و كمالا
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاثنين ديسمبر 30, 2019 7:27 am    موضوع الرسالة: و مدارس الإسلام السياسي في الخرطوم رد مع اشارة الى الموضوع



6 ـ
و "مدارس الإسلام السياسي في الخرطوم"


من يتأنى عند الأدب النقدي الذي أطّر محاولات التأسيس لفن سوداني معاصر ، لا يمكنه تجاهل البعد الديني كقاسم مشترك أعظم في إجتهادات المنظرين من "غرينلو" للصلحي و شبرين لغاية عبد العال و العوام في أدب "مدرسة الواحد".و الدين في إالإنمساخات الثلاثة الكبيرة لـ " مدرسة الخرطوم" هو الإسلام.و لا عجب فهؤلاء و أولئك يتحركون في فضاء الفن السوداني بصفتهم كعيال مسلمين ،أو حتى كمتأسلمين و مستعربين،[غرينلو]، توسّموا في الإسلام فرصة نهضة جمالية سودانية [« و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين"ـسورة آل عمران،58]ـ.لكن إشكالية الدين و الفن في السودان تفقد براءة المبحث الفكري الحر التى قد تحفز مصلحا مثل محمود محمد طه للتفكّر في علاقة الدين و الفن،[أنظر " الإسلام و الفنون"،1974.أنظر الرابط :
https://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=32
]ـ ذلك لأن الدين في السودان الحديث ظل على الدوام يعمل بمثابة محك تمحيص للمشروعية السياسية للفرقاء المتخاصمين في فضاء السياسة السودانية. و لعل الوزن الرمزي للإسلام في السودان العربسلامي هو الذي حفز رهط أدباء " الغابة و الصحراء" للإحتفاء بـ "العودة لسنار" بدلا من أي من حواضر التاريخ السوداني المشرقة الأخرى.
و قد تطرقت للإنحياز السياسي المكشوف لعيال المسلمين من الأدباء العائدين لـ"سنار" ،عاصمة مملكة الفونج في نصي" شبهات حول الهوية"،[ ]ـ جاء فيه :
و بالرغم من أن التعريف الدارج لـ "الفونج" في أدبيات تاريخ السودان السائدة هو أنهم قوم مسلمون ، لا تعارض في الدين بينهم و بين حلفائهم العبدلاب، إلا أن شعراء" الغابة و الصحراء" المهمومين بالتعددية الثقافية غضـّوا الطرف عن بُعد الدين في اليوتوبيا السنارية المطروحة نموذجا يحتذى.و يبدو أن مشكلة الدين عند شعراء هوية التمازج العربسلاميين قد لعبت دورا حاسما في إختيار " سنار " كمرجع ثقافي و عرقي يُحال إليه السودان، بإمتداداته العديدة في التاريخ و الجغرافيا، بما يضمن إختزاله ضمن المشروع السياسي للدولة العربسلامية.
كما أن مشكلة مشروع الهوية ،في مساهمة الغابة و الصحراء، تتلخص في كونه مشروع يقوم على موضوعة " الرجوع". الرجوع لمعطيات التاريخ الثابتة النهائية، كأساس لتعريف هوية قوم يعيشون التحولات التي يفرضها العصر و يصيغون هوياتهم الواقعية على منطق التحوّل ( كأنهم يعيشون أبدا،كأنهم يموتون غدا) و لات مخرج.ثم أن هذا " الرجوع" لليوتوبيا السنارية ليس في براءة " البداءة النبيلة" لـ " لقاح" الغابة و الصحراء، إذ هو رجوع ملغـّم بخيار ثقافي و سياسي مسبّق هو خيار الثقافة الإسلامية المطروحة كأساس لبناء هوية أمـّة الخلاسيين التي تصلـّي في لغة الضاد.و بـ " الرجوع " لسنار تنجح " هويولوجيا" التمازج في" ضرب حجرين بعصفور واحد"(فيما يعبر مثل عربي من تحريفي). فهم بوصفهم عربسلاميين خـُلـّص يمرّرون مراجعهم الثقافية العربسلامية إلى موقع الحظوة في مشروع الهوية السودانية الذي يدّعون له طابع الشــراكة(" فيفتي فيفتي") بين الثقــافة الــعربية و الثقــافة الإفــريقية. ثم هم بوصفــهم إفريقــيين (خُــلـّص؟)
" يدسـّون"(18) إسلامهم المصحـّح و المنقـّح ، على "علـْمنة" براغماتية من واقع الإلحاق،بدعوى الخصوصية الثقافية الإفريقية لـــ
" الإسلام السوداني".و هي مناورات ذات مردود سياسي اكيد على صعيد المنافسة مع غلاة الدعاة الإسلامجية في حلبة الغوغائية السياسية العربسلامية. ترى هل كان في وسع شعراء التخلـّس الرجوع إلى مدينة أخرى، بخلاف سنار، قمينة بتجسيد التلاقح و التخلّس؟
لقد عرف تاريخ السودان أكثر من ماض مجيد و أكثر من مدينة فاضلة قبل سنار الماضي الفونجي كـ "مروي " القرن الثالث قبل الميلادي او " دنقلا" النوبا المسيحية او " سوبا".فكلها مدن عامرة بالرموز، غير أنها مدن سابقة على دخول العروبة و الإسلام للسودان.و هي مدن لا تثير اهتمام منظـّري " الغابة و الصحراء" الذين يرون تاريخ السودان يبدأ مع دخول العرب المسلمين وادي النيل.و هو رأي يجد تفسيره في مساعي المداهنة الغوغائية للجمهور العربسلامي المعاصر أكثر مما يجده في الجهل بالخارطة الزمنية لأحداث التاريخ السوداني.و بالطبع لم يخطر على بال محمد عبد الحي و شركائه من العائدين إلى سنار أن تلك العودة إلى الجذور العربسلامية يمكن أن تتحوّل إلى" تصحيح" متعسف لمجمل تاريخ السودان السابق على الإسلام (بأثر رجعي) في إتجاه إلغاء سودان ما قبل الأسلمة و التعريب من ذاكرة التاريخ . لكن لمحمد عبد الحي و شركائه نصيب (الأسد؟) في المسئولية الأخلاقية ، بقدر ما عبّدوا الطريق لسلطة الصيارفة الإسلاموية و سوّغوا مقولاتهم الغوغائية على مراجع العروبة و الإسلام. «  ـ
للإستزادة انظر : "كتابات سودانية " رقم 3 ،أبريل 1993ـ

الفنانون و الأدباء الذين غرّروا بهوية التمازج الثقافي السودانوي لصالح دين المسلمين القابضين على السلطة السياسية، جنوا ثمار الإنتهاز المفهومي في شكل العناية المكثفة ، المادية و الرمزية، التي حظتهم بها سلطة الطبقة الوسطى العربسلامية في الفترة الطويلة الممتدة بين حكم النميري و حكم البشير ،من مايو 1969 لـ ديسمبر 2018.
و لعل أشنع الإنمساخات السياسية لـ " مدرسة الحرطوم" تتجسد في المداهنة السياسية المكشوفة التي بذلها سدنة " مدرسة الواحد" على الملأ في واحدة من أشد لحظات العسف السياسي ظلاما في تاريخ السودان .ففي البيان الذي صدر باسم " مدرسة الواحد" يلمس القارئ مسعى التمشيط العريض لمجمل أدبيات الهوية الجمالية السودانوية التي انطرحت في "مدرسة الخرطوم" نهاية الستينيات و بداية السبعينيات . يقول كاتبو البيان:
"
"مدرسة الواحد" مدرسة تشكيلية سودانية ذات هوية إسلامية عربية إفريقية، تقوم على أرضية من التراث الحضاري لأهل السودان الذي امتزجت فيه الثقافة العربية الإسلامية في عبقرية متميزة بالموروث الإفريقي المحلي.
"
لكن البيان يغرّق مبدأ الـ " إمتزاج" العربي الإفريقي في لجة البروباغندا الدينية السافرة التي لا تبتغي غير الإسلام دينا في مشهد الفن السوداني. و لأن " الكلام حلو في خشم سيدُه" ، فهاكم نص بيان "مدرسة الواحد" بـ " ضبانته"[ إقرأ بضبابينه ] :

مدرسة الواحد
البيان الأساسي
" و أن هذه أمتكم أمّة واحدة و أنا ربّكم فاعبدون"


يرى الفنانون التشكيليون الموقعون على هذا البيان أن لا قيمة لإبداع فني بغير مدلول حضاري، و من هنا فإنهم يرتبطون بالتراث العربي الإسلامي. تراث آخر حضارة أسسها الناس على رسالة إلهية. لكنهم يستمدون من هذا التراث، لا بوصفه مستودعا لإنجازات ماض، و إنما بوصفه كائنا حيا شأنه شأن الأحياء في القوة و الضعف، مستبطنين امكاناته التي لا نفاد لها. و ناظرين له بعين الإجلال و العرفان و التمحيص و الإفادة.
و يرون أن أي إدّعاء لعالمية الفن لا بد له من الوعي بخصوصية السيرة الإبداعية لتراث مبدعه.و عليه لا يدعو فنانو "مدرسة الواحد"  لإستنساخ مبدعات الماضي و لكن يجتهدون للوعي بمدلولاتها و الإنطلاق بما تنطوي عليه مدلولاتها و الإنطلاق بما تنطوي عليه من قابليات للتفتح و التطور المستمرين.
إن الحركة التشكيلية السودانية المعاصرة ظلت تراوح طيلة نصف قرن حول تأكيد هذه المعاني، و إن اختلفت درجات الوضوح في فتراتها، و أن تفاوتت أعماق المساهمات الفردية في مسارها.و ضمن هذا التوجه ظهرت "مدرسة الخرطوم" كملمح حضاري و تاريخي تأكد من خلال العديد من الفنانين السودانيين و لكن دون وضوح نظري كاف.
إن الموقعين على هذا البيان يأخذون بعين الإعتبار كل هذه المساعي و يطرحون مشروعهم محددا في عقد كل أواصر الحياة في السودان، تاريخية و دينية و ثقافية و إجتماعية و إقتصادية و سياسية، كروافد حية تغذي العمل التشكيلي المعاصر، جاعلة منه مشروعا لرؤية حضارية شاملة.
هذا المشروع، تم اتفاقنا، نحن الموقعون أدناه، على تسميته بـ "مدرسة الواحد". و نعرّفها في الآتي :
ــ "مدرسة الواحد" مدرسة تشكيلية سودانية ذات هوية إسلامية عربية إفريقية، تقوم على أرضية من التراث الحضاري لأهل السودان الذي امتزجت فيه الثقافة العربية الإسلامية في عبقرية متميزة بالموروث الإفريقي المحلي.
ــ كما تستمد " مدرسة الواحد" إلهاماتها و مقاصدها الجمالية من معاني التوحيد في الإسلام ، خاتمة الرسالات الإلهية. فالقيم التوحيدية التي عبرت إلى وجدان أهل السودان مع التصوف الإسلامي تظل معقد الوشائج بين رفيع شمائلهم و بين آدابهم و فنونهم.
و تؤكد مدرسة الواحد على استبصار مبدأ الوحدة في التنوّع، شعارها في ذلك أن الواحد الأحد جلّ و علا،هو البارئ المبدئ، المعيد، المصور، الخلاق، البديع ، مبدع الكل، و إن تبدّى هذا الكل ضاربا في إيقاع كثرة و تنوّع.
ــ و عليه فإن نظرتنا للطبيعة هي نظرة إجلال لإبداع إلهي فلا إنفصال للرؤيا الجديدة عن ظاهرة الطبيعة و مكنونها، و الإنسان بموقعه في سلم الخليقة مستخلفا فيها، مستأمنا عليها، إذ يتصدى للعمل الإجمالي، لا بد له من الإنتباه للحكمة من حشود الجمالات حوله.
و هنا نؤكد على الإستلهام كضرورة إبداعية تجعل من عمل الفنان تذكرة بوعي مطلوب في كل تقبيح، أكثر سدادا و قيمة عملية.و بهذا الوعي يخرج الناس من حيز الغفلة عن الحكمة من جمال الوجود.فعلاقتنا بالطبيعة المفطورة هي علاقة أنس و استلهام لا علاقة تقليد، و لا علاقة صراع و لا تقبيح.
ــ إن "مدرسة الواحد" ترى أن قطبي التجربة الإبداعية هما الرؤية و الحرفة. فالكشف عن الرؤيا العظيمة يستلزم حرفة مجوّدة تهتم بتطوير الحرف و المهن كسبيل للتطور الحضاري. و يرى فنانو هذه المدرسة في هذا مدخلا إلى الإحسان،"إن الله كتب الإحسان على كل شيء".
ــ إن " مدرسة الواحد" تعتبر الفن التشكيلي ضربا من ضروب الفكر، و إن جاء مقيدا في خامات اللون و الحجر و ما شابه ذلك.و من هنا تطرح ضرورة التحاور بين المبدعين على اختلاف مشاربهم، فالإبداع المتميز هو المحصلة السامية التي يلتقي حولها المبدعون دون تصادم.
ــ إن " مدرسة الواحد" تستلهم بأزاء التعددية الثقافية و الدينية في السودان مبدأ جوهريا يتجلى في الفن الإسلامي عبر عصوره، و هو مبدأ الوحدة في التنوع. إنه ذات المبدأ الذي غطى رقعة امتداد الحضارة العربية الإسلامية ثقافيا و إجتماعيا، فأيقظ العبقريات القومية و المحلية لشعوب أمة الإسلام مجسدا لضمير جمالي و إن تنوعت أصوله العرقية و الموروثية، فالحضارة العربية الإسلامية ،طيلة عصورها، لم تهدم تراثا محليا بل مالت إلى تمثيله آخذه في ذلك بميزان التوحيد. و السودان بتعدد كياناته المحلية ظل مجالا رحبا للتجاور الخلاق. إذ أن المجال الثقافي الحضاري مجال تلاقح لا مجال هيمنة و صراع.
في خدمة هذه الأهداف لا بد من تأكيد الحاجة الماسة للتربية الجمالية عبر كل مراحل التعليم و التربية في البلاد.و نشدد على أهمية المبحث الجمالي في مؤسسات التعليم العالي و نخص بالذكر كلية الفنون الجميلة و التطبيقية التي ننادي للتمكين لدورها في الحياة الإجتماعية و الثقافية و الإقتصادية. و ذلك بالعمل على تأصيل منهج لها و بتجديد لأدوات المعرفة.
ــ إن "مدرسة الواحد "تقدر أن الوطن ليس تعبيرا رومانسيا، بل هو يقين مادته تراث أهلنا و ترابهم، حاضرهم و مستقبلهم، آلامهم و إنتصاراتهم و طموحاتهم في تحقيق مثلهم العليا ضمن حياة آمنة وسعيدة.
و يستيقن فنانو" مدرسة الواحد" بعد ذلك كله، بوحدة الوجود الإنساني التي تجعل من إبداعهم المتفرد إضافة منتظرة لتراث الإنسانية في ذات التوجه الرسالي الذي لم ينقطع لحضارة الإسلام.
و حيث أن الفنان التوحيدي كيان ثقافي مكافح ، يؤكد فنانو " مدرسة الواحد" أن الحرية هي لب المسؤولية العقيدية و الأخلاقية، و هي بذلك مطلب أساسي للفنان كما هي مطلب لكل الناس. فالحر يهب ذاته أداة لإعمار الحياة و الوطن.
و هي ، في ذات الوقت، الأداة الوحيدة للنصر في المعركة ضد العجز و الجمود و الخوف و الفاقة.
ــ إن فناني "مدرسة الواحد" يرون الحاجة ملحة الآن للبدء في بلورة المفاهيم الحضارية التوحيدية. ذلك من أجل صياغة شعب سوداني سوي في وجوده، شعب قادر و معطاء، و يعتبرون بيانهم الأساسي هذا و أعمالهم القادمة ، بإذن الله،مساهمة ضرورية في الإنطلاق نحو هذه الغايات الشريفة.
و الله من وراء القصد.
وقّع على هذا البيان بتاريخ 5/2/1990
الأساتذة : أحمد عبد العال، إبراهيم محمد العوّام،محمد حسين الفكي، محمد عبد الله عتيبي، أحمد حامد العربي، راشد دياب.




سأعود
............
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الخميس يناير 02, 2020 10:09 am    موضوع الرسالة: الفن أفيون الشعوب رد مع اشارة الى الموضوع



7 ـ

"مدرسة الخرطوم" نسخة "أفيون الشعوب" :ـ

في كتالوغ المعرض الذي نظمه صلاح مع الفنان و الباحث النيجيري "أولو أوقيبي" في بينالي البندقية التاسع و الأربعين
Salah M. Hassan and Olu Oguibe
Authentic/Ex-centric,Conceptualism in contemporary African Art,La Biennale di Venezia ; 2001
يتحدث صلاح حسن و "أولو أوقيبي" عن "الفن الإفريقي المعاصر" كأمر واقع لا يغالط أحد[ سواي] في وجوده.و يبرران ، في مقدمة الكتالوغ، ضرورة معرض البندقية باهمية تسليط الضوء على فن الأفارقة في المحافل الدولية [ ترجم : المحافل الأوروأمريكية ] ـو تسليط الضوء على الفن الإفريقي المعاصر يقتضي بناء تعريف يتيح لهذا المصنف المفهومي الوليد ان يندمج في مشهد الفن المعاصر و في سوق الفن المعاصر الذي هو قائم في السوق الكبير المعولم.ذلك أن مصنف الفن الإفريقي المعاصر تخلق منذ البداية كدينامية سياسية غايتها دمج انتاج الأفارقة الثقافي في مصنفات الثقافة المعاصرة المعولمة، و ذلك ضمن دمج المجتمعات الإفريقية في دورة إقتصاد رأس المال المعولم.و تحديد غايات النتاج الثقافي المعاصر مهمة بالغة التركيب كونها لا تفلت من عواقب تناقض المصالح الطبقية الذي يحكم حركة [ و سكون] الجماعات و الأفراد الضالعين في إنتاج فنون و آداب المجتمع المعاصر.و في مجتمع ما "بعد الحداثة " الذي روّج فيه إعلام دوائر رأس المال مزاعم" نهاية التاريخ" و "موت الآيديولوجيات" و اضمحلال الأديان و القيم الإنسانية التي صنعتها حركة التنوير ،ينظر الجميع ناحية الفن باعتباره آخر التجليات الروحية في مادية مجتمع رأس المال المعولم.ففي مشهد الخلق الفني المعاصر يمثل الفنانون في صورة آخر الأنبياء. و هم أنبياء بدون ديانة سماوية.أنبياء أرضيون ينتجون معاني الحياة إحسانا و ينيرون ظلام الوجود الإنساني الدامس بلهيب الخيال الجامح الذي يتحدى عبث قوانين طبيعة تراوح بين قطبي الحياة و الموت و لا تبالي ببؤس مصائر الأفراد الواقفين في مواجهة تيه الكون. الخلق الفني المتراكم عبر الأجيال و العصور يمنح الناس قناعة دينية جديدة بإستمرارية وجود إنساني معقلن يعزيهم عن تراجيديا الفقد المتربص بالأحياء في شكل موت لا يستثني أحدا. هذا الفن الذي تضامن الجميع على تصعيده لمقام الدين ينمسخ غنيمة حرب غالية يتجاذبها الفرقاء الإجتماعيون ،لأنه يصبح سلطة [ناعمة؟] عالية الكفاءة في تحديد معاني الحياة[ و الموت] في ساحة المواجهة الإجتماعية. لقد صار الفن في مشهد عبث الوجود ، آخر ترياق لموت الروح، بل هو آخر الآلات المفهومية التي صنعها إنسان مجتمع ما بعد الأديان الرأسمالي،ليستعين بها في تعريف معاني الخير و الشر، معاني الجمال و القبح.و من يستحوذ على آلة الفن يملك سلطة توجيه الشعوب، شعوب المنتجين و شعوب المستهلكين و شعوب المقهورين الباحثين عن الإنعتاق من نير رأس المال المعولم. و لو شئت قل أن الفن المعاصر صار ، على أثر سيدنا ماركس كرم الله وجهه ، في مقام "أفيون الشعوب ، و " زفرة الإنسان المسحوق"و " روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب." وغير ذلك من كلام الشعراء..
https://web.archive.org/web/20110717035620/http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=172700

هذا الشيئ الذي يسمونه بـ "الفن الإفريقي المعاصر " ،هو في حقيقته السياسية، بعض من مساعي دوائر رأس المال الأوروأمريكي لعقلنة نتاج ثقافة الأفارقة المعاصرة في فضاء العولمة.
و من يتأمل مشهد الفن المعاصر في قارات العالم غير الأوروبي يجد للفن الإفريقي المعاصر أكثر من نظير موازي في" الفن العربي [ او الإسلامي] المعاصر" و «الفن الهندي المعاصر » أو "الفن الصيني [أو الياباني ]المعاصر" أو "الفن الأسترالي الابوريجيني المعاصر" أو " الفن اللاتيني المعاصر" أو "الفن اليهودي المعاصر" أو فن الإنويت و الإسكيمو و أهل المحيط الهادي و البحر الكاريبي و هلمجرا. و في هلمجرا براح يستقبل فنون الأقليات المستبعدة مثل «فن المرأة المعاصر» أو" فن المثليين المعاصر« أو "فن الشوارع[الغرافيتي] المعاصر » أو "فن المعاقين المعاصر»ـو في كل واحدة من هذه الفئات المفهومية السياسية تعيّن دوائر راس المال نوع الرعاة و المنظمين و المعلمين و المتاحفيين و العملاء التجاريين الضروريين لتنظيم الحياة داخل الفضاء الثقافي المعين.



فنانو "أرض التنين" :

و قد مكنتني متابعتي اللصيقة لما يجري في فضاء هذا " الفن الإفريقي المعاصر"، في العقود الأخيرة ،من الوقوف على بعض أوجه تدبير القوامة السياسية لحياة العشيرة الفنية التي تحيا [ و تموت] على خشبة مسرح "الفن الإفريقي المعاصر »ـ
أول ما يلفت نظر المراقب هو السرعة المذهلة التي تم عليها تسكين هذا " الفن الإفريقي المعاصر" في مشهد فن العولمة.فقد بدأ الحديث عن هذا " الفن الإفريقي المعاصر" في بداية التسعينيات.حين شرع الأوروبيون و الأمريكان في تنظيم التظاهرات الكبيرة لعرض فنون الفنانين المعاصرين من خارج حدود المجتمع الأوروأمريكي. و رغم أن الفنانين الأفارقة طرحوا إنتاجهم الفني في حواضر أوروبا و أمريكا من وقت مبكر، بين مطلع القرن العشرين حتى سنوات الثمانينيات، إلا أن هذا النتاج كان يقيّم بالإحالة للهوية الوطنية للفنان الفرد دون تأطير مفهومي يجمله في هوية قارّية.في ذلك الزمان كان الأوروبيون يعرفون الفنانين الأفارقة كأفراد مثل الجنوب إفريقي " إرنست منكوبا"، 1904ـ2002]، الذي كان الفنان الإفريقي الوحيد في حركة "كوبرا" الطليعية العابرة للقوميات و التي سكّت اسمها من الأحرف الأولى للمدن الأوروبية لمؤسسيها :كوبنهاجن و بروكسل و أمستردام في السنوات 1948 و 1951.
CoBRA
،أو النحات المصري محمود مختار [1891ـ 1934 ]الذي عرض في باريس في 1930، او حسن فتحي "معماري الفقراء "المصري،[ 1900ـ1989] ،أحد أهم معماريي القرن العشرين أو الرسامين "ايبا اندياي" السنغالي[1928ـ 2008]ـ أو "سكندر بوغوسيان" الأثيوبي[ 1937ـ 2003] أو "أبراهيم الصلحي"] السوداني [1930،و غيرهم من فناني إفريقيا الذين عرضوا في حواضر أوروبا و أمريكا و اقتنت أعمالهم متاحفها منذ منتصف القرن العشرين. لكن المعارض الكبيرة الأولى التي اطلقتها مؤسسة فن العولمة مثل معرض "سحرة الأرض" [ فرنسا1989]، و معرض "استكشاف أفريقيا »[1991] في الولايات المتحدة. أهملت هؤلاء الفنانين الأفارقة لعقود طويلة و فضلت عليهم نمط الفنانين الأفارقة "العصاميين" الموصومين بتقليد "الأصالة الإفريقية ». ربما لأن كادر القوامة الأوروأمريكي لم يكن مستعدا لقبول مبدأ شراكة الحداثة الذي طرحه هؤلاء الفنانون المتعلمون في أعمالهم الفنية التي لم تكن تبالي كثيرا بفكرة "الأصالة الإفريقية" التي كان الأوروبيون يتوسمونها في الفن الذي ينتجه الأفارقة. و كانت عاقبة هذا الموقف السلبي الذي طبع استجابة الرعاة الأوروبيين تجاه الفنانين الأفارقة المعاصرين هو تثبيت التعتيم الإعلامي التام بالنسبة لأعمال هؤلاء الفنانين الأفارقة بذريعة غياب "الأصالة الإفريقية" في أعمالهم. و قد تعرضت للشروط التي ظهرت فيها عناية الأوروأمريكيين بالفن الإفريقي المعاصر في كلمة عن شجرة نسب "مدرسة الخرطوم" الأفريقانية ، أقتطف منها هذا المقطع :

"
تحت مثل هذه الشروط البالغة الصعوبة ظل الفنانون الأفارقة في السودان و في غير السودان ، يستبسلون في سبيل إنتاج فنهم المعاصر الذي يسهم في مقاومة البؤس الجمالي المقيم بين ظهرانيهم. و من يتأمل في ثنايا هذا الفن المعاصر الحاصل من وراء ظهر مؤسسات الرعاية المحلية و الأوروأمريكية يجد وجوها كثيرة لمبدعين لا يعرفهم رعاة الفن الإفريقي الرسميين في العالم الأوروأمريكي مثلما يهمشهم الرعاة المحليون تهميشا مريعا. فمن بين مبدعي السودان نجد قلة، خارج دائرة التشكيليين السودانيين تعرف عمل عمر خيري مثلا، بينما لا أحد سمع بتاج السر أحمد أو عبد الرازق عبد الغفار أو حسن الهادي أو محمد أحمد عبد الله أو النجومي أو الشايقي أو عامر نور أو كمالا اسحق إلخ . رغم أن معظم هؤلاء الناس درس و عاش في العالم الأوروأمريكي و بعضهم عمل فيه لسنوات.و لو سألت المتعلمين السودانيين فقد تجد بينهم قلة سمعوا بالصلحي و جلهم لم يشهد له عملا[ربما قبل معرضه الإستعادي في التيت مودرن بلندن في 2013 ].و في العالم الأوروأمريكي ، حيث ظل بعض هؤلاء الفنانين مقيما لعقود، فالإعلام الفني و أجهزة الرعاية لا تعرف عنهم الكثير. لماذا؟ لأن هؤلاء الناس ظهروا و عملوا في الزاوية العمياء لحقل الرؤية الأوروبية للفن.هؤلاء الناس عملوا في " أرض التنين" التي لم يرسم خرائطها أحد قبل ظهور الفئة المفهومية الملتبسة المسماة " الفن الإفريقي المعاصر".فقبل ظهور مصنف" الفن الإفريقي المعاصر" لم تكن مؤسسات الرعاية الأوروأمريكية قادرة على رؤية الفنانين المعاصرين القادمين من إفريقيا إلا كنوع من إستثناء أنثروبولوجي عجائبي يؤكد قاعدة التصنيف الأوروبي الجائرللممارسة الجمالية بين لا نهايتي "الفن العالم" و "الفن البدائي». كل هؤلاءالفنانون الأفارقة الذين عملوا في إفريقيا و في أوروبا، في فترة ما بعد الحرب الثانية، وأنتجوا فنهم على مراجع التقليد الجمالي الأوروبي ـ بحكم تدريبهم الأكاديمي ، أدخلوا أجهزة الرعاية الأوروبية في "طيز وزة" مفهومي عصيب، لأنهم كشفوا عن محدودية الرؤية الطبقية المعرقنة لمؤسسات الرعاية الأوروبية تجاه المبدعين الحداثيين الوافدين من خارج المجتمع الأوروأمريكي النصراني الأبيض. و قد حاولت مؤسسات الرعاية الأوروبية مخارجة نفسها من هذه الورطة الحضارية بمكيدة مفهومية بارعة حين اخترعت للوافدين من خارج المجتمع الأوروبي مصنف" الجمالية الإثنية". هذا المصنف المفهومي الجديد الخارج من متاحف الإثنوغرافيا و شعب الدراسات الأنثروبولوجية في الجامعات الأوروأمريكية، ظل مستبعدا عن سوق الفن الواقعي في أوروبا لعقود قبل أن يفتح له رعاة " الفن الإفريقي المعاصر "بوابة " فن العالم"، و ذلك في معارض كبيرة صارت سوابق تاريخية فارقة في مشهد تاريخ الفن الأوروبي الحديث .ـ و هي معارض قام عليها نفر من الباحثين الأوروأمريكيين الذين ولجوا سوق الفن من قناة الأنثروبولوجيا و دراسات ما بعد الإستعمار.ففي أوروبا تم افتتاح الفصل الأول في كتاب " الفن الإفريقي المعاصر" في معرض " سحرة الأرض الذي أقامه "جان هيوبير مارتان في 1989
Les Magiciens de La Terre, Jean-Hubert Martin, 1989
و مارتان كائن متحفي نموذجي تدرج في مهنة المتحفة و المعارض منذ تخرجه بدبلوم في تاريخ الفن من السوربون[1968]و قد عمل مديرا لعدد من المتاحف الأوروبية بين فرنسا و ألمانيا و إيطاليا. و في فترة إدارته للمتحف الوطني للفن الحديث بباريس،[1987ـ1990].ـ
musée national d'art moderne
نظم مارتان معرض "سحرة الأرض"
« Magiciens de la terre »
الذي يعتبر حدثا فريدا في تاريخ المعارض الفنية الكبيرة .ذلك أنه عرض ـ في متحف مركز جورج بومبيدو" بباريس ـ ، و في ندية جمالية كاملة، أعمال فنانين معاصرين مشهورين من المجتمع الأوروأمريكي ، جنبا لجنب ، مع أعمال فنانين معاصرين مغمورين من إفريقيا و المجتمعات المهمشة في العالم الثالث كهنود أمريكا و أبوريجين أستراليا. و ذلك على مزاعم آيديولوجية تستلهم ميراث "كلود ليفي شتراوس"و "ميشيل ليريس" عن فكرة المساواة بين الثقافات، و أخرى جمالية تستلهم ميراث حركة ال" دادائية" في توسيع حقل رؤية الأثر الإبداعي.و قد زعزع معرض" سحرة الأرض" عادات و أعراف مؤسسات العرض الأوروأمريكية و جعل القائمين عليها ينتبهون لحدود العالم الثقافية الجديدة التي يرسمها واقع عولمة الإقتصاد، فانفتح الباب بعدها لأعداد متزايدة من فناني العالم غير الأوروبي لعرض أعمالهم في مؤسسات العرض الأوروأمريكية.ـ أنظر الرابط :ـ
http://magiciensdelaterre.fr//home.php

و بعدها بعامين شهد المجتمع الأمريكي هزة ثقافية مشابهة تمثلت في معرض "إستكشاف إفريقيا"[ أو "إفريقيا تستكشف" حتى أجد ترجمة أفضل للعبارة "آفريكا إكسبلورز، الفن الإفريقي المعاصر"].ـ
Africa explores,20th century African Art,New York
الذي نظمته الباحثة الأفريقانية " سوزان فوغل"
Suzan VOGEL,1991
في متحف الفن الإفريقي بنيويورك .ـ و سوزان فوغل التي تعتبر مرجعا أكاديميا في الفن الإفريقي باحثة ذات تاريخ طويل في تنظيم معارض الفن الإفريقي و إدارة المتاحف. و في موقعها الإلكتروني نجدها قد بسطت نشاطها لمجالات أخرى مثل صناعة الأفلام الوثائقية، بل أن حضورها كـ " خبيرة" متاحفية قد أوصلها حتى منطقة الخليج حيث عملت مع إدارة متحف قطر على موضوع عمارة الخيم عند البدوالرحّل في الصحراء الكبرى و صحراء شبه جزيرة العرب.ـأنظر الرابط

http://susan-vogel.com/Susan-Vogel/Vogel.html

في معرض" إفريقيا تستكشف" حاولت "فوغل" تقديم المتاع الفني للأفارقة ضمن سياق تاريخي و أنثروبولوجي مشغول بالشاغل التعليمي ربما لأن طموحها الرئيسي يتلخص في شرح الثقافة الإفريقية لمواطنيها الأمريكان .و ضمن همها التعليمي قامت" فوغل" بجهد تصنيفي مشهودو نظمت المتاع الإفريقي المعروض وفق مصنفات «  الفن التقليدي »و «  الفن الحضري » و «  الفن الحديث » إلخ. لكن مسعاها لا ينجو من ميراث النظر الكولونيالي لأفريقيا ككيان معرقن مزنوج و أسود، ذلك أن معرضها يدير ظهره لواقع التعدد العرقي و الثقافي السائد في القارة و يقصي أهل شمال إفريقيا عن المجتمع الإفريقي. بل أن "فوغل تذهب أبعد من مجرد إقصاء أفارقة شمال إفريقيا عن المجتمع الإفريقي لأنها، في مقدمة كتالوغ المعرض تتشكّى من أن المسيحية و الإسلام قد أثرا سلبيا على صفاء الثقافة الإفريقية. ربما لأنها لا تطيق المسيحية و الإسلام كعقائد ضالعة، و منذ قرون طويلة، في صميم التركيبة الحضارية البالغة التعقيد لأهل القارة.[ ص 14]. و رغم أن بعض الباحثين ينظرون لمعرض "فوغل" كـ "رد" أو كتكملة لمعرض " مارتان" ،يبقى التعارض قائما بين منهج «  مارتان » و منهج"فوغل»ـفالأول سعى لعرض فن العالم بما فيه الأفارقة في حين أن"فوغل"اختارت أن تعرض فن الأفارقة للعالم الأمريكي.[للإستزادة أنظر نصي " من إخترع الأفارقة؟" في قسم الدراسات و البحوث في موقع سودان للجميع ،على الرابط
http://sudan-forall.org/sections/plastiic_arts/pages/essays-recherch/plasticart_hassan-musa02.html

أنظر أيضا نصي المعنون.ـ
Ghosts of Africa in Europe museums
على الرابط
http://sudan-forall.org/sections/plastiic_arts/pages/essays-recherch/plasticart_hassan-musa01.html

أنظر ايضا
http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=9233&start=0&sid=175465dc139b8a9ec72fafa3e24f5e2a



و قوّامو جُحر الضّب الإفريقي الخرب :

التحولات الجيوبوليتيكية الكبيرة التي ترتبت على نهاية الإتحاد السوفييتي و نهاية الحرب الباردة و صعود الصين كقوة عظمى جديدة و نهاية نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا و حرب الخليج،مع التطور التكنولوجي الكبير الذي احدث نقلة مهمة في تقنيات الإتصال[ انترنيت] و الإكتشافات العلمية التي خلخلت القناعات القديمة حول الهوية البيولوجية الفردية و في طبيعة المنتجات الطبيعية[في علوم هندسة الجينات]، و ظهور تنظيم جديد للعلاقات الإقتصادية على عولمة رأس المال[ منظمة التجارة العالمية ]ـكل هذه التحولات هيأت مجتمع نهاية القرن العشرين لقبول التنظيم الجديد لعلاقات القوى الإجتماعية،أو ما عرّفه الأمريكان، بعد أزمة الخليج[11سبتمبر 1990] بعبارة« النظام العالمي الجديد»:ـ
New World Order
.و في هذا المشهد ظهرت بوادر تنظيم النتاج الثقافي الإفريقي المعاصر في مجالات التعبير الأكثر شعبية أولا حيث دمجت الموسيقى الإفريقية في ما عرف بفئة " موسيقى العالم" ، ثم تلتها فئات الأدب الإفريقي المعاصر التي شهدت ظهور كتاب أفارقة نالوا رضاء مؤسسات راس المال المتحكمة في المشهد الثقافي كالجامعات و المتاحف و سوق النشر و، بين هؤلاء الكتاب الأفارقة من نال جائزة نوبل للآداب[ سوينكا في 1986و محفوظ في 1988 و نادين غورديمير في 1991 ]ـ قبل أن يدخل الفنانون الأفارقة الحلبة في معارض نهاية القرن العشرين الكبيرة التي انعقدت في اوروبا و أمريكا.
معارض الفن الأفريقي المعولمة ["جان هيوبير مارتان" و "سوزان فوغل »] عبدت الطريق أمام جيل قوامي النتاج الثقافي للأفارقة الذين صاغوا ملامح ما صار يعرف بـ " الفن الإفريقي المعاصر" على أمشاج من تركة " الفن الزنجي" الكولونيالي،[ " لار نيغر" في رطانة الفرنسيين ]،و أدب الغبائن العرقية لسود أمريكا المهجوسين بذاكرة الإسترقاق التي وطّنت الممارسة الفنية للأفارقة في تربة الكولونيالية المعرقنة.من بين هؤلاء الأفارقة يبرز اسم البروفسير علي مزروعي[1933ـ2014]ـ
Ali Mazrui
،أكاديمي كيني مسلم،كان أستاذا للعلوم الإنسانية في جامعات نيويورك[ بينغهامتون ] و كورنيل و ميتشيغان. و جامعات جوس [ نيجيريا] و
ماكريري[ يوغندا] و جوموكنياتا [كينيا]، و إلى جانب نشاطه الأكاديمي و السياسي عمل مزروعي ايضا كمستشار في البنك الدولي. و في الولايات المتحدة اشتهر كناشط "بانأ فريكاني" وسط الآفروأميريكانيين الذين كان يعتبرهم أفضل وسيط للتواصل بين أمريكا و أفريقيا.و مزروعي، عبر مساهمته في الكتاب الجماعي،" ملهمات الحداثة، دراسات في الثقافة كتنمية في إفريقيا" لو جازت ترجمتي لـ :ـ
The Muse of Modernity, Essays on culture as Development in Africa,.Editedby Philip G.Altbach and Salah M. Hassan, Africa World Press,Inc.1996
يبذل خبرته بالثقافة الإفريقية لمؤسسات ضبط الثقافة الملتحقة بالبنك الدولي و غيره من دوائر رأس المال.
للإستزادة أنظر سيرة "علي مزروعي" في نصي"مدرسة الخرطوم نسخة الشارقة" على الرابط :

http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=9233&postdays=0&postorder=asc&start=30&sid=5976718a03f62b2cf4bed574f8abcb03

في هذا المشهد ظهرت عصابات قوّامي المعارض الأفارقة في مطلع التسعينيات و تولوا مهمة تقديم الفن الإفريقي المعاصر مستمدين شرعيتهم الفكرية من أصولهم العرقية كأفارقة مُزَنوجين [ ترجم : "أفارقة حقيقيين" من جنوب الصحراء. بعض هؤلاء "الأفارقة الحقيقيين" وفدوا من دراسات تاريخ الفن و فيهم نفر مارس الفن قبل أن يعتنق القوامة بينما خرج النفر الأعظم من فضاء دراسات الأنثروبولوجيا أو إدارة الأعمال و هلمجرا. و في « هلمجرا » نفر من الحكواتية الحلاقين و الهمباتة و غيرهم من شذاذ الآفاق الفنية الإفريقية المترامية الأطراف.و لا عجب فالعمر الزمني القصير للظاهرة و محدودية الفضاء الجغرافي للفن الإفريقي سهّل للكثيرين إلإستحواذ على صفة القوامة في مشهد الفن الإفريقي المعاصر. و قد يبلغ الأمر ببعضهم على الإحتجاج على" القوامين الغرباء" [ ترجم : "القوامين بيض البشرة »]، حين يرونهم " يتطفلون" على قوامة فن الأفارقة.ز و في لوح قوقل المحفوظ حكايات شيقات عن مصير البيض الذين يخاطرون بتولي قوامة معارض الأفارقة.آخر هذه الحكايات انفجرت في انترنيت حين عين "متحف بروكلين" الأمريكي أشخاصا بيض البشرة لتولي مسؤولية قوامة معارض الفن الإفريقي في المتحف.و لم يعترض أحد على مستوى المؤهلات الأكاديمية للقوامين البيض["كريستين ويندمولرـلونا" و "دريوساوير"
Kristen Windmuller-Luna & Drew Sawyer
] و إنما انصب الإعتراض على صفتهما العرقية كبيض.و ذلك بعض تعبيرات العنصرية المقلوبة الغليظة في بلاد العم السام.

للإستزادة أنظر الرابط :
https://www.okayafrica.com/the-brooklyn-museum-hired-a-white-person-as-its-new-african-art-curator-and-people-arent-thrilled/
 
في هذه المرحلة من مناقشتنا التي بدأت بسيرة الفنانة القديرة كمالا اسحق ،لا بد أن القارئ العادي ـ على وزن "رجل الشارع العادي"ـ سيسأل نفسه : و ما علاقة كمالا اسحق بكل هذا السرد الطويل؟و لو راعينا مشاعر " القارئ العادي" [ و هيهات] فالإجابة على هذا السؤال يمكن أن تنطرح بشكل موجز يتلخص في كون مجد كمالا المتأخر إنما يتفسر بإلحاقها المتعجل بقافلة هذا " الفن الإفريقي المعاصر" الذي اخترعه "الجماعة الطيبين" في عجلة سوق العولمة. و هي إجابة محزّقة ممحوقة كونها ـ من جهة أولى ـ لن تشفي غليل «  القارئ العادي »، و ـ من جهة ثانية ـ فهي لن تنصف كمالا الفنانة الأستاذة التي تعلمنا منها بعض صناعة الرسامين.و يمكن الإجابة على السؤال بشكل مرسل ـ [و لو شئت قل : بلا نهاية] ـ يقتضي من القارئ طولة بال و صبر على متابعة مصير كمالا في شعاب هذا الفن المعاصر الذي يختلط فيه الحابل بالنابل و كل يوم هو في شأن. و في حالة الإرسال أعد بمواصلة مبحث كمالا الشيق و لو دخل في جحر ضب خرب أو حتى في ذلك الموضع الحرج من الوزّة ، و الأجر ـ في نهاية التحليل ـ على الله.

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الجمعة يناير 10, 2020 6:26 pm    موضوع الرسالة: 8 ـ تخليص كمالا من شطح الكريستالة رد مع اشارة الى الموضوع


8 ـ
تخليص كمالا من شطح الكريستالة

لسنين طويلة، بين منتصف الستينيات و منتصف السبعينيات،استكانت كمالا في " ركن المرأة" الذي صمّمه لها ذكور "مدرسة الخرطوم" العربسلاميون. و في موقف المرأة الحديثة مثلت كمالا كما النوّارة التقدمية في نبتة الفن السوداني المعاصر الذي يرفع تجلي الثقافة الفنية الإسلامية في مجتمع إفريقي كضمانة رمزية لإرادة الوحدة الوطنية .و للحقيقة أقول أن مكوث كمالا في "مدرسة الخرطوم" كان أدخل في موقف المجاملة و التضامن السودانوي منه في موقف الإنخراط النشط في الدفاع عن أيقونوغرافيا التمازج الزنجعربسلامي السعيد التي طبعت أقوال و أعمال فنانين من مجايليها، و لا عجب، فكمالا فنانة مسلمة تتمتع بحس وطني قوي طالما عبرت عنه في أعمالها التي تستلهم التاريخ و التراث السودانيين.و قد انشغلت كمالا ،كما نوّهت في مطلع مقالي، بعملها المميز المغاير لأسلوب "مدرسة الخرطوم "، عن اي مشاركة نقدية ذات بال في ركام الأدب النقدي الذي أورثه صلحي و شبرين لتلاميذهما.[العوام و عبد العال و جمعان و بكري بلال و عتيبي إلخ].
و أظن ـ غير آثم ـ أن فرصة الخلاص من ضجر دور" المرأة الفنانة" في حلقة "مدرسة الخرطوم" ، واتتها مع مطلع السبعينيات مع الواقع النقدي الجديد الذي خلّقته "عصابات" الشباب" العصاة" الذين صنعوا أهم حركة نقدية في تاريخ التشكيل الحديث في السودان و جلهم من تلاميذ كمالا رئيسة شعبة التلوين في كلية الفنون .أقول هذا الكلام و أنا أتحدث عن تجربتي الشخصيةكما عشتها كطالب في قسم التلوين الذي كانت تديره كمالا، و كمساهم في الحركة النقدية بقلمي و بجهدي التنظيمي في أعمال منابر الحوار النقدي في السبعينيات.و تنويهي بالبعد الشخصي مهم في هذا المقام لأني صرت أقرأ مكاتيب اشخاص لا يدرون كوعنا من بوعنا، أمريكان و بريطان و فرنسيس و شوام و خليجيين و هنود و نيجيريين ،آلوا على أنفسهم ان يفبركوا لنا تاريخا غريبا لحساب دوائر رأس المال المعولم التي تحفزها أجندة سياسية ليس بين أولوياتها رعاية فن يصون مصالح السودانيين في التنمية و الديموقراطية.
إن حركة " العصاة"ـ في تعبير بولا ـ تشمل جماعة الفنانين الشباب الذين تخرجوا في كلية الفنون في السبعينيات، و جلهم من تلاميذ كمالا في قسم التلوين،بين هؤلاء الشباب" القادمين من ثنايا الزخم التحرري لـ "ثورة أكتوبر 1964» نفر من الماركسيين[ الشيوعيين] النظاميين و غير النظاميين، و نفر آخر من الإصلاحيين الإسلاميين [ الأخوان الجمهوريين] و نفر ثالث من هواة الفكر الحر و هلمجرا،و في"هلمجرا" يدخل ثنائي محمد شداد و نائلة الطيب الذين كانا يعرفان حركتهما في 1971، تحت اسم" جمعية الفكر اللبرالي"،قبل أن يصيرا، في 1975 ، مع كمالا ، و الدرديري محمد فضل[ و آخرين من خارج حلقة طلاب كلية الفنون]"، المدرسة الكريستالية" . لكن جمع الذوات الشابة الفنانة المتنافرة المشارب الفكرية،كان يلتئم بلا موعد عند هاجس مشترك محوره دور الفن في المجتمع السوداني. و من هذا الهاجس انطلقوا يسائلون الجميع ، فنانين و ساسة و مثقفين، عن جدوى الفن و عن كفاءة الفنان في معركة التحرر و التنمية؟ و في هذا المحك تخلّق الجسم النقدي الأساسي ضد طرح "مدرسة الخرطوم ».ـ
في تعليقه على الورقة التي قدمها أحمد الطيب زين العابدين في ندوة" الفنانون الأفارقة،المدرسة ، المرسم و المجتمع"، التي انعقدت في" مدرسة الدراسات الشرقية و الإفريقية "بجامعة لندن أبان تظاهرة" آفريكا 95 « ،[كتب بولا :
"..في بداية السبعينيات ولدت حركة نقدية جديدة هدفت إلى تأسيس مشروع مفتوح للحداثة قام على اختبار نقدي عسير، لا لأطروحات مدرسة الخرطوم وحدها، و إنما أيضا لمجمل مسلمات حركة الحداثة، سواء في "الغرب" إو في خلافه من بقاع الأرض.لم يكن من أغراض هذا التيار إثبات "أصالة" صمدة مُصَمّتة نزكّي بها ذواتنا و نستعلي بها على الآخرين. و لم يكن من أغراضه تحديد مواصفات و خطوط حمراء تبدأ و تنتهي عندها سودانوية الإنتاج التشكيلي و " وطنيته"، و لم يكن يدعو لطرد التراث الإبداعي المحلي و استبداله بـ "عالمية صادرة عن فراغ"، كما زعم خصومه، و منهم أحمد. إنما كان همّه ألاّ تمر أي أطروحة كانت و أي انجاز كان، دون إختبار نقدي يضيق عليهما مخارج التسليم السهل و يزجرهما عن التبسيط و الطمأنينة. و هذا ، في تقديري، أصل كل حداثة تستحق اسمها بالفعل.حداثة لا تكون تابعا ذليلا و مطيعا لما يسمى بـالمجرى الرئيسي لحركة " المعاصرة العالمية" و لا تلهث في اللحاق بـ " العصر"، لأنها تملك القدرة النظرية و التقنية و الجمالية على المساهمة في صنعه، و لأنها خلو من المخاوف و من الشعور بالدونية أواء الآخرين.و قد أهمل أحمد هذه الحركة ، بكل بساطة، لأنه على خلاف معها.و هذا خلل في المنهجية عظيم.
أمطر رواد هذه الحركة مدرسة الخرطوم نقدا لا هوادة فيه[..] انصبّ على الدعاوى المستعجلة و المحفوزة بدواع و تشهّيات آيديولوجية محضة في قراءة خارطة إشكاليات و مفاهيم الحداثة و بصفة خاصة إشكالية العلاقة بين تاريخ إبداعية الثقافة و حاضرها، و العلاقة بين أبعاد إنتمائها المحلي و إنتمائها الإنساني. و لم تصمد مدرسة الخرطوم طويلا أمام هذا النقد و ضاقت به ذرعا شديدا، و عبّر روادها[ فيما عدا الصلحي] عن هذا الضيق بصور وصلت حدود العنف السافر و المستتر بيد أن هذه قصة أخرى لا يتسع لها الحيز.. »ـ.[للإستزادة أنظر نص بولا في "جهنم "رقم 4ـأ كتوبر 1997]ـ
على خلفية هذا النقد فقدت " مدرسة الخرطوم" جاذبيتها السياسية و الجمالية و شرع عدد من الفنانين الذين ارتبطوا بها في التباعد عن مفاهيمها.
أذكر مرة في 1975، نظم معهد جوتة بالخرطوم معرضا جماعيا تحت عنوان " مدرسة الخرطوم". في ذلك الوقت كان لمعهد جوتة مدير ألماني شديد الحماس للفن السوداني. و في محاضرة بالمعهد تحدث فيها د. أحمد الزين صغيرون، أذكر ان أحد الحضور اعترض على تسمية ذلك المعرض بـ " مدرسة الخرطوم"، و ذلك على أساس أن " مدرسة الخرطوم" اسم يغطي عمل تيار فني بعينه بينما هناك فنانون مساهمون في المعرض لا ينتمون لتيار " مدرسة الخرطوم". في المناقشة عقـّب بعض من عرفوا بالدفاع عن "مدرسة الخرطوم" و دفعوا بأن الإسم " مدرسة الخرطوم" لا يقتصر على أهل التيار التاريخي المعين و إنما صاريشمل كافة من يمارس الفن في مدينة الخرطوم. لكن في منتصف السبعينيات فتر حماس الصلحي، "عراب مدرسة الخرطوم"،لدعاويها القديمة و تجلى نكوصه ، في ممارسته الفنية، بنزوع واضح لإستكشاف دروب جديدة بعيدة عن شعاب الإستلهام الزنجعربي مثل رسومات التانترا الهندية أو أعمال التصوير الفتوغرافي.
".. و قدرة الصلحي على تجاوز قناعاته النظرية التي يؤطر بها ممارسته العملية شيء يستحق التأمل كونه يؤشر على أولوية الممارسة العملية على التنظير في خاطر الرجل.و لا عجب ، فالصلحي في نهاية التحليل رسام ممارس كتب عليه، تحت شروط جيوبوليتيك الفن السوداني ، أن يضطلع بالمساهمة في الجهد الآيديولوجي الوطني بتأسيس جمالية للطبقة الوسطى العربسلامية في السودان.ففي الستينات كانت أعمال الصلحي تبدو كما لو كانت بيانا بصريا ( مانيفست ) لمقولاته النظرية.ذلك أن تصاوير الصلحي كانت تنبني على حضور الخط العربي وطراز الزخارف الهندسية المزعومة أفريقية مع تنويعات لونية تتراوح بين الرمادي والأسود و البني باعتبارها" ألوان أرضنا"أو " ألوان السودان"، كما كان يحلو للصلحي وغيره أن يرددوا. [..] لكن هذا التصريح الذي يداهن العواطف الوطنية للجمهور السوداني ، و الذي تكذبه الجغرافيا الطبيعية للسودان، يصبح سجنا حين يستنفذ الصلحي التشكيلي مباحث الألوان الترابية و يبدأ في التطلع لآفاق ابداعية جديدة. و في الواقع هجر الصلحي" ألوان الوطن" مع منتصف السبعينات، وقادته غريزة التشكيلي الباحث نحو تنويعات لونية جديدة بالحبرو ألوان الـ "فلوماستر" الزاهية القوية، و البعيدة كل البعد عن أنواع البني و الرمادي و الاسود التي صارت نوعا من " ماركة مسجلة" عند حراس" مدرسة الخرطوم". في تلك الفترة اهتم الصلحي بطراز رسومات تقليد" التانترا" الهندية بعد مشاهدته لمعرض أعمال التانترا في غاليري هايوارد بلندن كما قال في حواره مع أولي باير في 1983:
" شحذت حماسي رؤية الـ"تانترا" الكبيرة في المعرض الذي أقامته صالة " هايوارد" بلندن"
Hayward Gallery
[..]و قد استشعرت فيها شكلا تصويريا في غاية التوازن.[..]و أعتقد أنها تنطوي على معنى تحرري يدفعك للتأمل. و قد سعيت دوما للتعامل مع الرسم كوسيلة للتأمل[..]و هو ما وجدته في تصاوير الـ"ماندالا"
Mandalas
التي ينفتح التكوين فيها عند مدخل يأخذك للداخل فتشعر بإلفة مع نفسك".


و على درب التانترا " تحرر" الصلحي من أثقال" مدرسة الخرطوم" الاسلوبية نحو مباحث تشكيلية جديدة.. »
للإستزادة انظر الرابط :


http://sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=4161&postorder=asc&start=30&sid=
e436db3f5fbc84594096e7ba5129c33c

على خلفية المنازعة المفهومية بين أنصار و خصوم "مدرسة الخرطوم" ساغ لكمالا ،و آخرين ،التباعد من "مدرسة الخرطوم ".و حين عرض عليها محمد شداد التوقيع على بيان المدرسة الكريستالية لم تتردد كمالا كثيرا في الإستجابة لطلبه.و أظن ـ غير آثم ـ أن كمالا وجدت في الإنخراط المتعجل في المغامرة الكريستالية فرصة لنفض غبار "مدرسة الخرطوم " القديم الذي علق بها لسنوات فقايضت جلدها التراثوي السودانوي بجلد معاصرة فنية جديدة تستشرف العالم كله.و رغم تواضع مساهمة كمالا في فضاء الأدب النقدي في التشكيل،فقد غامرت بالإنخراط في المغامرة النقدية الكريستالية على مزاعم نقدية غليظة نوعا.فكمالا تعتبر نفسها" كريستالية ما قبل الكريستالية"، لأنها، حينما كانت في لندن في الستينيات، كانت تستشعر معاني الكريستالية في انعكاسات صور وجوه الناس في مترو لندن. و على أساس هذه التجربة البصرية ترد كمالا لوحاتها السبعينياتية المعنونة " نساء في مكعبات زجاجية" و " ندوة في مكعبات زجاجية" لمفاهيم الشفافية التي طرحتها ، في الخرطوم، " المدرسة الكريستالية" بعد أكثر من عقد من الزمان على التجربة اللندنية.و على هذه المزاعم ساغ لعدد من نقاد كمالا و قوّامي معارضها ان ينصّبوها " مؤسسة" لـ " المدرسة الكريستالية" و رائدة للفن المفاهيمي في السودان فضلا عن تكريسها رائدة للحركة النسوية الثورية السودانية بجاه أدبي غميس من لدن الشاعر و الرسام الصوفي البريطاني " وليم بليك" و "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". و علاقة تجربة كمالا الكريستالية بتجربة " وليم بليك" لغز نقدي لا يدري أحد مداه المفهومي لكن لغز "وليم بليك" ،الفالت من اي تحليل عقلاني، ينطوي على كفاءة في تصعيد عمل كمالا للفضاء الديني النصراني الذي صار اسمه" الفن المفاهيمي" .داخل فضاء هذا الفن المفاهيمي المعاصر يتعارض "سمو المفهوم الروحي" مع" تبذّل التقنية المادية".و الفن المفاهيمي في نظر قوامي كمالا هلام فكري جايط في رحابه يختلط حابل الفلسفة بنابل الرسم و كل حشاش يملأ شبكته و الأجر على الله.و تصعيد كمالا لمقام الفنانة المفاهيمية بذريعة كونها وقعت على "البيان الكريستالي" مكيدة بيضاء غايتها الإبتدائية ترفيع كمالا لأعلى مقامات الفن المعاصر المعولم: مقام الفن المفاهيمي حسب النسخة الكريستالية، و غايتها الثانية تسكين كمالا رائدة الفن الإفريقي المعاصر في مشهد فن العولمة الذي يحفظ للممارسة المفاهيمية موضع الحظوة. لكن هذا الترفيع المجاني يخون جملة مكابدات كمالا كرسامة عكفت عمرها على أولوية الصناعة التقنية للأثر التشكيلي، حتى أنها اخترعت لممارستها منهجا فريدا في تخليق الصورة على حركات التغطية و المحو و الحك التي ترد المشاهد للصورة كصيرورة مادية ماثلة في ملكوت الواقع المحسوس و كحاصل تقليد طويل في التخليق المادي للأثر الجمالي.
و إذا قبلنا بإحالة "المدرسة الكريستالية" لحياض الفن المفاهيمي، على قرينة الآثار التي طرحها كل من محمد شداد [ في "معرض الثلج "باصالة أبو جنزير 1976 يونيو ]و نائلة الطيب[ في "معرض المرايا العادية" في معهد جوتة سبتمبر1976]ـ و مجموعة الأفكار التي دافعا بها عن طرحهما ،مثل "توفير الجهد"، و أولوية "الرؤيا" الفكرية على "الحرفية" التقنية 
،و إعلاء قيمة"الشفافية" التي تلغي التراتب الأيقوني للتصاوير،
:
[ "..إنَّ المنطلق الأساسى للفكر الكريستالى أو اللبيرالية الحديثة هو نفى الصفة الجوهرية عن الأشياء إذ أنَّه أصبح من الواضح أن أى جوهر ما هو سوى مظهر لجوهر آخر ".. »وهذا ما نعبر عنه قائلين تحويل المعتم الى شفاف أى إزالة الحجب المتراكمة " أنظر بيان المدرسة الكريستالية الأيام 21 /01/1976 ] ـ
يقول محمد شداد في كتالوج معرض الفنان و الأفكار : »
:
" نحن نفضل الرؤيا على الحرفية و نعارض التيار الذي يدعو بأن تكون الحرفية معيارا للعمل الجيد. « ـ انظر كتالوج معرض "الفنان و الأفكار"، ديسمبر 1980]ـ"

في هذا المشهد تقف كمالا الرّسّامة " اليدياء" التي تنفق جهدها الفكري و البدني بأكمله في تخليق تصاويرهاذات التقنية الحرفية العالية، تقف كـنقيض للفنان الكريستالي ، بل و كمارقة اصيلة من جنة الرؤيا الكريستالية و شفافيتها، لأن عملها الفني حاصل كإعتراض مادي جذري لمواصفات النموذج الكريستالي.
طبعا تخليص كمالا من هلام الكريستالية يقتضي تعريف موقفها من هذا الهلام الآخر الذي نسميه بـ " الفن المفاهيمي". لأن قوامو فن كمالا سوغوا حظوتها كفنانة مفاهيمية على مزاعم تأسيسها للمدرسة الكريستالية. فمن أين أتى هذا الفن المفاهيمي الذي يخوض فيه قوّامو كمالا؟ و ماهي ضرورته في مشهد الفن السوداني الذي تكونت داخله سيرة كمالا؟

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاحد يناير 12, 2020 4:32 pm    موضوع الرسالة: و تخليص المفاهيمية من الفنأفريقانية رد مع اشارة الى الموضوع



9 ـ
و تخليص المفاهيمية من الفنأفريقانية


المعاصرة؟

تساءلت في كلمتي السابقة عن معنى هذا الشيئ الذي نسميه بـ" الفن المفاهيمي" و الذي طمح نفر من قوّامي "الفن الإفريقي المعاصر" إلى إلحاق فن الأفارقة به ،على زعم غريب بكونه يشكل ضمانة على معاصرة الفن الإفريقي.طبعا لا أحد يتساءل عن طبيعة هذه المعاصرة و ضرورتها للأفارقة رغم أن الجميع يلتقون عند إضمار تقريبي عام بأن المعاصرة صفة إيجابية بالنسبة للفن الذي ينتجه الأفارقة. بيد أن المعاصرة ، كمفهوم إشكالي، إنما تتحقق وفق مقتضيات و شروط تعرفها مؤسسات آلت على نفسها تعريف الحدود بين الحضارة و البربرية ، [و بالتالي بين الفن و الـ "لا فن "] ، و هي مؤسسات لم يساهم الأفارقة في بناء صروحها العاتية البعيدة من جغرافيا القارة الإفريقية.و غربة الأفارقة على مؤسسات تعريف الحدود تموضعهم في وضعية تراتبية كدخلاء متطفلين على الحضارة.هذه الوضعية الرمزية، وضعية اليد السفلى التي تنتظر العطاء من يد عليا مهيمنة على أقدار العالم تكرّس الأفارقة كطرف ضعيف أزلي في منظور وعي كولونيالي زائف يسلبهم فرص الندية التي تقتضيها كل مشاركة في المبادرة الحضارية. و من يتأمل في إشكالية المعاصرة يجد نفسه أمام إزدواجية فكرية محيرة لمفهوم غايته تعريف الحدود في المدى الزماني.و إزدواجية المفهوم تتبدى في الفرز الحاصل بين المعاصرة كواقعة زمانية و المعاصرة كواقعة مفهومية.و المعاصرة الزمانية تشمل كل حادثة أو كل أثر يتم انتاجه في راهن الجيل الحي ، و هذه المعاصرة تفترض أن قيمة المعاصرة إنما تصدر عن عامل الزمان الموضوعي المستقل عن إرادة الناس الأحياء الذين ينتجون الأثر المعاصر، بينما المعاصرة ، كفئة مفهومية متخلقة من خلال سعي الناس لتملك القيم الفكرية لعصرهم، إنما تصدر عن الإرادة الجمعية للناس الذين يتقاسمون أقدار الحياة الإجتماعية و معانيها في الفترة الزمانية الراهنة.و لو تمعنّا في أسباب تخلّق المعاصرة المفهومية كأثر إجتماعي فسنجد أنها لا تفلت من عواقب تناقض المصالح الذي ينظم حياة الفرقاء الإجتماعيين.
و في مشهد المنازعة الإجتماعية تفقد صفة المعاصرة الحيدة التي يسبغها عليها مفهوم المعاصرة الزمانية، و تنمسخ لمجرد أداة في خدمة الآيديولوجيا المهيمنة التي تعرّف ماهو معاصر و ماهو غيره من واقع المصلحة الطبقية المعينة.و في هذا المحك، محك المنازعة الطبقية يحق للأفارقة التوجس من طبيعة مفهوم المعاصرة الذي يعرفه خصومهم الطبقيين المهيمنين، مثلما يحق لهم التساؤل حول جدوى صيغة المعاصرة التي يعرضها عليهم سادة العصر، مثلما يحق لهم السعي لإعادة تعريف نسختهم من معاصرة على مقاس مصالحهم، عليها يتأملون في آثارهم و في آثار غيرهم .
من هنا أتساءل عن موقع الفن المفاهيمي من صفة المعاصرة:هل الفن المفاهيمي معاصر؟و لأي معاصرة ينتمي؟ ذلك أن المعاصرات شتى.فالفنانون من جيل الصلحي و شبرين الذين درسوا في مدارس الفنون الأوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، انخرطوا في برامج معاصرة مطلع القرن العشرين التي تمحورت حول إشكالية التعبير عن الهوية الثقافية الإثنية على معاني" الأصالة"و "الشعب" و "الأرض" و "الجذور"، و هي معاصرة تأثرت كثيرا بموضوعات رد الإعتبار للموروث الثقافي الشعبي و المحمول السياسي التقدمي في حركات التحرر من الإستعمار.من هذه المعاصرة خرجت مدرسة الخرطوم كتوفيق سعيد بين "الغرب" و "الشرق" و بين الفن الإسلامي و الفن الزنجي ["لار نيغر"]، بين الحضارة و البربرية.و على هذه المعاصرة خرجت كمالا لتلتحق بالنسخة الوجودية لمعاصرة نهاية الستينيات التي ولّف محمد شداد معانيها الجمالية و السياسية في الطرح الكريستالي.و محمد شداد اليوم فنان متدين [ ترجم :متصوّف على نهج محمود محمد طه ]، لكن محمد شداد، الذي عرفناه في نهاية الستينيات، كان ناشط اماركسيا تقلّب في أدب الثورة الدائمة الماوية قبل أن يتحول لأدب الثورة الوجودية الذي تلبّس حركات الشباب الرافض في نهاية الستينيات التي راج فيها التمرد على كاريكاتير المجتمع الإشتراكي السوفييتي و على قيم المجتمع الرأسمالي الإستهلاكي في نموذج أمريكا.ترى هل كانت الكريستالية هي محاولة لتملك معاصرة النصف الثاني من القرن العشرين؟ مندري؟ لكن من المحتمل أن الكريستالية انمسخت لبيّنة ناجعة في يد قوامي الفن الإفريقي المعاصر المتلهفين لإثبات حدوث نسخة إفريقية من الفن المفاهيمي تسوّغ لهم دمج الفن الإفريقي المعاصر في مشهد فن العولمة الذي يتصدره الخيار الجمالي المفاهيمي وحده لا شريك له.و حتى أعود لفحص اصل ما صار يعرف بـ" الفن المفاهيمي" أظننا بحاجة لنماذج من الأدب الكريستالي فيستنير القارئ بالبعد الفلسفي للحركة الكريستالية.ذلك إن كان في الكريستالية شيئ من المفاهيمية فهي في تفاكيرها الفلسفية أكثر مما هي في الآثار الفنية التي طرحها محمد شداد و نائلة الطيب و كمالا إسحق.


….........
ملحق أول :
بيان المدرسة الكريستالية


مقدمة :-
إن الإنسان نفسه مشروع وموضوع كريستاله تمتد فى داخله الى مالا نهاية ويتم هذا بمعزل وبغير معزل عن الأشياء الأخرى فى آن واحد وأننا لمعتقدون أن ( التناقضات اللصيقة بمقولة أن الكون متناهى ليست بأقل من التناقضات اللصيقة بمقولة أن الكون غير متناهى ) .
وأمام هذه الأزمة تبرز الفكرة الكريستالية إذ أن الكون فى حقيقته متناهى وغير متناهى فى آن واحد وأن الأشياء ذات طبيعة مزدوجة وحينما نقول مزدوجة فإننا لا نعنى أنها متناقضة بل أننا نذهب أبعد من ذلك ونقول أن الحقيقة نفسها ذات طبيعة مزدوجة . وحينما نقول أنَّ الحقيقة مزدوجة فأننا لانعنى أنها متعددة , والكم البسيط لايسع هذه المسألة ولكن قد يسعها الكم الغائى وهو اللذة . .

التنظير :-
إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصيغ والمقولات التى تجعل العكس أى الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتى هى من صنع الإنسان نفسه . فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكى الحديث يعبر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة ) ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها .
إنَّ المنطلق الأساسى للفكر الكريستالى أو اللبيرالية الحديثة هو نفى الصفة الجوهرية عن الأشياء إذ أنَّه أصبح من الواضح أن أى جوهر ما هو سوى مظهر لجوهر آخر . وفى الماضى يقال أنَّ الذرة كانت هى الجوهر الأخير ثم كانت النواة والإلكترونات والبروتونات عالم كامل بداخلها وهكذا ينطبق القول على جزيئات الذرة وجزيئات جزيئاتها بل ينسحب على كل موجودات الكون الغير محدودة . وما صراع الإنسان مع الطبيعة سوى الإنتقال من المظهر الى الجوهر الذى هو فى الحقيقة مظهر لجوهر آخر وهكذا يسير فض التناقض بصورة سرمدية وهذا ما نعبر عنه قائلين تحويل المعتم الى شفاف أى إزالة الحجب المتراكمة , كما أن إكتشاف الذرات لايلغى الوجود الظاهرى للأشياء ومن هنا جاءت التسمية للمدرسة الكريستالية بمعنى تواجد الأثنين معاً المظهر أو الصيغة الموجودة عليها الكريستالة بالإضافة الى الأبعاد والأطياف الداخلية المدركة . وفى الماضى كان الإنتقال من المظهر الى الجوهر ثم المظهر إلخ يعتبر فى عداد الفكر المثالى وكان الإعتراض القائم ( أليس هنالك إختلاف بين المظهر والجوهر الا يتضمن هذا أيضاً بدايات ونهايات ؟ ) غير أننا نقول هذا خلاف على منهج البحث وليس على الموضوع نفسه على أن التمايز بين المظهر والجوهر هو أيضاً خاضع لنفس السلسلة اللامتناهية أى المظهر والجوهر ثم المظهر والجوهر .
ولكن مراعاة لعدم جر الآخرين الى مجازفات خطيرة فإنَّنا نتوخى التبسيط ونقول أنَّ العملية تكون كالآتى :- إنَّما الإنتقال من المظهر النسبى الى الجوهر النسبى الذى يكون مظهراً نسبياً آخراً يتضمن جوهراً جديداً وهكذا يسير فض التناقض . غير أنَّ الفكرة نفسها بالإضافة الى الإعتراضات القائمة عليها ليست فى النهاية سوى تجسيد محتمل للكريستالة بأطيافها الغير متناهية ومظاهرها والتى هى أيضاً خاضعة للانهائية فمن البدهى القول أنَّ الكتاب الذى أمام صاحبه ما هو سوى مظهر لجوهر أعمق ولكن الذى نضيفه هنا القول بأنَّ الكتاب نفسه جوهر لمظهر يحيط به , بمعنى أنَّ الكرستالة لاتسير الى الأمام فقط فهى تتمدد الى الخلف أيضاً ولكن على وجه الدقة تسير فى الإتجاه كله أو المكان أو إن شئت أن المدرسة الكريستالية لا شىء سوى نفى التشيؤ عن الأشياء نفسها .

وحدة القياس :
إنَّ إحتمالات الطبيعة المطروحة أمام أعيننا ليست هى الإحتمالات النهائية فإذا كان الإليكترون أصغر من البروتون بإثنين ألف مرة والجرام يساوى ستمائة ألف مليون مليون مليون بروتون فإنَّه يصبح من الواضح أنَّ إنسان اليوم ذو الحواس المنقسمة والعقل التجريبى البسيط يواجه غربة شديدة تجاه إستيعاب مثل هذه الأرقام الجبارة . إنَّنا نعتقد أنَّ الأزمة أصلاُ فى وحدة القياس القديمة , فالفلسفة والعلوم التجريبية يجعلان من الإنسان وحدة القياس مما يدفع الأمور الى طرق مقفولة وموصدة . أنَّ حل مثل هذا التناقض هو بعث الجوهر ليكون وحدة القياس وليس المظهر , فجوهر الإنسان هو اللذة والتى يجب أن تكون وحدة القياس فى كافة الأشياء بما فى ذلك العلوم والفلسفة والفن ولا معيار سواه , واللذة فى الحقيقة تمثل حلقة كاملة بمعنى أنَّها وسيلة وغاية فى أن واحد , إنَّ ما نهدف اليه هو بحث الكم الغائى . .

فوضى الكم : -
إنَّ الصراع الدرامى بين المادية والمثالية والذى تمخض عن التنظير المعروف بصدد فهم حقيقة الأشياء ! فقد نادى الفكر المثالى منذ القدم بأنَّ الإختلاف فى الأشياء هو ( تمدد وإنكماش فى الكم ) وعبر ( فيثاغورس ) ( ودمقرويطس ) أنَّ (النسب العددية هى مناط الإختلاف بين الأشياء ) بينما أعلن الفكر المادى أنَّ الأشياء تختلف نوعاً وهذا يحدث نتيجة تراكمات كمية , ونحن من واقع الكريستالة نعتقد أنَّ كلاهما غير مؤهل لإستيعاب حقيقة الأشياء فكلا الإتجاهين تعامل مع الكم والتراكم كحقيقة ثابتة وليست هى الأخرى مليئة بالتناقضات . إنَّ الكم نفسه معقول وغير معقول فى آن واحد , فإذا أخذنا وحدة الكم وهى الرقم ( واحد ) على سبيل المثال فإنَّنا نجده متراكم من ثلث وثلث وثلث . ولكن إذا قصدنا الدقة وقسمناه الى ثلاثة بطريقة الكسر العشرى فإنَّنا نفاجا بأنَّه يخلق كسراً دائرياً يمتد الى ما لانهاية , بمعنى أنَّ التراكم نفسه فى الرقم واحد غير معقول فهو متناهى وغير متناهى أيضاً . أضف إلى ذلك إذا قسمنا الى عدد زوجى ( أثنين ) مثلاُ فإنَّنا نجده قابل للقسمة إلى ( أثنين ) مرة أخرى ويستمر هكذا إلى مالانهاية .
ونصطدم بالحقيقة القائلة ( إنَّ المحدود ليس من المعقول أن يكنز اللامحدود ) ونخلص من هذا الى أنَّ الواحد غير متزن التراكم كما أنَّه بالرغم من محدوديته يكتنز اللامحدودية . ومع هذا وذاك أمامنا وحدة الكم ( واحد ) وأمام فوضى الكم هذه تبرز الفكرة الكريستالية لتقترح الكم الغائى وهو اللذة والتى هى أيضاً ذات طبيعة مزدوجة , فهى وسيلة وغاية فى آن واحد .

وحدة الزمان :
من واقع الكريستالة نؤكد أن الأشياء تفرز زمانها الخاص وأنه لدينا أكثر من زمان رهين بتنوع وإختلاف إحتمالات الطبيعة المطروحة أمام أعيننا وما نعيشه حالياً ليس ذلك الزمان الجمعى والخرافى الذى يتفق عليه الجميع وتشترك فيه الأشياء كلها . وفهم تداخل الأزمنة ليس أمراً عسيراً للغاية غير أنه يتطلب مستوى عالى من الكريستالية . إنَّ غربة الإنسان الحالية لا تكمن فى إختلاف الأزمنة العامة والتى تفرزها الأشياء كل واحد على حدة بل أن الأمر فى الحقيقة يكمن فى إختلاف أزمنة الإنسان الخاصة بإعتبار أنه مركب من أشياء متعددة ومتنوعة . إنَّ وحدة زمان الإنسان الفرد نفسه أمر من الأهمية القصوى بمكان .
المعرفة :
إنَّ الكلاسيكية الجديدة تؤكد أن المعرفة تنتقل من الخاص الى العام ثم الى الخاص مرة أخرى ونحن من جانبنا نعتقد أن التعميم هو بؤرة قمعية . والذى يحدث هو إجتذاب الخاص الحر لبؤرة العام القمعية ثم إعادته مرة أخرى مكبلاً , وأن مانتجه اليه هو تحرير الأشياء من قمع المعرفة نفسها . ولا نكون متناقضين إذا قلنا إيجاد معرفة تعمل على تحرير الأشياء من المعرفة نفسها بل نكون كريستاليين . وإذا كانت المعرفة قديماً تسير على نمط أنَّ الشيء لايعرف بمعزل عن الأشياء الأخرى كما أنَّه لايعرف بمعزل عن ذاته فإنَّنا حالياً وفق الكريستالية نطرح أن الشىء لايعرف بمعزل عن اللانهائية أو بعبارة أخرى الشىء يعرف بمعزل عن النهائية كما أننا نولى أهمية قصوى لمقولة أنَّ ( اللاشىء شىء ) وأنَّ تذويب الحدود الموضوعية يكون حداً موضوعاً جديداً فى ذاته ..)

وحدة المكان :
المادة توجد فى المكان والأشياء قد توجد فوق أو تحت أو شمال أو جنوب شرق غرب .. ألخ بمعنى آخر أنَّ المكان هو الإتجاه . غير أنَّ الشىء نفسه مكان بمعنى حيز . والحيز لصيق بالتخصيص ويصعب القول أنَّ المكان هو الحيز إذ أنَّ الحيز منتزع من اللاحيز , وعليه نقول أنَّ الإتجاه حين يعين يسمى حيزاً أو بعبارة أخرى حين يدرك يسمى حيزاً وبهذا يكون الشمال أو الشرق نفسيهما أمكنة بمعنى حيز أيضاً غير أنَّهما يمتدان إلى مالا نهاية كما أنَّهما نسبيان ومن واقع كل نسبة يمكننا التمدد إلى مالا نهاية . والكم فاسد ! ونحن لا نريد القول أنَّ المكان لاوجود له فى الواقع بل هو منهج ذهنى كما أنَّه لايصعب القول إنطلاقاً من أنََّ المكان هو الإتجاه أنَّ الشى نفسه يوجد فى كل مكان ويزيد الأمر تعقيداً أنَّ الشى يوجد هنا وهناك فى إتجاه واحد وإزاء فوضى المكان هذه نطرح المكان الغائى وهو اللذة .

اللغة :
أن اللغة بوضعيتها الحالية ( أى لصيغة بالأشياء ) تثبت وتؤكد فسادها ولامخرج من ذلك سوى تحليلها وتحويلها الى كريستالة شفافه تسير فى كل الإتجاه , بين الإسم والموضوع والفكر ومركباتها , والكلمة ومركباتها , والحرف ومركباته إنَّنا نتوقع أن يتم ذلك ليصبح التناقض الأساسى فى اللغة هو التناقض بين كريستالة المعنى وكريستالة اللفظ وهذا هو أقل وأول مايجب عمله بهذا الصدد ولايفوتنا أن نذكرأن علم ( السيميوطيقة ) ومناهج قانون شانون ( وجماعات ) قياس الإحتمالات الكمية للمعلومات المتضمنة فى اللفظ ) , وجماعات قياس كمية المعلومات التى يتضمنها حرف واحد من الحروف الإبجدية وقوانينهم الرياضية )..ما هى إلا مناهج أكاديمية يابسة لحل مشكلة اللغة فهى تقوم أصلاً على الكم الفاسد وبالتالى لاترقى الى مستوى الأزمة .

الجماعة :
هنالك ثلاثة أنواع من الكبت تعرضت لها الصيغة ( إنسان ) وبصورة حديثة هى الكبت الذى بدأ منذ إنسلاخ المادة العضوية من المادة الغير عضوية حتى إكتمال نشأة الإنسان والثانية كانت بظهور العقل الموضوعى وهو عقل دخول الإنسان فى جماعة . ونقر هنا أيضاً أن الإنسان إصطدم فى البدء بالواقع وتحايل عليه وخلق مؤسسات معينة لمناجزة الواقع وكان أن أصبح أنه لامفر من الدخول فى جماعة وعليه تنازل الإنسان من جزء من حريته محققاً عدم التعارض بين مصلحته ومصلحة الجماعة . إنَّ تلك الضريبة التى دفعها الإنسان تكاد تكون حريته فى ذلك الحين وظل الإنسان منذ دخوله الجماعة يتعرض لمراحل تاريخية معينة تميزت بعلاقات إنتاج متباينة تتبعها مؤسساتها الفكرية والتى أكدت آلة القمع تلك ولكن الحقيقة التى نحن بصددها هنا أنَّ القمع الذى حدث بظهور العقل الموضوعى كان يورث بإستمرار من جيل الى آخر وتوريث السلوك أمر لديه ما يسنده بالرغم من الفترة الطويلة التى قضاها مهملاً بتعمد .. كان الصراع الواضح هو بين مدرستى ( لامارك ) و( داروين ) ومدرستى ( دفريز ) و ( فيزمان ) وأبحاثهم عن أطروحة ( جيرمسل ) و( الأيفينينق بريموزا ) . وفى عصرنا الحالى يعتبر ما جاء به ( ماكدونات ) ردعاً حاسماً لا يقبل الشك فى موضوع توريث السلوك , وعلى كل فنحن حالياً نتمسك بأن الوظيفة هى التى تخلق العضو وليس العكس , والكبت الثالث هو الكبت الحادث والذى يتعلق بالفرد منذ ميلاده حتى اليوم وكما ذكرنا أن الكبت فى البدء كان ضرورة وحرية فى آن واحد ولكن الأشياء بالتطبع تصبح طبع وأن الكبت لم يعد مجرد ضريبة دفعها الإنسان تنتهى بمسبباتها بل أصبح طبعاً فيه كما أن الإنسان أصبح يتلذذ بالكبت نفسه وإستبدل اللذة الحسية باللذة المعنوية وكل هذا لاغبار عليه لولا أنه أثبت بالبرهان العلمى أن اللذة المعنوية غير كافية الشىء الذى دفع الى خلق إنسان جديد فى عصرنا الحالى وهو الإنسان اللامبالى الإنسان الرافض أو بعبارة أخرى الإنسان الغير مستلذ . ولأدب الحديث من "غريب" ( البيركامو ) الى "لا منتمى " ( كولن ولسون ) و "مصطفى سعيد" ( الطيب صالح ) كله يتحدث عن الإنسان اللامبالى الإنسان الغير مستلذ كما أننا نعتقد أن أى شخص يقرأ هذا الأدب ويعجب به أن ما فى ذلك دلالة على أن هذا الأدب يمثل تيار فى نفسه . مما يزيد الأمور خطورة أن فض الكبت وتحرير الإنسان وبالتالى كل أشكال نشاطه وطاقاته الإبداعية من فنون وآداب يتم بإلغاء العقل الموضوعى ..


الشفافية :
الكريستالية تنشد الشفافية والصوفية أيضاً ولكن الفرق بينهما وبين الصوفية يلخص كالآتى : إذا كانت الصوفية ( وهى سلوك ) تدعو للفناء فى الذات ووسيلتها نفى الإرادة فإننا نعتقد أن نفى الإرادة يحتاج لإرادة أيضاً هو الآخر وبمعنى آوضح أن نفى الإرادة هو عمل إرادى . غير أنه إذا سار الأمر بصورة سرمدية أى إرادة ونفى إرادة ونفى إيضاء وهكذا فإن الأمر يخلق كرستالة ممتد بغير نهاية بمعنى تواجد الظواهر والجوهر معاً بصورة ممتدة الى ما غير نهاية ..
غير أنَّ التشابه موجود فقد ذكرت فكرة الكرستالة فى الأديان صراحةً وضمناّ مثل ما ورد فى الديانة المانيوية والديانة الأروفية السرية والمسيحية والإسلام ..
الجمال :
إذا سألنا ما هو الجمال ؟ فإننا نرد ونقول أنَّ الكرستالة هى الأجمل وأن أبرز ميزة للكريستالة هى اللبرالية بمعنى أنها متحررة وعليه نقول أن الشىء يصبح جميلاً حينما يكتنز قدراً من تذويب الحدود الموضوعية …

الفن التشكيلى :-

الخط :
إنَّ القيمة الأساسية للخط تكمن فى الإتجاه وكما ذكرنا ( أنّ المادة توجد فى الإتجاه وهو المكان كما أن المادة نفسها مكان بمعنى حيز ) ولكن فى التحليل النهائى أن الخط هو بعد مكاني نشط يحتوى ويتحول الى فروق زمانية . إنَّ أكثر الأشياء إثارة فى موضوع الخط هو إنحياز الملموس الى مفهوم المكان بمعنى الإتجاه وليس بمعنى الحيز وإحتوائه على فروق زمانية بسيطة ونشطة .

اللون :
اللون مركب وإذا أخذنا اللون الأحمر مثلاً فإننا نجده غير محدود سلباً وإيجاباً الشىء الذى دفع الأكاديميين تفريغ الأحمر الى حزم رئيسية ( اسكارلت فارملين كرمزون روز ) ضمن محاولة يائسة لإحتواء لامحدوديته ونحن من جانبنا لتسهيل الأمر ندعو لتغيير أسماء الألوان فنقول الإحمرار بدل عن الأحمر . أضف إلى ذلك ثمة عوامل رئيسية متعددة تنتفى خلالها محدودية اللون مثل :
1- ميل اللون اللامحدود الى الالوان الأخرى الأزرق يوجد محمراً أو مخضراً بنسب غير محدودة على الإطلاق .
2- كمية الضوء الساقط على اللون والمنعكس منه .
3- نسبة الأبيض أو الأسود الموجود باللون
4- إمكانية العين نفسها على الرؤية وذلك من ناحية :
أ / تركيبها الفسيولجى .
ب / تدريبها على النظر والرؤية .
5- المسافة المكانية وهى محدودة أيضاً إذ أن اللون على بعد سنتمتر وعشرة آلاف متر يختلف تمام الإختلاف ويظهر هذا جلياً فى المشاهد الطبيعية ( لاند سكيب ) إذ أن اللون الأحمر هو أول الألوان المختفية على إمتداد النظر فهو يتحول تدريجياً الى بنى الى أن يختفى .
6- كذلك بصورة واثقة ومتشككة فى آن واحد الحالة النفسية التى يكون عليها المشاهد .
7- أن إحتمالات الطبيعة اللونية المطروحة أمام أعيننا حالياً ليست هى الإحتمالات النهائية فالطبيعة غير محدودة التلوين .
8- أن الألوان توجد فى الطبيعة فى شكل مساحات وبالمقابل لاتوجد أى مساحة فى الطبيعة الا وذات لون معين والمساحات نفسها تبدو بصورة هندسية أو عضوية . مرة أخرى الأشكال الهندسية غير محدودة الشكل والأشكال العضوية كذلك .
9- عامل آخر ونسبى للمساحة اللونية إذا ماحدد شكلها وهو كبر المساحة نفسها أو صغرها فالأزرق يوجد فى مساحة بعرض البحر أو ما يغطى مليمتر واحد. مرة أخرى المساحات توجد بصورة غير منتاهية فى الصغر وكذلك غير متناهية فى الكبر ومن هنا نقول بصورة حاسمة أن الألوان فى الطبيعة توجد بإحتمالات غير محدودة أصلاً فاللون الواحد غير محدود الدرجات اللونية كما أنَّ عدد الألوان فى الطبيعة غير محدود وأن العلاقات بين هذه الألوان غير محدودة على الإطلاق ويمكننا القول أنَّ مجرد الوعى بالشىء يفقده صفته الجوهرية هذا إن كانت له ثمة صفة جوهرية وفى هذا الصدد ذكر ( ماوتسى تونغ ) لكى تعرف طعم التفاحة لابد أن تتذوقها وبالتالى تغير طعمها فتعرفها وإذا قلنا أنَّ الأخضر لايعرف بمعزل عن الألوان الأخرى تكون العبار مبتورة فالشىء الصحيح القول أن الأخضر يعرف بمعزل عن النهائية .

الشكل :
إنَّ الأشياء تكتسب قيمة تشكيلية من حركتها الخارجية فالمثلث يكتسب قيمته من تثليثه ثم تأتى النظرة الأكاديمية لبحث الإنتماء أو علاقة المثلث بالأشكال الأخرى المتصلة أى حركته الخارجية مع مجموعة الحركات الخارجية للأشكال التى تؤثر ويؤثر فيها فتبحث فى أوجه التشابه والإتزان والتسلسل والإيقاع ونفى كل ما هو نشاز ونقول أن المثلث نفسه غير محدود التثليث هذا إن صحت حقيقة المثلث . كما أنَّ إحتمال علاقاته مع الأشكال الأخرى غير محدودة أيضاً . ولكن دعك من هذا وذاك وتعود للنظرة الأكاديمية تقول لقد قسم الأكاديميون الأشكال منذ البدء الى هندسية وأخرى عضوية ثم وبتقدم المعرفة تزحزح الأكاديميون قليلاً فقد اثبتانَّ الشكل العضوى ما هو إلا نتاج لتراكمات هندسية وكان وهذا شأنهم بالشكل الهندسى هو الآخر دخل متحف التاريخ ووضعت بجانبهم يافطة ضخمة كتب عليها ( اقليدس ) فقد إنهارت كل الأحلام القديمة مثل ( الخطين المتوازيين لايلتقيان ) الخط المستقيم هو أقصر طريق يصل بين نقطتين ) وبالطبع لقد إنهارت أحسن القلاع وهى أن الضوء يسير فى خطوط مستقيمة ولقد تمسك الأكاديميون القدماء بذلك لبرهة أنه ثمة نظير للخط المستقيم فى الطبيعة وعلى كل فالفيزياء الحديثة لن ترحم فلم يعد هنالك ثمة وجود للخط المستقيم على الإطلاق أن التفرقة بين الشكل الهندسى والعضوى جاءت نتيجة للفهم الكمى للأشياء فالشىء هندسى وعضوى فى آن واحد ..
نداء :
إننا نطرح لكآفة الفنانين التشكيليين إستعمال اللون الأزرق لما لديه من إمكانيات هائلة لإظهار الأبعاد والأعماق الداخلية أو بعبارة أخرى خلق رؤية كريستالية كما أنه حالياً أوضح تجسيد للكريستالية فى الألوان ولايفوت علينا أن مقدرة الإنسان ورؤية الأبعاد الداخلية للون الأزرق لاتعود فقط للفعل الشرطى المنعكس الخاص بأن البحر أزرق والسماء زرقاء فقط .

الدراما :
أن المسرح وأبعاده الثلاثة فكرة غير معقولة فالمسرحية الواحدة تتعدد بتعدد الناس الذين يشاهدونها فالشخص الجالس أمام المسرح مباشرة يشاهد حركة وتعبير وإنفعال ويسمع نبرات صوتية مختلفة تمام الإختلاف عن الشخص الجالس فى أقصى المسرح الى الوراء وكذلك الحال بالنسبة للشخص الجالس على يمين المسرح أو على يساره وتظل المسرحية تهمة للتعدد والإنقسام كلما أتى مشاهد جديد وبالطبع سيجلس فى مكان مختلف عن الآخرين , كما أن هذا التعدد سيظل الى ما لانهاية وهذه قيمة فى حد ذاتها , ولكن الأكاديمين وكعهدهم لووا عنق الحقيقة بتعاملهم مع المسرحية وكأنها مسرحية واحدة وعلى هذا أيضاً يصدرون أحكامهم ونقدهم وشرحهم . وفى العام الماضى حينما غطينا واجهة المسرح بكرستالة شفافة كنا نشير الى هذه المحنة وفى المستقبل القريب إرضاء لضمائر النقاد وإراحة لنا نحن أيضاً فسنوقف المسرحية أثناء العرض لفترات زمانية وجيزة ونطلب فيها من الجمهور تغيير أماكنهم للإستمتاع بعدد أكبر من المسرحيات ومسرة أكثر ونقد أقل ؟؟ .
أن فكرة التمثيل والتقمص هى أيضاً فكرة غير معقولة فالممثل يقيم الدنيا ويقعدها فى خلال ساعتين ثم ينزل من المسرح مهرولاً لإرتباطه بمواعيد كان قد قطعها سابقاً ( كذهاب للسينما مثلاً ولسنا نحن الذين نكشف لامعقولية فكرة الممثل فتاريخ المسرح هو تاريخ هذه العبارة نفسها والصراع بين عمالقة المسرح ( برشت وستانسلوفسكى ) قائماً على هذه العبارة , غير أن الحوار معهم ممكن ومتاح للغاية ونبدا بسؤال ( ستانسلو فسكي ) ( كيف يمكننا أن نحول الذاكرة الإنفعالية لفعل إرادى ) ؟ وهل يتم هذا بمعزل عن أطروحة الشفافية ؟ ألسنا فى حوجة ولو قليلة للمسرح ( التلبثى ) أو التاريخى ) أو ( الكيروفويانس ) و( السايكوترى ) أو ( الاتوماتيزم ).
وعن الإستنجاد بالفرملوجية ( علم الشكل ) لحل مشكلة الدراما بصورة مستقبلية فإننا نقول أنَّ فرملوجية الإنسان هى مجموعة حلقات تطورية وعوامل من التكيفات المتعددة لحفظ البقاء أصلاً كما أنَّنا لازلنا نتمسك بأن الوظيفة هى التى تخلق العضو وليس العكس . كما أن الفرملوجيا الحالية هى فرملوجيا تعكس ذلك الصراع ذو الإمكانات المختلفة التى عاشها الإنسان قديماً وقد أصبح واضحاً جداً أن الإنسان بعد دخوله عصر التكنلوجيا تكاد أن تكون الفرمالوجيا الحالية عبئاً ثقيلاً عليه .

الشعراء :
أن الشفافية تيار أصيل لدى الشعراء وإن ما قاله الفنان والشاعر ( وليم بليك ) عن إنسان الرؤية الرباعية الإنسان القادر على مشاهدة
عالم بأكمله فى ( حبة رمل ) يمثل حجر زاوية فى الفكر الكريستالى كما أنَّ الشعر الصوفى أيضاً يموج بالإشارات بواقع الكريستالة بل أنه يذهب بالكرستالة الى أعمق أوضاعها والتى قد يصعب فهمها وتمثل لذلك قصيدة ( أصَف جات حلبى ) المترجمة وفيها يقول :
ذهبت الألوان الى الشمس
أنا لا احتاج الى الالوان
ولا الى عدم الالوان
ماتت الشموس بدون مكان
أنا لا أحتاج الى
ضياء ولا الى الظلمات


الأطفال :
حقاً ما يزيد الكريستالة أصالة هو الإهتمام والمرح الشديد الذى يبديه الأطفال الصغار تجاهها وذلك فى أشكالها البسيطة من ( فقاعة الصابون ) ( ومنظار الكاليدوسكاب ) هو مكون من منضرة وزجاج صغير مكسر ) ..
إن إهتمام الأطفال بالكريستالة أمر له أبعاده العميقة والطفل أعقد الألغاز . وختاماً للقول نذكر مرة أخرى أن الكريستالة لاشىء سوى نفى التشيؤ عن الأشياء وهى الشفافية السرمدية وكان رسمنا الكريستالة وفكرنا بالكريستالة وكانت الرؤيا الكريستالية .

إمضاء *:
كمالا إبراهيم إسحق
هاشم إبراهيم
محمد حامد شداد
حسن عبد الله
نايلة الطيب طه

*
شكرا للصديق عصام علي على مناولته القيمة. [و ،كان ما نخاف الكضب] ، أظن أن هناك نسخة من البيان عليها توقيع الشاعر محمد المهدي المجذوب.


.............
ملحق 2

الفنان محمد شداد و الأفكار

في كتالوغ معرض " الفنان و الأفكار" الذي أشرف عليه أحمد عبد العال، ضمن فعاليات " مهرجان الثقافة الثالث " الذي نظمته وزارة الثقافة في ديسمبر 1980.كتب محمد شداد:

"1ـ يشهد البلوريون بأذهانهم الطيبة أن الكون مشروع كريستالة بلا حجب بل أغوار سرمدية، و الحق أنهم لا يعرفون المكان و الزمان كما يعرفه الآخرون.
2ـ شأنهم أن يحبوا لغة البلور و يدعون لغتكم لتصبح شفيفة، حتى لا تحجب كلمة كلمة ـ لا إنتقاء في اللغة ـ تكاد أن تكون إجابة الناس بلفظ واحد شفيف هي إجابتهم باللغة كلها، و يتمدد الأمر ليكون حرفا واحدا شفيفا لا يحجب الأحرف الأخرى . على هذا المنوال تصبح نغمة واحدة شفيفة لا تحجب الأنغام تكفي، و إلاّ فليصمت الناس ، و هذا أيضا بلور.
4ـ نحن نحيا حياة جديدة فلا بد لنا من لغة و أشعار جديدة . إن حياتنا الجديدة تعني أنه آلت لنا مضامين جديدة ، و لا بد لها من أشكال و قوالب جديدة. تسع هذه المضامين الحديثة. بمعنى آخر لم نحتفظ بالإطار القديم، نحن لا نحب القوافي و بحور الشعر.
5ـ يشهد البلوريون بأنه لا تجربة. و كل ما قيل عن التجريب هو خرافة. فالعقل البشري أصلا لم و لن يتطور بالتجربة.و أساس فكر البلوريين " أن القابلية للمعرفة هي أيضا معرفة ". و القابلية للمعرفة هي معرفة أقدم من التعلم العرضي. و الحق يقال أن العقل أذكى من التجربة و أكمل منها!. يوجه لنا التساؤل عن كمون هذا العلم اللاتجريبي في العقل. و يفض البلوريون الجدل بالقول : إنما الذي يكمن في العقل أصلا ليس العلم بل اللذة.
6ـ نعم اللذة أصل من العلم، و ما مشاهداتنا في الحياة إلا مشاهدات في اللذة. و اعلم أن الفاصل بين العلم و اللذة يقع في مرايا عدمية قوامها الماء و الضوء.و نعلم أيضا أن الكون الماثل أمامنا هو ذلك الكون المحسوب على الثابت، أي سرعة الضوء، غير أننا نمدد أبصارنا إلى فكرة مقلوب سرعة الضوء حتى نكون على مشارف المرايا العدمية.
8ـ نحن لا نثق في قانون التطور، فقد تطور الديناصور إلى أن... إنقرض. إنقرض أيها الرجل فأنت تحمل في صدرك ثديين هما بقايا المرأة التي اندثرت فيك فابحث عنها.و معلوم لك أن الثدي وظيفته أولا الرضاعة ، و لا يوجد عضو في جسم الإنسان إلاّ و يؤدي وظيفة معينة حاليا أو كان يؤديها في الماضي، فهل كنت ترضع أنت الآخر؟ و ماذا كان اسمك؟!
9ـ نحن نفضل الرؤيا على الحرفية و نعارض التيار الذي يدعو بأن تكون الحرفية معيارا للعمل الجيد.
أختم حديثي و لا ألزمكم بشيئ .
محمد حامد شداد" ـ


سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاثنين يناير 27, 2020 11:11 am    موضوع الرسالة: بعيدا عن كمالا رد مع اشارة الى الموضوع




بعيدا عن كمالا


1 ـ مدخل إقتصادي :
مشاهدة صورة كمالا كفنانة "يدياء " لا تتيسر إلإ من مقربة تتيح للمتأمل في أثرها التشكيلي قراءة التفاكير البصرية العالية المستودعة في تصاويرها. لكن عقلنة الصورة المستحدثة لكمالا كفنانة سودانية مفاهيمية و كرائدة للحركة النسوية الإفريقية لا تكون ما لم يتباعد الناظر إليها لرحابة تمكنه من استيعاب صورة كمالا في السياق النقدي الذي احاط بعملها و بشخصيتها في مشهد المعاصرة.و قد جرّني توسيع حقل المشاهدة للتوغل في مباحث نائية نأي الإقتصاد السياسي و أنثروبولوجيا الإستعمار عن المبحث التشكيلي للفنانة اليدياء. و هذا التنويه ضروري لتسويغ تعريجتي العجولة على بعض مظاهر العربدة السياسية لمؤسسات رأس المال المعولم التي صارت تحيي من تشاء و تميت من تشاء بغير حساب.
في بداية السبعينيات بدأت بوادر الأزمة الإقتصادية للمجتمع الصناعي تتجلى في أنخفاض عائدات رأس المال و إنهيار النظام النقدي الدولي الذي تأسس في إتفاقية"بريتونود "في 1944، ثم جاء إنخفاض سعر الدولار مع الإرتفاع الكبير لأسعار البترول بعد أزمة 1973.
بعدالأزمة الإقتصادية التي عصفت بمجتمعات رأس المال في السبعينيات، نتيجة لتفاقم الديون الخارجية على منظومة الدول الصناعية، سعى مدير "البنك الدولي" "،روبرت مكنمارا "[بين1975 و 1980 ]لإتخاذ إجراءات للخروج من الأزمة الإقتصادية الأوروأمريكية،كان بينها فرض "قروض مشروطة" على الدول الفقيرة، زادتها إفقارا و زادت من أعتمادها على السوق العالمي وفاقمت من فساد النخب السياسية المستبدة، فظهر سادة العالم الثالث المليارديرات المجرمون المرتبطون بدوائر رأس المال الأوروأمريكي مثل «بينوشيه" في "شيلي" و "موبوتو"  في "زائير"و «سوهارتو» بـ "أندونيسيا» و "الشاه" في إيران.في تلك الفترة [ما بين 1968و1980]ل قفزت الديون الخارجية لدول الجنوب من 50 مليار دولار لـتصل إلى ما يقارب 600 مليار دولار.،و ظهر مفهوم "مديونية العالم الثالث" الذي برر عليه "صندوق النقد الدولي" و "البنك الدولي" فرض سياسات تقشف و إعادة تقويم هيكلة إقتصاد بلدان الجنوب و رفع الصادرات،هذه السياسة تلخصت في رفع الدعم عن المواد الأساسية و تقليص منصرفات خدمات الدولة في التعليم و الصحة و الإسكان و خصخصة المرافق الحكومية و البنيات التحتية و رفع الضرائب.
و قد تجلت عواقب سياسات الخصخصة و القروض الجائرة في مفاقمة أزمات البلدان الفقيرة فظهرت مجاعات السهل الإفريقي من أثيوبيا و السودان حتى موريتانيا بينما كان بعض منتجي القمح في الشمال يتخلصون من فائض إنتاجهم في البحر حرصا على صيانة اسعاره في السوق العالمي.
للإستزادة انظر "مديونية دول العالم الثالث : السياق التاريخي والنظري" الرابط :
https://attacmaroc.org/مديونية-دول-العالم-الثالث-السياق-التا/

هذه الأزمة الإقتصادية التي هزت المسلمات الرمزية لمجتمعات العالم الصناعي، انعكست تأثيراتها على مجتمعات" الجنوب" في إفقار و أنحطاط رمزي و مادي متكامل شمل كافة أوجه تحقق الحياة الإجتماعية.فمع تدهور الخدمات [الصحة و المواصلات و التعليم و الأمن] فقدت مؤسسة الدولة مبررات وجودها و صارت رهينة الشد و الجذب الذي أدركها من طرف محاور القوى الأجنبية والجماعات المحلية المعرقنة المسلحة و غير المسلحة، فضلا عن المنظمات غير الحكومية الخيرية و " الشرّانية" التي صارت تجول و تصول في بلادنا كما "غودزيلا" في مستودع الخزف. في مثل هذه الملابسات اخترع لنا سدنة الفوضى المعولمة تصانيفا في فنون "إدارة الأزمات" ما أنزل الله بها من سلطان. فمنهم من جاء يبشرنا بالدين الصحيح فيأخذون جنودنا مرتزقة للدفاع عن الحرمين في اليمن السعيد أو يقاتلون أهالينا لنصرة الدين في "كاجوكاجي"، و لو ظفروا بنا في شوارع العاصمة أقاموا علينا الحد لأننا نصنع المريسة و "ما أسكر قليله".. و هكذا "دواليبك" حتى ندخل حظيرة الإيمان الوهابي "ميد إن أميريكا"، و منهم من هو أشطر من هؤلاء و أولئك ، فيبشرنا بالدين العلماني النيوليبرالي الذي سينقذنا من الفقر و التخلف ويصلح حالنا المايل ،و لو زغنا أعلن علينا حربا بلا نهاية في ساحة "صدام الحضارات" و غير ذلك من إبتلاءات رأس المال و انحنا ترانا قاعدين نراعي ساكت.


2 ـ مدخل بلاغي :

في مطلع التسعينيات بدأ واقع العولمة النيوليبرالية ينفث سمومه البلاغية على الملأ، و نابنا رشاش من دم اللغة المسفوح في بضعة درر من عيون أدب العولمة.فكنا نستيقظ كل صباح لنجد مقاولي بروباغاندا السوق المعولم يشرحون لنا منافع الـ" كاباساتي بيلدينغ"
capacity building
و أخواتها من طين الـ" نيشان بيلدينغ"
Nation Bulding
التي كانت بين محاور النقاش في جلسات ملتقى " آفريكا 95 "في موسم الفن الإفريقي اللندني عام1995.
و خالاتها الـ " قلوبال ديفولوبمنت "
Global Development

والـ" سوستينابل ديفولوبمنت"
sustainable development
و غير ذلك من أسماء العصافير.
معظم هذه المصطلحات التي راجت مع مطلع التسعينيات لم تستوطن قاموسنا السياسي بعد، و قدرها أن تفعل رغم أن جدّتها تظل مستشكلة على الكثيرين، حتى حين تتم ترجمتها للغة الضاد. فحين يقع بصرك على شرح الـ" كاباساتي بيلدينغ"، و ترجمتها "بناءالكفاءات" بين أفراد المجتمع المعين، فالعبارة الأنيقة تموه لؤم الإضمار الكامن في ثناياها، لأن شرحها، في خطاب مبتدعيها،يؤشر لغياب المهارات وضمور الرغبة في التعلم بين أفرادالمجتمع[ الإفريقي؟] الذي ينبغي تحفيزه على الإندماج في دورة إقتصاد رأس المال.و عبارة الـ "بناء" في المصطلح : »بناء الكفاءات"، تضيئ ذاكرة المزاعم الإستعمارية التي كانت تريد بناء الحضارة في أرض إفريقية عذراء خلاء بلا تاريخ، أو كما عبر الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" في "خطبة داكار" المشهودة أمام الطلاب الجامعيين السنغاليين،
Discours de Dakar,2007
التي حث فيها" الإنسان الإفريقي" على "دخول التاريخ" :
"..
« l 'homme africain n'est pas assez entré dans l'Histoire .
انظر الرابط :
https://web.archive.org/web/20101109122443/http://www.elysee.fr/president/les-actualites/discours/2007/discours
-a-l-universite-de-dakar.8264.html?search=Dakar&xtmc=dakar_2007&xcr=1

و على ميراث الأدب الإستعماري يهجم علينا خبراء "البنك الدولي" و شركاه بسكاكين مفهومية جديدة مثل الـ " قلوبال ديفولوبمنت" أو" التنمية المعولمة" التي تمشط الأخضر و اليابس في سوق العولمة الشاملة بنهم نيوليبرالي إفتراسي ،لا يعاف حتى قشة ثقافة التحرر الإفريقية المُرّة ، ذلك أن مرارة حركة التحرر من الإستعمار، التي افسدت على المستعمر بهجة إفتراس الأفارقة، صارت تذوب و تتحلل بالتدريج في لجة دراسات ما بعد الإستعمار التي تهيمن عليها مؤسسات الأكاديميا التابعة لدوائر رأس المال.و أول مظاهر إنتباه دوائر رأس المال للثقافة كسوق، بدأت وسط زخم تأسيس «منظمة التجارة الدولية" ،بين منتصف الثمانينيات و منتصف التسعينيات، وهي المنظمة التي استهدفت تقنين التبادل التجاري الرأسمالي الحر على مدى كوني تهيمن عليه سلطات العالم الأوروأمريكي بعد تفكيك الإتحاد السوفييتي في 1991.

و حين يصبح فضاء الثقافة موضوعا للإستثمار الرأسمالي المتحرر من كل القيود يسود قانون الغابة الذي يبتلع فيه المستثمر الأكبر المستثمرين الاصغر. و قد شهدتُ ـ في فرنسا التسعينيات ـ روع السينمائيين الفرنسيين من تغول شركات الإنتاج السينمائي الأمريكي على سوقهم المحلي، فأخذوا ينادون، منذ 1993، بضرورة الحد من نهم الأمريكان في الإستحواذ على شبكات التوزيع و العرض و شبكات التلفزة الفرنسية بذريعة وطنية سموها إحترام"الإستثناء الثقافي الفرنسي".فسنوا التشريعات التي تضمن نشر و توزيع الإنتاج الثقافي الفرنسي في داخل فرنساعلى زعم سياسي بأن الإنتاج الثقافي لا ينبغي له أن يخضع لقوانين السوق مثل أي سلعة أخرى.فعلى سبيل المثال يفرض القانون على الإذاعات الفرنسية أن لا تقل نسبة الأغاني الفرنسية المبثوثة في محطاتها عن 40في المئة من جملة البث الإذاعي الموسيقي، بينما يفرض القانون على قنوات التلفزة الأوروبية في فرنسا أن تلتزم ببث نسبة 60 في المئة ، على الأقل ،من جملة الأعمال التليفزيونية المبثوثة في فرنسا من الإنتاج الفرنسي، و أن تكون نسبة أربعين في المئة من هذه البرامج و المسلسلات و الأفلام باللغة الفرنسية.
أنظر الرابط :
https://clesdelaudiovisuel.fr/Connaitre/Histoire-de-l-audiovisuel/Qu-appelle-t-on-l-exception-culturelle

و يجادل كثيرون بأنها معركة خاسرة لأن إنقاذ الأعمال الفنية "الوطنية" لا يحدث بسن القوانين ، وإنما يكون برفع نوعيتها الفنية في سوق المنافسة الإبداعية، فضلا عن أن إنخراط السلطات الفرنسية في آيديولوجية حريةالتبادل التجاري النيوليبرالي يمحق قيم الثقافة الوطنية تحت ضغط النسخة الأمريكية من ثقافة العولمة.هي معركة خاسرة يتراجع فيها الفرنسيون، و "أخوانهم الكواشف" في الإتحاد الأوروبي، كل يوم أمام طوفان تسليع الثقافة الأمريكي الغامر.
و طوفان تسليع الثقافة الأمريكي غامر،ليس بسبب علو القيمة الإبداعية للإنتاج الأمريكي الذي يتعامل مع الثقافة الفنية كصناعة ترفيهية [إنترتينمنت]
« entertainment »
لأن معارضوة ،في أوروبا و في غيرها،لم يجدوا أبأس من وسيلة الإجراء الإداري بسن القوانين أو فرض الضرائب على السلع المنافسة.فالصينيون مثلا يفرضون على الإنتاج السينمائي الأمريكي ترسانة من القوانين و القيود الإجرائية البيروقراطية و الضرائبية ، و ذلك بغرض حماية الإنتاج المحلي و مقاومة التأثير السياسي للـ"سوفت باور" الأمريكي.و بما أن كل صالات العرض في الصين ملك الدولة ، وحدها سلطات الرقابة في مؤسسة السينما الصينية تملك سلطة عرض أو عدم عرض اي فيلم في الصين.و يحكي الباحث الفرنسي "فريديريك مارتيل" أن هوليود تعرف الجاذبية التجارية الكبيرة لسوق السينما في الصي، و في إنتظار ان تنفتح الصين لإستقبال الإنتاج السينمائي الأمريكي بشكل كامل ، تتحمل مكاتب شركات الإنتاج الأمريكية[ في هونغ كونغ ] كل مماحكات الصينيين، بل و تتحمل حتى قرصنة الإنتاج و بيع افلامها في سوق الـ" دي في دي" الصيني الأسود، عن طيب خاطر يموّه وراءه مكيدة تجارية كبيرة، لأن استمرار التوزيع غير الرسمي للإنتاج الأمريكي سيخلص إلى تثبيت الحاجة الثقافية الأمريكية داخل المجتمع الصيني، و تعبيد الطريق أمام التوزيع الجماهيري الضخم يوم تسمح السلطات الرسمية في الصين بتوزيع الإنتاج الأمريكي. [أنظر : ف. مارتيل، "مينستريم"، تحقيق حول الحرب المعولمة في الثقافة و الأعلام"، ص251]ـ
Frédéric Martel,Mainstream,Enquête sur la guerre globale de la culture et des médias,Flammarion,Champs actuel,2011


3 ـ مدخل "ثقافي" :

من يتأمل في حال الفرقاء الدوليين المنخرطين في حرب الثقافة المعولمة ، قد يتوهم للحظة أن هؤلاء الجبابرة مشغولون بمنازعاتهم، وأنهم قد لا ينتبهون لغيابنا، إذا تسللنا خلسة، متأبطين همومنا الجمالية، في ركن آمن ندبر فيه أمور ثقافتنا على مقاس حاجاتنا في منظور التنمية و الديموقراطية. لكن أو هامنا "لا تكتل غزال"، لأن نهم العولمة النيوليبرالية لا يرضى بغير ابتلاع الكون في جملته.و آلية العولمة، في هذا المشهد، تعترف بوجودنا في الكون لكن كموضوع للإستثمار، مثلنا مثل غيرنا من فرائس الإستثمار المعولم في "الجنوب" كما في" الشمال ».و لو كان في هذا الإعتراف المسموم من حسنة فهي في الثغرة المفهومية الضيقة التي يمكن أن ننفذ منها لآليات العولمة النيوليبرالية فنبذر فيها حصاة المعارضة التي تملك أن تعطب أداءها و تعطل دورانها.

في أبريل 1992،دشن البنك الدولي في واشنطن أول آلاته الحربية في شكل أكبر ملتقى فكري حول "الثقافة و التنمية في إفريقيا جنوب الصحراء"
Culture and Development in Sub-Saharian Africa
و قد تم المؤتمر تحت رعاية حكومة النرويج و حكومة السويد و مؤسسة "روكفلر فاونديشن"و البنك الدولي و اليونسكو. و شارك فيه بعض أعلام المشهد الثقافي الإفريقي مثل" وول سوينكا" و "محمد أركون" و "فرانسيس مادينج دينج" و "علي مزروعي" و "هنري لوبيز" و "سالم أحمد سالم" و "سليمان س. نيانق" و "ألبيرتا آرثرز". و قد اعتبر المؤتمر لحظة مهمة في مشروع" عشرية التنمية الثقافية للأمم المتحدة"التي ابتدرت عام 1987.للإستزادة انظر أوراق المؤتمر على الرابط :

http://documents.worldbank.org/curated/en/303951468203676341/pdf/multi0page.pdf

و قد ألحّ الجمع الكريم على ضرورة اعتبار الثقافة في عملية تنمية المجتمعات الإفريقية.و في الحقيقة كان خطاب الإلحاح على محورية الثقافة في عملية التنمية الإجتماعية ،كان يتوجه للجهات الأوروأمريكية التي شاركت في مؤتمر البنك الدولي، لا للأفارقة، لأن الأفارقة كانواـ و مازالوا ـ يلحّون على دور الثقافة في التحرر و التنمية منذ فجر حركة التحر الوطني من الإستعمار، و أدب حركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية يشهد على ذلك.و توجيه الخطاب للجهات المانحة ، الأوروأمريكية، كان بغاية حثها على المساهمة في مشاريع التنمية الثقافية لمجتمعات القارة. ذلك لأن "لبنك الدولي" كان ـ و ما زال ـ على عقيدة الممانعة القديمة في صدد مد يد العون المادي للفقراء، عملا بالمثل الفرنسي : "العاقل لا يقرض فقير».و بعض مسئوليه كانوا لا يتحرّجون عن الجهر بآرائهم في لا جدوى مساعدة فقراء العالم .و قد عرفت "آن كروقر"Krueger رئيسة الإدارة الإقتصادية في البنك الدولي [1982ـ1986]، ثم مديرة صندوق النقد الدولي[2001ـ2006] بحماسها لإعادة هيكلة إقتصاد الدول النامية لدمجه في إقتصاد السوق اللبرالي المعولم العابر للحدود و القوميات، كما اشتهرت بنقدها للمساعدات التي تقدمها المجتمعات الصناعية للدول النامية ، و راج وصفها لحكومات بلدان العالم الثالث بضعف الكفاءة في عبارتها
"rent-seeking states
التي سارت بها الركبان حتى كرستها مفهوما أصيلا في الأدب الإقتصادي النيولبرالي. و لو ترجمت العبارة فهي أقرب لـ :"سياسة البحث عن الإيجار" لكني أفضل عليها عبارة :سياسة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، كناية عن غياب المنهجية و عدم الجدية في تدبير أمور الإقتصاد.و بين الـ" رينت سيكنغ ستيتس" و الـ "روغ ستيتس"[دولة الصعلكة"أو" الدولة المجرمة"
“rogue state”
يتكفل إقتصاد إنزلاق المعاني بتجسير المسافة بين "المنحوس و خايب الرجا"، و كلنا عند "الغرب" صابون و حرامية و إرهابيين و برابرة و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
في هذا السياق ظهرت بعض عواقب حملة "البنك الدولي" لتنمية الثقافة الإفريقية في شكل "مؤتمر مركز بيلاجيو للدراسات" بإيطاليا التابع لـ "روكفلر فاونديشن"،[مايو 1995],ـ
The Rockefeller Foundation's Bellagio Study Center
و مركز بيلاجيو، يعرف نفسه كجسم ثقافي خيري ينظم جهود الباحثين و المفكرين من مختلف المشارب بهدف خدمة الصالح الإنساني العام ،من خلال دعم الحلول الناجعة لمشاكل العالم و تحقيق رفاهية الإنسانية إلى آخر الـ بلا بلا بل المباح .أنظر الرابط
https://www.rockefellerfoundation.org/our-work/bellagio-center/conferences/
و قد ساهم في تنظيم مؤتمر "مركز بيلاجيو" كل من " ألبيرتا آرثرز" عن "روكفلر فاونديشن" و"أنيتا ثوريل" عن هيئة التنمية السويدية الدولية "و "لورا ماكلين" عن"فورد فاونديشن" مع" كاثرين الصلحي" عن سكرتارية النشر في مركز بيلاجيو.و نشرت المساهمات النظرية للمؤتمر في كتاب"ملهمة الحداثة، رسالة في التنمية الثقافية في إفريقيا" الذي أشرف على تحريره صلاح حسن ][ الجرق]مع "فيليب آلتباك".
The Muse of Modernity,Essays on Culture as Development in Africa,Edited byPhilip G. Altbach and Salah M. Hassan,Africa World Press,Inc.,Asmara,1996
يقول ف.ألتباك و ص.حسن في مقدمتهما : » هذا الكتاب يعكس الأفكار التي طرحتها ألبرتا آرثرز" سنة 1992، في مؤتمر"البنك الدولي" عن الثقافة و التنمية في أفريقيا جنوب الصحراء".
و قد حرص جل المساهمين في الكتاب على ترداد قناعات "سانت آرثرز" بشكل يثير العجب. فمن هي هذه الـ "آرثرز" التي ألهمت جماعة المثقفين الأفارقة الذين وصفهم محررا الكتاب في مقدمتهما بأنهم من " أفضل المفكرين في موضوعات الثقافة الإفريقية"؟
لو فتحنا "خشم بقرة" قوقل في سيرة "ألبرتا آرثرز" فسنجد استاذة جامعية أمريكية [ولدت في 1932]وكل درجاتها الجامعية، بما فيها الدكتوراة،[1972] كانت في اللغة الإنجليزية ، بينما كل الوظائف التي شغلتها إلى جانب تدريس الإنجليزية في الجامعات كانت مناصب إدارية، حتى إلتحاقها بمؤسسة "روكفلر فاونديشن"كمديرة لبرنامج الدراسات الإنسانية في 1982.
الرابط
https://books.google.fr/books?id=Jk_uzzu36rgC&pg=PA12&lpg=PA12&dq=Alberta+Arthers,
+Rockefeller+Foundation&source=bl&ots=_1q7JCArz7&sig=ACfU3U3jlkjEChMdbf-993zgW7Rd3zvy7g&hl=
fr&sa=X&ved=2ahUKEwj115CwmaHnAhVmA2MBHXvNAM0Q6AEwCHoECAgQAQ#v=onepage&q=
Alberta%20Arthers%2C%20Rockefeller%20Foundation&f=false
في هذه السيرة لا نجد لـ "آرثرز" أدنى علاقة بمباحث الثقافة و التنمية في إفريقيا.لكن ذلك لم يمنعها من إسداء النصح و الإستشارات في خصوص ثقافة إفريقيا وو تنميتها لكل من طلبها.
للإستزادة أنظر الرابط :
http://www.columbia.edu/cu/najp/aboutus/nationalcouncil.html
و قوّامو الثقافة الإفريقية في محافل رأس المال المعولم يدركون أن أهمية "ألبرتا آرثرز" لا تتأتـّى من علمها الأفريقاني و إنما تتأتـّى من موقعها كناطقة باسم سادة العصر في دهاليز سلطة رأس المال مثل "البنك الدولي" و توابعه ،من شاكلة "روكفلر فاونديشن" و غيرها.فهذه السيدة التي تنظر لأفريقيا و لأهلها من موقع " اليد العليا"، اليد المانحة ،هي موضع تبجيل ـ و قيل : موضع مداهنة ـ من طرف نفر غفير من قوّامي الثقافة الإفريقية، الذين يعرفون ـ كما جوع بطنهم ـ أن المحافل الثقافية الفارهة التي يشرفون عليها باسم دوائر رأس المال ،إنما تتحقق بمال المانحين الأراذل الذين ينهبون موارد المجتمعات غير الأوروبية و يتأفـّفون من حضور المهاجرين غير الأوروبيين بين ظهرانيهم. "ألبرتا آرثرز" تمنح، بجاه "روكفلر" الجبار [[4،1مليارات من الدولارات] ، عددا كبيرا من المؤسسات و الأفراد الذين يحتاجون للدعم المالي لمواصلة مشاريعهم الثقافية داخل الولايات المتحدة و خارجها ،ابتداءا من جمعيات " الدراسات النسوية" و" دراسات الهجرة"و"دراسات الأمريكان الأفارقة" و"دراسات هنود أمريكا"و" دراسات الأمريكان الإسبان"و " الدراسات الإقليمية".و في مشهد العطاء يدخل قوامو الثقافة الإفريقية و ينتظرون أريحية "آرثرز" السمحة.أنظر
https://www.giarts.org/article/experience-as-research-alberta-arthurs
فتمنحهم ما "يجيب مريسة تامزينها" البايخة و تدمغ اقفيتهم الإفريقية بدمغة الإمتثال على أساس أن ليس في الإمكان أفضل مما كان.
و من يتأمل في حالة "ما كان" يجد أن مشكلة قوّامي الفن الإفريقي المعاصر تتلخص في حالة اليتم و الوحشة التي يكابدونها داخل المشهد الفني المعاصر. فمن جهة القارة الإفريقية ، نجد أن معظم بلدان أفريقيا تعاني من عسر مادي و سياسي يجعل حياة الفن و الفنانين في إفريقيا شبه مستحيلة. أما المؤسسات الرسمية التابعة للدولة [ وزارات الثقافة ]،فهي لا تبالي كثيرا بالفن المعاصر إن لم تتوجس منه باعتباره نشاط غير مأمون الجانب سياسيا.و مساعدة الفناني عندها تقوم ـ في احسن حالاتها ـ على مفهوم الرعاية الآيديولوجية التي تختزل الفنانين كأبواق للبروباغندا السياسية البائسة.و قد شهدنا ، في العصر الذهبي لنظام النميري، كيف تسبب التورّم الآيديولوجي الرسمي لـتيار"مدرسة الخرطوم" في تجاهل الفنانين السودانيين الخارجين على إتفاقات "مدرسة الخرطوم" لمجرد أن مشاريعهم الجمالية كانت غير قابلة للإندماج في المنظور الآيديولوجي البائس لدولة البورجوازية الصغيرة العربسلامية.

ا
وهكذا، فالرعاية الآيديولوجية تكاد تكون الشكل الوحيد من أشكال الرعاية الذي يستفيد منه الفنانون المعاصرون في أفريقيا. ومثال السودان يمكن أن نجده في بلدان أفريقية أخرى "كلنا في الهم شرق".
وقد أوردت الباحثة الأمريكية "سيدني ليتيلفيلد كاسفير" في "الفن الأفريقي المعاصر" حالة شبيهة من حالات الرعاية الآيديولوجية من خلال المثال السنغالي الذي يمكن أن يساهم في اضاءة حالات افريقية ،وغير افريقية، للعلاقة العصيبة بين الفنانين ورعاتهم. تقول "كاسفير"بأنه "اذا كان الفنانون السنغاليون قد انتفعوا بشكل غير عادي من الدعم والرعاية التي قدمها لهم الرئيس "سنغور"، فقد كانت للرعاية السنغورية حدودها. ذلك أن تلقي العون الرسمي بالكامل يقتضي من الفنانين الانخراط في مشروع الزنوجة ["نيغريتود »ـ] المبذول كآيديولوجية رسمية للنظام. المشكلة هي أن أيديولوجية الزنوجة ،حين يتم اختزالها الى سلسلة من الممارسات الشكلية، تتحول أكاديمية ثابتة لا يطالها التطور. وهكذا تم انمساخ ما كان في البداية علامة على انفتاح البصيرة الجمالية الخلاقة ،الى نوع من سياسة ثقافية رسمية متحجرة لا تطيق النقد العقلاني"
أنظر :
Sidney Little kasfir,
Contemporary African Art,1999,Thames&Hudson
الواقع المزري لحركة الفن المعاصر في إفريقيا، ألهم المهتمين بالفن الإفريقي المعاصر و الفنانين الأفارقة المعاصرين التوجه بأنظارهم نحو مؤسسات الرعاية في العالم الأوروأمريكي و ذلك على أمل الحصول على تلك الجرادة النادرة في الكف التي راج أنها أفضل من عشرة في الهواء. لكن جرادة البنك الدولي لا تفلت عن طائلة تناقض المصالح بين مجتمعات الفقراء في إفريقيا[ و في غيرها] و خصومهم الطبقيين القابضين على أزمّة فوضى رأس المال المعولم.
سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاثنين فبراير 03, 2020 2:04 pm    موضوع الرسالة: Enwezor knows better رد مع اشارة الى الموضوع


 

Enwezor knows better 
رسالة إلى "سيدريك فانسان"
سيدريك فانسان" صديق قديم وباحث فرنسي مهم في مشهد الفن الإفريقي المعاصر، و بيننا حوار متصل منذ سنوات،في أسئلة الفن المعاصر في إفريقيا. و قد حفزتني المناقشة حول الفن الإفريقي المعاصر على ترجمة و تقديم طرف من مراسلاتي مع سيدريك لفائدة الحوار.


4 فبراير 2004

عزيزي سيدريك
أشكرك على التفاكير الشيقة حول إلتباسات العلاقة بين الفنانين و القوامين.و تلزمنا أكثر من عظة لعقلنة التركيب الكبير الذي يلف هذه العلاقة التي تعكر صفو الصورة التقليدية للفنان و رعاته.و علاقة الفنان ورعاته تتخلق كل يوم،حسب تواتر معارض الفن المعاصر، و تتبدل بتأثير الرعاة و القوامين الذين يعرّفون قواعد اللعبة و يهيمونون عليها بأكثر مما يفعل الفنانون. لقد لاحظت في السنوات القليلة الماضية أن الناس الضالعين في مناقشة الفن من زاوية علاقة الفنانين و القوامين في فرنسا، صاروا يميلون لإستخدام المصطلح الإنجليزي"كيوريتر" في رسمه الإنجليزي
« curator »
بدلا عن المصطلح الفرنسي" قوميسير المعرض" « Commissaire d’exposition »
هل هي صدفة عارضة من حوادث غلبة اللغة الإنجليزية في الإستخدام الأدبي الفرنسي؟ أم أن الأمر ينطوي على إختيار دلالي واع وراءه تطور علاقة الهيمنة بين الفنان و قوميسير العرض في المشهد الفني المعاصر الذي يعتقد فيه البعض بأن صفة "الفنان" صارت في متناول كل من هب و دب؟فـ"كنديل جيرز"الفنان الجنوب إفريقي الأبيض مثلا يقول بأن « عدد الفنانين اليوم يفوق سعة الساحة الفنية" [راجع حديث "جيرز" في كتالوج معرض"النظر في اتجاهين" و مجلة" تيليراما، عدد 27 سبتمبر2002]ـ
Kendell Geers, cataolgue , « Looking Both Wyas » & le « Télérama » du 27 Septembre 2002)
أقول قولي هذا و أنا واع بقلة حيلتي اللغوية و ضيق وقتي لا يسمحان لي بالتوسع في هذا الصنف من التفاكير الفنية. لكن أثار فضولي واقع ان صفة القوّام في في اصلها الفرنسي[ « كيوراتور"]« curateur »
تدل على الشخص الذي يتمتع بسلطة وصاية معنوية تسوّغ له توجيه غيره،بينما صفة "القوميسير" تدل على الشخص المُكلّف بمهمة تنظيم شأن عام، كممثل أو منظم او منسق وسيط بين شركاء يجمعهم شأن عام. و حسب المعاجم فـالـ [ « كيوراتور"]« curateur »
في اصل العبارة مصطلح قانوني يدل على الشخص الوصي على قاصر أو على شخص لا يتماع بكامل قواه العقلية
معجم Petit Robert
هناك قولة مشهودة عن الممثلين لسينمائي أوروبي معاصر، اظنه"لارس فون تريار"،
Lars Von Trier
فحواها أن الممثل مثل أنبوب اللون تعصره على بطنه فيخرج اللون من رأسه. و أظن أن الفنان المعاصر صار مثل أنبوب اللون في يد القوّام ، ذلك أن القوميسير" الذي ينظم معرضا فرديا لفنان معاصر، يجد نفسه بالضرورة في علاقة شراكة ثنائية بين كفئين كل يقيم في سيادة فرادته.و في هذه الوضعية فالقوميسير يتصرف وفقا لمعنى الشراكة في هذه العلاقة.لكن نفس القوميسير، حين ينظم معرضا جماعيا، فهو ينمسخ لنوع من حكم يتعالى على جماعة الفنانين المشتركين في المعرض.و هو غالبا ما يختار الفنانين المشاركين وفقا لموضوع المعرض الذي صممه بـ ـ أو بدون ـ استخارة الرعاة و الممولين الذين يدعمون التظاهرة الفنية.في هذه الوضعية المختلة لا شيئ يعصم القوميسير من الإستبداد برأيه لأنه في لحظة "كشف"يملك أن يرى نفسه فنانا، مثل الآخرين[ترجم:فوق الآخرين].فنانا خامته الفنانين الآخرين، و في زحمة العجلة ليس هناك من يتجاسر على الإحتجاج في وجه هذا الفنان الفريد. و "كل شي في الحيا جايز" في فضاء الحرية المطلقة المسمى بالفن المعاصر.و من يتأمل في مسلك بعض قوامي المعارض المعاصرين، يلمس ميلهم الظاهر للوقوف في موقف الفنان.بل هم الفنانون الحقيقيون من اللحظة التي يستكملون فيها انتحالهم لفضاء المعرض.و هكذا تنمسخ القوامة لنوع فني جديد يصول في حلبة الفن المعاصر مقنعا بقناع الفن (الإفريقي؟). صار القوّامون يفبركون الفنانين و يعرفون لهم الفئات المفهومية التي ينبغي ان ينضوون تحتها و المواضيع التي يشتغلون عليها و المهام المناط بهم إنجازها و الشروط التي ينجزون تحتها ما هو مطلوب منهم.و القوامون يدعون نقاد الفن و مؤرخيه الذين يقبلون بشروط اللعبة، و في نهاية اليوم ،فالجميع مضطرون لقبول شروط لعبة القوامين[ ولا أستثني نفسي طبعا].
لكن لو قبلنا بفرضية أن القوامين هم الذين يفبركون الفنانين، فمن يفبرك القوامين؟
هذا السؤال يردنا لنصف زجاجة"أوكيوي أونويزر" ،قيم المعارض النيجيري الأكثر شهرة منذ قوامته على معرض "دوكيومنتا11 ».ـ ففي حواره مع"ديريك كونراد موري"
Derek Conrad Murray
يرد "أوكيوي أونويزر" في
NKA N°18, 2003
على التساؤلات حول علاقته بالجهات المالية التي وفرت الدعم المالي لمعرض"دوكيومنتا 11 »و هي شركة "تيليكوم" و شركة"فولوكسواغن" بحجة:انظروا بالأحرى للنصف الممتلئ من الزجاجة.. 
لكن خصومه، مثل ميكائيل كيملمان Michael Kimmelman و بليك غوبنك Blake Gopnik وصفوا المعرض بكونه محفل لـ "التمرد الأنيق" أو هو محفل" للتمرد المدجّن تحت رعاية السلطات"« radical chic, or state sanctioned rebellion »
و قد تركز إنتقاد خصوم "أونويزر" على التناقض الظاهر بين محتوى المعرض الثوري التحرري الذي يهدف للتغيير الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي مقابل التمويل المالي الذي تمنحه مؤسسات و شركات متمركزة في قلب النظام الرأسمالي المذنب.و فوق ذلك فاللوم واقع على"إونويزر" كونه في موقف من يعض اليد التي تطعمه.فماذا يقول "أونويزر"؟
"أونويزر" يتخذ سمت الحكيم البراغماتي و يقول : »كان بودي لو أن الأمور كانت بمثل هذه البساطة".." فنحن لسنا سذّج أو أغبياء، لأنه حين يتعلق الأمر بإنجاز مشروع في ضحامة "دوكيومنتا" فلا بد أن نعرف من أين يأتي الدعم المالي، إن لم يكن مصدره الدولة أو الشركات الراعية؟لنكن موضوعيين، فنحن نحيا تحت شروط الواقع.و المهم في الأمر هو أن ننظر إلى ما استطعنا إنجازه.و منتقدو "دوكيومنتا"، من جهة يتشكون من أن المعرض مغرق في السياسة، بينما هم من الجهة الثانية يتذمرون من كوننا نأخذ المال من مؤسسات الرعاية الخاصة لتميل معرضنا السياسي."و يخلص "أونويزر" إلى أن هذا "لغو بلا معنى". NKA N°18, 2003.
لكن خصومة "إنويزر" و نقاده قائمة على تركيب مفهومي لا يخلو من أنواع اللبس العفوي أو/و الإرادي.فحجة خصوم "إونويزر" تُسائل مبدأ الفن و ضرورته الإجتماعية كموقف تحرري من العالم، بينما "أونويزور" يتجاهل البعد الفلسفي لجدوى الفن و يتمترس حول حجة تاكتيكية فحواها ليس في الإمكان ابدع مما كان، فإما أن تقبلوا نوع الفن المتاح في مثل الشروط التي تُدبّر فيها أمور مجتمع رأس المال المعاصر، أو تصرفوا النظر عن الفن بالمرة. و ليس هناك تجسيد لهذه الحالة اكثر من الأحبولة الفلسفية [ الإفريقية؟]المنسوبة لـ"جحا" الذي وجد نفسه قاضيا يحكّم في قضية معقدة بين خصمين فصيحين مسلحين بأقوى الحجج.استمع جحا للخصم الأول و اقتنع بكلامه و قال له :"أنت على حق".بعدها استمع للخصم الثاني و اقتنع بكلامه أيضا و قال له :"أنت على حق".فنبهه مساعدة: "يا مولاي لا يمكن أن يكونا كليهما على حق.فرد عليه جحا : »فعلا، أنت على حق".طبعا مشكلة منازعة "أونويزور" و نقاده هي أن الطرفين يقفان في ساحة المواجهة الإجتماعية بدون حكم محايد، و"جحا"، في هذه الأحبولة ، بعيد عن الحياد لأنه حكم لا مبال بالأحرى.و لوساغت لي إشارة نحو مخرج أمين فأن أسمّي مخرج الإستغناء عن الفن، ذلك أن الفن انمسخ سلاحا فتاكا في يد سدنة رأس المال الإمبرياليين[عيال أُم زَقَدَة ،المجرمين ،النجوس و توابعهم من أراذل الفنانين و القوامين و النقاد القوّادين و المؤرّخين الكذابين و المرمّمين المزيفين و المدرسين الممتثلين و المحامين المأجورين و المهرّبين و الجواسيس و الضباط و صف الضباط و الجنود و كتائب الظل و خفافيش الظلام من لف لفهم من سلالات الجنجويد ].
و هكذا، فـ "إنويزر" الذي يعرف أن إقامة معرض في ضخامة "دوكيومنتا" يقتضي ميزانية ضخمة،يعرف أيضا أن المال لا يوجد في جيوب الفنانين الثوريين الطامحين لتغيير عالم رأس المال الفاسد. و عليه فهو يطلب من أثرياء العالم أن يمنحوه المال لكي يقيم المعارض الكبيرة للفنانين الفقراء الذين يريدون إعادة تنظيم العالم لتصفية مصالح رعاتهم الأثرياء.
لكن ما الذي يجعل أثرياء العالم يقبلون بتمويل عدو طبقي يتوعدهم بمصادرة مصالحهم؟
طبعا ، نحن الفنانون الفقراء نمنّي النفس بأن تحل اللعنة على "الإمبرياليين فينمسخون "نمورا من ورق" ،و أن يزيد الله الأثرياء غباءا على غبائهم و يؤثـّمهم حتى الموت على حيازتهم للثروة ،أو حتى يلهمهم الإنتحار من شدة الندم على ضلالهم الطبقي و غير ذلك من كلام الشعراء.
لكن "إنويزر" مقامر يراهن على طرفي المنازعة الطبقية في مشهد الفن.لأنه، من جهة أولى، يراهن على ذكاء الأثرياء الذين يعرفون بأن عرض أعمال الفنانين المعاصرين ، و لو كانوا ثوريين، مخاطرة بلا تبعات ،ذلك لأن صفة " الثورية" صارت وسما تجاريا،"ماركة" مسجلة [ label ]مثل غيرها من أوسام الفئات المفهومية لسوق الفن المعاصر، ناهيك عن كون الفن المعاصر ،المفخخ بنخبوية مُزايدة مُطلسمة، لا يلمس إلا أعضاء الدائرة المحدودة من الـ "هابي فيو"الذين يتداولون مضامينه.و من الجهة الثانية،فصاحبنا يراهن على عاطفة ـ حتى لا أقول "على سذاجة" ـ جمهور هواة الفنون، الذين يستمدون من "ثورية" الفن ،التي تضيئ عتمات معارض"إنويزر" [ و شركاه] المعولمة ،عزاءا عن حالة الإحباط و اليأس من التغيير الإشتراكي الطوباوي الذي طمحت إليه مجتمعات مطلع القرن العشرين.
و هكذا فـ"إنويزر" بعيد كل البعد عن "عض اليد التي تطعمه" لأنه واع بأن هذه اليد لا تمنحه إلا ما تراه هي حسب مطالبها التي تعرّفها هي.إنها اليد التي تتحكم و تضبط العرض و الطلب في إقتصاد الفن و السياسة.و "إنويزر"واع تماما بكل هذا الواقع، و لذلك تراه سعيدا و هو يلتقط قشرة الموزة المعفنة التي يرميها له سدنة رأس المال، فيمسح عنها الغبار ليأكلها و لسانه يلهج بالثناء لرعاته المحسنين.و حين يلمح شبهة لوم في نظر زوار معرضه يعاجلهم بـ :
« Let’s be real!»
"جرادة في الكف اليوم افضل من عشرة في السماء غدا" !
و الجمهور يصفق ،لأنه يعرف أنه لولا جهود "إنويزر" لما كان في الإمكان رؤية جرادة الفنانين الأفارقة المعاصرين في كف "دوكيمنتا11" الأنيق.
لكن حجة خصوم "إنويزر"تنتصب في عناد منطقي غيّاظ كونها في بساطتها الظاهرة تتنائى عن التبسيط الجائر.فهؤلاء الخصوم الـ"ثوريون"،" الطوباويون"، "الرومانسيون" و هلمجّراـ و في "هلمجرّا" ضف " العرقيين" بالنسبة لذلك النفر الذي ضاق بصعود الأفارقة السريع على فضاء الفن المعاصر فأكرموا الجمهور بملاحظات حول شخص « إنويزر" ، ذلك أن « إنويزر »، وافد لفضاء الفن من خلفية العلوم السياسية[جامعة نيوجيرسي1987،ـ]، و من فضاء الأدب[ "إنويزر" شاعر]ـ و في اقل من عقدين من الزمان تُوّج نشاط « إنويزر » الفنأفريقاني بإجازة فريدة من نوعها، إذ صنفته مجلة «آرت ريفيو»في 2014 ، بين المئة شخصية الأقوى نفوذا في عالم الفن. و كفاءة بساطة حجة خصوم "إنويزر" تتلخص في أنه لا يمكن الجمع بين صفة السادن "الثوري" و السادن " الرأسمالي" في آن.فما العمل؟
التبعة المنطقية لهذا النقد الأخلاقي هي إدانة كل تظاهرة فنية تتم بتمويل الدول الإمبريالية و مؤسسات رأس المال المعولم.و هذا يعني إدانة كافة التظاهرات الفنية للقرون الماضية لأنها تمت بتمويل الطبقات المهيمنة و لان الثوريين و المسحوقين ظلوا مقصيين منها! .على مثل هذا التحليل يتم تسويغ نوع الفن الذي يأتي من "الهامش"، هامش الفن الرسمي، أو من " تحت الأرض"أو " الفن البديل". المشكلة مع هذا الفن الذي يزعم لنفسه صفة "الفن المضاد" هي أن تعريف هويته الجمالية لا يكون إلا بالإحالة للفن الرسمي.و هكذا ففن "الطليعة" ينتهي دوما بالركون في المؤخرة لأن الطموح السري لأي طليعة فنية هو أن تحتل محل الفن الرسمي. و أنا اتساءل ـ من موقع أخلاقي صرف ـ ما الذي ألهم هؤلاء النقاد الأمناء أن يذهبوا لمشاهدة معروضات "دوكيومنتا 11 »؟هل كان حافزهم مهنيا صرفا، في معنى أنهم ذهبوا لتغطية تظاهرة ثقافية لصحفهم؟و أي صحف؟ و هل هناك صحيفة فالتة من قبضة الـ "بيغ بروذر" الذي يهيمن على الأعلام المعولم؟
قلت في سالف كلامي ان طرفي المنازعة على حق مثلما هما على باطل، لكني انا على حق، بذريعة كوني في موقع الحَكَم طبعا. و من موقع الحكم انظر للمنازعة التي تجعل الفن المعاصر مسندها الإجتماعي، كمنازعة متحققة وراء فضاء المنطق الأخلاقي.و لفهم موقعها من المنازعة الإجتماعية يستحسن فحصها من زاوية أنثروبولوجيا السلطة، و من منظور قدرة السلطة على تخليق خصومها على مقياس حاجتها و إختراع البدائل المزيفة المواتية لتطورها و التي ستعترض نمو أيّة بدائل إجتماعية حقيقية صادرة من طرف الخصوم الطبقيين. السلطة المركبة المعولمة التي تخترع ثقافتها ، قمينة بإختراع" ثورتها" الخاصة.و تاريخ الفن[ الإفريقي؟] المعاصر ليس سوى أحد تجليات هيمنة السلطة المعولمة التي تملك حق تعريف الفن و " ضد الفن".فالسلطة تستوعب كل شيء و تنظم البدائل حسب اولويات بقائها. فما العمل؟كيف نتخارج من هذه المتاهة حيث الخرائط المتاحة بين أيدينا هي الخرائط التي صممتها السلطة المهيمنة؟ هل نهجر الفن في صيغته التي فرضتها السلطة؟ أم هل نهجر الفن من حيث هو ، جملة و تفصيلا؟ثم هل من الممكن هجران الفن فعلا؟
ربما كانت الأزمة الأخلاقية التي تلغم الفن المعاصر هي من باب الشر الذي ينطوي على خير غير متوقع ، و " عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم"، [البقرة ]، ذلك أن الأزمة ربما انطوت على فرصة إنعتاق أمام الفنانين الذين مازالوا يأملون في الثورة. كيف؟ مندري؟لكني، مثل جمهور غفير من الفنانين المعاصرين، لا أريد أن يفرض علي الإختيار بين "إنويزر" و نقاده المأجورين لصحف "وول ستريت".و سأظل أبحث عن شيئ مغاير.
سيدريك، ما زال في الخاطر أشياء و أشياء في موضوع الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالفن[ الإفريقي؟] المعاصر، و لا يخفى عليك أن البحث عن مخرج حقيقي، هو مشروع عام يتجاوز دائرة الفنانين الأفارقة وحدهم،مثلما أن البحث عن مخرج من أزمات إفريقيا الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية، مشروع عام يتجاوز الدائرة التي يقف فيها الأفارقة وحدهم. ذلك لأن الأفارقة ، فنانين أو غير فنانين ،ضالعون في العالم "كسر رقبة" و لات مناص.
و مثل الأوروبيين الذين يجهدون في بناء الوحدة الأوروبية، فالأفارقة يحلمون ببناء" الولايات المتحدة الإفريقية" التي ستشارك في صناعة المصير المشترك للمجتمع الإنساني.و الأفارقة واعون بأن إنجاز هذا الحلم لن يكون بدون مساعدة الأوروبيين. لكن الأوروبيين المشغولين، منذ عقود، ببناء حلم الولايات المتحدة الأوروبية ، لا يدرون بعد أن المشروع الأوروبي القائم على العدل و الحرية لن يكون بغير مساهمة الأفارقة. و يوم يعي الأوروبيون هذه البداهة الحضارية ستنفتح امامنا كلنا فرص معالجة الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالفن [الإفريقي؟] المعاصر.
خالص الود
حسن
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاثنين فبراير 17, 2020 6:43 pm    موضوع الرسالة: بعيدا عن كمالا 12 رد مع اشارة الى الموضوع






12
بعيدا عن كمالا :
مـدخل أســـود

في 2001 نظّم كل من صلاح حسن [ الجرّق] و" أولوأوقيبي"[فنان و باحث نيجيري في الفن الإفريقي المعاصر]، معرضا جماعيا عن المفاهيمية[كونسيبشواليزم] في الفن الإفريقي المعاصر
Authentic/Ex-centric,Co,ceptualism in Contemporary African Art.
تم المعرض ضمن بينالي البندقية التاسع و الأربعين.
و قد انصب جهد المنظمين و المساهمين في كتالوغ المعرض على بذل القرائن و الأدلة الدامغة على تحقـّق الفن المفاهيمي في إفريقيا منذ سبعينيات القرن العشرين، أي في العصر الذهبي للفن المفاهيمي في العالم الأوروأمريكي.و يتذرع منظمو المعرض بتاريخ اصيل للفن المفاهيمي في إفريقيا للمطالبة بمقعد إفريقي في فضاء الفن المعولم.و هي مطالبة تتوجه لجهة يُفترض فيها أنها تملك سلطة تنظيم مشهد الفن المعاصر. فما هي هذه السلطة العليا التي يتضرع إليها أهل الإحتياجات الثقافية الخاصة في إفريقيا؟
جزء مهم من مكاتيب كتالوج معرض صلاح حسن و أولوأوقيبي في" بينالي البندقية"[2001]ـ يشدد على المطالبة بتوفير مساحة مشاهدة للفن الإفريقي المعاصر في المحافل العالمية.

من امثلة المطالبات تحضرني مطالبة صلاح حسن[ الجرّق] لجماعة الرعاة الأمريكيين في البنك الدولي وتوابعه في فضاء الثقافة بضرورة الإنتباه للثقافة و الفنون في منظور تنمية المجتمعات الإفريقية، مما أشرت إليه في تناولي لكتاب"ملهمة الحداثة، دراسات في الثقافة كوسيلة تنمية في إفريقيا" الذي حرره صلاح حسن و"فيليب ألتباك"
The Muse of Modernity,Essays on Culture as Development in Africa
,Edited byPhilip G. Altbach and Salah M. Hassan,Africa World Press,Inc.,Asmara,1996
طبعا صلاح حسن الماركسي اللينيني [الواقع من السما سبعة مرات]، و الذي لا بد أنه هتف معنا يوما، في ذلك "الزمن الجميل" البائد : » : لن يحكمنا البنك الدولي"، لا يجهل نوع التنمية التي يضمرها البنك الدولي و شركاه لمجتمعات القارة الإفريقية.لكنه هنا يعمل بحكمة الشعب " جرادة في اليد افضل من ألف في السماء". المشكلة هي في أي يد تقبع هذه الجرادة المباركة؟ مندري؟ ثم مندري؟
أول تعريف عام لهذه السلطة التي يخاطبها صلاح الجرق و" أولوأوقيبي"، و التي يبدو أنها تملك اسباب الحل و الربط في فضاء الثقافة المعاصرة، يتلخص في كونها تقيم خارج القارة الإفريقية و أن القائمين عليها ،من أفراد و مؤسسات، هم في الغالب من فئة الأوروأمريكيين المرتبطين بمراكز القوة في دوائر رأس المال المعولم. لدى هؤلاء الناس يتسوّل قوّامو فن الأفارقة المعاصرالدعم و هم حامدون شاكرون على ما ينوبهم من فتات موائد سادة العصر. و تكاد المطالبات تشكل نوعا ادبيا مستقلا وسط الأدب المعارضي للفن الإفريقي المعاصر. فحين يكتب صلاح حسن و "أولو أوقيبي"،في مقدمة كتالوج معرضهماببينالي البندقية، حسرتهما على غياب الفنانين الأفارقة عن خشبة مسرح الفن العالمي المعاصر فهما يعنيان بالتحديد غياب الفنانين الأفارقة عن مشهد الفن الأوروأمريكي الذي نصب نفسه عالما في محل العالم الكبير المتعدد المشاهد.و مزاعم الأوروأمريكيين بأنهم هم العالم، هي في حقيقتها بعض من ميراث حقبة الإستعمار التي بادت مع صعود نجم عولمة تنطوي على إحتمال تعدد العوالم المتوازية، لكن بأس مزاعم المركزية الأوروأمريكية إنما يتأتـّى من كون أهل العالم غير الأوربي يسلمون لهم بها أو كما جاء في المثل : الشيطان يظهر لمن يؤمن به[ و الإله أيضا]. و تعدد العوالم الذي يروّع الأوروأمريكيين، كونه يهددهم بفقدان مواقع الحظوة المادية و الرمزيةالتي ورثوها من عهد الإستعمار، هو الذي يحفـّز هؤلاء الأوروأمريكيين على العناية بتثبيت الفئة المفهومية لأفريقيا ككينونة صمدة ثابتة خارج التاريخ و كمستودع سامي للبداءة في مواجهة الحضارة.طبعا إخراج إفريقيا من تاريخ الإنسانية يضمر رؤية فصامية لتاريخ الحضارة الإنسانية . رؤية توطّن الأفارقة في فضاء النفي المظلم لتاريخ الإنسانية مقابل تكريس سيادة الأورأمريكيين على الوجه المشرق للتاريخ.و مشكلة سدنة الهويولوجيا الإفريقانية هي في كونهم استكانوا داخل رؤية الأوروأمريكيين الإزدواجية للتاريخ و قبلوا بمصنفات "الشرق " و "الجنوب" و"السكان الأصليين" و "الدياسبورا"، و انمسخوا بذلك "آخرا" أزليا لمجتمع أوروأمريكي يصنف نفسه ،وحده لا شريك له، في موقف الـ"غرب،" ثم يتوعـّدنا بـ"صدام الحضارات"[ و أحيانا بـ"حوار الحضارات"] و غير ذلك من ترهات عالم بائد. بينما كل القرائن الثقافية في عالمنا المعاصر تؤكد نهاية الغرب و الشرق كنجمين أفلا مع بداية حركة التحرر من الإستعمار، رغم أن ضوءيهما ما زالا يسافران عبر الأزمنة. عالمنا المعاصر المعولم هو حاصل ابتلاع الغرب للشرق و اضمحلال ذلك "الغرب" الأسطوري الذي كان يعرّف نفسه بالمقارنة مع" شرق" اسطوري لم يوجد إلا في مخيلة الناس الذين كانوا يرون أنفسهم غربيين.
و رغم أن مصطلح " الغرب" فقد كفاءته المفهومية في معانقة واقع العولمة إلا أن قوّامي معارض الفن الإفريقي المعاصر هم أكثر الناس تمسكا بمصطلح " الغرب"في مواجهة إفريقيا؟ لماذا ؟ لأنهم حين يموضعون إفريقيا خارج فضاء "الغرب" فهم يضمنون استمرار حظوة القوامة الإفريقانية التي عهدت بها إليهم سلطات دوائر رأس المال الأوروأمريكي الهابطة من سبط " البنك الدولي"،و التي صعّدتهم لمقام "شاهد[ملك] من أهلها" و على أهلها في آن.و فكرة توطين إفريقيا "خارج "أو "ضد" أو "بالمقارنة مع" الغرب" هي المسئولة عن "تسويد" القارة ومسخها لمستودع سامي لإستقبال ملل العالم السوداء. في هذا المشهد يبدو "تسويد" القارة و زَنْوَجَتها كمكيدة مفهومية مستحدثة تتجاهل التعدد العرقي و الثقافي للأفارقة و تطمح لتخليق مسخ "كل ـ أفريقاني" اصطناعي يعولم الهوية الإفريقية على قرينة العرق و اللون. ضمن هذه المساعي وُلدت " الدياسبورا الإفريقية"، من سفاح الغول و العنقاء على فراش رأس المال، و تورّمت و تضخّمت بين المعارض و المنتديات و مراكز دراسات الـ "بان أفريقانية" في الجامعات الأوروأمريكية. هذه الـ"إفريقيا" الُمزَنْوَجة الُمدَسْبَرة تفتح ذراعيها، في محافل الفن الإفريقي المعاصر، لإحتضان الفنانين الأوروأمريكيين سود البشرة ،لأن الطبقة الوسطى البيضاء الأوروأمريكية لا تطيق حضورهم في المشهد الفني العالمي، فتنفيهم لأمهم الإفريقية[موذرآفريكا] و الأجر [ بالدولار] على الله.[ للإستزادة في سيرة البانأفريقانية السوداء انظر نصي : »و يسألونك عن الفنأفريقانية" في :
http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=
9866&highlight=%ED%D3%C3%E1%E6%E4%DF
+++%C7%E1%C8%C7%E4+%C3%DD%D1%ED%DE%C7%E4%ED%C9&sid=036b7a462b16cec75361096a94e97b93
و هكذا ،حين يحضر فنانون أمريكان معروفون، من وزن"ديفيد هامونز"و "ماريا ماغداليناـ كامبوس ـ بونص" و"باميلا زد" في "بينالي داكار"،[2004]فهم يتصدرون البينالي الإفريقي كممثلين لملة الدياسبورا السوداء في أمريكا البيضاء. و قبولهم لسوادهم كعلامة هوية جمالية يشرعن حضورهم بين أخوانهم في الدم الزنجي، لكنه قبول مشروط بحضورهم في القارة السوداء وحدها ، لأن هؤلاء الفنانون يطرحون ذواتهم في امريكا و في أوروبا كفنانين أولا و أخيرا، بحيث تصبح واقعة لون بشرتهم مجرد صدفة وجودية لا تترتب عليها أية عواقب جمالية. لكن هذه العودة لـ "إفريقيا الأم" لا تنجو من شبهة علاقة القوى الطبقية التي ألهمت سود أمريكا الخارجين من الإسترقاق أن يستعمروا سكان ليبيريا لأكثر من قرن من الزمان.[ انظر نصي "ويسألونك عن الفنأفريقانية" في الرابط السابق.]فهؤلاء الفنانون الأمريكان السود يحضرون لبينالي داكار بوصفهم، أيضا، ممثلين للولايات المتحدة الأمريكية و تسندهم أعتى أجهزة البروباغندا الأمريكية [مثل" صندوق دعم الفنانين الأمريكان في المهرجانات و المعارض الدولية"
The Fund for US Artists at International Festivals and Exhibitions 
و وراءه وكالتان فيدراليتان من وزارة الخارجية الأمريكية
Department of State
و " الصندوق الوطني للفنون"
The National Endowment for the Arts
فضلا عن مؤسستين أهليتين في أهمية "روكفلر فاونديشن" و" وقف بو الخيري"Pew Charitable Trusts
و آخرين مثل "فورد فاونديشن" و "مؤسسة الأمير كلاوس" و هلمجرا.و قد اقيم معرض الفنانين الأمريكان السود الثلاثة في "بينالي داكار" تحت رعاية "مكتب الولايات المتحدة للشؤون التربوية و الثقافية"
Bureau of Educational and Cultural Affairs of the U.S.
بالتعاون مع السفارة الأمريكية في السنغال.
و لأن أولوية الرعاة و القوّامين الأمريكان الأماجد، اقتصرت على تنظيم لقاء سود أمريكا بسود إفريقيا في محفل داكار الـ"بانأفريقاني"الأسود ،لم يحفل أحد بالخراقة المفهومية الغليظة البادية في منهجية التدبير المعارضي. ذلك أن التدبير المعارضي الطامح لتقديم آثار ثلاثة فنانين سود مدسبرين "ميد إن أميريكا" لجمهور " بينالي داكار" [2004]، ينطوي على مداهنة سياسية مزدوجة للجمهور الإفريقي و الجمهور الإفروأمريكي في آن ،لأنها تقدم الأشخاص السود الأمريكان في المحفل الفني الإفريقي بإعتبار أن امريكا هي ،"أيضا "،بعض إفريقيا.
و مشكلة التدبير المعارضي لهذا المعرض الأمريكي الأسود تتبدى في إهمال قواميه النابهين الخوض في الإشكاليات الجمالية التي يطرحها المضمون الفني للآثار موضوع العرض مقابل الإحتفاء بحضور الفنانين أنفسهم بلحمهم و دمهم .و هذا الموقف يشيّئ الفنانين السود لمجرد موضوع معارضي تحت رحمة القوامين الفنانين.
[أنظر السفر الجماعي العامر :"محل ذاكرة الدياسبورا"،الذي حرره صلاح حسن و شيريل فينلي  :
Salah Hassan&Cheryl Finley
Diaspora Memory Place,
David Hammons,Maria Magdalena Campos-Pons,Pamela Z
Prestel Publishing,Prince Claus Fund Library & Ford Foundation
ربما لهذا السبب وقع الإختيار على " ماريا ماغدالينا كامبوس بونص" التي تعرّف كفنانة أمريكية سوداء من أصل كوبي ، لتمثل في مشهد داكار كتجسيد حي لعروة الدياسبورا الأفريقانية التي تربط بين أفريقيا و الأمريكتين.و أثرها الفني المبني على موضوعات "الهوية" و "المنفى" و "العرقية"، يستجيب لتوقعات قوامي معارض الدياسبورا الإفريقية بشكل مثالي. و إذا كانت "ماريا ماغدالينا كامبوس" ، ضمن هذا الثالوث الأمريكي الأسود، تصون فولكلور الذاكرة الجمالية البداءوية[بريميتيفيزم] لسود الدياسبورا، فإن "باميلا زد"، فنانة التصاويت الإلكترونية تمثل كتجسيد سعيد لصورة الفنان الأسود المسكون بالمعاصرة في ابهى تجلياتها التكنولوجية.و أثر "باميلا زد" السماعي قائم على تقنية الحركة الجسدية للفنان الموسيقي،لأن حركة الجسد و الذراعين أمام حساسية الأجهزة الإلكترونية تترجم في حينها لتصاويت تتنوع حسب تنوع مسافة جسد العازف[ الراقص؟] من الأجهزة.و المحصلة البصرية للأثر، في النهاية، أدخل في شغل الكوريغرافيا منها في شغل الفنان المصوّر.هذا الواقع يطرح التساؤل حول مشروعية حضور" باميلا زد" في محفل منصوب للفنون البصرية، لكن هذا النوع من التساؤلات غير وارد في خاطر القوامين الأمريكان لأنهم يكتفون بمجرد الحضور الجسدي للفنانة السوداء في مشهد داكار البانأفريقاني. أما الخراقة المناهجية الكبرى في معرض الثلاثي الأمريكي ، فهي تتجلى في أثر "دافيد هامونز" الذي احتفى به أعلام البينالي كأحد مظاهر البينالي الأكثر شعبية. و يبدو أن الجميع عوّلوا على كفاءة أثر "هامونز" في استقطاب انظار جمهور داكار على زعم مريب بأن الفنان الأمريكي نزّل الفن المعاصر من علياء البينالي الصفوي لجمهور الأحياء الشعبية الفقيرة في داكار..و الكفاءة المزعومة في مساهمة" دافيد هامونز" بسيطة لأنها تترك التعبير الفني جانبا و تتوغل في أرض التعبير الطبقي.ذلك أن "هامونز" نظم عرضا حيا[ بيرفورمانص] على فكرة "يانصيب" شعبي جائزته الخراف، قبل أيام قليلة من عيد الأضحى.و اسم العمل فو » يا نصيب الخروف »
Sheep Raffle
.و قد سبقت "بيرفورمانص" اليانصيب حملة إعلانات مرئية و مسموعة في أحياء المدينة ، جعلت الداكاريين يتدافعون للإشتراك في هذا المحفل الفريد الذي يسرته لهم ملابسات البينالي مع أريحية شركة مرق « ماجي » الشهيرة.و « هامونز » يدخل على موضوعه بأسلوب غوغائي لا يليق بفنان تعود على التروي في تدبير عروضه الفنية،ذلك لأنه غرر بالجمهور الداكاري المسلم الفقير و زج به في وعد المقامرة ملوحا بفرص الكسب السهل السريع لخروف الضحية، و ذلك من خلال الإعلان المرئي و المسموع بثلاث لغات عن هذا اليانصيب الذي يستمر بشكل يومي على مدى ستة أيام.و كون "هامونز" النصراني يجهل أن دين المسلمين يحرّم المقامرة ،[ لأن المقامر يكسب مالا لم يستحقه بالعمل مثلما هو يخسر ماله الذي كسبه بعرق جبينه بدون مبرر منطقي]،فهذا يفاقم من خراقة موقفه الجمالي كونه يتحرك بجهله [ و ربما بخيلاء الفنان الأمريكي ] في فضاء ثقافي لا يعرف دروبه بينما الأدب الديني الذي يعالج موضوع الأضحية من وجهة نظر الإسلام ،متوفر و متاح للجميع.و يتجلّى اللبس المفاهيمي الأكثر شناعة في أثر "هامونز" الفني في استخدامه لجمهور الأحياء الشعبية في داكار داخل هذه الأحبولة الغريبة التي يعتبرها هو أثرا فنيا مفاهيميا في حين أن جمهوره يدخل فيها باعتبارها مقامرة قد يخرج منها بخروف.و قد حاول بعض المعلقين على حركة "امونز" تبرير استخدامه للجمهور الداكاري في عمله، بكونه يماثل استخدام سينمائيي الواقعية الإيطالية للممثلين غير المحترفين في افلام مثل « سارق الدراجة »[دي سيكا].
إلا أنالممثلين غير المحترفين في افلام الواقعية الإيطالية كانوا ينخرطون في صناعة السينما وفق منطق عقد العمل بين مخدم و عمالة واعية بإنخراطها في صناعة التمثيل الخيالي التي صارت فنا سابعا و بدون بعد المقامرة في عملهم و بدون أدنى تنويه بالبعد الديني لطقس الأضاحي عند مسلمي داكار.
أنظر جاكلين فرانسيس و تينا تاكيموتو
Jacqueline Francis &Tina Takemoto
https://wattis.org/view?id=420


و في 2017 وجد الصلحي نفسه في معرض دياسبوري و مفاهيمي مع "ديفيد هامونز" الأمريكي و"ستانلي براون" الهولندي من أصل سورينامي [ أمريكا الجنوبية]. نظم المعرض صلاح حسن تحت رعاية مؤسسة الأمير كلاوس و صندوق امستردام للفنون ، و ذلك تحت شعار :"عبور ثلاثي"
‘Three Crossings: El-Salahi, Hammons, Brouwn’ from 23 November 2017 through 2 March 2018. 
في هذا المعرض الذي يحتفي بثلاثة فنانين معاصرين من خارج الملة العرقية البيضاء يتم تبرير إختيار الفنانين حسب هويتهم العرقية، و حسب أهميتهم الجمالية، كفنانين معاصرين ضالعين في تعبير الحركة المفاهيمية.طبعا صفة الصلحي كفنان إفريقي معاصر و مفاهيمي تعكر صفو الإختيار الدياسبوري لكن" فهمنة" الصلحي تجوز ضمن السماحة المناهجية التي تغمر مثل هذه المحافل التي تؤاخي بين ابناء و بنات الدياسبورا المعولمة.
طبعا ملّة الدياسبورا لم تنتخب احدا ليمثلها لكن قوامو معارض الفنأفريقانية الأمريكية يبيحون لأنفسهم حق تمكين [ أي و الله"تمكين"، إتـّـُوا اللينينية دي إلا يكتبوا عليها :هنا لينينية"؟] ممثلين للدياسبورا الإفريقية اينما شاءوا،في إفريقيا أو في أوروبا و أمريكا أو في واق الواق، و ذلك لسبب بسيط ،هو أنهم هم أصحاب الإمتياز في إختراع و مأسسة هذه الدياسبورا الإفريقية "ميد إن أميريكا». [ حتى أعود لسيرة الدياسبورا الأوروأمريكية يمكن مراجعة نصي :"دياسبورا أنا؟ على الرابط :
].http://www.sudan-forall.org/sections/plastiic_arts/pages/essays-recherch/plasticart_hassan-musa02.html




سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3500

نشرةارسل: الاربعاء فبراير 19, 2020 5:09 pm    موضوع الرسالة: و يسألونك عن المفاهيمية 13 رد مع اشارة الى الموضوع



13
و يسألونك عن المفاهيمية
في فيديو منتدى "مؤسسة العويس الثقافية" حول تكريم الفنانة كمالا إسحق
https://www.youtube.com/watch?v=via7lE5IaQU
تحدث صلاح حسن [الجرق] عن كمالا كـ"مؤسسة للمدرسة الكريستالية"، و وصف" الكريستالية" بأنها " بداية ما يسمى بالمفاهيمية اللي هي الخروج على النمط المهتم بمسألة تأسيس مدرسة على الهوية ».و شرح صلاح الطبيعة الأنثوية المتمردة لكمالا كتعبير عن"الذاتية الأنثوية" لكمالا[و ترجمتها في مصطلحه : "سبجكتيفيتي»].على هذه الـ"سبجكتيفيتي" يسوّغ صلاح خروج كمالا من حرز "مدرسة الخرطوم" الذكوري "لمجالات المفاهيمية، حيث أن الفكرة هي التي تقود العمل"و على هذه القناعة يهيئ صلاح كمالا لـ"قيادة" "المدرسة الكريستالية".و صلاح، في هذا المشهد الكريستالي[ نسخة الخليج]،، يذهب ابعد من كمالا، التي تبدو متحرّجة نوعا من مزاعم قيادتها أو تأسيسها لـ : المدرسة الكريستالية".ربما لأنها تستشعر خطرا مبهما في قبول اللبس المفهومي الذي ينتحل لها"قيادة"و "تأسيس" حركة فنية استضافتها كما"الضابط العظيم" بين ضغار الضباط الإنقلابيين المحتاجين لرتبة عليا تقعّد حركتهم ضمن منطق التراتب العسكري. و رغم أن صلاح، في حديثه القصير، ينبه الحضور لأن كمالا صارت تنفي عن نفسها صفة الإنتماء للكريستالية،إلا أن صلاح يتمسك بـ"كريستالية" كمالا لأنها تضمن له تصنيفها كفنانة مفاهيمية، فما هي هذه المفاهيمية التي انتابت قطاعا معتبرا من فن الأفارقة المعاصرين و صعدتهم لمشهد الفن المعولم بمباركة كريمة من سدنة رأس المال المهيمنين على مؤسسات إدارة الثقافة في العالم؟
من يسأل قوقل يتوه بين ركام الأجوبة المتكاثرة في شرح "الفن المفاهيمي"[ كوسيبشوال آرت]
Conceptual Art
و ذلك رغم قصر عمر المصطلح نسبيا. ربما لأن الأدب الذي يعتمد مصطلح " المفاهيمية"قريب العهد في منظور تاريخ الأفكار النقدية الحديثة. و جل هذا الأدب يرجع لمنتصف الستينيات.لكن قصر عمر المصطلح لا يعني قصر عمر المفهوم الذي يغطي مجاله، و إنما يدل على قصر عمر وعينا بتوطيين المفهوم في جهازنا النقدي. طبعا لن أكتفي بسؤال قوقل وحده لأن " سيد الرايحة يفتح خشم البقرة" كما تعبر بلاغة الأهالي. و على أثر حركات الطليعة الفنية الأوروبية سعى سدنة حركة الفن المفاهيمي لرسم حدود اليوتوبيا المفاهيمية بغاية فرز هويتها الجمالية عن هويات غيرها. لكن مسعى الفرز ينطوي على مخاطرة نفي ذلك "الفن الآخر"، الفن غير المفاهيمي،خارج دائرة الفن. ويجد المفاهيميون صعوبة مشتركة في تعريف هذا "الفن الآخر"،و هي صعوبة عامرة بالدلالات كونها تضيئ صعوبة تعريف الفن المفاهيمي نفسه. فالمفاهيميون يعرّفون الفن المفاهيمي بـ "لا مادية" المفهوم،فهو فن الفكرة، مقابل الفن الآخر، الفن المادي الذي يعتمد على معالجة الخامات و المساند المادية، و في مقام الفكرة يسوغ المفاهيميون لأنفسهم فرص مساءلة مبدأ الفن و منهجه و غايته. لكن المفاهيميين يعرفون أن ليس هناك أي سلوك إنساني ـ و الفن سلوك إنساني ـ يمكن أن يفلت عن طائلة الفكرة. فالفن في مبدأه فكرة،[و لو شئت قل :فكرة دينية]، و كفكرة فهو قصير العمر في منظور التاريخ ،لأن الفكرة الفنية هي فكرة حداثية ظهرت ،في سياق تطور المجتمع الرأسمالي الأوروبي ،مع صعود نجم البورجوازية التجارية الأوروبية و إعلاء شأن ثقافة المبادرة الفردية في أوروبا ما بعد القرن السابع عشر. قبل هذا التاريخ كان الأوروبيون، مثل غيرهم، يتعاملون مع الفن كصناعة و مع الفنان كصانع ماهر في خدمة رعاته، ممثلين في مؤسسة السلطة السياسية [ الملك]أو في مؤسسة السلطة الدينية [ الكنيسة]. و مع فجر الحركة الرومانطيقية في القرن الثامن عشر تم تكريس الفنان كخالق ذي سيادة فردانية تصعّده لمقام الأنبياء،مثلما تم تكريس الفن كديانة حديثة قمينة بفرز الجمال عن القبح و فرز الحضارة عن البربرية. ترتب على تصعيد الفنان فوق صدارة المشهد الثقافي إعادة تعريف الفئات المفهومية للممارسة الفنية على تراتب الفنون الجميلة[ "الحرة"]، و الفنون التطبيقية[ المقيّدة بقيود المنفعة العملية].
و المفاهيميون يعرفون الفن المفاهيمي بكونه فن يستغني بالفكرة ـأو بـ"الرؤيا" في مصطلح محمد شداد الكريستالي ـ عن التقنية الحرفية، و ذلك بالتعارض مع "الفن الآخر" الذي يصون التقليد الزخرفي و يعتني بالشكل البصري للأثر الفني و يهمل الفكرة.طبعا هذا التعارض المفترض بين الفكرة و التقنية الحرفية يغض النظر عن كون التقنية في حقيقتها هي فكرة تعبر عن تفسها بغير وسيلة الأدب،و هذا الإحتمال يردنا لمضمون الفن المفاهيمي كوجه من وجوه البحث الأدبي في فضاءات اللغة المترامية الأطراف.أو كما جرت عبارة الرسام الأمريكي"آد راينهارت"،1913ـ1967، في"الفن بوصفه فنا"
Art-as-Art
 : »أي تقدم و أي تغيير في الفن يسعى نحو النهاية الحتمية للفن من حيث هو كفن"
و تكاد موضوعة "نهاية الفن"التي ألهمت نفرا من فناني القرن العشرين ، على أثر حركة "دادا"، تكاد تشكل العمود الفقري لمجمل "لاهوت التصاوير" المعاصر الذي طرحته حركة الفن المفاهيمي. و عبارة "آد راينهارت" تجد صداها في مبحث الفنان و الفيلسوف "جوزيف كوزوت"، آخر أنبياء الفن المفاهيمي الأمريكي في تعبيره المشهود:
"الفن كفكرة من حيث هو فكرة"
Art as idea as idea », Joseph Kosuth «
و قد يميل المفاهيميون لتعريف الفن المفاهيمي بمسعى إمتهان و مناهضة التصاوير[«آيقونوكلاسم"
Iconoclasme
ترجم: تكسير و طمس التصاوير] بالتضاد مع ذلك"الفن الآخر" الذي يمجد الصورة الآيقونية للموضوع ،[«  آيقونولاتري»،ترجم :عبادة التصاوير]. وأنا هنا أصرف النظر ،مؤقتا، عن استحالة تحقق مبدأ «طمس التصاوير» نفسه لأن الصورة المطموسة تبقى ماثلة للعيان كإحتمال في صناعة الصورة، بما يصعّد فعل الطمس أو التحطيم لتنظيم مغاير لعناصر الصورة. و المفاهيميون بمناهضتهم للصورة الأيقونية، الصورة التي تمثل الواقع المرئي، يبعثون الحياة في "لاهوت التصاوير" القديم الذي شغل الخاطر الديني اليهودي النصراني ،منذ العصر الإنطيقي حتى القرن التاسع البيزنطي، بالتعارض الأزلي بين صورة الجوهر القدسي و جوهر الصورة المقدسة.ذلك أن المفاهيميين ، على مر العصور، ظلوا يرهنون وجود الحقيقة القدسية بحضور أو بغياب الصورة.و قد تخلّق " لاهوت التصاوير" في التقليد الديني التوحيدي الذي ورثه المسلمون لاحقا ،كأحد وجوه العقيدة اليهوديةالنصرانية، و موضوعه تعريف العلاقة بين حقيقة الصورة و صورة الحقيقة.فالنصرانية الأرثوذوكسية لا تستغني عن الصورة الأيقونية باعتبارها تسبغ على الأثر الفني ديمومة متسامية على الواقع المتناهي و تمنح العابد المتأمل في الأيقونة مدخلا لمقاربة جوهر القداسة في تمثيل المسيح أو السيدة العذراء.و ضد هذه اللاهوت طرح أصوليو حركة الإصلاح البروتستانتي لاهوتا مضادا قائم على الرجوع لجذور العقيدة النصرانية التي تنزّه جوهر القداسة عن السعة المفهومية المتشيّئة في حدود الصورة الأيقونية [ الصنم]، و ذلك على زعم ديني بأن معاني القداسة الإلهية متعالية بالضرورة على محدودية الايقونة المادية.أو كما قال :" لا تصنع لك تمثالا منحوتا و لا صورة ما مما في السماء من فوق، و ما في الأرض من تحت و ما في الماء من تحت الأرض.لا تسجد لهن و لا تعبدهن."ـ[ الإصحاح العشرون من سفر الخروج، الكتاب المقدس]. و خلاصة القول في " شقاق تصاوير" النصارى و اليهود و المسلمين هو أن الجميع يلتقاسمون قناعة عميقة بسطوة الصورة الأيقونية و تأثيرها على السلوك الإجتماعي. هذه القناعة هي القاعدة التي يتكشف فيها الوجه الديني للمنازعة المفاهيمية في الفن المعاصر.أو كما قال "لاري شاينر" Larry Shinerصاحب"إختراع الفن" عن " روجر تايلر" Roger Taylor
:تايلر كان أول كاتب لا تفوح من كتاباته في الفن رائحة البيض الفاسد اللصيقة بفكرة الإله "
Larry Shiner
’ The Invention of Art,


و في سياحاتي بين"خشم البقرة" و "طيز الوزة" [ ولا حياء في الأدب]،لاحظت تردد الباحثين الأوروبيين في الإتفاق على أصل لتاريخ المفاهيمية.رغم أن أغلبهم يرد أصل المفاهيمية لمطلع القرن العشرين مع آثار حركة الـ"دادائية"
Dada
و الدادائية حركة إحتجاج جمالي و سياسي ازدهرت بعد الحرب العالمية الأولى بين شعراء و فنانين أوروبيين""بريتون" و "آراغون" و "بيكابيا" و "تزارا" و" إلوار" و" دوشان »..]، طرحت نفسها كـ "ضد الفن"
Anti-Art و تجاسرت على الطعن الفكري في مبدأ العقلانية الأوروبية باعتبارها مسئولة عن الإنحدار بالمجتمع الأوروبي في كارثة الحرب العالمية الأولى. بالذات في بعض أعمال الفنان الفرنسي " مارسيل دوشان" التي عرفت تحت مصنف الـ" ريدي ميد"،
the readymades of Marcel Duchamp
و التي تعتمد على إلتقاط أشياء الحياة اليومية العادية و تصعيدها بالتسمية لمقام الأثر الفني.مثل المبولة التي سمّاها دوشان "نافورة"
Fountain (1917)
و وقع عليها باسم مستعار":[ ر. مُت]
"R. Mutt.
و عرضها كعمل فني. بينما يميل البعض الآخر لتأصيل ظاهرة "المفاهيمية" في مطلع خمسينيات القرن العشرين مع الحركات الطليعية مثل :جماعة "الفن و اللغة" البريطانية التي تكونت ببريطانيا سنة 1968 في كوفنتري
Coventry
حول المجلة بنفس الإسم
و جماعة  "فلكسوس"
Fluxus
التي جمعت [ بين 1960 و 1970] فنانين من شتى المشارب[ موسيقيين و شعراء و تشكيليين و مشهديين] و من مختلف الجنسيات الأوروبية و الأمريكية .و تميز نتاج فناني "فلكسوس" بأفضلية عملية تخليق الأثر الفني على الأثر المكتمل،مما أكسبهم حساسية "لا تجارية" أو حتى نزعة "ضد الفن" السائد
anti-art
، و ذلك على أثر مقولات نقدية تطعن في مبدأ الفن نفسه كإختلاق برجوازي أوروبي [أنظر روجر تايلر
Roger Taylor
https://www.stewarthomesociety.org/pol/taylor.htm
و "إختراع الفن"، لاري شاينر
The Invention of Art: A Cultural History
by Larry Shiner

و لهذا مالوا لطراز فنون العرض المشهدي ["بيرفرمانص"] . و يخفظ تاريخ "فلكسوس" لها ريادة فن الفيديو
video art
على يد الكوري الأمريكي "نام جون بايك"
Nam June Paik

في 1963.

و من يتأمل في أدب "فلكسوس"يلمس بعض اصول أفكار" البيان الكريستالي" [ توفير الجهد و إعلاء الرؤيا على الحرفية و الطعن في مسلمات الفكرالعقلاني الرسمية ] التي اجتهد في تخليقها محمد شداد في منتصف السبعينيات، مثلما يلمس أثر" فلكسوس"في الحركات المشهدية للكريستاليين[ "معرض الإنسان الجالس" 1971 و "معرض الثلج"1976 و معرض المرايا العادية" لنائلة الطيب1976 ، لغاية "معرض النيل الأزرق"1977، الذي لم يتمكن محمد شداد من إقامته . في كل هذه الحركات سجلت كمالا غيابا تاما عن الفعل الكريستالي و لم نعرف لها أدنى مساهمة في الحركة الكريستالية بخلاف توقيعها على " البيان الكريستالي".و في نظري [الضعيف؟] فالتفسير المنطقي لغياب كمالا عن مشهد الحركات الكريستالية هو أنها كانت مشغولة بتخليق تصاويرها عن ما يدور في ساحة المنازعة التشكيلية السبعيناتية. و بدلا من أن يحمد لها عكوفها الخلاق على صنعة الفنان الأمين، يهجم عليها قواموا الفن الإفريقي المفاهيمي و يجرجرونها ـ لا إيدها لا كراعهاـ لمحافل فن العولمة الرأسمالية الذي يستعجله متعهدو الإستثمار الثقافي. و المشكلة في جرجرة كمالا لمشهد "تأسيس" و "قيادة" «  المدرسة الكريستالية" هي أن هذه الجرجرة المفاهيمية الملحاحة تحجب عن الجمهور جملة المعاني الجمالية التي ظلت كمالا ـ عبر السنين ـ تضمنها في أعمالها الفنية الفريدة، مثلما تغمط مؤسسي المدرسة الكريستالية الحقيقيين[ محمد شداد و نائلة الطيب و الدرديري فضل] حقوقهم الفكرية و تنفي مساهمتهم العظيمة في ابتدار منظور جديد في ساحة الخلق التشكيلي في السودان.
في سنوات السبعينيات كنا ـ و ضمير الجماعة عائد لمجموعة الفنانين الشبان الذين كان بولا يسميهم بـ"العصاة" ـ كنا على خلاف نقدي مستعر مع جماعة "مدرسة الخرطوم"، لكن خلافنا النقدي مع "الكريستاليين" لم يكن أقل استعارا عن خلافنا مع "الخرطوميين"، رغم أننا لم نكن نعتبرهم أقل عصيانا مما كنا فيه نحن. و لعل صفة " العصيان" هي افضل صفة يمكن ان توصّف تلك الفترة الفريدة.و اليوم ، بعد مرور أربعة عقود على زمن العصيان، لا بد أن هؤلاء و أولئك يتعجبون كل العجب من التحولات المفهومية المتلاحقة التي طالت تاريخهم المعاش و مسخته لمجرد مبحث بين مصنفات فنون العولمة.اي و الله صرنا موضوعا لبحث الدارسين من عيال النصارى النابهين في شؤون الدياسبورا الافريقانية يفتون في أحوال حركتنا و سكوننا و أنحنا قاعدين نراعي ساكت و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

سأعود

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3
صفحة 3 من 3

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة