Story Lesson أو الحِصَّة قِصَّة
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3 ... 9, 10, 11
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 04, 2019 5:11 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


كلُّ قطرةِ دمٍ أحمرَ قانٍ وأنتم بخيرٍ، وأحسنُ ممَّا كنتم عليهِ قبل بدءِ الحَراك


زمانُ الثَّوراتِ زمنٌ نوعيٌّ، لا "يُقاسُ فيه الوقتُ بملاعقِ القهوةِ" الصَّغيرة (في إشارةٍ إلى قصيدة "أغنية حبِّ جي ألفريد بروفروك" للشَّاعرِ الأمريكيِّ-البريطاني، تي إس إليوت)؛ ولا تَرَدُّدَ فيه يُقعِدُ بأميرٍ عن تنفيذِ واجبِه المقدَّس (في إشارةٍ إلى تَرَدُّدِ "هاملت" أميرِ الدنمارك في الأخذِ بثأرِ أبيه). وكذلك مكانُ الثَّوراتِ، فهو أيضاً نوعيٌّ، يزدحمُ فضاؤه بألقٍ نوراني، ولا تتشابهُ شوارعُهُ أو تتابعُ في جدلٍ مُمِل؛ ففي ساحةِ الاعتصام، يُبَشِّرُ "شَفَّاتَةٌ" بالوعي بشكلٍ غير منقطع، ولا تُعَكِّرُ أيُّ كنداكةٍ" أجواءَ السَّاحةِ بـ"القطيعةِ" (أو النَّميمةِ) أو الحديثِ المتهافتِ عن مايكل أنجلو.

كان الزَّمانُ عند أرسطو، مثل زمنِ الحبُّوبات، نسبيَّاً وحميميَّاً، يُقاسُ بالفعلِ الإنسانيِّ وتتابعِ الأحداثِ الجِسام، ولا يُذكَرُ منه إلَّا "سنةْ حفروا البحرْ"، وعام الفيضان، وعرس السُّرَّة بت حاج أحمد، ويومْ كتلوا التِّمساحْ، وسنةْ ستَّةْ الشَّهيرة؛ إلى أن جاء نيوتن، فأقصى الزَّمانَ خارجَ نسبيَّتِه وحميميَّتِه المُحبَّبة، وأقامَهُ على قاعدةٍ رياضيةٍ صلبة، تتمَدَّدُ خارجَ حدودِ حركةِ الأشياء وأنشطةِ الفعلِ الإنساني؛ فأصبح الوقتُ يُضبَطُ بالسَّاعاتِ السِّويسريَّة وتُقاسُ به حركةُ الأجرامِ السَّماويَّة، بعد أن كان يُحَدَّدُ بالمآتمِ والأعراسِ والأحداثِ الاجتماعيَّةِ الجسيمة. إلَّا أنَّ قدرَ آينشتاين كان هو أن يُعيدَ للزَّمانِ نسبيَّتَه، من غيرِ أن يُهدِرَ دورَهُ في قياسِ الحركةِ على المستوى المحلِّي، الذي يتحَدَّدُ بمعدَّلاتِ سرعتِها، قياساً على سرعةِ الضَّوء.

وكذلك كان المكانُ عند أرسطو مُعَطَّراً بأريجِهِ وعبقِ رائحته أو مُحَمَّلاً ومُترَعاً، كما يرى غاستون باشلار، بجماليَّاتِهِ، فيستقرُّ في ذاكرتِنا بيتُ الطُّفولة، وساحةُ الرَّوضة، وملعبُ المدرسة، ورائحةُ "مسز روبنسون" (في إشارةٍ إلى "قاهرةِ المُعِزِّ" في ذاكرةِ مصطفى سعيد، وهو واحدٌ من أبطالِ رواية "موسم الهجرة إلى الشَّمال")؛ إلى أن جاء نيوتن، فأقصى المكانَ خارجَ نسبيَّته وحميميَّته المُحَبَّبة، وأقامَهُ على قاعدةٍ رياضيَّةٍ صلبة، تسمحُ بهندستِهِ وقياسِهِ خارج حدود حركةِ الأشياء وأنشطةِ الفعلِ الإنساني؛ فأصبح المكانُ يُقاسُ بالأمتارِ والسِّنتمتراتِ والملِّمترات، وتُحدَّدُ زواياه بحسابِ المثَّلثات، وتتجلَّى حركيَّةُ رقعتِه بحسابِ التَّفاضلِ والتَّكامل، بعد أن كان يُحَدَّدُ بانبساطِ السَّهلِ وارتفاعِ الجبل، وبتلوِّي النَّهرِ كالثُّعبانِ، وبظلالِ النَّخلِ على الجدول. إلَّا أنَّ قدرَ آينشتاين كان هو أن يُعيدَ للمكانِ نسبيَّتَه، من غيرِ أن يُهدِرَ دورَه في قياسِ أبعادِ الكواكب والنُّجوم والمجرَّاتِ أو يُسقِطَ إمكانيَّة التَّنبؤ لاحقاً بتمَدُّدِ الكون أو اكتشافِ ثقوبِهِ السَّوداء.

على أنَّ قدرَنا، منذ أوَّلِ أيَّامِ هذا العيدِ "الحزينِ" بشكلٍ استثنائي، وفي أعقابِ هذا الشَّهرِ الفضيلِ على الدَّوام، ألَّا ننسى على الإطلاق زمانَ هذا الاعتصام أو مكانَه؛ فقد تعلَّمنا فيه بأضعافٍ مُضاعَفَة، وبوتيرةٍ تفوقُ سرعةَ الضَّوء؛ وانكشف لنا الغطاءُ، وأُزيحَ عنَّا الغموضُ بشأنِ الظِّلال؛ وتسارعَ بيننا انتشارُ الوعي، وتعمَّقت لدينا وشائجُ وارتباطاتٌ لم تكن أوَّلَ مرَّةٍ مرئيَّة. فمن ينسى عباراتٍ مثل "أرفعْ يدَّكْ فوقْ التَّفتيش بالذُّوقْ"، أو "لو عندك، خُتْ؛ لو ما عندك، شِيلْ"؛ وأيُّ ثِقَلٍ دَلاليًّ تحمله عبارة "يا عنصري ومغرورْ؛ كلَّ البلدْ دارفورْ"؛ وأيُّ مجدٍ سماويٍّ يُشيرُ إليهِ رفعُ الأقباطِ المسيحيين للسُّرادق، حتَّى يؤدِّي المسلمون على الأرضِ صلواتِهم في سلام". وفي ساحةِ الاعتصام، مارسنا الدِّيمقراطيَّة بأصلِها الإغريقيِّ القديم، قبل أن تتحوَّلَ في بعضِ النَّماذجِ المعاصرة إلى مَسخٍ نيابيٍّ مُشوَّه؛ وأحيينا فكرةَ المولدِ النَّبويِّ الشَّريف، وأعِدنا إنتاجَ خِيَمِهِ، وعمرنا ساحتَه بالحوارِ والمخاطباتِ المتلاحقة؛ وأقَمنا صلواتِنا وأكملنا صيامَنا وقيامَنا؛ كما ارتفعت عقيرتُنا بالغناءِ والأناشيدِ الحماسيَّة؛ وكلَّلنا السَّاحةَ بالجلالاتِ، وزغاريدِ الكنداكاتِ، واللَّايفاتِ المنقولةِ والمحضورة؛ وزيَّنَّا الجدرانَ بالرُّسوماتِ؛ وأمَّنَّا المداخلَ بالمتاريسِ والحُرَّاسِ الظُّرفاء.

ملأنا السَّاحةَ شيباً وشباباً، نساءً ورجالاً؛ وعندما امتدَّت إلينا خِلسةً يدُ الغدرِ فجراً وفجوراً، تساقطنا موتًى وجرحى؛ لكنَّنا لن ننسى طيلةَ العُمُرِ فضاءَ السَّاحةِ أو فيضَ أوانِها، فقد تعلَّمنا فيها قيمةَ التَّكاتف، ونبذنا لديها سياساتِ التَّشتُّت؛ وحفرنا فيها على جباهِنا شعاراتِ الحُكمِ المدنيِّ المُقبِل، وهتفنا ملءَ صدورِنا وحناجرِنا: "مدنيَّاااااااااو".

"ستظلُّ وقفتُنا"، كما كانت منذ ثورة أكتوبر المجيدة، "بخطِّ النَّارِ رائعةً طويلة"؛ إلَّا أنَّ كلَّ قطرةِ دمٍ تُسفَكُ، فهي غاليةٌ علينا، لكنَّها مع ذلك إشارةٌ دالَّة على أنَّنا بخير، وأحسنُ ممَّا كنَّا عليه قبل بَدءِ الحَراك؛ فكلُّ عامٍ وأنتم بخير، وتُصبِحونَ على وطن؛ فبالفعلِ الآنَ، "الحصَّة وطن"، وإنْ سَرَدنا تفاصيلَها للأجيالِ المُتعاقِبة في شكلِ قصَّةٍ، يُستحصَلُ منها الدُّروسُ ويُؤخَذُ منها العِبَر.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 213

نشرةارسل: السبت يونيو 08, 2019 1:04 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

نعم، إنّ الدرس والقص والفن والتراث والتشكيل والقيم والعادات الحميدة ما هى غير الوطن الذى يسكننا ونسكنه ولا فكاك لنا منه ولا
فكاك له منا، بل الحجل فى والرجل ويا حبيبى سوقنى معاك. إنه ذات ما قاله إليوت عن الزمان فيه وفى أوقات ثوراته وقياسها وقياس
الحراك الثورى والمد الشعبى بما أبدى من بداعةٍ وما وهب من جمالٍ وما أعطى من نوادرٍ وما قرب من المتباعد وأبعد كل مختلف
عليه وعمق إستغراق الكل فى صناعة الحلم المستحيل، والكنداكات فيه أكثر حزماَ وعزماً وإراده قتلنا الفراغ وأسقطنا كل فارغ مبغض من
ثرثرة وقطيعه وقطعن العهد بأن الوقت للنضال وبناء الوطن الحلم بلا نواقص ولا مثالب وما قاله أرسطو وقربته يا خلف بقول الحبوبات
فى نسبية الزمان والمكان وما أرسخ قولهن!! وما أروع تواريخهن المرتبطه بالأحداث الكبيرة كزمن الكتله والفيضان والترماج إلى أن
جاء نيوتن وأزاح النسبيه وأسس الثوابت الرياضية تلك والأساليب الهندسيه الدقيقه وأسس للعمران الذى نراه
وما رأيناه فى مكان الإعتصام الذى تهندست فيه المآوى خياماً وغيرها وتوزعت سوح الخدمات والطبيخ والصلاة وتعمقت فيه الصلات الإنسانيه
الراقيه بين ألوان الطيف السودانى الحضرى والريفى والبدوى، المحلى والأقاليمى وأفرز كل ذلك أنواعاُ من الأدب البديع والفن الأصيل رسماً
وتصميما وخطوط وكان للغناء نكهةً وللموسيقى مكاناً فى القلب تسليه حتى تفجرت حمم القهر والظلم وفاضت حمامات الدماء أنهراً وجدائل،
ستبقى منحوتةً فى الذاكرة ما بقينا أبداً فلا الزمان زمان قتل ولا المكان مكان إباده والناس محتمية بالقيادة العامة للقوات المسلحه حامية الحمى
وحاقنة الدماء وحافظة الأمن ولكنه أصبح المكان الغلط والزمان الذى هو خواتيم رمضان وفجر العيد بدلاً أن يتسربل بالفرح لبس الناس الأسود حداداً
على الفقد العظيم فقط ليتسيد بعض البلهاء سدة الحكم الذى ما
كان لهم أن يحلمون به لولا ذلك الحراك المشهود.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: السبت يونيو 15, 2019 4:06 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


موظِّفاً "سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة" لفرويد، محمد خلف يتأمَّل في المُصرَّح وغير المُصرَّح به كما ورد في المؤتمر الصحفي الأخير للمجلس العسكري الانتقالي:






سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة للمُتشبِّثينَ بالحُكم: جرجرةٌ وهفواتٌ وزلَّاتُ لسانٍ مُجَلجِلة:

إذا اعترفتم بالجُرمِ أمام القضاء، حسبما يُمليه ضميرٌ اِستيقظَ بغتةً، فبِها؛ وإلَّا، فسوف يُلاحِقكم العقلُ اللَّاواعي، بإملاءاتِه اللَّاإراديَّة، على رؤوسِ الأشهاد






بدأ القرنُ العشرون بدايةً مُبشِّرةً بتطويرٍ حاسمٍ لعلمِ الفيزياء؛ ففي عام ١٩٠٥ - "عام المعجزات" (أنَس ميرابيلِس) - نشرت مجلَّة "حوليَّات الفيزياء" أربعَ أوراقٍ من إعداد عالم الفيزياء الألمانيِّ الأشهر، ألبرت آينشتاين؛ من بينها الورقة التي صاغ ضمنها ما بات يُعرَفُ بـِ"النَّظريَّة النِّسبيَّة الخاصَّة"، التي لم تشمل تناولَ الجاذبيَّة. وفي عام ١٩١٥، تمكَّن آينشتاين من وضعِ "النَّظريَّة النِّسبيَّة العامَّة"، وصياغتِها رياضيَّاً في عام ١٩١٦، لِتشملَ الجاذبيَّة، وتتجاوزَ بذلك ما رَسَخَ في الأذهانِ بشأنِها على يدِ إسحق نيوتن؛ غير أنَّ إثباتَ تلك النَّظريَّة لم يتم إلَّا في عام ١٩١٩، في أعقاب الحرب العالميَّة الأولى، تحت إشراف ثلاثةِ علماءَ فلكيين، أشهرهم الفلكيُّ البريطاني آرثر إستانلي إدنجتون.
كان نيوتن يعلمُ أنَّ الضَّوءَ ينحني وينعطفُ عن مسارِه بالقرب من الأجرام السَّماويَّة الضَّخمة، كالنُّجوم على سبيل المثال، (ومن ضمنها شمسُنا المعروفة). إلَّا أنَّ آينشتاين قد تنبأَ بانحناءٍ مُضاعَفٍ للضَّوء، وأنَّ ذلك يحدُثُ - حسب نظريَّته - ليس بسبب الأجسام الضَّخمة، كما يبدو من أوَّلِ وهلة، وإنَّما بسبب انحناءِ البنيةِ المُدمَجةِ للزَّمانِ والمكانِ ذاتِها أو ما باتَ يُعرَفُ بالزَّمكان. ولم يكن من سبيلٍ إلى إثباتِ ذلك، إلَّا بحدوثِ كسوفٍ كُلِّيٍّ للشَّمس وفقَ ترتيبٍ فلكيٍّ مؤاتٍ؛ وهو ما تنبَّه له الفلكيُّ البريطانيُّ، فرانك واتسون دايسون، في حينه في عام ١٩١٦؛ وهو ما حدث بالفعل في عام ١٩١٩، وفق مسارٍ فلكيٍّ تمَّ رصدُه عبر كلٍّ من سوبرال، في شمال البرازيل؛ وبرنشيبي، قبالة ساحل غرب أفريقيا.
ففي ذلك العام، وأثناء ذلك الكسوف الكُلِّيِّ الشَّهير، كانتِ الشَّمسُ رابضةً في قُبالةِ القلائص “هايديز" (وهي عنقودٌ نجميٌّ مفتوح في كوكبةِ الثَّور، يقعُ على مسافةٍ قصيرة بالحسابِ الفلكي من الشَّمس، تبلغُ 153 سنةً ضوئيَّة)؛ وهو عنقودٌ يمتليءُ بالنُّجومِ المتباعِدةِ والشَّديدةِ اللَّمعانِ والبريق، ممَّا يُسَهِّلُ عمليَّة تصويرِ اِنحناءِ ضوئها وتسجيلِها في شرائحَ فوتوغرافيَّة، تمهيداً لحسابِ درجةِ الانحناء؛ وكلُّما كثُرت النُّجوم الشَّديدةُ اللَّمعان، كلُّما زادتِ العيناتُ، وارتفعت نسبة الدِّقة في الرَّصد والتَّسجيل، ومن ثمَّ الدِّقة في تقدير حجم الانحناء. وقد تبيَّن ممَّا تمَّ رصدُه في أفريقيا، وهو ما تمَّ تأكيده في كسوفاتٍ كليَّةٍ لاحقة، أنَّ درجة الانحناء هي ضِعفُ ما ذكره نيوتن، الأمر الذي أثبت صِحَّة تنبؤ آينشتاين؛ علاوةً على أنَّه رَسَّخَ شُهرتَه، بينما رأى فيها البعضُ فألاً حسناً، جاء في أعقابِ حربٍ مدمِّرة، لِيشهدَ على عهدِ تصالحٍ بين خصمينِ لدودين؛ فصاحبُ النَّظريَّةِ عالِمٌ ألماني، ومُثبِتُ النَّظريةِ فلكيٌّ بريطاني، كانت تدورُ بين بلديهما رُحى حربٍ لا تُبقِي ولا تذَر.
في عام ١٩٠١، كتب عالمٌ ذو صلةٍ بألمانيا كتابه الأكثر رَواجاً وشعبيَّةً؛ وهو كتاب "سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة"، لمؤلِّفِه مؤسِّسِ التحليلِ النَّفسي، الطَّبيبِ النَّفسيِّ النِّمساوي، سيجموند فرويد. وتتلخَّص فكرة الكتاب في أنَّ نسيان الأسماء المعروفة، والكلماتِ الأجنبية، وترتيبِ المفردات في الجملة الواحدة؛ وهفوات التَّعبير الشَّفهي، وزلَّات اللِّسانِ والقلم، لا تتمُّ كلُّها بمحضِ الصُّدفة، وإنَّما يتحكَّمُ فيها منطقٌ صارم، يلعبُ فيه العقلُ اللَّاواعي دوراً حاسماً في إظهارِ ما ظلَّ مكبوتاً رَدَحاً من الوقت أو تمَّ إخفاؤه حديثاً خَشيةً من اِفتضاحِ أمرٍ جلل. إلَّا أنَّ نظريَّة فرويد في هذا الشأن لم تحظَّ بقبولٍ كاملٍ في أوساط المُشتغِلين بعلمِ النَّفس، واعتبرها البعضُ مجرد تكهُّناتٍ تفتقرُ إلى إثباتٍ علميٍّ - في تجربةٍ حاسمة - شبيهٍ بذلك التي لقيه تكهُّن آينشتاين بشأنِ اِنحناء الضَّوء، وإنْ لم يرقَ إلى مستواه في الأهميَّة العلميَّة.
نحنُ هنا لا نُقدِّمُ إثباتاً حاسماً لرأيِّ فرويد، ولكنَّنا نطرحُ سانحةً للتَّأمُّل؛ ففي المؤتمرِ الصَّحفيِّ، الذي عقده النَّاطقُ الرَّسميُّ باسمِ المجلسِ العسكريِّ الانتقالي، محاولةٌ افتراضيَّة للتَّستُّرِ على جريمةٍ نكراء، وسعيٌ مظنونٌ لتشتيتِ الأذهانِ بالجرجرةِ والمماطلةِ وإنفاق السَّاعاتِ الطِّوال في الحديث المُمِلِّ لإحباطِ الثُّوَّار وكسرِ عزيمتهم، والتَّشكيكِ في وحدتِهم، بغرضِ النَّيلِ من قيادتِهم والتفافِهم حولها، لتمهيدِ الطَّريقِ لبقائهم في السُّلطة، وتشبُّثِهم بالحُكم. كما أنَّ المؤتمرَ الصَّحفيَّ يُوفِّرُ فرصةً نادرة للحُكمِ على مرتكبي الجريمة، في ضوءِ ما أدلى به النَّاطقُ الرَّسمي، على مرأًى ومسمعٍ من الصَّحفيين ووكالاتِ الأنباء، وشاشاتِ التِّلفزيون المحلِّيَّة والإقليميَّة والعالمية؛ وعلى خلفيَّةِ ما طرحناه حول نظريَّة فرويد بشأنِ الأخطاءِ المُرتكَبة وزلَّاتِ اللِّسان.
لم يكن في الأمرِ زلَّةٌ واحدة، بل مهرجانٌ محضورٌ من الهفواتِ المُرتكَبة عن طريقِ اللِّسانِ والعلاماتِ غيرِ اللُّغوية؛ لكنَّنا سنُركِّزُ هنا على الأخطاء وزلَّاتِ اللِّسان، باعتبارِها ذاتَ صلةٍ بما أوردناه بشأنِ فرويد. ذكر النَّاطقُ الرَّسميُّ أنَّ المجلسَ العسكريَّ اجتمع وقرَّر فضَّ الاعتصام (بالرَّغم من أنَّه كان يرمي إلى إقناع المشاهدين والمستمعين بأنَّ المقصودَ من الفضِّ هو "منطقة كولمبيا"، مع ملاحظة أنَّه لجأ إلى ما يُسمَّى بلٌطفِ التعبير "يوفيميزم"، باستخدامِ كلمة "تنظيف"، التي لم تُفلِح في إزالةِ اللُّؤم عن فحوى كلامِه)؛ ولم يرعوِ النَّاطقُ في توريطِ كلِّ المتواطئين في ارتكابِ الجُرمِ المشهود، من رئيسِ المجلسِ إلى رئيسِ القضاء (الأمر الذي أسقط عنه أحقيَّة الاضطلاعِ بالتَّحقيقِ المطلوب مع المتَّهمينَ بارتكابِ الجريمةِ النَّكراء). كما أشار النَّاطقُ الرَّسميُّ إلى الضبَّاط الذين ساندوا الثَّوار ودافعَ عنهم، بالقولِ إنَّهم "تجاوزوا" (بالرَّغم من أنَّه كان يرمي إلى القول بأنَّهم "انحازوا").
من جانبٍ آخر، حَفِلَ كلامُ عضوٍ آخرَ بالمجلسِ العسكريِّ بالتَّهديد الصَّريح والمبطَّن، ولم يخلُ حديثُه أيضاً من الهفوات؛ وقال إنَّ السُّودان ليس هو فقط "قوى الحرِّيَّة والتَّغيير"، وليس هو "تجمُّع المِهننِّين"؛ فحزبُ الأمَّة والمؤتمر السُّوداني لديهم كوادرُ يُمكِنها تشكيل حكومةٍ انتقاليَّة؛ وبما أنَّ هذَيْنِ الحزبَيْن هما من ضمن "قوي الحرِّية والتَّغيير"، فهل يكشفُ هذا الخطأ دافعاً مُبَيَّتاً لشقِّ الصَّفِّ أم يُنبئُ عن مغازلةٍ لِخَصمِيْنِ معروفَيْن؛ أمِ الاثنينِ معاً. أمَّا إذا تركنا زلَّاتِ اللِّسان جانباً، واعتمدنا رواية النَّاطق الرَّسمي بالقولِ إنَّ المقصود من الفضِّ كان "منطقة كولومبيا" وإنَّ الغارةَ العسكرية تحوَّلت عن طريق الخطأ في تنفيذ التَّعليمات إلى حملةٍ غادرة على ساحة الاعتصام - إذا اعتمدنا هذه الرِّواية المهزوزة، فإنَّ ذلك لا يُخلِّصهم من الشَّرك الفرويدي الذي التفَّ حول أعناقهم بإحكامٍ شديد؛ فمؤسِّسُ التَّحليل النَّفسي، سيجموند فرويد، يري في نفسِ الكتاب المذكور أنَّ زلَّاتِ اللِّسانِ والقلم، إضافةً إلى الهفوات، والأعمال التي يتمُّ تنفيذُها عن طريق الخطأ، كلُّها توشي عن رغبةٍ دفينة في إخفاء الدَّوافع ووضعها تحت رادار العقل الواعي، إلَّا أنَّ العقل اللَّاواعي يكشف على الدَّوام عن الرَّغباتِ المكبوتة.
في الختام، يُمكِنُ القول: بما أنَّ عدداً من الزَّلَّاتِ والهفواتِ قد حدثت في مؤتمرٍ واحد، وأنَّ قفاها المُدَّعاةَ كان هو الآخرُ خطأً فظيعاً، ومراميه الدَّفينةُ أسوأ وأفظع، فلا مناصَ لهم من تحمُّلِ تبعاتِ ذلك الفعلِ الشَّنيع، ولا مكانَ هنا للمتشكِّكينَ في قولِ فرويد، فهُم مُدانونَ برأسِ قولِه وقفاه؛ فإذا اعترفتم بالجُرمِ أمام القضاء، حسبما يُمليه ضميرٌ اِستيقظَ بغتةً، فبِها؛ وإلَّا، فسوف يُلاحِقكم العقلُ اللَّاواعي، بإملاءاتِه اللَّاإراديَّة، على رؤوسِ الأشهاد.


محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الاربعاء يوليو 03, 2019 6:43 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

محمد خلف يغرِسُ علماَ في تلِّ جمهورية أعلى النَّفَق:





قمرٌ صغيرُ الحجمِ على ذُرى جبلٍ؛ و"جمهوريَّةٌ" فاضلةٌ بأعلى النَّفقِ في ساحةِ الاعتصام






للذِّهنِ البشريِّ قدرةٌ فذَّةٌ على الاستدلال، لا تكتفي فحسب بفحصِ محتوياتِ العقل، لاستكشافِ أساسِه المنطقي؛ أو تقتصرُ فقط على تحليل معطياتِ الحسِّ التي تضعُنا في قلبِ العالم، للنَّفاذِ عبرها إلى القوانينِ التي تنتظمُه؛ وإنَّما تسعى أيضاً إلى التَّدقيقِ في عباراتِ اللُّغة، لاستكناهِ أساسِها البلاغي، الذي يتجاوزُ التَّفسيرَ الحرفيَّ لدلالاتِها الظَّاهرة. ووفقاً لكلِّ ذلك، يستخدمُ العلماءُ والفلاسفة واللِّسانيونَ وسائلَ شتَّى، تغطِّي الأقانيمَ الثَّلاثة (وهي العالمُ والعقلُ واللُّغة)؛ وتشملُ، على سبيلِ المثال، التَّجربةُ الفكريَّة (غيدانكن-إكسبيريمينت)، والمفارقةُ المُوهِمَة (بارادوكس)، والمجازُ أو الكناية (ميتونيمي)؛ مُتتابعةً جميعَها (بداخلِ أقواسها) على التَّوالي.
فاعتماداً على التَّجربةِ الفكريَّة التي يكثُرُ استخدامُها في مجالِ العلوم الطَّبيعيٍّة، تَخيَّلَ إسحق نيوتن أنَّ للأرضِ - كما هو الحال مع كوكبِ المُشتَرِي (جوبيتر) - أقماراً عديدة، من بينها على وجهِ التَّحديدِ قمرٌ صغيرُ الحجمِ على علوٍّ منخفضٍ فوقَ تلٍّ أو جبل، يدورُ كما القمرُ الفعليُّ حول الأرض، لِيحسِبَ عن طريقِه عالمُ الفيزياءِ البريطانيُّ قوَّةَ الجاذبيِّة. وحسب قوانين كيبلر الخاصَّة بحركةِ الكواكب، يُوجدُ تناسبٌ ثابتٌ بين نصف قطر المدار ومدَّته أو فترته، حيثُ يتناسب مربَّعُ المدَّة مع مكعَّب نصف قطر المدار. وبما أنَّه قد تبيَّن لكيبلر صحَّة هذا التَّناسب، ليس فقط مع الكواكب التي تدورُ حول الشَّمس، وإنَّما أيضاً مع الأقمار التي تدورُ حول كوكب المشتري (وعددها ٧٩ قمراً، بعد إضافة ٢٦ قمراً لم يُطلق عليها اسمٌ رسميٌّ بعدُ)، فإنَّ هذا التَّناسب سيكونُ قائماً مع القمرِ الصَّغير الذي تخيَّله نيوتن في تلك التَّجربة الفكريَّة الافتراضيَّة.
وبما أنَّ نصف قطر مدار القمر معروفٌ سلفاً ومدَّته معروفةٌ أيضاً (وهي شهرٌ واحد)؛ وأنَّ نصف قطر مدار الأرض معروفٌ سلفاً هو الآخر، فقد توصَّل نيوتن - باستخدام التَّناسب الثَّابت - إلى حساب مدَّة دوران القمر الصَّغير حول مداره، فوجدها ساعة ونصف. وأخيراً، بما أنَّ حركة القمر الصَّغير حول مداره هي عبارة عن تسارعٍ، يقتضي تغيُّراً مستمرَّاً في الاتِّجاه، فإنَّ ذلك القمر سيكونُ مُتَّجِهاً في تسارعٍ مستمرٍّ نحو مركز الأرض؛ وعندما حَسَبَ نيوتن هذا التَّسارع، وجده مطابقاً لتسارع سقوط الأجسام على الأرض (وهو ٩.٨ متر في الثَّانية للثَّانية)؛ وهي نفسُ النتيجة التي توصَّل إليها من قبلُ غاليليو في تجربته الشَّهيرة؛ فاستخلصَ العالمُ البريطانيُّ من كلِّ ذلك قانون الجاذبيَّة الكونيَّة.
أمَّا الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، فقد كان منشغلاً في محاوراته الخالدة بمعضلة كيفيَّة التَّوصُّل إلى معرفة الأشياء لأوَّلِ مرَّةٍ، في غيابِ مثالٍ سابق يُشيرُ إليها. وقد كان الحلُّ الذي توصَّل إليه هو وجودُ تلك الأشياء في صورتها المثاليَّة في عالم المُثُل (أو الأفكار)، وهي تلك الصُّور التي نسيها الإنسانُ عند مجيئه إلى العالم الحسِّي (المادِّي)، والتي سوف يظلُّ يستعيدُها رويداً رويداً عن طريق التَّذكُّر. وضَرَبَ أفلاطون لذلك مثلاً بالأشكال الهندسيٍّة البسيطة (مثل الدَّائرة والمثلَّث والمربَّع)، إذ لا توجد أشكالٌ مكتملة لها في الطَّبيعة (أي عالم المحسوسات)؛ كما ضَرَبَ مثلاً بالأشياء البسيطة، مثل المقعد والمنضدة والنَّافذة، التي يتمُّ تطوير أشكالها تباعاً، من غير أن نصِلَ أبداً إلى صورةٍ نهائيَّة نقول إنَّها هي الصُّورة التي تُطابقُ المثال، على الرَّغم من تعرُّفِنا عليها في المقامِ الأوَّل، حسب تصوُّر أفلاطون، في ضوء معرفتنا السَّابقة لصورِها الأولى في عالم المُثُل. إلَّا أنَّ ما كان يرمي إليه أفلاطون هو مثالاتٌ لمفاهيمَ كبرى، مثل الحقيقة والجمال والعدالة (وهو المفهوم الذي تناوله في محاورة "الجمهوريَّة" الشَّهيرة).
قد يختلفُ البعضُ مع رأي أفلاطون في تصوُّره لمنشأ تلك المفاهيم المذكورة، ولكنَّ قليلاً من النَّاس مَن يختلفُ معه حول مآلاتها ومنطق تطوُّرها؛ وهي كما نرى مثالاتٌ على شاكلةِ تلك التي يتطلَّعُ الآنَ إليها السُّودانيون في ثورتهم الجارية منذُ رَدَحٍ، وهي الحرِّية، والسَّلام، والعدالة؛ إضافةً إلى قيم الدِّيموقراطية والحكم المدني - عِلماً بأنَّ المنخرطين في الحَراكِ السُّوداني لم يلجأوا إلى الاطِّلاع على كتب النَّحو المدرسيَّة لصياغة مفاهيمهم اليوميَّة أو استشارة متون البلاغة الكلاسيكيَّة لاستكناه دلالاتها العميقة؛ وإنَّما شكَّلوا هندسة المكان بحسِّهم الثَّوريِّ التِّلقائي، وصاغوا بلاغته بارتجالِ هتافاتِه وأغانيه، فاحتشدت ساحة الاعتصام بكلِّ الرُّموز التي ترسِّخ المفاهيم الأساسيَّة للحَراكِ الجماهيريِّ السِّلمي.
ففي ساحةِ الاعتصام، يُرفرفُ علمُ البلادِ الخفَّاقُ على أعلى السَّاحة، وهناك تتراءى للحشدِ الهادرِ "جمهوريَّةُ" أعلى النَّفق؛ وفي فضاءِ السَّاحةِ، تتناثرُ منابرُ المخاطباتِ الجماهيريَّة، وسُرادِقاتُ الحوار، ومنصَّاتُ الغناء؛ كما تتكاثرُ "بروشُ" الصَّلاة، وخيامُ "الحرِّيَّة"؛ علاوةً على وفودِ التَّوافقِ الإثنيِّ، ومندوبي مبادراتِ "السَّلام". هذا فيما يُشيرُ التَّجاورُ اللَّصيقُ القائمُ بين ساحةِ الاعتصام ورئاسةِ القوَّات إلى تأكيدِ الإصرارِ على إنهاءِ حُكمِ العسكر وإحلالِ البديلِ المدنيِّ الديموقراطيِّ بوسائلَ سلميَّة، إضافةً إلى تذكيرِ القوَّاتِ العسكريَّة في عِقرِ دارِها ذاتِهِ بدورِها الدُّستوريِّ المُختصِّ بحمايةِ المدنيين؛ وهو الدَّورُ الذي تقاعست عنه "قوَّاتُ الشَّعبِ" بشكلٍ تراجيديٍّ في "ليلةِ الغدرِ"، عشيَّةَ عيدِ الفطر.
فمَن ينسى أيَّامَ الاعتصام التي انقضت 59 يوماً تِباعا؛ مَن ينسى شعاراتِ الشَّفَّاتةِ الشَّيِّقة؛ من ينسى أهازيجَ الباعةِ المُروِّجينَ لشُربِ الشَّاي، وتفتيشَ الفتيةِ لدى المداخلِ المُترَّسَة؛ مَن ينسى الجلالاتِ، وزغاريدَ الكنداكاتِ، والمسيراتِ اللَّيليَّة؛ مَن ينسى قطارَ عطبرة المُحتشدَ بالثُّوَّار، والموفورَ بالأمل؛ مَن ينسى مذاقَ الأطعمةِ التي كانت تُقدِّمُها نساءُ وادي هور؛ مَن ينسى فُرسانَ "اللَّايفاتِ"، ومقابلاتِ أجهزةِ الإعلام العالميَّةِ، وزُوَّارَ السَّاحةِ من سفراءِ الدُّولِ الأجنبيَّة؛ مَن ينسى ليالي رمضانَ، وساعاتِ السَّحورِ، وانتظارِ وقتِ الإفطارِ في ساحةِ الاعتصام. لن ينسى أحدٌ مِنَّا أيَّاً من تلك المشاهد الاستثنائيَّة، لكنَّ الواجبَ يُحتِّمُ علينا أن يُسجِّلَ كلُّ واحدٍ مِنَّا، بما توفَّر لديه من وسائلَ سمعيَّة وبصريَّة، أحداثَ تلك الأيَّامِ - إلينا، وإلى الأجيال المقبلة.
إلَّا أنَّ بلاغة المكان وأهميَّته التَّاريخيَّة لا يُمكنُ تمثُّلها بجهودٍ فرديَّة مُشتَّتة، بل يجدُرُ منذ الآن، جنباً إلى جنبِ مع كافَّةِ أشكالِ النِّضالِ السِّلميِّ الرَّاميةِ إلى استعادةِ الحُكمِ المدني، أن يشرعَ المهتمُّونَ في التَّفكيرِ – علاوةً على الرَّصدِ، والتَّسجيلِ، والتَّدوينِ، وجمعِ الموادِّ، والمخلَّفاتِ الأثريَّة – في إعادةِ إنتاجِ فضاءِ الاعتصام - فيزيائيَّاً، ورقميَّاً، وطبوغرافيَّاً – في شكلٍ متحفٍ يُخلِّدُ آثارَ الثَّورة السُّودانيَّة، مثلما يعملُ في نفسِ الوقتِ على تحفيزِ الآخرين على نقضِ حركةِ الجَزرِ الثَّوريِّ المُنتشِرَةِ في العالمِ قاطبةً.


محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 05, 2019 4:02 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


فيما يتهيأ للعيد، وللتأمل في متغيِّرات واقعنا السياسي الجديد، محمد خلف ينعطف نحو الجوار، القريب البعيد:



التَّوظيف الإمبراطوري للمكانِ في جنوب البلديَّةِ الملكيِّة بلندن: ثلاثةُ متاحفَ حجريَّةٍ باقية ومعرضٌ كريستاليٌّ بائد




تفتخِرُ المدنُ الكبرى وتزدانُ بمتاحِفِها الشَّهيرة، التي تُهيئُ لها مساحةً وافِرة في قلبِ مراكِزها الحضريَّة النَّابضة بالنَّشاطِ البشري؛ فمتحفُ اللُّوفر، يقعُ في الدَّائرةِ الأولى من أغونديسماتِ باريس؛ والمتاحِفُ الإسميثونيَّة، يقعُ معظمُها ضمن "النَّاشونال مول" في واشنطن، الذي يقعُ بدورِه بين "الكابيتول هيل" ونصب لينكولن التَّذكاري، وكلاهما على مَقرُبةٍ من البيت الأبيض. أمَّا في لندن، فإنَّ جُلَّ متاحِفِها الشَّهيرة تُوجَدُ في مبانٍ متقارِبة، ضمن رُقعةٍ مُحدَّدة، داخل البلديَّة الملكيَّة التي تضمُّ منطقة "كينزينغتون"، حيث يُوجَدُ القصرُ الملكي (قصر ديانا)، وقاعة ألبرت الملكيَّة للموسيقى، والكليَّة الملكيَّة (إمبيريال كوليدج)، وهي أشهرُ الجامعاتِ البريطانيَّة، وأفضلُها بعد أكسفورد وكيمبردج والكليَّةِ الجامعيَّة (يو سِي إل)؛ إضافةً إلى أنَّ بها الكلِّيَّة الملكيَّة للفنون، والكلِّيَّة الملكيَّة للموسيقى.

ففي جنوب "كينىزينغتون"، يُوجَدُ متحفُ التَّاريخِ الطَّبيعي، ومتحفُ العلوم، ومتحفُ فيكتوريا وألبرت (في آند إيه)، التي يفصِلُ بين ثلاثتها شارعُ المعرض (إكزيبيشَن رود)، الذي كان يقودُ – في منتصف القرن التَّاسع عشر - مباشرةً إلى المعرضِ الكبير، الذي كان قائماً بدورِه داخل حديقة "هايد بارك" الشَّهيرة. وكانت لندن، إبَّان العهدِ الفيكتوريِّ، في عَجَلَةٍ من أمرِها لإبرازِ هيمنتها الاقتصادية على العالم، بعد أن خضَعَ لها، سياسياً، دولٌ كثيرة من شتَّى القارات. لذلك، بُنِيَ المعرضُ بسرعةٍ مُذهِلة (في 35 أسبوعاً)، بعد أن شُيِّدت كلُّ جُدرانِه بالدُّعامات الحديدية والألواح الزُّجاجيَّة؛ وكان من فرطِ جَمالِه الأخَّاذ، وشفافيَّته السَّاحرة، أن أطلقَت عليه مجلَّةٌ أسبوعيَّة اسمَ "القصر البلُّوري" (كريستال بالاس)، فسَارَ الاسمُ بين النَّاس، إلى يومِنا هذا. واستمرَّ "القصرُ" في عرضِ منتجاتِه لمدَّةِ خمسةِ أشهرٍ ونصف، بدءاً من أوَّل مايو من عام 1851؛ إلَّا أنَّ المعرضَ الكريستالي، على قِصَرِ عُمُرِه، قد أدَّى رسالته في إظهارِ عنفوانِ السُّوقِ الرَّأسمالي مع بدايةِ نشوئِه، حيث خُصِّصت أجنحتُه لعرضِ منتجاتٍ صناعيَّة من جميع دول العالم. وقد زاره كارل ماركس، فكان بمثابةِ مختبرٍ لنظريَّاتِه الاقتصاديَّة؛ وقد عَدَّهُ رمزاً لاحتفاءِ الرأسماليِّةِ المُفرِطِ بالسِّلعة، هذا إضافةً إلى صيرورتِه ساحةً مفتوحة لاستبصاراتِه الاجتماعيَّة.

ففي ذلك العام، سمحتِ السُّلطاتُ الإمبراطوريَّة لأوَّلِ مرَّةٍ بامتزاجِ الطَّبقاتِ في مكانٍ واحد، درءاً للاحتقان الذي تولَّدَ في أعقاب حركة الشَّارتيين، التي كانت تُطالِبُ بتعميم حقِّ الاقتراع على جميع الرِّجال من سنِّ 21 عاماً، إضافةً إلى تثبيت مبدأ الاقتراع السِّرِّي، وإلغاء شروط المِلكيَّة المفروضة جُزافاً على المرشَّحين لعضويَّة البرلمان؛ كما جاء ذلك السَّماحُ مَنعاً لتكرارِ حدوثِ اضطراباتٍ كمثلِ تلك التي جاءت في أعقابِ ثورات عام 1848 التي أطاحت بعددٍ من الحكوماتِ الأوروبيَّة. وقد مرَّت أيَّامُ المعرض من غيرِ وقوعِ ما يُفسِدُ أجواءَ الحدثِ الدُّوليِّ غيرِ المسبوق أو يُعَكِّرُ صفوَ السَّلامِ الاجتماعي. وعلى المستوى التِّجاري، حقَّقَ المعرضُ أرباحاً ساعدت في شراءِ الهكتاراتِ الواقعة جنوب حديقة "هايد بارك"، التي شُيِّد على رُقعتِها الممتدَّة المتاحفُ الثَّلاثةُ الشَّهيرة؛ وهي التَّاريخ الطَّبيعي، والعلوم، وفيكتوريا آند ألبرت. أمَّا القصرُ نفسُه، فقد تمَّ تفكيكُ هياكلِه الحديدية وألواحِه الزُّجاجيَّة، وإعادةُ تركيبِه في منطقة "سيدنام هيل" بجنوب لندن؛ وقد ظلَّ القصرُ البلوريُّ قائماً هناك حتَّى ساعةِ احتراقِه في عام 1936؛ ومنذ ذلك الوقت، أُطلِقَ على المنطقة المجاورة اسمُ "كريستال بالاس".

ومثلما أنَّ المعرض الكبير كان مُتجاوِزاً للحدودِ القوميَّة الضَّيقة، باستقبالِه للمنتجاتِ الصِّناعية من جميع أنحاء العالم، فقد كانتِ المتاحفُ الثَّلاثة، منذُ إنشائها وإلى الآن، قائمةً على اعتمادِها على المساهماتِ الدُّولية؛ فمتحف فيكتوريا آند ألبرت يقومُ في الأساس على عرضِ المنتجاتِ الفنِّيَّة من دولِ المستعمراتِ البريطانيةِ السَّابقة؛ ومتحف العلوم الطَّبيعيَّة بطبعِه – تماماً، مثل فروع المعرفة التَّخصُّصية التي تُغذِّيه - قائمٌ على تضافرِ جهودِ العلماء في جميع بقاع الأرض؛ أمَّا متحف التَّاريخ الطَّببعي، فهو يعتمدُ على جلبِ الهياكلِ العظميَّة والمتحجِّراتِ من بُقعٍ شتَّى وحقبٍ جيولوجيَّةٍ مختلفة. وقد كان تشارلس دارون يبعثُ بفِنشاتِه من أرخبيل غلاباغوس إلى ريتشارد أوين، عالِمِ الطَّبيعة المُقيمِ بالمتحف، فيتمُّ تشريحُها وتصنيفُها؛ إلَّا أنَّ خِلافَاً قد نَشَبَ بينهما، ليس بسببِ التَّدورُّنِ (إيفولوشن) نفسِهِ، وإنَّما بشأنِ الآليَّة التي يقومُ عليها، وهي الانتقاءُ الطَّبيعي.

لا زالتِ المتاحفُ الثَّلاثة في جنوب البلديِّة الملكيَّة تؤدِّي دورَها العالميَّ المعهود، في تناسقٍ تامٍّ مع وظيفتِها التَّعليميَّةِ المحلِّيَّة، إذ تفتحُ المتاحفُ أبوابَها بالمجَّان للأسرِ والأطفالِ وتلاميذِ المدارسِ وطلَّابِ المعاهدِ العليا والجامعات؛ هذا إضافةً إلى دورِها الاقتصاديِّ في إغراءِ السِّياح وجذبِهم لزيارةِ البلاد. في المقابل، لا يُرى الآنَ في منطقةِ المعرض غيرُ نُصبٍ تَذكاريٍّ أُقيمَ لألبرت إلى الغربِ من المكانِ الذي كان يشمَخُ فيه القصرُ البلُّوري، حاوياً بداخلِه أشجارَ الدَّردارِ الباسقة، ودُورَ عرضِ المنتجاتِ الصِّناعيَّة المحلِّيَّة والعالميَّة. ولا زال ألبرت، في تمثالِهِ المطلِّيِّ بماءِ الذَّهب، جالساً تحت ظُلَّةٍ عالية، وفي حِضنه كتالوج المعرض؛ وقد كُتِبَ على جوانبِ النُّصبِ السُّفلى أسماءُ القاراتِ الأربع (أوروبا، والأمريكتين، وأفريقيا، وآسيا)، في إشارةٍ إلى العمقِ الدُّوليِّ للبلاد؛ وعلى جوانبِه الوسيطة، مفرداتٌ لها دَلالاتٌ على نشرِ الهيمنةِ الإمبراطوريِّة عبر كلِّ تلك الجهات، وهي: التِّجارة، والزِّراعة، والصِّناعة، والهندسة.

وفي شمالِ البلديِّةِ الملكيِّة، حيثُ تسكنُ أُسرتُنا الصَّغيرة وتعملُ كنداكتُها الكريمةُ عضواً مُنتخَباً في مجلسِها، كنَّا قبل أسابيعَ نشُدُّ الرِّحالَ إلى إقليم الباسك الإسباني في زيارةٍ قصيرة خلال عُطلةِ الجامعات، إلَّا أنَّ جدول أعمال المجلس قد حتَّم عدم مشاركةِ الكنداكة، فذهبنا إلى بِلباو (وتُسمَّى "بِلبو" بلغةِ الباسك) من غيرِ أن نستمتعَ بصُحبتِها؛ ولكنَّ عزاءَنا قد جاء في شكلِ ما تلقَّيناهُ من معرفةٍ جديدة وتبصُّرٍ كان غائباً عنَّا بشأنِ دورِ المتاحفِ الوطنيَّة، كمدخلٍ للتَّعرُّفِ على الثَّقافاتِ البعيدة عنِ المركزِ الأوروبيِّ السَّائد. لن نتحدَّثَ الآن وهنا عن دورِ متاحف مدنِ الباسك (وتحديداً؛ بلباو، وسان سباستيان، وغيرنيكا) في حَفظِ وعَكسِ الثَّقافاتِ المحلِّيَّة للإقليم، على أملِ أن نستعرِضَ بعضَ الملامحِ المتعلِّقة بذلك الدَّورِ في مشاركةٍ قادمة، تحت عنوان: "الحل في بِلبو" ودروسٌ مُستفادةٌ من جداريَّةٍ شهيرةٍ لبابلو (في إشارةٍ إلى جداريَّة "غيرنيكا" للرَّسَّام والنَّحاتِ الإسبانيِّ الأشهر، بابلو بيكاسو).


محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الاثنين اغسطس 12, 2019 11:39 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 12, 2019 11:32 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

صديقنا سيد أحمد يحتفي بزيارة محمد خلف لبعض المعالم التاريخية لمدينة لندن:


هذا المقال قطعةٌ أدبيَّة، بل قطعةٌ أثريَّة، يجبُ الاحتفاظُ بها لوقتٍ طويل؛ والمقال أهمُّ من أيِّ دليلٍ سياحيٍّ- مَتحَفيٍّ آخرَ لمدينة لندن، ولا بُدَّ من تقديمِه لجهةٍ رسميَّة لاعتمادِه بهذه الصِّفة؛ كما أنَّ لغته العربيَّة شديدةُ البلاغة، ولا أشكُّ أنَّكَ حين تُترجِمُه إلى الإنجليزيَّة، ستُترجِمُه ببلاغته تلك. ويُعتبَرُ المقال قطعةً أدبيَّة، ومساهمةً حقيقيَّة في الاحتفاءِ بمدينة لندن من مثقَّفٍ عاش العُمقَ الثَّقافيَّ للمدينة.

أتمنَّى أن أقتطِعَ منه فقرةً للاستشهادِ بها في مقالٍ سأكتُبُه عن محاولاتِ إعادةِ القطع الأثريَّة التي اُنتُزِعت من بلدانِها إبَّانَ الحِقبةِ الاستعماريَّة.

لا أدري هل وصلني المقالُ كاملاً، فقد انتهى عندي في عبارة "للرَّسَّامِ والنَّحاتِ الإسبانيِّ الأشهر بابلو بيكاسو"؛ فإذا لم تكُن هذه نهاية المقال، أرجو إرسالَه لي على الإيميل أدناه:
sbilsl03@gmail.com

سيد أحمد


عدل من قبل عادل القصاص في الاربعاء اغسطس 14, 2019 5:33 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الاثنين اغسطس 12, 2019 11:37 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

محمد خلف يرد على سيد أحمد:


شُكراً يا أبو السِّيد؛
المقالُ الذي وصلك مكتمل، وهو جزءٌ من ثلاثيَّة (وقد تكون رباعيَّة أو أكثر)؛ وقد التقط مقترحَ المتحف لساحةِ الاعتصام من المشاركة السَّابقة؛ وفي المرَّةِ المقبلة، سوف يتمُّ مواصلة الحديث عن المتاحف في إقليم الباسك (منشأ الحربِ الأهليَّة الإسبانية)، وصولاً في نهاية الأمر إلى استشراف السَّلام والتَّصالح الوطني.

خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 13, 2019 12:05 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

محمَّد خلف يتأمَّل في فعل "الجُمْلة" لشباب الثَّورة، في مقابل شغل "القطَّاعي" للقيادات السِّياسيَّة السَّائدة:




القصَّة حِصَّة: شبابُ الثَّورة يقصُّونَ طريقَ الحقِّ، و"رجالُ" الدَّولة يُحاصِصونَ وراءَ الحقيقة





يُمكِنُ التَّعبيرُ عن الفرق بين بُعدِ النَّظرِ وقِصَرِهِ بِعِدَّة سُبُل: منها البلاغيُّ، مثل التَّعبير عن الأوَّل (أي بُعدُ النَّظر) بعبارة "ينظرون فوق رؤوسهم"، والتَّعبير عن الثَّاني (أي قِصر النَّظر) بعبارة "يُحَدِّقون تحت أقدامهم"؛ ومنها العسكريُّ، مثل الإشارة إلى الأوَّل بالإستراتيجيَّة، فيما يتمُّ الإيماءُ إلى الثَّاني بالتَّكتيك (وهي الثُّنائيَّة التي يكثُرُ استخدامُها في القاموسِ السِّياسيِّ المتداول، إنْ لم نقُل في الخطابِ السِّياسيِّ السَّائد)؛ ومنها العِلميُّ، حيثُ يُمكِنُ التَّمثيلُ للأوَّلِ بالفرضيَّاتِ النَّظريَّةِ الواسعة (النِّسبيَّة العامَّة وميكانيكا الكم)، فيما يتضمَّنُ الثَّاني أنشطةَ المختبراتِ العلميَّة، بما فيها من مشاهداتٍ وتجاربَ معمليَّة محدودة.

وفي التَّوظيفِ اليوميِّ، لا يكونُ بُعدُ النَّظرِ مزيَّةً بإطلاقِ القولِ العامِّ على عواهنه، كما لا يكونُ قِصرُ النَّظرِ مَسَبَّةً مزمومةً بتقييدِ القول ضمن حدودِ ذاتِه الضَّيِّقة؛ بل يأتي التَّعويلُ في المقامِ الأوَّلِ على الاستخدامِ السِّياقيِّ لفحوى القول، إضافةً إلى صِدق النِّيَّة والإخلاصِ في القول. ويُمكِنُ التَّمثيلُ لإهدارِ صدقِ النِّيَّة، في التَّاريخِ البعيد، بحادثة رفع المصاحف على أسِنَّة الرِّماح، كما يُمكِنُ التَّمثيلُ عليه في التَّاريخِ القريب بتظاهراتِ الدِّفاعِ عنِ الشَّريعة قُبيلَ وبُعيدَ انهيارِ النِّظام بفعلِ ضرباتِ الحَراكِ اليوميِّ المتعاظِم. أمَّا إهدارُ قاعدة الإخلاصِ في القول، فيُمكِنُ التَّمثيلُ عليها دوليَّاً بانتشارِ الأنباء الزَّائفة "فيك نيوز"، ومحليَّاً بالحربِ الدِّعائيَّة المتمثِّلة في أنشطة "الجِداد" الإليكتروني.

إلَّا أنَّنا نُريدُ أن نُرسِيَ تقييمَنا للأحداثِ السِّياسيَّة الجارية، بناءً على مبدأِ التَّسييق المُشار إليه آنِفاً، من غيرِ إهدارٍ لقاعدتَي صدقِ النِّيَّة والإخلاصِ في القول؛ والأهمُّ من ذلك كلِّه، نُريدُ أن نُرسيَ ذلك التَّقييم وفقاً لِما ظللنا نتحدَّثُ عنه طيلة الوقت عن الفرقِ القائمِ بين الحقِّ والحقيقة؛ فالحقُّ اسمٌ للأوَّل (فهل مِن مُبلغٍ عنِّي طه سليمانَ والنُّورَ الجيلاني طلباً بترقيقِ نُطقِ همزةِ الوصل، اقتداءً بالبسملة التي تُطيحُ بالألف كتابةً حتَّى لا تُظهَرُ الهمزةُ المُحقَّقة في مُفتتحِ السُّور) ووصفٌ دائمٌ لكلامِه؛ والحقيقةُ وصفٌ للثَّاني، الذي يعتريه التَّغيُّرَ والحَدَثان (فهل من مُبلِغٍ عنِّي مصطفى رجب في "أبوحليمته" بالقربِ من "حلفايةِ النُّورِ" رجاءً بأنَّ من الأفضلِ أن يكتُبَ كلمة "اتفضَّل" العامِّيَّة من غيرِ همزةِ قطع؛ وأن يُبلِغَ تحيَّاتي إلى "حَمَام الكدرو"، جعفر طه حمزة).

فالثَّورةُ فعلٌ دائم، يتسنَّمُ الشَّبابُ قيادتَه في مراحلَ مختلفة، وفقَ أُفقٍ إستراتيجيٍّ مفتوح. كان ذلك هو الحالُ في أكتوبرَ، وفي أبريلَ، وفي ديسمبر؛ وسيظلُّ الأمرُ كذلك دائماً ما دامتِ الشُّهورُ دائرَةً، فالأيَّامُ وفقاً للحقِّ دول: "إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (سورة "آل عمران"؛ الآية رقم 140). وقد قام به (أي ذلك الفعل)، هذه المرَّة، وسيحرسُه، في المقامِ الأوَّل، "كنداكاتٌ" و"شفَّاتة"، آلوا على أنفسِهم حمايةَ الوطنِ الغالي، وضحُّوا بالنَّفيسِ ليرى الآتونَ شمساً جديدة وظهيرةً لا تُلهِبُ ظهراً إلَّا في خدمةِ إعمارِ البلاد، بعد طولِ إفسادٍ وإذلالٍ وخراب. ومن حقِّ هذا الجيلِ المنتصِرِ أن يرى جُلَّ أحلامِه تتحقَّقُ، ومن حقِّه في نفسِ الوقتِ أن يتشكَّكَ في قدرةِ السِّياسيين القدامى على تحقيقِ ذلك الأمر الذي أصبح، بعد لأيٍّ و"لَولَوَةٍ"، قريبَ المنال.

إلَّا أنَّ الخطورة تكمُنُ في أنَّ أيَّ استعجالٍ في نَيلِ كسبٍ فرديٍّ مُستحَقٍّ، أو تكوينِ جسمٍ تنظيميٍّ مطلوب، من المُمكِنِ بل من الواجبِ أن يُثيرَ شكوكَ ألصقِ النَّاسِ بهم وأكثرِهم ثقةً في صدقِ نواياهم؛ فالحقُّ يُدركُ بغتةً، لكنَّه لا يُبنى على عجل؛ وكذلك فإنَّ البصيرةَ تُفقَدُ فجأةً، لكنَّ البصرَ يُفقَدُ تدريجياً، في أغلبِ الأحيان. ولا يُوجدُ تفكيرٌ إستراتيجي، إلَّا وسبقته مجهوداتٌ فكريَّة مُضنية وتصوُّرٌ نظريٌّ مُتَّسق؛ وكلُّ ذلك لا يتمُّ بين عشيَّةٍ وضحاها (إلَّا إذا كان فكراً انقلابيَّاً أو اعتقاداً "داعشيَّاً" أو نزوعاً فوضويَّاً بلا ضوابطَ منهجيَّةٍ أو توازُناتٍ محسوبة). ومع ذلك، فإنَّ الأُطرَ التنظيميَّة القديمة لا تسَعُ قدراتِ الشَّباب ولا تستوعِبُ أنشطتهم، ناهيكَ أن تستشرفَ أحلامَهم أو تُحقِّقَ تطلُّعاتِهم في إرساءِ مجتمعٍ قائمٍ على الحرِّية والسَّلام والعدالة.

في المقابل، تُدرِكُ الهياكلُ السياسيَّة القديمة قيمةَ الحقيقة، وتعرِفُ دروبَها الملتوية؛ ويتراكمُ لديها إرثٌ ثريٌّ من المعارف المذهبيَّة، والتكتيكاتِ اليوميَّة، والنِّضالاتِ التي لم تنقطع على مرِّ الأيَّام. وهي التي قاومتِ النِّظامَ السابق، بامتداداتِه العميقة الحالية، منذ أوَّلِ أيَّامِ انقلاب عام 1989. وهذه الكياناتُ السِّياسيَّة، بلا استثناء، بامتداداتِها النِّقابيَّة العميقة، هي التي أهدتِ الجماهيرَ عقلاً منظَّماً وأكسبتها حَرَاكاً حديثاً عالي الدِّقَّة. صحيحٌ أنَّ قياداتِها "هرِمت"، ولكنَّ الحِكمةَ قد تراكمت لديها بالتَّقادم؛ وسواءً كانت هذه تنظيماتٌ تخيَّرتِ النضالَ السِّلمي أو تلك التي نزعت إلى حملِ السِّلاح، قد تسلَّحت جميعُها بفنِّ الممكن، والقدرةِ على العملِ وفقَ الحدودِ الدُّنيا، وتقديمِ التَّنازلات. وإذا كانتِ المُحاصَصةُ بمعناها القديم شراءً واضحاً للذِّمم، فإنَّها وإنْ لم تخلُ في هذه المرَّةِ تماماً من ذلك العيبِ الذَّميم، قائمةٌ - في إطارِ الإجماعِ على الحدود الدُّنيا - على التَّدرُّب الطَّويل على التَّلوِّي مع مُنحنياتِ الحقيقة، أكانت في ذلك صافيةً أم أُصيبت، مثل كلِّ حقيقةٍ، برشاشٍ من الباطل.

يُهدِّدُ البلادَ خطرٌ بالدَّاخلِ، كما يُحيطُ بها خطرٌ بالخارج؛ وهي تصحو وتنامُ على برميلِ بارودٍ قابلٍ للانفجار في أيِّ لحظة؛ ففي الداخل، يسعي حاملو السِّلاح إلى تحقيقِ سلامٍ اجتماعيٍّ وتنميةٍ متوازنة؛ وفي الخارج، يسعى مُورِّدو السِّلاح ومُصدِّروه على السَّواء إلى ترتيبِ أوضاعٍ إقليميَّةٍ مستقِرَّة، وإلى جرجرةِ البلاد إلى لَعِبِ أدوارٍ تخدِمُ مصالحَ دوليَّة؛ وكلا اللَّاعبَيْن، الإقليميِّ والدولي، لا يقبلانِ إلَّا بالسَّيطرةِ على الأحداث وتنظيمِ مصالِحِهما الاقتصاديَّة والإستراتيجيَّة، في مقابلِ إرساءِ أوضاعٍ داخليَّة تضمنُ نوعاً من الموازنةِ بين تحقيقِ الاستقرارِ المحلِّي واستئنافِ الوضعِ الرَّاهنِ بمظهرٍ سطحيٍّ جديد، مقبولٍ لكلِّ الأطرافِ المتصارِعة.

في ظلِّ هذه الوضعيَّةِ الجيوسياسيَّة، قد يبدو أنَّ ما يلزمُ الشَّباب، على الأقلِّ في الوقتِ الرَّاهن، هو الصَّبرُ على المكارِه، والاحتفالُ بِما أُنجِزَ (على طريقةِ "قفِّلْ واحتفِلْ")، ومراقبةُ تطوُّرِ الأوضاعِ بتفاؤلٍ يسودُه الحذر؛ وسوف يُدرِكونَ في اطمئنانٍ أنَّ الحقَّ في نهايةِ الطريقِ الطَّويلِ معهم، إلَّا أنَّ الحقيقةَ تحتاجُ إلى تدبُّرٍ وقتيٍّ، و"بصارةٍ" ستأتي مع الوقت؛ فالحقُّ يتحَصحَصُ، أي يتبيَّنُ، من تلقاءِ ذاتِه (قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ؛ سورة "يوسف"، الآية رقم 51)، فيما تحتاجُ الحقيقةُ إلى مُحاصَصَةٍ (بالمعنى الإيجابيِّ للمفردة)، أي تبيينٍ، يصدُرُ عن مُختصِّينَ ذوي كفاءاتٍ ومعرفةٍ أكاديميَّة ضليعة أو تجاربَ تراكمت لديهم عبر خبراتٍ مُكتسَبة.

وعلى ذِكرِ مادَّة [ح ص ص]، نُرسِلُ يا مُصطفى رجب تحيَّةً إلى مدينة الحَصَاحِيصَا، وبقيَّةِ المدنِ السُّودانيَّةِ المنسيَّة (التي كُنَّا نزورُها واحدةً تِلوَ أخرى في مدارسِنا التَّأسيسيَّة: "في القولدِ التقيتُ بالصِّدِّيقِ أنعِم به من فاضلٍ صَديقِ")؛ وإلى صديقِنا المُشترك حسن علي عيسى، وشقيقتِه فائزة، وصديقتِها التي نتمنَّى لها حظَّاً سياسيَّاً وافِراً، وبقيَّةِ أصدقاءِ الدُّفعة (ولا نستثني عبد الدافع؛ مع إسداءِ تحيَّةٍ خاصَّة إلى زوجتِه مريم)؛ ومن هناك إلى ود سُلفابَ، مُرسِلينَ تحيَّةً إلى مُصطفى الآخر، صاحبِ "مريمَ الأخرى" وفنَّانِ الشَّباب الدَّائم: مُصطفى سيد أحمد (فكم نحتاجُ الآنَ إلى استبصاراتِه الثَّاقبة، وبَصَرِه الحادِّ رغم النَّظَّاراتِ ذاتِ العدساتِ السَّميكةِ الخادعة، وحاسَّتِه السَّادسةِ المُذهِلة)؛ ولا ننسى أن نقِفَ على رُبى أربجي إجلالاً لذلك المعلِّمِ النُّموذجي، الذي كاد بالفعلِ أن يكونَ رسولا.



احتفاءً بالعيدِ الكبير، أجَّلنا مشاركة "المعرض الكبير" تحت عنوان: "الحل في بلبو" ودروسٌ مُستفادةٌ من جداريَّةٍ شهيرةٍ لبابلو" - فكلُّ عامٍ وأنتم على وطنٍ حرٍّ يعمُّ فيه الخير، ويسودُ ربوعَه العدلُ والسَّلام؛ على أملِ أن نعودَ بكم مرَّةً أخرى إلى "خَيطِنا" الإستراتيجي: "الحِصَّة قصَّة"، عِوضاً عن هذا السِّياق الذي استدعاه في الوقتِ الرَّاهنِ تكتيكٌ بعينِه، فأسميناه بمقلوبِ العبارة: "القصَّة حِصَّة".

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1314

نشرةارسل: الثلاثاء اغسطس 13, 2019 9:19 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

لم ولن نغادر ساحة الاعتصام. هذا مشهد من إحدى سليلاتها، يرويه بابكر الوسيلة:




في بيتنا "ساحة اعتصام"

بابكر الوسيلة





"علي" يتحمَّلُ مناكفاتٍ لا حَصرَ لها من "شياطين" البيت، وينزوي لِيُمارسَ مناكفاتِه الخاصَّة مع اللُّغةِ الإنجليزيَّة التي بدأ في تعلُّمِ جُمَلِها الأولى في المدرسة، إضافةً إلى جنونٍ بالرِّياضاتِ عجيب؛ "مُنَى" تُمَسرِحُ حياتَها وسط خشبةِ السَّرير، وتُؤلِّفُ - بخيالٍ شخصيٍّ محض - أناشيدَ صُويحِباتِها المحلِّيَّاتِ في الحي؛ "صلاح" يختصِرُ العالم، ويَحِيكُ - بخيوطٍ ملوَّنة - لوحتَه القادمة؛ "صباح" صارت كثيرةَ الضَّجرِ من "ق.ح.ت" (قافْ حَتَاء)، للدَّرجةِ التي تحوَّلت عندها إلى "ق.ح.ط" (قافْ حَطَاء)؛ "آسيا" ماتزالُ تصنعُ المُعجِزَةَ في التآلف؛ "أنا" أُردِّدُ صمتيَ الدَّاخلي، وأبتهجُ للأغنيةِ الجديدة.

كلُّ ذلك يتمُّ في حَوشِ البيتِ الصَّغير؛ ممَّا يستدعي الذَّاكرة الجماعيَّة لأهلِ البيت تسميَته بـِ"ساحةِ الاعتصام".

الثَّورة تدخلُ بيوتَنا، ولا تخرُجُ إلَّا بكرمٍ فيَّاضٍ وروحٍ جديدة، غير أنَّها لا تنسى أبداً يدَ الطِّفلِ الذي يُوصِلُها إلى بدايةِ الشَّارعِ، بدايةِ الأُفُق.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3 ... 9, 10, 11
صفحة 11 من 11

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة