالا في الشعر [ منير العكش]. أما سابعة الأثافي سيرة التراجمة الخونة فهي في " إنتقام الترجمان" و هي رواية عجيبة للروائي الفرنسي المعاصر " بريس ماتيوسون"
Brice Matthieussent
Vengeance du Traducteur
P.O.L., 2009
و الرواية تحكي سيرة مترجم فرنسي أوكل إليه الناشر مهمة ترجمة رواية لكاتب أمريكي, فشرع يضيف الحواشي و الشروح بجانب نص الكاتب ثم تمادى لغاية شطب و إلغاء أجزاء من نص الكاتب حين لا يعجبه المكتوب ،"و هكذا دواليبك. . »ـ
يا أبو جودة، ترفق بنا عشان موضوع الترجمة دا ـ زيه زي أخوانه [ الفينقة و الأشرنة و الفرعنة و الزنوجة و العربنة و الغربنة و الشرقنة ..] محتاج لأكثر من الإدانة العجولة التي فشيت بيها غبينتك من عيال الشوام. و أصبر علينا ينوبك ثواب.
سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 05, 2018 9:33 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


سلام يا حسن،
وتقول: (يا أبو جودة، ترفق بنا عشان موضوع الترجمة دا ـ زيه زي أخوانه [ الفينقة و الأشرنة و الفرعنة و الزنوجة و العربنة و الغربنة و الشرقنة ..] محتاج لأكثر من الإدانة العجولة التي فشيت بيها غبينتك من عيال الشوام. و أصبر علينا ينوبك ثواب.) ..
كلامك صاح، وبالطبع سأحاول؛ وأراك لم تُخطيء في وصفك غبينتي، والتي أصِفها بأنها غبينة أدبية ساي، تتوسّل بال فَشِّ أملاً في وَجَدان ما تحته من "عنائب" أو "دبائب" وفي كُلٍّ بمجالي الأدب، خيرٌ يُرتَـجى. مع أني مـُنغرِس هذين اليومَين في دراسة عربية تقول: إنّ للعولمة أثراً سالباً على لُغة العرب! ولا أجد في نفسي كبير تصديق لمثل هذه النتيجة الصّلعاء؛ لاسيما وقد قرأتُ بِعَينَي ال مُصطفى منذ الثمانينات.

تلزمني غشوات لمولانا "مارسيل دوشان" وحكاية الـ Ready made وأظنّها فِكرة مُغايَرة لما أنهمِك فيه من قناعة متحرّكة في كون "الإبداع" منبعه داخلي من (الأنا) ثم يتلقّف في سيرورته نحو (الآخر) ممّا يتلقّفه من "خارج"؛ وهنا أرجع لقولك: (يا مصطفى أظن أن " التناص" الواعي أو الغافل ـ هو في نهاية التخليل ـ طريقة في الكتابة. و طرائق الكتابة تتعدد بتعدد الكتاب) .. لأقول - غير متأكِّد - بأن التّناص الواعي أو الغافل، هو في نهاية التخليل، الطّريقة في الكتابة، مهما تعدّدت طرائق الكُتّاب. مع احتفاظي ببعض التحفّظ على "واعي" التناص..! حينما يبدو في احتيازه بعضُ استسهال..! وهل من شاهدٍ أكبر من التناص الكامبل/درويشي؟

أما في قولك، عن صاحب الـReady made: ( إن معنى الأثر الإبداعي إنما يكمن في الطريقة التي ينظر بها الناظر أكثر منه في الثنايا المادية و التقنية للأثر الإبداعي) ..فقد أحالني سِراعاً لكلام قرأتُه للدكتور مصطفى محمود، في كتابــه (أحاديث منتصف الليل)، حيث يقول: " الجمالُ، قيمة تُطلَب لذاتِها دون حاجةٍ لقيمة أخرى تُبَرِّرها؛ هو لِذّةٌ ضافية تُبرِّر نفسها بنفسها، وشرارة تُشعِل في نفوسِنا الإحساس بالنشوة والسعادة بدون وِساطة. ســِرُّ الجمالٍ في لحظة الاتّصال بين نفسٍ وَ موضوع، ولا يوجَد الجمالُ في الموضوع، بل في النّفس المــُعَــدّة كي ترى وتُصغي وتحِسُّ"؛ ثم ينهال عليّ عدم تأكّدي (أو قُل: تـجـَــبُّري!) وما إن كان الدكتور المرحوم قد كتب بتناصٍّ واعٍ.

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الخميس يونيو 07, 2018 6:32 am    موضوع الرسالة: رسالة من حامد فضل الله رد مع اشارة الى الموضوع


رسالة من حامد فضل الله


السلام ليكم يا حسن موسى ومحمد أبو جودة ومصطفى آدم.
منذ أن تفضل حسن بنشر نماذج من كتابنا الجرماني في سودان فور أول، وانا اتابع بشغف واهتمام وفرح لتعليقاتكم ونقدكم المتواصل. وكان في نيتي، ان اعود اليكم بعد نشر جميع النماذج ولكن بعد نشر قصيدتي صلاح يوسف ومصطفي بحيري ومصادفة محمد " يوم بؤسٍ " ضد شعر القصيدة النثرية"، دفعني مبكراً الى كتابة هذه السطور. أولا، إنني دقة قديمة، فيطربني ويهزني ويخاطبني الشعر الموروث و القصيدة المقفاة أو القصيدة المرسلة الموزونة، فأدوات الشعر هي الوزن والتقفية. صحيح ان قصيدة بحيرى بسيطة في كلماتها ولكنها لا تخلو من صور جميلة. وتم اختيار ترجمتها عن قصد، لأنها تتعرض لقضايا اللاجئين و الاندماج ومعاناة الغربة والتوحد و العزلة وهى القضايا التي تسيطر الآن على الساحة الالمانية. جاءت الترجمة الالمانية معبرة جداً واصابت الهدف، اما التعبير الأكثر ابداعا لكلماتها، فجاء من خلال لوحة، رسمة حسن موسى التي زينا بها صفحة الغلاف الأمامية.
و هنا نص نثري أخر لـ مصطفى بحيرى، عذبنا عذابا غليظا في ترجمته:

.. فـــــنــدق مـحـطــة بـرلـيـن لـلـقـطــارات

.. سَـهِـروا لـيـلـةَ الأمـسِ .. في الـبـهـوِ هـُنـا . سَـكِـروا لـوقـتٍ مـُتـأخِـر ْ. الـرِجـال ُالأربـعـيـنـيـونَ إنـطـفـأَ فـيـهـم الـلـبـيــدو . الـنـسـاءُ زَجـَجــْن َبـمـاءِ الـرِيـقِ حـواجِـبـَهـُنَّ ، خـَلـــّفـــْن َشــَهــَـواتٍ عـَلـِقـــْن َحـَـواف َالكؤوس الـرِهـاف ْ
هـاهـــُم لِـتــّوِهـم ْصــَعــَدوا ، أز الـسـُلـم ُالـخـشـبي ُتـحــت َوطـأتــِـهــِم ْ. جـابـوا الـرُدهـات َ بحــْثــاً عـن ْغـــُرَفٍ أضـاعـوهـا .. و أضـاعــوا الـمـفـاتـيـح ْ. سـَحــَقـوا أعـقـاب َلـــُفـافـاتِـهِـم ْعـلي الـسِـجـادِ. بـصــقـوا . بـذِئــوا و أغــْلـــَظـوا الـنــُزلاءَ الـطـيـبـيـن ْ.
قــــَلـــَبـوا لـوحـات َ َكانديـنـسكي الـمـنـسـوخـة أعـلاهـا لأسـفـــَلِـهـا _ فـمـا ضـلـــّت ْوجـهــة الـدهـشــة _ . كـــَسَـروا أزمـِنــة الـسـَـردِ هـــَدّوا عــمــود َ الـقـصــيــد ْ. فـتــَحــوا في آخــرِ الـمـَمــرِ نـافِـــذة .. جـاء َالـشـارع . جـاءت ْقــــَيـّمــَة الـغـــُرَف ْ، ضــربـوا عـجـِـيـزَتــــَهـا ضــربـاً غـيــر َمــُبــْرِح ْ. قـالـت ْ: هـؤلاءِ الـحــُثـالـة . ثـم قـالـت ْآهِ و انـفـــَلـــَتــَت ْ. أكان َضــربـاً مِـن الـضــربِ لـذيــذ ؟! .. ثــــَمــَـة الآن َهدوء .
تـــُراهــُم ْاتـكأوا .. أم ْاضـَجــعـوا ؟ ..
هـل ْخـلـعــوا الأحــذيـة و الـجـوارب َالـمــُتــَيـبِـسـة الـنـَتـِنــة ؟
هـل ْنـامــوا ؟ ..
رُبــمـا مـاتــوا ..
ثــــَمــَـة الآن َهدوء كــــَذاك َالـذي يـعــْقـــُب ُالـمـذبـحــة .
.. صــبـاح ُالـكـنـيـســةِ الـمــُجـاورة .. رَنَّ الـجــَرس ُالنــُحـاس ْ،
فـمـا أقـــَض ّلـهــَم ْمـضـَـاجِـعـاً .
مـا أقـــَض ّمـضـاجـعـاً .
مـا أقــض ّ.
فـمـا ..
مـا ...
.. هـكـــذا إذاً : نــبـي ٌيـصـــرخ ُفي الـبــريـــة ..
و رنـيـــن يـســقـــُط ُفي بِــئـــرِ الـجــَرس ْ .

.. برلين يوليو 2004.
بـحــيـري.

أما قضية التناص، والذي لا يجد مصطفى آدم " أي مبرر لإيراد هنا مفردة سرقة ". أليس التناص في الواقع هو المرادف المودرن لكلمة السرقة ، و الشماعة التي يتعلق بها الشاعر أو الكاتب ليتحاشى سلخ وبهدلة الناقد المتبحر؟ أم يكفي ان نقول انه توارد الخواطر أو النسيان كما عبر عن ذلك كل من مصطفى وحسن.
اما قضية ترجمة الشعر، فهي بحق قضية شائكة. أنني اترجم عن الالمانية بعض القصائد القصيرة جداً واستشهد بها في مقالاتي، وهنا نموذج منها:

برتولد بريشتBertolt Brecht
للقراءة صباحا ومساء Morgens und abends zu lesen

ترجمة وتعليق د. حامد فضل الله

ذاك الذي أحبه
قال
إنه بحاجة لي
لذلك
أحرص على نفسي،
أتبصر في طريقي
وأخشى من كل قطرة مطر..
قد تفتكُ بي Der, den ich liebe,
hat mir gesagt,
dass er mich braucht.
Darum
Gebe ich auf mich acht,
sehe auf meinen Weg und
fuerchte von jedem Regentropfen,
dass er mich erschlagen koennte.

تقدم قصيدة الشاعر الألماني الكبير برتولد بريشت صورة مختلفة عن المتعارف عليه في الشعر العاطفي الوجداني. فلا أثر فيها لزرقة السماء وحلول الربيع وتغريد البلابل، ولا كلمة عن فرحة اللقاء ومرارة الوداع أو ألم الفراق. ورغم ذلك فإن كلماتها تقول الكثير عن الحب والعواطف الإنسانية. امرأة عاشقة أصبح شغلها الشاغل هو الحرص على نفسها منذ أن عرفت أن الذي تحبه يحتاج إليها. أصبحت تحرص على نفسها حتى من قطرة المطر التي لا تصيب أحداً بأذى. في القصيدة يمتزج حب الذات بحب الآخر. وهي بكلماتها المقتصدة تحمل الكثير من معاني الحب والصداقة والعذوبة. كتبت القصيدة عام 1937، في زمن الرعب، حينما كان المرء يخاف من طرقات الباب ومن زوار الفجر، وكان منتهى الحب أن يجد المرء يداً تمسك بيده ومكاناً يحميه.

سباق Wettlauf

هاينريش هاينه
ترجمة د. حامد فضل الله \ برلين

الغني يزداد غنىً

Heinrich Heine:


„Hat man viel, so wird man bald
noch viel mehr dazu bekommen.

والفقير يزداد فقراً. Wer nur wenig hat, dem wird
auch das Wenige genommen.

أما إذا كنت معدماً،
أيها الصعلوك، Wenn du aber gar nichts hast,

فلتدفن حياً! Ach, so lasse dich begraben,

إذ لا حق في الحياة denn ein Recht zum Leben, Lump,

إلا لمن يملكون شيئاً. haben nur, die etwas haben.“


اما اذا صح القول، بأن الشعر لا يترجمه الا شاعر أو كما يقول حسن " وكون هذا الشاعر اللابد وراء أكمة الترجمة لا يضع قناعه، فهذا لا يغير من أمره شيئا فهو شاعر...". فأذن قضيتي من الأول خسرانة.
ربما تمر هذه السطور بسلام. اما اذا " ولعتم" فينا من جديد وخاصة بعد ما فش محمد غبينته من عيال الشوام، فمرحبا، وسوف أكون أول الرابحين فكل ما قرأته حتي الآن من نقدكم ، فهو رصين وحصيف.
أخليكم بعافية.
حامد فضل الله \ برلين

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد أبو جودة



اشترك في: 25 سبتمبر 2012
مشاركات: 526

نشرةارسل: الخميس يونيو 07, 2018 3:21 pm    موضوع الرسالة: يا ألف مرحب بالنطاسي المُبدع د. حامد فضل الله رد مع اشارة الى الموضوع



يا ألف مرحب بالنطاسي المُبدع د. حامد فضل الله

أسعدتنا كثيراً والله بإطلالتك الطيبة، و"هاودتنا" بها، زيادة خيرٍ في أدب الألمان وعلومهم، فضل إسماحٍ وتزيين، وكان مبدءُ سعادتنا بما أشاعه لنا، بهذا المكان، أخونا حسننا ال عند الشدايد بنشرِ جُزء من كتابكم الجيرماني. وإنّه والله - على الأقل حتى الآن! - للكتاب الذي سيقول كُـتـــابه وكاتباته: هاؤمُ اقرأوا كِتابيه .. وهو على رَكٍّ من الثقةِ عظيم. فقد احتوى كتابكم من الأدب السوداني ألواناً مُشرقة مونِقة. وأثق تماماً أن سيكون له ما بعده، إن تمّّت قراءته وفق ما يُتَوَقّع لها. فهل هو الإصدارة الأولى؟ وهل ببرلين، معهد معروف للعلاقات الثقافية العربية الألمانية مثلاً؟

عن نقدنا، إخواني الكواشف وشخصي الضعيف، أجدني ممتنُّ لك، أن أجزتنا عليه بالرصانة؛ وأكّدتّ اهتمامك به؛ وذلك على الرغم من "التوليعات" التي درج معظمنا على "الانشعال" بها متى ما جاءت قَدَحة، أو حتى إن لم تجيء ..! لكأنّما الكل "واقف" ديدبان لِــ " تَشِّ أيِّ نَصّ " يَحِلُّ بالجوار، أو ظهرت عليه مخايل "الكُوار" Laughing

ولايفوتني في هذه العُجالة أن أتساءل: الم يتَبقّ أثرٌ باقٍ من تلك الاهتمامات الألمانية باللحن السوداني وإيقاعاته من مردوم و تُم-تُم و مجرور إلخ,,, تلك التي انتشرتْ عندنا في الخرطوم إعلامياً أواسط الفترة المايوية؛ وكانت الوفود الفنية بين "بون" والخرطوم، متواصلة، أيّام تلك الحرب الباردة.

لا أستبعد أن إصدارتكم ربما احتفت بالجانب الفني في مجال الموسيقى والصوتيات السودانية عموماً، وربما اصطحبت "الإصدارة" أسطوانة سمعية/مرئية تحمل رافداً ثقافياً سودانيا؛ وإن لم يحصل ذلك في الإصدارة هذي، ففي القادم أحلى إن شاء الله تعالى.

شكراً، من هنا، على إطلالاتك الكتابية الرائقة، بالسوداني الصحيفة، وقد قراتُ لك عددا، وأأمل في قراءة الكثير..


أكرر ترحابي، ولكم وافر التحايا

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاحد يونيو 10, 2018 12:36 pm    موضوع الرسالة: الجدار ..حامد فضل الله رد مع اشارة الى الموضوع

سلام للجميع
ألف شكر للصديق حامد فضل الله الذي أكرمنا بهذا " الجدار" العالي و لي أجر المناولة





الجــدار
قصة قصيرة

حامد فضل الله \ برلين

تتردد (م) منذ أربع سنوات على عيادتي بانتظام من أجل الفحص الدوري وتجديد وصفة أقراص منع الحمل. إنها امرأة في مقتبل العمر، ممشوقة القوام، شفتاها دقيقتان وعيناها واسعتان جميلتان، ترسل إلى الوراء شعرها الطويل ، أنيقة الملبس دون تكلف.
حكت لي في إحدى الزيارات أنها عاشت تجربة حب عاصفة مع زميل لها أثناء الدراسة.
".. كان شاباً طويل القامة، وسيماً، طلق اللسان مع ميل إلى الدعابة المحببة. وكنا نحن الفتيات نتنافس في التودد إليه، حتى فزت أنا بقلبه. كنا لا نفترق حتى أثناء العطلة الدراسية. ثم قطع علاقته معي فجأة ودون أسباب. كانت فترة عصيبة كادت تعصف بحياتي، حتى تعرفت على زوجي الحالي الذي يكبرني بسنوات قليلة، أثناء أحد المؤتمرات الصحفية، فأعاد لي توازني. رجل قوي الشخصية والبنية، ذو ثقافة واسعة ورفيعة، يعمل مديراً لإحدى الشركات الكبيرة."
ذكرت لي (م) قائلة: "عندما يحتوينا المخدع ويأخذني بين ذراعيه ويضمني شوقاً وفي لحظة الصعود، تداهمني صورة وتنفس صديقي السابق، فتتوتر أعصابي وأكاد أختنق. فأشعر في هذه اللحظة وكأنني أخون زوجي وأغدر به، ويتملكني الحزن وأتألم في صمت، غير قادرة على مفاتحته خشية أن أجرحه، فهو يحبني حباً صادقاً."
علمت أيضا أنها تعمل الآن محررة في إحدى الصحف البرلينية واسعة الانتشار. تحرر مع زميل لها، الصفحة الثالثة المختصة بالسياسة الخارجية وخاصة العالم الثالث.
وأصبحت منذ ذلك الحين أتابع كتاباتها التي تتصف بالموضوعية وبالتحليل الدقيق المنصف و النظرة الثاقبة خلافاً لغالبية الإعلام الألماني المتحيز ضد قضايا ومشاكل العالم الثالث.
كانت تحرص على أن تكون آخر مريضة أستقبلها، فهي تسرف في الحديث، سريعة الكلام، ورغم ذلك تأتي مخارج حروف كلماتها واضحة تمتزج بصوتها الرخيم، لدرجة أن المرء لا يمل الإنصات إليها.
كانت تناقشني وتسألني عن وطني، وأُدهش أحياناً لاطلاعها الواسع على التطورات التي تجري فيه، وليس فقط بسبب أزمة دارفور التي يشوبها كثير من الافتعال عبر الاِعلام الغربي وتختفي خلفها الأغراض.
لم تسألني أبداً لماذا تركت وطني، ذلك السؤال الذي يخشاه كل مغترب، وتندهش قائلة: ".. كلما يخرج وطنكم من أزمة يسقط في أخرى، هذا البلد الواسع بشعبه الطيب الذي يملك إمكانيات كبيرة يمكن أن تدفع به إلى عداد الدول النامية الناجحة."

كنت أجادلها أحياناً دون عقلانية متعامياً عن فسادنا وتخلفنا وقصورنا مدفوعاً بالغيرة الوطنية والهوية القاتلة وخداع النفس أمام الآخر.
وأسألها: ألا تخشين من مغبة كتابتك. فتقول إن زميلها في التحرير يشاطرها فكرها السياسي والاحترام المتبادل. كما أن رئيس التحرير صحفي متمرس وذكي، وقلما يتدخل في تقاريرنا تحاشياً لغضب الناشر. ولكن السند الحقيقي يأتي لنا من رسائل وتعليقات القراء.
قالت لي وهي تبدو حزينة، إن حلمها بالحمل لم يتحقق مذ تركت الأقراص قبل عامين. كنت أردد لها وأذكرها بأن كل الفحوص التي أجريت لها ولزوجها لم تثبت أن هناك أي سبب يمنع الحمل، وأن الأمر يتطلب قليلاً من الصبر. فتقول: "إلى متى والعمر يتقدم بي، وكل صديقاتي ومعارف زوجي أنجبن، وأسرة زوجي تضغط في انتظار الوليد."
كنت أخشى ألا تعود مرة أخرى. فأجدها فجأة أمامي، وأشعر بالزهو لأنها لا تزال مقتنعة بصواب تشخيصي.
جاءت مرة شاحبة الوجه، جلست قبالتي صامتة على غير عادتها. ولما شعرت بتوجسي، قالت لا داعي للقلق، ليس بي شيء وإنما مرهقة فقط من تراكم العمل. فحصتها كالمعتاد ونصحتها بأن تأخذ إجازة طويلة بصحبة زوجها. قالت: "كيف أستطيع أن أقنع زوجي منطقياً بأن يتخلى عن عادة العطلات القصيرة؟" قلت لها: هناك طرق كثيرة لا تحتاج إلى منطق تستخدمها المرأة لإقناع الرجل. فانفرجت شفتاها بابتسامة دالة

انفتح الباب واندفعت (م) بحيوية فائقة إلى غرفتي متخطية الممرضة، باسطة ذراعيها العاريتين أمامي، "ألا ترى أن سمرتي تفوق سمرتك!". قلت لها: ذلك وقتي وهذا دائم، وأشرت إلى بشرتي. ضحكت وأردفت:" يا لها من عطلة، ويا له من صيف! كان الهواء منعشاً نقياً، لم نشاهد قطرة مطر واحدة، والشمس لا تغيب حتى الساعة العاشرة مساء، تعقبها النجوم التي تزين قبة السماء الزرقاء الصافية، وينعكس بريق ضوئها على أمواج البحر بصورة خلابة. لا ننظر إلى الساعة ونستيقظ كما يحلو لنا ونتمطى في خدر عذب. وتواصل: "على مائدة الإفطار ونحن نتهيأ للرحيل، أحاط خصري بذراعيه وجذبني إليه وقال إنه لم يشعر في ليلة البارحة ونحن في قمة الذروة بمثل رعشة جسدي وحرارة أنفاسي من قبل. لقد كانت حقاً ليلة رائعة. تعلقت بعنقه ودفنت رأسي في صدره لأحبس دموعي، كأننا مراهقان."
نظرت إليها، غضت البصر وتوردت وجنتاها وصمتت خجلى كأنها أسرفت في البوح. وعندما ابتسمت لها أطمأنت وواصلت متمتمة: "حضرت مبكرة على خلاف المعتاد لأنني أشعر منذ أيام بثقل في ثدييّ مع شعور بالغثيان والدوار." فحصتها وقلت لها إن هناك بوادر حمل مبكر. لم ترد على كلماتي، وحتى عندما وضعت الممرضة نتيجة الفحص المخبري أمامها. بدت وكأن الكلمات انحبست في حلقها. أزالت بيدها الدموع قبل أن تنحدر على خديها، وتمتمت" لا أصدق....لا أصدق ...وكأنني في حلم. كيف أزف الخبر إلى زوجي؟"
نهضت، وقبل أن تخطو إلى الأمام، هتفت: "يا إلهي، لقد نسيت من فرط اضطرابي أن أخبرك بأنني، عندما كنت أتجول على الشاطئ وأستمتع بالرمال الناعمة الدافئة تحت قدميّ، شاهدت صديقي السابق يفترش الأرض، وقد ترهل جسده وتكورت بطنه وتساقط شعره. تطلعت إليه وبادلني نظرة خاطفة وانطلقت قبل أن يصيبني الدوار."
تقدمتها باسطاً يدي لها مودعاً، ضغطت عليها بدفء وامتنان قبل أن تتواري خلف الباب.

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الاثنين يونيو 18, 2018 9:37 pm    موضوع الرسالة: العثرة ، حامد فضل الله رد مع اشارة الى الموضوع



العثرة*


حامد فضل الله \ برلين



نورا امرأة في الثانية والثلاثين من عمرها، شقراء رشيقة القوام، تختار ملابسها بعناية، ترسل شعرها الذهبي الطويل إلى الأمام، وأحياناً تجمعه في ضفيرة طويلة واحدة ترسلها إلى الخلف، فتظهر تقاطيع وجهها: العينان الواسعتان والشفتان المكتنزتان والأسنان المنتظمة الناصعة البياض. صوتها هادئ النبرة، تتلون مخارج الحروف ببحة خفيفة تنجلي عندما تسترسل في الحديث، تضحك بعفوية دون التكلف الذي يفرضه أحياناً سر المهنة.

غادرت منزلها في الصباح الباكر مرتدية معطفها الخفيف بالرغم من حلول الربيع وصفاء السماء، تحسباً لتقلبات شهر إبريل، فهي تعمل في المبنى الرئيسي الشامخ للبنك الألماني الذي يحتل مساحة واسعة من ميدان إرنست رويتر في قلب مدينة برلين. يشاركها في المكتب المختص بالعقارات والتسليف ثلاث نساء متزوجات ورجل، جميعهم في سن متقاربة. زميلهن الطليق، ينهل من متعة الحياة، يتفاخر بعزوبيته، يبالغ في هندامه، خفيف الظل مهزار، له مقدرة فائقة على تقليد الأصوات والحركات وخاصة للسياسيين المشهورين بنفاقهم وخداعهم للجماهير، مما يدخل في قلوبهن الكثير من البهجة وهن غارقات بين الأرقام والاحصائيات والرسوم البيانية.

كانت نورا تفاجئه أحياناً وهو يتطلع إلى صدرها الناهد، فتتورد وجناتها وتغض الطرف لتتحاشى الرد على ابتسامته وبريق عينيه. ولكنها تزهو في الباطن بنظراته الخاطفة. دعاها أكثر من مرة لتناول العشاء معه، فكانت ترده بلطف مما شجعه إلى التودد إليها وتكرار دعوته.

بدت في الفترة الأخيرة شديدة الاكتئاب، قليلة الكلام، تُغرق نفسها في العمل لتجنب الأسئلة والخوض في الخصوصيات، حتى عادت زميلتها الأقرب إلى قلبها، بعد انقضاء فترة ولادة طفلها الثاني، لاحظت على التو اكتئابها وأصرت أن تذهب معها بعد نهاية ساعات العمل بحجة رؤية الوليد الجديد.

هناك أسرت لها نورا بأنها منذ أن اقترنت بزوجها منذ خمس سنوات، والذي يعمل مهندساً كهربائياً في شركة مرسيدس للسيارات، كانت ترغب وتتمنى منذ البداية أن تحمل وأنها زارت أكثر من طبيب اختصاص وباءت كل محاولاتها بالفشل وهي تشعر الآن بكثير من الاحباط وبتضاؤل الأمل. وقالت إن زوجها عبر لها أكثر من مرة وفي مناسبات عديدة عن حبه الصادق لها ولكنها غير مطمئنة. فزوجها ارتبط من قبل بفتاة حملت وقررت، رغم معارضته، التخلص من حملها خوفاً من والديها الكاثوليك ووضع والدها الاجتماعي في القرية، واستطردت أنها ترغب أيضاً في الأمومة.

اقترحت صديقتها أن تذهب معها إلى أحد الأخصائيين، الذي حضر حديثاً من مدينة هامبورج بالرغم من بعد المسافة، فعيادته تقع على أطراف المدينة وأنها على استعداد أن ترافقها فالطبيب كان زميلا لزوجها أثناء فترة الدراسة الثانوية.
استقبلها الطبيب بحفاوة وشعرت منذ الوهلة الأولى بالطمأنينة والثقة، فهو قليل الكلام مع قدرة فائقة على الانصات عكس ما تعودته من خبراتها السابقة.

بعد الفحص الأولي حدد لها مسار الكشوفات والتحاليل التي ستتلو.
في الميعاد الأخير رافقها زوجها لأول مرة. أطلعهما على النتائج التي كانت كلها مُطًمئنة. وقال لزوجها إنه يعرف قصة علاقته القديمة وبالرغم من ذلك يفضل أن يجري كشفاً له لتكتمل الصورة. أمن الزوج على كلامه وحدد له الطبيب مباشرة مسار الكشف.

في الصباح الباكر قبل مغادرته المنزل للعمل، نبهته إلى ميعاد الطبيب، قال أنه سيعود بعد الدوام ليذهبا سوياً.
اتصل بها في ساعة متأخرة من النهار وقال أنه لا يزال في زحمة العمل ولن يتمكن من المرور عليها ويفضل الذهاب مباشرة للطبيب كسباً للوقت بدلاً من تحديد موعد جديد ربما يطول. عاد متأخراً في المساء وطمأنها من النتيجة، ففرحت كثيراً وقبلته مراراً.

شعرت براحة نفسية وعادت الحياة إلى وتيرتها واندمجت في عملها وعلاقاتها وإن ظل الحمل هاجسها في اليقظة والمنام. وكانت عندما تشعر بثقل في الثديين أو انتفاخ في البطن أو تتأخر الدورة الشهرية لبضعة أيام، تذهب إلى الصيدلية للكشف السريع وعندما تشرف الدورة الشهرية، تصيبها موجة من الحزن. وكان زوجها يشفق عليها كثيراً وفكر أكثر من مرة أن يعرضها على طبيب نفسي، ولكنه خشي أن يتعقد الأمر أكثر.

أيقظته من النوم وقالت أنها تشعر بتغيرات في جسدها لم تتعود عليها في السابق. قرر أن يذهب معها لطبيبها الأول الذي لا يبعد كثيراً عن منزلهما وأن يبقى بجوارها خوفاً من انهيارها عندما يتبخر الحلم من جديد.
وكانت المفاجأة عندما بشرهما الطبيب ببوادر حمل مبكر وحدد لها الميعاد التالي لمواصلة الكشوفات الروتينية.

اتفق مع زوجته أن تواصل مع هذا الطبيب لقرب المسافة وخاصة أن الزيارات ستكون متكررة.

سعدت كثيراً بالحمل ولم تشعر بأي من المضاعفات أو الاضطرابات التي كانت تسمعها من زميلاتها ولم تتغيب يوماً واحداً عن العمل إلى أن حصلت على إجازة الحوامل القانونية.

كان زوجها يحضر دائماً إلى العيادة بعد أن تكون قد انتهت من الكشف، معتذراً بتراكم العمل وزحام المواصلات. وكانت تحكي له بفرح طاغي كيف أنها تتابع باهتمام على الشاشة الصغيرة مع الطبيب وهو يفحص الجنين بدقة متناهية – عضواً عضواً قبل أن يظهره في صورته الكاملة، وأطلعته على الصور الملونة الرائعة للجنين في أوضاع مختلفة، وكانت تكتم غيظها، فهو لا يعير الصور اهتماماً كبيراً فحسب، بل أيضاً تنزعج من طنينه الرتيب، مستعرضاً معرفته العلمية عن كيفية انتقال الموجات فوق الصوتية لتظهر كصورة تُرى بالعين المجردة.

جاءها المخاض في الصباح الباكر، اصطحبها إلى المستشفى عانقها وودعها بدفء.

اتصلت به الممرضة في مكان العمل تبشره بقدوم الجنين وسلامة الاثنين. حضر في المساء فوجدها في أبهى صورتها، مشرقة الوجه ولا أثر لمعاناة ساعات وآلام الوضع وقالت إنهم أخذوا الوليد منذ دقائق إلى عنبر الرضع بعد أن نام على صدرها.
قبّل زوجته بحنان وضمها إلى صدره وقال إنه سعيد بأنها تعدت فترة الحمل والولادة بسلام وأنجبت طفلاً سليماً.
نهض ليودعها. ضغط على يدها ولثم جبينها، تعلقت بعنقه وإذا به يجهش بالبكاء. ارتبكت وأصابها القلق، فزوجها معروف بصلابته مع مرؤوسيه وأحياناً مع زملائه. هل الأبوة تلين القلوب الصلدة؟ ما أغلى دموع الرجال، أسرت إلى نفسها. عند باب العنبر لوح لها مودعاً، أشارت له إلى اتجاه عنبر الرضع.

فحصها الطبيب وقال إنه يمكنها أن تغادر ووليدها المستشفى إذا رغبت فلا يوجد ما يستوجب بقائهما. لم تتصل بزوجها، فأرادات أن تفاجئه بوجودهما في المنزل..
دخلت المنزل فوجدت أكياس وأوراق مبعثرة على الأرض، أطباق وأكواب على حوض المطبخ.

وضعت وليدها على السرير وبدأت في جمع الأكياس، وانتبهت بأن خزانة ملابسه مفتوحة على مصراعيها. نظرت بالداخل فوجدت جميع ملابسه وأشياءه الخاصة قد اختفت، اضطربت وشعرت بالدوار، جلست على السرير تجنباً للسقوط.
اتصلت بالشركة، فقالوا إنه في اجازته السنوية.
دخلت إلى مكتبه لعله ترك رسالة مكتوبة. أوقفها صراخ الرضيع، رفعته ووضعته على كتفها وخرجت به إلى الشرفة الواسعة المطلة على الحديقة الصغيرة، مع نسائم الصيف العطرة، هدأ الوليد.
جلست على الكرسي الهزاز ووضعته في حجرها. رفعت عينيها صوب السماء الصافية وذهبت ببصرها بعيداً ، بعيداً، وغاصت في تأمل عميق. وفجأة نظرت إلى الرضيع، تطلعت على تقاطيع وجهه ولون عينيه وشعره. فطفا المكبوح وانفجر ما كان مكنوناً. ضمت وليدها بحنان إلى صدرها وانهمرت الدموع على خديها.


*
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 26, 2018 12:25 pm    موضوع الرسالة: شرق و غرب رد مع اشارة الى الموضوع


شكرا للصديق حامد فضل الله على بذل نص " شرق و غرب " من كتاب " كتابات سودانية" الصادر بالألمانية. [و أجر المناولة لا ينقطع].






شرق وغرب*
قصة قصيرة
د. حامد فضل الله \ برلين





خرجت في احدى أيام الأحد صوب البحيرة التي لا تبعد كثيراً عن مسكني، مصطحبا معي الكتاب كعادتي. الشمس مشرقة والسماء صافية. والربيع قد وضع بصماته علي الطبيعة. قمت بجولتي المعتادة صعوداً وهبوطاً بين الأشجار العالية والكثيفة، واشاهد الأطفال يتراشقون بمياه البحيرة ويتضاحكون والآباء مستلقون على النجيلة الخضراء يراقبون أطفالهم بحبور، شاب يحتضن صديقته بحميمية وشيخ يداعب كلبه. بعد عدة جولات وعند ممر جانبي من الحديقة جلست على كنبة منزوية بجانب امرأة تخفى وجهها داخل كتاب .
حييتها تأدبا وبصوت خفيض حتى لا اقطع حبل استغراقها. أزاحت الكتاب عن وجهها وحيتني بابتسامة عريضة تكشف عن وجه أربعيني صبوح مما شجعني، حتى لا ينقطع حبل الوصال:
- ماذا تقرئين ؟
أطبقت صفحتي الكتاب وأدارت الغلاف الأمامي الى وجهي .فقرأت فاوست Faust " رائعة جوته "
- قلت: قرأتها بالعربية، طالباً في المرحلة الثانوية بالخرطوم مترجمة عن الفرنسية.
- قالت: أعود اليها بشغف كلما سمح الوقت وأندهش كيف أحياناً يبرز المضمر وينجلي الغامض و ما كان مغلقاً وعصياً من قبل .
- قلت: لم أفهمها في ذلك الحين، ربما لقلة التجربة وصعوبة الترجمة، فقد جاءت من لغة ثانية.
- سألتها: ماذا تعملين ؟
- قالت: أستاذة مادة التاريخ في الجامعة البرلينية . وأنت؟
قلت: طبيبا في برلين. وأردفتُ إنكِ تعالجين التاريخ وأنا أعالج البشر.
- قالت: كلانا مرتبط بالتاريخ والبشر.
- قلت: أواصل بجانب عملي، قراءة الأدب الألماني.
- قالت: تعليم لغة ثانية والاطلاع على ثقافة أخرى جيد ومفيد.
- قلت: لا شك في ذلك إذا تجاوزنا النقاش المشتعل الذي يدور الآن بلا عقلانية حول الثقافة الألمانية الرائدة.
- قالت: وما الغضاضة في ذلك، أليس هو شعور قومي طبيعي؟
- قلت: أن مقدرة البشر علي الحياة المشتركة مع اختلاف الثقافات والهُويات واللغات والولاءات لايزال يثير الاستغراب في المانيا، بالرغم من أن بلدكم أصبح بعد ممانعة طويلة بلداً للمهاجرين. وأردفتُ لا خلاف على الاعتزاز بلغة الأم ولكن التعصب الشوفيني يقود الى تأجيج المشاعر القومية وتعقيد عملية الاندماج وتلاقح الثقافات.
- قالت: بنبرة لا تخلو من تبرم مغيرة مسار الحديث: شرقكم الأوسط يموج بالاضطرابات والفوضى وانتم تتحدثون عن ثورات ربيعكم العربي .
- قلت: كل الثورات تبدأ بالهدم والانفلات والحيرة والشك والتساؤل، قبل أن يستقيم الطريق!
ألم يتساءل فيلسوفكم الماركسي الكبير ارنست بلوخ Ernst Bloch, في كتابه Das Prinzip Hoffnung الأمل مبدأّ. بعد أن شاهد العسف والبطش والدمار الذي حل بألمانيا أثناء الحكم النازي، متأملاً حال الوطن وأهله في ذلك الزمن العصيب :
" من نحن؟ من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ وماذا ننتظر؟ وماذا ينتظرنا؟ "
قالت: الكتاب الذي صاغ فيه الفيلسوف أمله في عالم يتخطى فيه الانسان اغترابه من المجتمع والطبيعة! نحن نبحث في تاريخنا ونتخطاه وكما يقول شاعرنا العظيم هينرش هاينه Heinrich Heine :
الحاضر
هو حصيلة الماضي.
يجب علينا أن نبحث،
ما أراده الماضي،
ان شئنا معرفة الحاضر.
وأردفتْ ولكنكم تبجلون تاريخكم وتنقصكم النظرة النقدية .
- قلت: هذه وجهة نظر يمكن قبولها الى حد غير قليل، ولكننا قادرون على تخطي صعابنا الحالية رغم المعوقات والتدخلات الخارجية ...
قاطعت: هكذا تلجأون دائما الى الحل السهل "نظرية المؤامرة " لتريحوا أنفسكم بدلا من النقد الذاتي .
- قلت: لا حديث عن نظرية المؤامرة، فيكفي فقط أن تنظري ما يدور الآن في العراق وليبيا وسوريا. وثانياً اننا نقوم ببحث تاريخنا ونقده ولعلك سمعت بكتاب محمد أركون نقد العقل الإسلامي وهو أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي في جامعة السوربون بباريس وكان أستاذاً زائراً في معهد الدراسات العليا في برلين لمدة عام.
- قالت: هذا يذكرني بكتاب الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت Immanuel Kant نقد العقل الخالص. - قلت: لعل أركون أراد بصورة أو أخرى الاشارة اليه، فالكتاب لا يتعرض لنقد العقل الديني (الاسلامي) فحسب، بل لنقد علم الاستشراق بايجابياته وسلبياته أيضاً. ونحن في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الثورات العربية، يحدونا ويبقى لنا أيضاً الأمل، كما يقول بلوخ وأقول مردداً ومضيفاً الى كلمات هاينه، إضاءة الماضي ودرس الحاضر المأزوم وبناء المستقبل وجسر بين الشرق والغرب.
تفرع الحديث وتشعب وكان ثرياً وممتعاً. وذكرت لها، رغم التقدم الواعد، أن ترجمة الأدب العربي الى الألمانية لا يزال متواضعاً مقارنة بترجمة أدب امريكا اللاتينية على سبيل المثال.
ألقت نظرة على ساعتها وقد بدأ وهج الشمس في الانحسار، وصاحت يا الهي، ووقفت.
سرنا جنباً الى جنب مع الاحتفاظ بمسافة ولكن خطواتنا كانت متساوية.
- قالت: إذن ما هو الاختلاف بيننا؟
- قلتُ: تتطور الحضارات المختلفة منذ آلاف السنين موازية بعضها لبعض، واحياناً تتشابه، طالما العقل البشري واحد والبشر يتقاسمون طبيعة انسانية واحدة. فالاعتراف بالمساواة شرط ضروري للتفاهم وتداخل الثقافات .
- قالت: عندما يرتفع الفكر عن اليومي المبتذل والمماحكات الزائفة، يجد نفسه في مواجهة الوصول لإجابات عن أسئلة مماثلة. إنها همومنا جميعاً كانت في الماضي ولا تزال في الحاضر، سواء في أوروبا أم في الشرق.
- أمنت على كلامها وأضفت: إن صراع الأفكار والحوار العقلاني بين الآراء المتباينة في حد ذاته عمل خلاق ويدفع الى الاحترام المتبادل وتبلور الأفكار. فالأسئلة المصاغة، سواء أكانت فردية أم جماعية، تجد في الغالب اجاباتها في الحوار مع آخرين.
نظرتْ الى الأمام وصوبت عينيها على امتداد البصر، تستوثق من الطريق. وعند تقاطع الشارع توقفت مختتمة بقول جوته:
" لو لم تكن العين بصيرة، ما كنا لنستطيع أن نرى سطوع الشمس ".
ـ قلت: هذا القول يذكرني بقصيدة " ديباجة " للشاعر المصري أمل دنقل:
آه .. ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق.
... ...
ربما لو لم يكن هذا الجدار ..
ما عرفنا الضوءِ الطليق !!
ثم دفعت لي بكتابها وقالت لعلك تقرأه في لغته الأصلية. وناولتها في نفس اللحظة وبشعور دافق كتابي
موسم الهجرة الى الشمال لكاتبنا المبدع الطيب صالح. بالرغم من معرفتي بأن أعمال الطيب المترجمة الى الألمانية نفدت جميعها وليس هناك أمل أن أحصل على نسخة أخرى قريبا .
ثم انعطفت نحو اليمين وانعطفتُ أنا نحو اليسار .

* من كتابنا الصادر باللغة الألمانية.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد عثمان ابو الريش



اشترك في: 13 مايو 2005
مشاركات: 1024

نشرةارسل: الاربعاء يونيو 27, 2018 8:19 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

شكرا يا حسن وضيوفك الكرام
هل شرق وغرب مستوحاه من شعر جوته: الديوان الشرقى للمؤلف الغربى؟
الأدب الألمانى غنى وخصب وعميق.. جوته وشيلر وغيرهم ممن أبدعوا فى وصف الذات الإلهية التى لا شك عندى أنهم شاهدوا لمحة منها.. (الشهود الذاتى).
حين يقول شيلر:
Alle Guten, alle Bösen Folgen ihrer Rosenspur
أو
Freude Freude treibt die Räder in der großen Weltenuhr
وذلك فى رائعته أن دى فرويدا An die Freude

فهنا الشاعر يتحدث عن الوجود الأزلى (لو استلفنا لغة الصوفية).. أو The Universe لو استلفنا لغة حلومر الفلسفة والفيوياء الحديثة.
يتحدث الشاعر عن الساعة الكونية الكبرى die großen Weltenuhr .. فكان الوجود كله عبارة عن ساعة بق بن ضخمة.. (الحركة)
الحركة التى تعطى الوجود المادى معناه
_________________
Freedom for us and for all others
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الجمعة يونيو 29, 2018 11:04 am    موضوع الرسالة: رسالة للهر أبو الريش رد مع اشارة الى الموضوع



العزيز حسن والأخ الفاضل محمد عثمان ابو الريش

تحية كروية، رغم خسارتنا الفادحة وخروجنا من منافسة كاس العالم ( انني اتكلم بلسان الماني واغني بلسان؟)
الواضح أن الأخ محمد على علم جيد باللغة الالمانية ، ( يحسده عليها " القاعدين" من السودانيين في برلين منذ زمن الفراعنة ).
وأشير هنا الى ملاحظته الذكية والصحيحة حول قصتي القصيرة " شرق وغرب ". فعلا جاءت فكرة القصة وعنوانها بعد قراءة ديوان جوته " الديوان الشرقي للمؤلف الغربي ".
وقد كتبت ورقة في هذا الصدد ونشرتها من قبل ارفقها لكما.
أين أراضيك يا ود " أبو الريش"؟

مع الود
حامد
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3221

نشرةارسل: الجمعة يونيو 29, 2018 11:06 am    موضوع الرسالة: جوتة و الإسلام و الشرق رد مع اشارة الى الموضوع



جوته1 والاسلام والشرق

تقديم وعرض د. حامد فضل الله \ برلين

نشرت صحيفة فرانكفورتا الجمأينة الواسعة الانتشار، بتاريخ 21 . 4. و 12. 5. 2017 قصيدتين لشاعر المانيا الأكبر، جوته بعنوان: " تمائم " و " هجرة ". قدم وعرض القصيدتين الكاتب والباحث في الأدب ديرك فون بيترسدورف.
يكتب بيترسدورف " قصيدة التمائم هي ضمن المجموعة الشعرية الكبيرة لـ "الديوان الشرقي ــ الغربي2"، واصفا فيه نفسه " بالمسافر" ومنطلقاً الى الشرق للتعرف عليه وفي نفس الوقت تقديمه لقرائه. هذا الشرق الواسع ، والذي يشكل جوهره العالم الاسلامي العربي مع النبي محمد و الذي تغنى
به في شبابه " أغنية محمد " وديوان حافظ الشيرازي، الذي مهد له الطريق وهو يعلم، بانه لا يزال غريبا عن الثقافة الشرقية. أن واحدة من التحديات التي واجهته " كوسيط" بين الثقافات ، هي التعامل مع ادعاءات حقيقة الديانات السماوية ، الإسلام والمسيحية. لقد ازداد التفكير مرة أخرى منذ عصر النهضة، حول النزاعات المحتملة بين الأديان. أما في منطقة الثقافة الألمانية، جاء طرح السؤال البارز في مسرحية لسنج " ناتان الحكيم ". لقد أعلن السلطان صلاح الدين: ان من بين جميع الأديان لن يكون الا واحدا صحيحاً فقط ، مما استوجب على ناتان ان يجد جوابا لذلك. في هذا الأفق يقف ايضا ديوان جوته". قصيدة تمائم تتكون من خمسة مقاطع شعرية مفصولة عن بعضها البعض، كل منها يمثل تعويذة، لها وقع سحري وتأثير شافٍ على القارئ أو السامع. "لله المشرق \ لله المغرب": انها ترجمة للآية الكريمة من سورة البقرة (2 ، 142) ويكتب كلمة إله بدلا من الله، ليخاطب في نفس الوقت المسيحيين. ومقطع أخر مقترن بالأمل والدعوة للسلام " الأرضُ شمالاً، والأرضُ جنوباَ " تًرْقدُ آمنةً \ ما بين يديه". وهي اشارة الى الحروب التي اجتاحت أوروبا، أثناء بداية كتابة "ديوانه" والكفاح في سبيل التحرر من قبضة نابليون وطغيانه، ومنها ايضا حملته على الشرق الأوسط . وأكثر جاذبية، هي التعويذة الأخيرة، التي تتعلق بعمليات جسدية بيولوجية أساسية غالبا لا ينتبه لها المرء، مثل التنفس. فجوته يربط تجربة التنفس كحركة مزدوجة من الشهيق (القبض) والزفير (البسط) بتجارب المعاناة والفرج في حياة الانسان، مما يعني قوله، ان مسار الحياة بالكامل يحدث من ايقاع النفس الاِلهي. ان هذه القصيدة تعبر بإيجاز شديد وشعرية أنيقة عن جوهر الاِسلام".
هنا مقاطع أخرى من القصيدة:
*****
هو ، لا أحدَ سواهٌ ، العدل
ويُريدُ لكل الناس العَدْل.
من أسمائِه المائة أجمعين.
سبحُوا بهذا الاسمِ المَكين
آمين !
*****
يريُد الضلالُ أن يُرْبكَني ويُغْوِيني،
لكنك تَعْرفُ كيف تَهديني.
فإن قمتُ بعملٍ أو نَظمْتٌ الأشعارَ،
فأهدِني أنتَ سواءَ السبيل.

ويكتب بيترسدورف عن قصيدة هجرة ــ Hegire وعنوانها مكتوب بنطقه العربي ورسمه الفرنسي
" من الذي يمكن أن يتحدث اليوم بصفاء وفرح عن اللقاء بين الشرق والغرب ويتصرف بحرية في معالجة صور الثقافة الاِسلامية؟ أكثر من مئتي عام تفصل بين القصيدة والحاضر، قادت الى فقدان هذا الحماس. قصيدة الهجرة وهي مفتتح للمجموعة الشعرية، الذي يجعل فيها جوته ثقافتين تتحدثان بعضهما لبعض و تحكي خروج أو هجرة النبي محمد من مكة الى المدينة في 1 هجرية 622 وايضا الهجرة من أوروبا هروبا من حروب نابليون وتدمير نظام الدولة القديم".
"العروشُ تتصدع ، والممالك ترتجف". ويصوغ فيها ايضا أفكاره حول رحلته للشرق الواسع، ببطاركة العهد القديم والشخصية الاسطورية " الخضر" الذي يشرب من نبع الحياة وشاعره الفارسي المفضل حافظ الشيرازي، الذي الهمه كتابة هذا الديوان، والحياة بين البدو والبازارات وحُور الجنة، الذي يقول عنهم القرآن الكريم: " مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " (سُورَةُ الرَحمنِ، الآية ، 76)
أن الصورة المرسومة للشرق تُظهره كعَالم مختلف عن الحداثة الأوروبية. فهو لا يخضع للتأمل، كما عرفه جوته: "فيتسع الايمانُ، وتضيقُ الفكرة". أن هذا الايمان منذ نشأته لا يفصل بين الأرضي والسماوي. فالقصيدة بالطبع دينية في المقام الأول، بالرغم ما تحفل به من تفاصيل حسية ــ الجو البطريركي، البرمكي، الغناء والحب والشراب وحراك الناس ــ لا تخدش الحياء، فالسخرية محببة والتهكم يدفع للابتسام."
لقد كٌتبت القصيدة في اليوم الرابع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1814 ، فهي إشارة إضافية لطابعها الديني والاحتفالي.
هنا ابيات مختارة من القصيدة الطويلة:
******
الشمالُ والغربُ والجنوبُ تتناثر،
العروشُ تتصدع، والممالكُ ترتجف،
فهاجرْ أنتَ إلى الشرقِ الطاهر
*****
إلى هناكَ. حيث الحقُ والطهْرُ والنقاء
حيث كانتْ لا تزالُ تتلقى من الله
وحى السماء بلُغَات الأرض
دون أن تُصدعَ رؤوسها بالتفكير.
*****
فيتسع الايمانُ، وتضيقُ الفكرة،
إذْ كان للكلمةِ عندهم شأنٌ أي شأن،
لأنها كانت كلمة تَنْطِق بها الشفاه.

يتكون الديوان من اثنى عشر كتاب، وهى على الترتيب كتب المغنى، وحافظ، والعشق، والتفكير، والضيق، والحكمة، وتيمور، وزليخا، والساقي، والأمثال، والبارسي، والفردوس. والديوان يكشف عن معرفة جوته بالحضارة العربية والقرآن الكريم والسيرة النبوية والشعر الجاهلي عن طريق الترجمات وعن معرفته بالأدب الفارسي ومصاحبته الحميمة لشاعره المفضل حافظ. وقصائد ذات المضمون الكوني والصوفي، مثل قصيدة "حنين مبارك"، التي تعتبر من أجمل قصائد الديوان، بل درته.
وهنا ايضا ابيات مختارة منها.

لا تقل هذا لغير الحُكَماء،
ربما يَسْخرُ منكَ الجُهلاء،
وأنا أثني على الحي الذى
حَن للموت بأحضانِ اللهيب.
في ليالي الحب والشوق الرطيب،
*****
سوف تعرُوكَ منَ السحِر ارتعاشه
ثم لا تجفل من بُعْد الطريق،
وستأتي مثلما رَفَّتْ فراشة.
تعشق النور فتهوى في الحريق.
*****
وإذا لم تصغ للصوت القديم
داعيا إياكَ: مُتْ كَيْما تكون!
فستَبقَى دائماً ضيفا يهيم
في ظلامِ الأرضِ كالطيفِ الحزين.

أين الآن، ونحن نعيش زمن التطرف الديني والعنصري ورفض الأخر والعنف واستبداد الحكام وعبثهم والفقر والجوع والدمار، من رؤية جوته الدينية والكونية وإقامة الجسور من الحب والتسامح والآخاء والعدل وتعايش الأديان.
وهو القائل:

ــ أفعل الخيرَ لأجل الخير وحده !
*****
ــ ماذا يفيدُ المتَفَقه في الدين ،
أن يسد على الطريق ؟
إن ما لم يُدْرَكِ الاِدراك الصحيح المستقيم ،
لن يُعْرَف أيضا بشكل ملتوٍ سقيم.
*****
ــ سأظلُ أغني
وأُرَددُ لَحنى
وأهَدْهدُ نفسى
بين الشرقِ
وبين الغَرب
وليصبح جهدي
هو غاية مجدي !
*****
ــ من الحماقة أن يتحيزَ كلَ إنسانٍ
لما يراهُ وأن يثني عليه !
وإذا الاِسلام كان معناهُ أن للهِ التَسْلِيم ،
فإننا أجمعين ، نحيا ونموتُ مسلمين6 .


اعتمد كاتب هذه السطور، اثناء الاِعداد لهذه الورقة على ديوان الشاعر وبعض الدراسات عنه بالألمانية، وبشكل أساس على كتاب3 الأستاذ الجليل الراحل عبد الغفار مكاوي4، بمقدمته الضافية وشروحاته المفصلة. فمعرفته الواسعة باللغة الاِلمانية وجذور شعرية كامنة في النفس كبحها مبكرا وانفجرت مؤخرا، لتتجلى في ترجمته الرائعة لغالبية القصائد، عاكسا فيها روح ونفس الشاعر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ــ يوهان فلفجانج جوته (1749 ــ 1832)
2 ــ
Johan Wolfgang von Goethe, West – östlicher Divan. Deutscher Taschenbuch Verlag, München 1997
صدرت الطبعة الأولى للديوان عام 1819

3 ــ عبد الغفار مكاوي ، النور والفراشة، مع النص الكامل للديوان الشرقي لـ جوته. ( طبعة أولى، دار المعارف ــ القاهرة 1979) . (طبعة ثانية ــ أبو للو ــ القاهرة 1997)

كما توجد دراسة أخرى للديوان قدمها الأستاذ الكبير عبد الرحمن بدوي، شابها الكثير من الأخطاء (كما يقال). وثالثة للشاعر عبد الرحمن صدقي، يقول عنها مكاوي " تُرجمت القصائد جميعها ترجمة رصينة بليغة ولكنها كلفت صاحبها البعد عن الأصل". معتذراً له بصعوبة ترجمة الشعر ومستشهداً بعبارة الجاحظ " ولا يجوز عليه النقل . ومتى حُول تقطع نظمه، وبطل وزنه وذهب حسنه، وسقط موضع العجب".
4 ــ د. عبد الغفار مكاوي، درسَ في المانيا واستاذ الفلسفة في جامعتي القاهرة و الكويت سابقا.
5 ــ ضمت النسخة الورقية ، شريط فيديو قُرِاءة فيه القصيدتين بصوت عذب أقرب الى الترتيل.
6 ــ الأبيات الأربعة الأخيرة ترجمة عبد الرحمن صدقي.


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد عثمان ابو الريش



اشترك في: 13 مايو 2005
مشاركات: 1024

نشرةارسل: الاحد يوليو 01, 2018 5:37 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

"الواضح أن الأخ محمد على علم جيد باللغة الالمانية ، ( يحسده عليها " القاعدين" من السودانيين في برلين منذ زمن الفراعنة )"

سلام يا حسن وشكرا على الشكرة الكاربة دى.. خلينى اقشر بيها لحد بكرة.. واشرح ليك الحاصل. مقدما كدا مقبولة وفيها جانب كبير من الصحة.

تحياتى.
_________________
Freedom for us and for all others
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة 1, 2  التالي
صفحة 1 من 2

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة