ارسل: السبت فبراير 16, 2008 9:48 am موضوع الرسالة: النقد السّوسيُولوجي والآداب الإفريقية
النقد السّوسيُولوجي والآداب الإفريقية
ترجمة: محمد أسليم
نشرت هذه الترجمة، في الأصل، بالملحق الثقافي لجريدة العلـم، 24 يونيو 1995.
1. أهداف هذه المداخلـة:
نقترح هنا بكل تواضع إظهار إلى أي حد يمكن تطبيق النقد الماركسي (ممثلا في جورج لوكاش، لوسيان غولدمان وهنري لوفيفر) على الأدب الإفريقي والرواية منه بالخصوص. ما هي إسهامات هذا النقد؟ وما هي حدود تطبيقه؟
لكن قبل التطرق لهذا الموضوع من المفيد أن نبدي بعض الملاحظات العامة:
لقد اتخـذ مجموعة من ماركسيي دول أوروبا الاشتراكية من الحضارات والمجتمعات الإفريقية مادة لتحليلاتهم. كما تم هذا أيضا في دول أخرى، وبالخصوص في فرنسا التي سنعود بشأنها - فيما بعد - إلى دراسات كل من موريس غودولييه، وس. مياسو وإ. تيراي كي نقتصر على ذكر البعض. وفيما يخص أوروبا الشرقية، لنكتف بالإشارة إلى الإحصاء الببليوغرافي للآداب الإفريقية الذي أنجز في بودابيست تحت إشراف ج. جاهن وأبحاث المؤرخين السوفيات (سابقا)، وخاصة أبحاث بوتمكين حول المقاومات الإفريقية للكشوفات الاستعمارية (انظر المجلد الأول الذي نشرته مجلة الحضور الإفريقي تحت عنوان: مستفرقون (Africanistes) روس يتحدثون عن إفريقيا).
وخلافا لذلك، لم يلتفت النقد الماركسي إلى الإنتاج الأدبي إلا نادرا. فحينما نأخذ بعين الاعتبار قلة عدد التحاليل الماركسية في هذا المجال، ومن بينها تحليلات ب. موراليس، وتحليلات سونداي تلميذ غولدمان التي تحمل عنوان سوسيولوجيا الرواية الإفريقية (1970)، حينما نأخذ بعين الاعتبار ذلك فإنه لا يمكننا إلا أن نندهش لهذا الصمت.
والملاحظة نفسها تنطبق على ألمانيا الديمقراطية رغم أنه تمَّ فيها - وبالضبط في مطابع Seven books - نشر أعمال ممنوعة في إفريقيا الجنوبية (كروايات أ. لاغوما وأنطولوجية القصص القصيرة: Come back africa).
وعن سؤال لماذا لم يلتفت النقد الماركسي إلى الأدب الإفريقي حتى اليوم إلا بخجل؟ لا نملك أن نقدم سوى عناصر للإجابة، بل ومجرد فرضيات:
فالإنتاج الأدبي الإفريقي المكتوب لم يعرف ازدهاره إلا ابتداء من الخمسينيات (السنين العشر الفرنكوفونية) والستينيات (السنين العشر الأنجلوفونية). ومن ثمة سنلاحظ خللا لا يمكن إلى حد ما تلافيه بين ظهور إنتاج والتحليل النقدي لهذا الإنتاج. لكن هذا الدليل غير مقنع بصورة كافية ما دام سبق إنجاز مقاربات نقدية أخرى. وإذن فكيف نفسر هذا الصمت، أو بالأحرى هذا الحذر من جانب النقد الماركسي؟ إذا قبلنا، كما أشار إلى ذلك بحق ماكوتا مبوكو، أن مسألة التوفر على معرفة دقيقة بالحضارات الإفريقية تظل أمرا أساسيا لكل نقد أدبي، وأنه من الصعب على غير الإفريقي أن يحصل على مثل هذه المعرفة، أمكننا الاعتقاد بأن خجل النقد الماركسي في المجال الأدبي نابع عموما من موقف استقامة فكرية. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو من السهل تطبيق منهج للتحليل نشأ في المجتمع الغربي الرأسمالي على أدب أنتج في مجتمع وثقافة أخريين مختلفين بصورة كلية. وهذه المسالة بالضبط هي مدار دراستنا هذه التي ستناولها في مجموعها عبر ثلاث مراحل:
ب - النقد الماركسي والآداب الإفريقية:
1 - إسهامات النقد الماركسي في تحليل الإنتاج الأدبي:
يرتبط ظهور الرواية كجنس أدبي بتحول مجتمع مَّا من مجتمع ذي إنتاج تجاري صغير (العصر الوسيط) ذي طابع جماعي (الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة؛ مثل دون كيشوت، وهي أول «رواية» ظهرت في عصر النهضة الأوروبية تماثل - بطل إشكالي - سخرية - مفاهيم أساسية في النقد الأدبي الماركسي).
إذا استخدمنا المفاهيم السابقة، وركزنا دراستنا على إفريقيا السوداء - قبل مرحلة الاستعمار الفعلي التي تبتدئ بصفة عامة في العقد الثاني من القرن XIX - مع الاقتصار على إيراد إشارات في ا يخص المرحلة الانتقالية بين العصر الوسيط والنهضة بأوروبا، إذا فعلنا ذلك وجدنا أنفسنا مضطرين لإيجاد عدد من التشابهات بين الوضعين واستخلاص نتائج منها لتطبيقها في الحقل الأدبي. طبعا، لا يتعلق الأمر هنا بمقارنة حرفية وإنما بمجموعة من التماثلات والتشابهات[1].
يمكن تلخيص الفرضية التي ننطلق منها في عملنا هذا بكيفية بيانية على النحو التالي:
يقابل العصر الوسيط الأوروبي فترة ما قبل الاستعمار، ويقابل فترة النهضة بداية الحقبة الاستعمارية والاستعمارية الجديدة.
وسنحلل المجتمع الإفريقي والاضطرابات الناجمة عن الاستعمار الأوروبي باعتمادنا على رواية النيجيري شينيا آشيبي الأشياء تتداعى Thing fall apart. ولنوضح أننا نعمد إلى إسقاط - وبكيفية قبيلة - إطار نظري على الرواية، الشيء الذي من شأنه أن يجعل من مسعانا ليس ماركسيا، بل على العكس بدا لنا أنه لم يمكن التطرق للرواية من هذه الزاوية إلا بعد قراءتها وتحليلها. إضافة إلى ذلك، يمكن تبرير اختيار الرواية التي نحن بصددها، باعتبارها وثيقة أدبية مرجعية، من وجهتي نظر أخريين: أولا لأنها رواية مشهورة جدا، وقيمتها السوسيولوجية والجمالية معترف بها عالميا، ثم لأن الوضع الذي تصفه هذه الرواية يبدو لنا وضعا نموذجيا للمسعى الذي نتبناه: فالعنوان وحده (الأشياء تتداعى) يوحي مسبقا بالقطيعة المفاجئة داخل نظام سوسيولوجي اقتصادي معين والانتقال إلى نظام آخر.
يستهل آشيبي روايته بتقديم لوحة كاملة ودقيقة للمجتمع ما قبل الاستعماري بمنطقة إيبو[2] (القسمين الأول والثاني من الرواية)، ولذلك سنبدأ بتحليل للمجتمع التقليدي لننتقل بعد ذلك إلى فحص الاضطرابات التي أحدثها المستعمرون في الجماعة والأفراد، كما تبدو في القسم الثالث من الرواية).
المجتمعات التقليديـة:
يرتكز على اقتصاد من نوع عشيري حيث تنعدم الملكية الفردية للأرض، ومن ثمة تنعدم وسائل الإنتاج في هذا الاقتصاد المعاشي. فكل الأفراد فيه ينتجون ويؤدون عملا «نافعا» قصد الحصول على إنتاج «ضروري»،ولأن الاستغلال ينعدم[3]، فإنه لا يوجد فائض، ونتيجة لذلك ينعدم «الاستلاب» في هذا النظام الذي يسوده التوازن بين الأفراد والجماعة. أما في ما يخص العلائق التجارية، فإنها في هذا النظام محكومة بـ «قيم الاستعمال»، حيث تتم المبادلات غالبا على شكل «مقايضة» يمكن أن نضع لها الخطاطة التالية:
وخلال هذه التبادلات، في جميع الأحوال ب 1 = ب 2 من حيث العم الضروري لإنتاج هذه البضاعة أو تلك. وإذن، فالطبقات الاجتماعية بمعناها الدقيق تنعدم داخل هذه المجموعة البشرية.
ومن الطبيعي أن يترتب عن ذلك تجلي الشعور بوحدة عميقة والاتحاد في كل مرافق حياة المجموعة، الاجتماعية والسياسية والدينية والروحية، مادام كل الأفراد يقبلون قيما واحدة ويحترمونها ويدافعون عنها.
والشيء نفسه ينطبق على الفن الذي - مسترشدا بالبحث الإستطيقي - يتم توجيهه أيضا نحو ما هو وظيفي وجماعي، وبذلك ينعدم كل من المتاحف والمجموعات الخاصة والأدوات التي لم تعد قابلة للاستعمال كما تنعدم التفرقة بين الجميل والنافع أو العملي.، ينعدم الفن للفن. فالكرسي، مثلا، والملعقة، والـ «كناري» والقناع، كلها أدوات في آن واحد جميلة ونافعة للاستعمال الجماعي واليومي.
ويبدو أن الروح الجماعية والحس الوظيفي الممزوجين بالبحث عن الجميل يتجليان أكثر في الميدان الأدبي: فالتقليد الشفهي هو أيضا تقليد جمالي ونافع (تعليمي) وجماعي: فالكاهن أو الساحر ينقل تاريخ الجماعة وقيمها بموهبته الشخصية، لكنه في ذلك يتلقى المساعدة والمساندة، بل ويخضع حتى للمراقبة من قبل العشيرة ذاتها. فانطلاقا من مجموعة من المرتكزات المعروفة يتحقق الإبداع الأدبي بكيفية جماعية، ويتم توجيهه إلى جماعة بكاملها وليس إلى أفراد معزولين. من هذا الجانب، تذكرنا كل الأساطير والملاحم والحكايات الشفهية بالملاحم والروايات الخيالية لأوروبا العصر الوسيط.
كل هذه القيم التي أشرنا إليها تشكل وحدة وتجانسا واتحادا ومساواة وروحا جماعية... تشكل جزءا لا يتجزأ من حياة قرية إيموفيا كما يصورها أشيبي في القسمين الألو والثاني من روايته الأشياء تتداعى. وبما أن سائر مظاهر الحياة الجماعية وأنشطتها تتداخل بشكل كبير، فإننا نكتفي، للاستشهاد على فكرتنا، بتذكر هذين المقطعين الصغيرين من الرواية:
- الأرض ليست ملكية فردية، والاتحاد قاعدة. فعندما وصل أوكونكو - المحكوم عليه بعقوبة النفي - إلى قرية أمه «مُنِحَ قطعة أرض كي يبني منزله، وقطعتي أرض أو ثلاثا كي يزرعهـ(مـ)ـا، في الموسم الفلاحي المقبل. وبمساندة أقاربه من أمه صنع "أوبييا"[4]؟؟؟؟ لنفسه وثلاثة أكواخ لنسائه... أما أبناء أيشندو Uchendu الخمسة، فقد جاء كل واحد منهم بمساهمته وهو عبارة عن 300 غريسة إينيام[5] حتى يتمكن ابن عمهم من زرع حقوله..»[6].
- يعتبر كل من تجانس الأفراد واحترام القيم الجماعية بمثابة إسمنت للجماعة في الوسط التقليدي: فخلال عشاء الوداع الذي أقامه أوكونكو على شرف العشيرة التي احتضنته خلال منفاه، عبر أحد الكهول مسبقا في الكلمة التي وجهها إلى شباب القرية عن أسفه[7] على ذهاب زمن «كانت روابط القرابة قوية جدا» وكانت القرية «تنطق بصوت واحد». ويضيف بحسرة ومرارة: «إني أخشى عليكم. إني أخاف على العشيرة»[8].
ومعنى ذلك أن العواقب التخريبية التي تترتب عن الاحتلال قد تمَّ استشعارها قبل حلولها، وأن مجموع القيم التي يرتكز عليها النظام التقليدي هي معرضة لحرب على كل الواجهات.
التحولات العميقة التي جاء بها الاستعمار
لم يعلم أوكونكو أن البيض قد استقروا في البلاد وأنهم قد ارتكبوا فظائع»[9] إلا خلال السنة الثانية من منفاه. أمام هذا الوضع الجديد كليا لم تعرف القرية كيف تتصرف: أما أوكونكو فقد شايع استعمال القوة ضد البيض.
في وقت لاحق بكثير كان المبشرون قد وصلوا إلى قرية أم أوكونكو، فتأثر هذا الأخير مباشرة بهذا الاحتلال: فابنه نوويي Nwoyé سحرته أناشيد الديانة الجديدة وأشعارها، فقطع الصلة بعائلته وأبيه كي يلتحق بالبعثة تحت اسم إسحاق. هكذا، احدث مجيء المبشرين، والمستعمرين من بعدهم، في القرية تقسيما مزدوجا: قسم يضم أولئك الذين أحسوا بميل إلى الديانة الجديدة وما تقدمه من امتيازات[10] (ليست روحية فقط) وقسم يضم أولئك الذين كانوا، مثل أوكونكو، على استعداد للمقاومة حتى بالعنف إذا اقتضى الأمر.
لكن أوكونكو الذي يستعد الآن لإعادة توحيد قريته كما كان الأمر قبل منفاه يعتقد (أو يتمنى) أن قريته هذه قد ظلت كما كان الأمر قبل منفاه، يعتقد (أو يتمنى) أن قريته هذه قد ظلت كما هي ولم تتعرض لأي تغيير، ولذلك قرر أن يفعل كل شيء، ومهما كلف الأمر، ليستعيد المكانة التي كان يحظى بها من قبل.
لدى عودته إلى القرية لم يتعرف على القبيلة ولا على أهلها: «تغيرت أوموفيا كثيرا خلال السنوات السبع التي قضاها أوكونكو في المنفى»[11]. لقد أحدث مجيء البيض انقلابا في الحياة التقليدية.
أولا، وكما حصل في القرية الأخرى، «فقد جاءت الكنيسة وأغوتها كثيرا. وهدف الديانة الجديدة هو تغيير طريقة التفكير، ومن ثمة طريقة العيش لدى الأفارقة. ذلك أنه مادامت كل المظاهر تتداخل ويرتبط بعضها ببعض بشكل كبير، فإن تغيير الديانة هو في الواقع محاربة لكل مجالات حياة الجماعة؛ تهديم ركيزة واحدة يقود حتما إلى انهيار البناء بكامله[12]. ولتضمن الكنيسة نفوذه قامت ببناء مدرسة ومستشفى، ولعبت - غالبا بنجاح كبير - ورقة التطلعات المادية لسكان إيبو، ذلك أن المصالح لمستعجلة التي تقدمها الحضارة الغربية هي أشد إغراء من تلك التي يقدمها المجتمع التقليدي. ومن ثمة، فالتغييرات الأساسية إنما تجري على مستوى البنيات الاقتصادية: لقد رسخ، بدل النظام الاقتصادي التقليدي نظام آخر مخالف تماما[13]. فالمستعمرون يُدخلون أو يعممون المزروعات الموجهة نحو التصدير، مثل النخيل الذي تزايدت ضرورة استخدامه في تشحيم الآلات التي تزايد استعمالها في الصناعة الغربية[14].
ويترتب على ذلك ظهور نظام ميركانتيلي مرتكز على قوة المال المطلقة بوصفه الوسيط الوحيد في تبادل البضائع. وبذلك نحصل، بدل الرسم السابق، على الرسم التالي:
بضاعـة 1 مـال ¬ مـال 2، ثم نحصل تدريجيا على الريم الآخر ذي النمط الرأسمالي: مـال 1 ¬ مـال 2 ¬ يفوق كثيرا مـال 1. وبتعبير آخر سنحصل على نظام يمكن للمرء فيه أن يغتني دون أن ينتج أو ينتج دون أن يغتني. ومعنى ذلك أن عملية استغلال الأفارقة ستترسخ.
ومن العواقب الأخرى للاستعمار أن المنتج سيفقد التحكم في منتوجاته، إذ ستتلاشى العلاقات الإنسانية بين المنتج والمستهلك، بشكل تدريجي ليحل محلها وسيط محايد، ليحل محلها شيء هو المال إلى حد «تشيؤ» العلاقات وتصاعد «استلاب» الأفراد.
ولإقرار النظام الذي يسمح بالتجارة وضمان استغلال البلاد والناس، سيحدث المستعمرون الجدد جهازا غريبا وممركزا وعقابيا: سيحدثون حكومة وإدارة وشرطة وجيشا وسجنا..[15].
بموازاة هذه البنيات الجديدة، وعن طريق المدرسة والكنيسة ستمرر إيديولوجية جديدة (هي أسطورة [الإنسان] الأبيض)، ومن ثمة استلاب تراجيدي للفرد الإفريقي تجاه ثقافته الأصلية، استلاب روحي هو صدى للاستلاب الاقتصادي وتقوية له.
عـواقـب على الجماعـة «الأشياء تتداعـى»
مع أن إرنست ماندل لم يستهدف إفريقيا بأطروحاته، أن «ظهورَ منتوج البضائع ثم انتظامه وتعميمه، قد غير بصفة تدريجية الطريقة التي ينظم بها الناس المجتمع»[16]. وهذا بالضبط ما نشاهده في أوموفيا كما يلاحظ أوكونكو «بذهول شديد» (ص. 157). فقد جرت التغييرات بشكل سريع جدا، فأحدث التحول المفاجئ للبنى الاقتصادية اضطرابات عميقة في العلاقات الاجتماعية داخل الجماعة: فالديانة قسمت القرية إلى مجموعتين: مجموعة معتنقي الديانة الجديدة، وهم في تزايد مطرد، (أولا الـ «أوسو» وهم الناس حديثي السن، ثمك (؟؟؟) آخرون من بينهم رجال ذوو مكانة في القرية[17])، وجماعة أولئك الذين ظلوا أوفياء لديانة أجدادهم. لكن زرع النظام الاقتصادي الجديد، بالخصوص، هو ما سيعجل بالقطيعة مع النظام التقليدي وقيمه، ويجعله غير قابل للعودة. فتجاه الجاذبية التي تمارسها هذه المادية (الاستعمار) الأكثر قوة من ماديتهم، سينساق أفراد القرية بصورة؟؟؟ وراء هذا الافتتان[18]:
«كان في أوموفيا رجال ونساء كثيرون يعارضون النظام الجديد بالعنف نفسه الذي يعارضه به أوكونكو: لكن إذا كان الإنسان الأبيض قد جاء بديانة مخيفة، فإنه جاء أيضا بمصنع(؟؟؟)، ولأول مرة صار زيت النخيل وجوز النخيل أشياء مرتفعة الثمن، وأصبح المـال يـروج كثيرا في أموفيا»[19].
تتم الوساطة الآن بالنقد، وتشغر العلاقات بين الأفراد المكان لعلاقات «المشيأة»، تتراجع الروح الجماعية أمام النزعة الفردية، يتلاشى الاتحاد، لم تعد القرية «تتكلم بصوت واحد»، تتمزق القرية بين نظامين من القيم لدرجة التفتت، وينهار العالم التقليدي. ولولا وصول المستعمرين، وإدخالهم بكيفية خاصة ومفاجئة لنظام وإيديولوجية رأسماليتين لاستمر العالم في الحياة والتطور حسب إيقاعه الخاص[20].
يرافق بطل الرواية أوكونكو العالم التقليدي في سقوطه، ويرمز موت الفرد إلى تلاشي الأجداد.
لنحاول أن نؤول - بمصطلحات سوسيونقدية - موقف الشخصية المركزية وتصرفاتها إزاء التحولات العميقة التي طرأت على القرية.
هـل البطـل الإشكالي أوكونكو دون كيشوت إفريقـي؟
يظهر أوكونكو في بداية الرواية شخصا مندمجا في المجتمع التقليدي[21].فهو، رغم (أو بسبب) بداياته السيئة في الحياة، يبدي رغبة كبرى في احتلال مكانة بين الأشراف، فيصبح بفضل أعماله ممثلا أهلا لجماعته. وإذا كان ينتهك أحيانا بعض القواعد فإنه لا يفعل ذلك عن قناعة عميقة، وإنما فقط لكونه صاحب مزاج عصبي. وبالفعل، فهو لا يبدي أي شك تجاه نظام القيم الذي ترتكز عليه القرية. يفعل ذلك حتى وإن طالته عقوبة قاسية، ذلك أنه «كما قال القدماء: إذا تلطخ أصبع واحد لطخ كل الأصابع الأخرى»[22]. وفي هذا الصدد، بما أنه ارتكب جريمة، فإنه اضطر للخضوع لعقوبة النفي[23]، وبذلك يستسلم ويغادر قريته باسم القيم التي يحترمها ويدافع عنها. وعلى مستوى فهم أحداث الرواية يمكن تفسير هذا الغياب الطويل للبطل وتصرفاته من جانبين: أولا يجب أن لا يوجد أوكونكو وسط جماعته حتى يحثها على مقاومة الاستعمار منذ البداية، ثم إن هذا الغياب للبطل يجعل المفارقة لدى عودته أكثر إثارة؛ المفارقة بين القرية كما تركها والقرية نفسها كما وجدها إثر عودته. وذلك ما حصل. بما أنه لم يشهد عملية إحداث البنيات الجديدة، فإنه شق عليه أن يصدق عينيه.
«قد أكون بقيت مبعدا لمدة طويلة، لكنني لا أستطيع فهم ما تحكونه لي. ماذا أصاب شعبنا؟ لماذا فقد القدرة على المحاربة؟»[24].
يرفض أوكونكو قبول الواقع الحالي (الذي لا يظن بعد أنه من المستحيل قلبه). ولذلك يسخر كل قوته وعناده لإعادة إقرار النظام القديم. وبالارتكاز على القيم التقليدية، وهي: الشجاعة، والاتحاد، والروح الجماعية، يطمح إلى حث جماعته على طرد البيض بالقوة. وبفعل تصريحاته سيتحرك قسم من سكان القرية، ويضرم حريقا في الكنيسة.
لقد خاطب أفراد عشيرته بقسوة عندما كانوا مجتمعين بساحة السوق كي يستنهض هممهم، فأنصتوا إليه باحترام. وبذلك استعاد لحظة من الزمن المنصرم، زمن كان المحارب محاربا. وإذا كان بنو قومه قد رفضوا قتل المبشر وطرد المسيحيين، فإنهم قبلوا على الأقل أن يفعلوا شيئا ماديا (إحراق الكنيسة) ونفذوه فعلا. «كاد أوكونكو أن يستعيد سعادته»[25].
وبهذا يبدو أن أوكونكو قد نجح: فقد استعاد عشيرته، ومن ثمة معنى وجوده. لكن نجاحه لم يكن سوى نجاح عابر. بفعل قمع الإدارة الاستعمارية تصاعدت عملية الانقسام داخل القرية، فالتحق قسم بمعسكر البيض لأسباب دينية أو اقتصادية واضطر قسم آخر إلى قبول تنازلات.
لا يقوى أوكونكو على قبول هذا التصرف الواقعي الذي يقود إلى استسلام سلبي، فيرفض تصور أن الجماعة ستتخلى، بفعل ضغط الأحداث، شيئا فشيئا عن القيم التقليدية. فالقرية لم تعد هي القرية التي كان أوكونكو يعرفها من قبل، وهذا التغيير صار غير قابل للزوال؛ العالم التقليدي ينهار:
«بدا أن روح القبيلة نفسها تتحسر على حلول مصاب جلل - موتها الخاص»[26]. مستشعرا الكارثة، لكن دون أن يقبلها بعد، يتهيأ أوكونكو للتجمع العام الذي سيقرر موقف القبيلة تجاه الحكم الأبيض متمنيا أن تتفق (القبيلة) وفاء لعاداتها في الشجاعة، لكن دون كبير انخداع - في ما يبدو - بما أنه (أوكونكو) كان الوحيد الذي يهيئ بذلته الحربية، وعازما على التحرك وحده إذا خذلت به القبيلة:
«إذا قرر أهل أوموفيا الحرب مضى كل شيء على أحسن ما يرام، لكن إذا فضوا الجبن انتقم بمفرده»[27]. لقد أحس سلفا بابتعاد القبيلة عنه، لم يعد الأمر يتعلق بتاتا بـ «نحن» ، بل صار يتعلق بـ «هـم» و«أنـا».
«بكى القبيلة عندما رآها تنكسر وتتساقط أطرافا. وبكى محاربي أوموفيا الشجعان الذين صاروا، وبدون تفسير، أضعف من النساء»[28]. وتتصاعد القطيعة بينه وبين صديقه أوبييركا، عندما يصرح هذا الأخير بفظاظة: «إني أسخر مما يمكن أن يفعله لكم. إني أحتقره وأحتقر كل أولئك الذين يصغون إليه. سأحارب وحيدا إذا قررت ذلك»[29]، ثم يجلس في مكان بعيد[30]. وعندما يفد أعوان المستعمرين لتفريق التجمع، يقطع أوكونكو رأس رئيسهم بضربة ساطور، لكنه سيلتفت مباشرة إلى أن القبيلة لا تشاطره، بل أكثر من ذلك سيتساءل البعض قائلا: «لماذا فعل ذلك؟!»[31].
يتطابق تصرف أوكونكو كليا مع التقليد الحربي للقبيلة. فقبل الانقلاب السوسيو-اقتصادي لم يكن لمثل هذا السؤال أي معنى، بل ولو قام به أوكونكو آنئذ لفهمه الناس واتبعوه. لكن الوقت تبدل، ونظام القبيلة صار محل تساؤل لأن جماعته اضطرت للتكيف كي تضمن البقاء، وتمزقت بين نظامين من القيم. أوكونكو وحده هو الذي يرفض التغيير ويظل ملتفتا نحو الماضي[32]، نحو «يوم كان الرجال رجالا»، ويلاحظ بحسرة أنه لم يبق - اليوم - رجال أهل لهذا الاسم[33]. وباسم جماعته يتعلق بقيم معينة (قيم الاستعمال أو القيم الأصيلة). يظل الوحيد الذي يعترف بها ويدافع عنها تجاه الجميع وضد الجميع. ومن هذه الزاوية بالضبط يعتبر أوكونكو بطلا إشكاليا. فبحسب تعريف لوسيان غولدمان، ينتمي (البطل الإشكالي) - إلى جانب أغلبية الناس - «الموجهين بصفة خاصة نحو قيم الاستعمال، ومن هنا بالضبط يقعون على هامش المجتمع فيصيرون أفرادا إشكاليين»[34]. يحارب دون كيشوت طواحين الهواء، أي القيم المنحطة، قيم خيالة العصر الوسيط، لكن مفتاح هذا الكفاح هو في آن واحد غير ضروري، سخري وتراجيدي لأن هذه القيم لم يعد لها أي وجود على مستوى شعور الجماعة. وبجانبه، يرمز خادمه إلى الجماعة التي تكيفت مع العالم الجديد. ويرى جورج لوكاش أن عمل سرفانتس ظهر في وقت كان فيه «الله بصدد الرحيل عن العالم»:
«هذا الزمنُ زمنُ غموض للقيم داخل نظام أخلاقي لازال قائما. وقد وصل سرفانتس إلى الجوهر الأكثر عمقا لهذه المسالة الشيطانية: ضرورة العودة إلى البطولة الخالصة، إلى الأسطورة في سبيل إيمان أكثر استقامة، إلى الجنون، منذ اللحظة التي تصير فيها الطرق المؤدية إلى وطنها المتعالي غير قابلة للمارسة»[35].
وإذا انتقلنا إلى الحقل الإفريقي كان أول ما يفاجئنا انطباقُ هذه القولة المكتوبة سنة 1920 على رواية الأشياء تتداعى؛ فأوكونكو هو الآخر يناضل من أجل عودة القيم الأصيلة التي لا تتناسب مطلقا مع الواقع المعاش عند باقي الجماعة، وعندما ينتبه إلى أن القبيلة ليست مستعدة للمحاربة إلى جانبه، أي ليست مستعدة للدفاع عن النظام التقليدي، فإنه يفهم أنه لن يستطيع الاستمرار في هذا العالم الجديد الذي يحس بنفسه غريبا داخله. لذلك يقرر أن ينتحر. لقد مات عالمه، ولذلك يجب أن يموت معه. ففيما كان ممثلا تحترمه جماعته، قبل وصول المستعمرين، صار هامشيا في النظام السوسيو-اقتصادي الجديد، وبانتحاره يقصي نفسه حتى من عالم الأجداد.
لقد بحث دون كيشوت عن خلاص في الجنون، ووجد أوكونكو خلاصه في الموت. ومعنى ذلك أن البطل الإشكالي محكوم بالفشل بالضرورة بقدر ما لا تستطيع الجماعة العودة إلى الوراء والرجوع إلى القيم الأصيلة. الانتحار والجنون شكلان ممكنان لهذا الفشل في إعادة خلق عالم أصيل، لكنه غير واقعي، أو رفض عالم جديد منحط عن طريق الموت. وتكمن السخرية التراجيدية في نموذج أوكونكو في كونه، من خلال معارضته للجماعة (هامشية) وانتحاره (جريمة ضد القبيلة أو الآلهة) يرفض القيم الأصيلة نفسها التي يتلهف للدفاع عنها.
آثـار على الحقل الأدبي:
ظهـور جنس أدبي جديد: الـروايـة:
لقد صار الأدب الشفهي التقليدي - الذي كان يتغنى بالقيم التقليدية الأصيلة وكان جماعيا في جوهره - مهددا بالاندثار لأنه لم يعد موافقا لواقع انقسام القبيلة بين نظامين من القيم. الإضافة إلى ذلك، وتحت تأثير البيض، ستنتشر الكتابة (بلغة أجنبية)، وسيترتب عن ذلك ظهور (وبتفاوت كرونولوجي)[36] أدب مكتوب. سيستجيب للنزعة الفردية الناشـئة عن كل من العلاقات الاقتصادية الجديدة والاستلاب الناتج عن تشيؤ علاقات التبادل شكل أدبي جديد. فمثلما يلعب النقد دور الوسيط بين الناس، سيلعب الفرد المبدع دور الوسيط بين بنيات العمل الأدبي وبنيات المجتمع. والنوع الأدبي الجديد الذي يناسب البنيات السوسيو-اقتصادية المحدثة هو الرواية. «يبدو لنا الشكل الروائي بمثابة نقل - على المستوى الأدبي - للحياة اليومية داخل مجتمع فردي النزعة، نشا من الإنتاج المسخر للسوق»[37]. بذلك يعيدنا التفسير الذي يقدمه غولدمان لظهور الرواية في عصر النهضة الأوروبية إلى المقارنة (بين المجتمع الإفريقي والغربي) التي انطلقنا منها. فعلا، يوجد - في ما يبدو - عدد من التماثلات بين التغييرات السوسيو-اقتصادية التي عرفتها أوروبا في نهاية العصر الوسيط، من جهة، والتقلي الذي تمزق المجتمع الاستعمار؟؟؟[38]، من جهة أخرى. والشيء نفسه يلاحظ في مجال الإبداع الأدبي؛ ففي أوروبا شغر الأدب الملحمي الموجه إلى مجموعة محددة (هي مجموعة الخيالة) والمواقف لبنيات العصر الوسيط الفيودالية، شغر المكان لنوع أدبي فردي النزعة هو الرواية بوصفها تتناسب والبنيات السوسيو-اقتصادية الجديدة. وبطريقة متشابهة تمَّ في إفريقيا تعويض - وبكيفية تدريجية - التقليد الشفهي الجماعي الذي كان يعكس نمط حياة جماعية بالرواية التي تترجم الصراع بين القيم (التبادلية) الجديدة والقيم (الاستعمالية) الأصيلة. خلافا للبطل الملحمي، لم يعد البطل المحوري في الرواية يمثل القيم التي تبنتها الجماعة بمقدار ما يستمر (هذا البطل) متمسكا بقيم الاستعمال. وتلك حالة أوكونكو في نهاية الرواية.
وبالطريقة نفسها، يعتبر الروائي أشيبي هامشيا بالمقارنة مع المجتمع التقليدي الذي يعيش فيه. فهو، مثل شخصيته، يبجل القيم التي فقدت صفة الاعتراف الصريح من قبل جماعته. ورغم أنه يتطلع بحنين إلى عودة العامل الأصيل، فإن وضعه الاعتباري لم يعد مطلقا هو وضع كاهن إفريقيا التقليدية: «فهو لا ينتمي إلى العالم التقليدي الحقيقي الذي يعيد إبداعه، ويعيد إليه الاعتبار في القسم الأول من الرواية. على العكس من ذلك، فهو يعيش في هذا العالم الـ «منحط» الذي تسوده علاقات التبادل، ومن ثمة (تسوده) قيم النزعة الفردية والاستلاب، والذي لا يستطيع هو نفسه أن يتخلص من تأثيره» (أين بداية الهامش؟)[39]. وهذا الالتباس هو ما جعله يختار الرواية شكلا تعبيريا، لأنها تتيح له تصوير الصراع الدائر بين محورين من القيم، وهو صراع لا يتم داخل شخصياته فحسب، بل وداخله هو نفسه أيضا، وبذلك يكون الروائي بدوره فردا إشكاليا. إن هذه المسافة التي يأخذها الكاتب تجاه العالم المتمثل - ما يطلق عليه لوكاش اسم سخرية - ملموسة جدا في رواية الأشياء تتداعى، تترجم نفسها من خلال الموقف النقدي الذي يبديه الكاتب تجاه بعض ممارسات المجتمع التقليدي وتجاه شخصيته الرئيسية، وبالخصوص تجاه القيم الجديدة التي أدخلها المستعمرون. وبذلك يشغر مبدأ تقمص الشفهي المكان لموقف السخري عند الروائي.
من خلال هذا التحليل يبدو أن رواية أشيبي تتطابق مضمونا وشكلا مع التفسير السوسيو-اقتصادي الذي أحدثه المستعمرون، وتعكس على كل المستويات صراع القيم وعواقبه على الجماعة والفرد والروائي.
تطبيق هذه المقاربة النقدية على الآداب الإفريقية، إسهاماتها وحدودها:
تكمن الإيجابية الرئيسية للنقد السوسيولوجي في كونه يجهد نفسه في الربط بين العمل والفرد والجماعة بطريقة واضحة. فهو يسلم بأن الإنتاج الأدبي لا يتم داخل وعاء مغلق، وإنما يتبع للشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية - أساسا - التي ينشأ فيها هذا الأدب ويعكسها على جميع المستويات. ويبدو لنا هذا الأمر أساسيا جدا في ما يتعلق بالآداب الإفريقية التي يستحيل أن يكون فيها «فنا للفن» أو يكون (الفن) فيها بمثابة ظاهرة في حد ذاتها معزولة، وذلك بسبب الحدث التاريخي للاستعمار والتخلف وسائر المشاكل التي تواجهها القارة الإفريقية. كما تتيح هذه المقاربة تحقيق فهم جيد للفرد في تصرفاته تجاه المجتمع. أخيرا، بما أنها (المقاربة) تعتبر النص، والرواية بالخصوص، بمثابة إنتاج لمجتمع محدود في لحظة محددة، فإنها تشدد على أن هذا النص هو من إنتاج إيديولوجية معينة ومنتج بدوره لإيديولوجية ما.
لكن يجب الاعتراف بأنه مادامت المقاربة تسلم، كمبدأ، بأولوية الاقتصادي على سائر التجليات، فإنها لا تستطيع تفسير كل شيء، ذلك أن الواقع يظل أكثر تعقيدا، ثم لأنها في اعتقادنا لا تقيم كبير اعتبار للعوامل الإنسانية والنفسية. فإذا أردنا، مثلا، إدراك عمل أشيبي الذي صرح برغبته في «سبر أعماق الشرط الإنساني»، فإنه يظل من الأساسي إكمال المقاربة السوسيونقدية بمقاربات أخرى ترتكز بالخصوص على هذه العوامل الأخرى (السيكولوجية، الإثنولوجية التحلينفسية، الطبعقلية... الخ.).
ثم إن هذه الطريقة في التحليل لا تقدم أجوبة كافية عندما نتساءل عن القيمة الجمالية والرمزية لرواية ما. علما بأن هذه القيمة تعد مظهرا رئيسيا، بل ويمكن أن نقول إنه المظهر الأساسي في رواية الأشياء تتداعى.
أخيرا، يتطلب التحليل السوسيونقدي حذرا وتوافقا شديدا في التطبيق. في الحقيقة، من المهم أن نتساءل عما إذا كان بالإمكان أن نطبق على المجال الإفريقي بكامله - وبدون تحفظ - أدوات مفهومية تحددت في أوروبا، في عصر محدد ومن قبل طبقة محددة. ولتبرير هذا الحذر نكتفي بإيراد مثالين: فمن جهة، هل يمكن تطبيق مشروع تحليل ماركسي على المجتمع الإفريقي خلال حقبة ما قبل الاستعمار؟ وهل يمكن فعلا الحديث عن مشاعة بدائية؟ ومن جهة أخرى، رغم الاختلافات التي أشرنا إليها، أليس الكاتب الإفريقي العصري وريثا للكاهن مادام (هذا الكاتب) يتغنى مثله بالقيم الأصيلة ويعتبر أن دوره هو المساهمة في تربية الجماعة والتوعية الجماعية؟
. لكن رغم إبداء كل هذه التحفظات فإننا نعتقد أن النقد السوسيولوجي يمكن أن يتبدى منهجا تحليليا جد مثمر، لأنه يتيح تحليل الإنتاج الأدبي باعتباره ظاهرة كلية موضوعه في سياقها. يمكنه، مثلا، أن يفسر تطور الوضع الاعتباري للبطل في الروايات الإفريقية بربطه مع عملية إرساء البنيات السوسيو-اقتصادية المتزايدة الضغط والاستلاب. فإذا كنا نتوفر في روايتي أشيبي الأوليين (Thig Fall Apart وArrow of God) على بطل قوي، على شخصية رئيسية، يتمحور حولها الحدث والعمل فعلا، فإن الشخصية الرئيسية في الروايتين التاليتين (No longer at ease وA man Of the peopole) - حيث يقع الحدث في السياق الإفريقي العصري - تفقد الصلابة والقوة. ويبدو أن إضعاف البطل يتواصل في The interpreters لسوينكا حيث لا توجد شخصية رئيسية واحدة، وإنما ست شخصيات، فهو (الضعف) يفضي إلى شبه تلاش للوجه الرئيسي في The berutiful one are not yet born لأيي كويل Ayi Kwel Armah. الأبطال الملحميون، عظماء النهضة، ثم الأبطال المضادون، وتلاشي الشخصية الرئيسية و(تلاشي) حتى الكائن البشري في الأشياء. ويترجم كل من ضعف الشخصية المركزية ثم تشظي - بل وحتى اختفاء - الشخصية المركزية ثم الاستلاب المتعاظم للفرد في العالم الحديث على صعيد الواقع.
والخلاصة أن تطبيق هذا المنهج في التحليل على المجال الإفريقي يتيح القيام بدراسات أصيلة وغنية جدا، لكنه يتطلب أن يكون ممحصا، يتطلب أن يطبقه المرء بحذر وبدون تعصب، أن يتم تكميله بمقاربات نقدية أخرى، وأخيرا - وبالخصوص - أن يتم تطعيمه بمعرفة بالوقائع الإفريقية، معرفة يكرسها تواضع كبيرا تجاه العمل والكاتب.
[6] الأشيـاء تتداعــى، ص. 117-118. والصفحات التي نحيل عليها هنا تعود إلى طبعـة: Heinemann Educational Books, Africain Writers Series, London, 1969, 190 pages.
[7] يقع هذا في نهاية القسم الثاني، وقد كان البيض آنذاك قد شرعوا في اجتياح البلد.
[8] الأشيــاء تتداعـى، ص. 152.
[9] كانوا قد سمعوا بذلك، إلا أنهم لم يصدقوا ما سمعوه. انظر: ص. 67 حيثيوجد تلميح ساخر للابرص، ذلك أن برص = جلد أبيض.
[13] وهنا يكمن اختلاف أساسي بين وضعية أوروبا إبان عصر النهضة ووضعية إفريقيا المستعمرة، ذلك أن التحولات في الحالة الأولى كانت من المباغثة والجذرية بحيث انبثقت واحتدت داخل العالم الغربي نفسه وليس خارجه.
[14] إنها عملية إدخال الزراعة المنتوج الوحيد التي حلت محل الاقتصاد المعاشي، والي ستكون واحدة من أسباب تخلف البلدان الإفريقية.
[15] الأشيــاء تتداعـى، ص. 158.
[16] Mandel Ernest, «Initiation à la théorie économique marxistes», Les cahiers du Centre d’ةtuses Socialistes, Paris, mars 1964, p. 6.
[17] الأشيــاء تتداعـى، ص. 157.
[18] لا يوجد بديل حقا بقدر ما يتعين على الجماعة أن تكابد البقاء (راجع، السجن، الخ.)
[19]
[20]
[21]
[22]
[23] يمكن تفسير تسلسل «المصائب» التي لحقت بأوكونكو علىالصعيد الميتافيزيقي باعتبارها عقابا تلحقه الىلهة بمن لا يحترم دائما الشريعة الإلهية. فبعد الإساءة الأولى (انتهاك أسبوع السلم) هناك تقدم في هذ االاتجاه: قتل إيكمفونا (ص. 118)، وأخيرا قتل رسول البيض (ص. 184). كذلك يبدو أن سلسلة «الحوادث» الثلاث توحي بغضب إلهي (ص. 35). فهو يسدد دون أن يقتل (ص. 112)، ويقتل دون أن يسدد ودون أن يريد القتل (ص. 184)، ويقتل المبشر الأبيض دون أن يكون هناك داع للقتل.
[24] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 159.
[25] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 173.
[26] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 168.
[27] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 179.
[28] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 165.
[29] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 165.
[30] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 181.
[31] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 183.
[32] تفضي المقارنة بين الحاضر والماضي في ذهن أوكونكو دائما إلى تفضيل الماضي على الحاضر، تفضيل «زمن كان كل شيء على ما يرام»، أي تفضيل العصر الذهبي. انظر على الخصوص الصفحات 157، 159، 165، 173، 179، 180.
[33] الأشيــــاء تتداعـى، ص. 184.
[34] لوسيان غولدمان، من أجل سوسيولوجيا للرواية، مرجـع سابق، صص. 36-40.
[35] جورج لوكاش، نظرية الروايـة، 1920، غونتيي، باريس، 1963، 190 ص.، ص. 99-100.
[36] لا حاجة للإلحاح كثيرا على أهمية التفاوت الكرونولوجي بين بدايات الاستعمار الفعلي وظهور أدب زنجي إفريقي مكتوب يتألف من الروايات على الخصوص.
[37] لوسيان غولدمان، من أجل سوسيولوجيا للرواية، مرجـع سابق، صص. 36-40.
[38] إلا أن هذه الاضطرابات، كما ذكرنا أعلاه، هي تحولات «فرضتها» على إفريقيا حضارة «أجنبية». ومن ثمة، فالتحولات هي أكثر فظاعة وجذرية وإثارة للصدمات. وهذا - في ما نعتقد - هو ما تبرزه بنية رواية أشيبي. فالتقصير المتزايد للأجزاء والفصول يظهر نوايا الكاتب. فبالتقابل مع القسم الأول، جاءت فصول القسمين الآخرين، وخاصة فصول القسم الثالث، أكثر اختزالا، لكنها كمكتظة بالأحداث والتغيرات الفجائية. ويوحي تصعيد الأجداث بالطبيعة العجولة والحتمية لتفكك المجتمع التقليدي.
[39] بهذا المنعى يتحدث غولدمان عن «بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم غير أصيل».
[40] وهذا لا يتهدف فقط أنصار النقد السوسيولوجي.
المصدر :http://aslimnet.free.fr/traductions/articles/sociocritique.htm
من أجل الانفلات من قبضة غولدمان
أو سوسيولوجيا النص الروائي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الدراسة هي نص المداخلة التي ألقيتها ضمن فعاليات ندوة ” العلوم الاجتماعية و الإبداع الأدبي ” المنظمة من طرف فرع اتحاد كتاب المغرب بمدينة سلا يوم السبت 29 أبريل 2006
ــــــــــــــــــــــــــــــــ .
( تصدير : "يميل علماء الاجتماع دائما إلى تفضيل الأدب الروائي حيث إن مساحته المرجعية والتوثيقية أكثر وضوحا من القصيدة" بيير زيما النقد الاجتماعي ص: 123)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- البناء النظري للواقعي والمحتمل.
شكلت نظرية المحاكاة الأرسطية المنطلق النظري الذي تشرَّب في وعي الإبداع الفنّي منذ عصور باعتبار أرسطو هو أول من طرح إشكالية علاقة الشعر الملحمي والدرامي بالواقع، فكان أن شكل التوجه المرآوي للواقع اهتمام النقد الفنّي المتعلق بالرواية بالرغم من أن المحاكاة الأرسطية تجعل مهمة المبدع الحقيقية " ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا بل رواية ما يمكن أن يقع "على حد تعبير أرسطو في كتابه فن الشعر.
- ما هي العوامل التي ساعدت على انتشار الفنية بينما بقيت الشعرية مغمورة في نظرية المحاكاة ؟.
- لماذا كان للمحاكاة كل هذا الأثر بهذا الحجم على الوعي النقدي بشقيه الغربي والعربي؟.
ولقد اشتملت المحاكاة على ثيمات ذات المقاييس الاجتماعية كبحثها في العالم الداخلي والذاتي للفرد والمجموع البشري وقد تبحث الرواية في الوجود وتجعل من الراوي متنبّئا ومبشّرا بالمستقبل بالمعنى الصوفي، يمتلك " موهبة الرؤية الثانية" على حد تعبير بلزاك (honnoré de balzac) الروائي الذي اقتنص من العلاقات الاجتماعية الحقيقية نظاما ونسقا مسدودا على زمنه الواقعي حيث النهاية في " الملهاة الإنسانية"(la comédie humaine) تشكل تنويعات لا نهائية لأشكال النهاية لمشهده الروائي / الأسطوري المهووس بالدّوام والاستمرار، والذي إذ يربطه بلزاك بعامل الصدفة يجعله صورة/ نسخة مختصرة عن العالم الشاسع المرتبط بإمكانية الحدوث ولهذا فمن " المحتّم على الكاتب أن يعبّر عن تجربته ومفهومه الإجمالي للحياة ولكن من البادي للعيان أنه غير صحيح أن نقول أنه يعبر عن كل الحياة [..] تعبيرا كاملا شاملا " (1) ، فثمة حدود سوسيولوجية لا تستطيع الرواية تجاوزها " إذ لايمكن للراوي، منطقيا، أن يروي موته" (2)أو كما يؤكد ذلك يوري لوتمان في كتابه "بنية النص الفني" أنه" يستحيل على الأحياء زيارة الأموات ويستحيل على الأموات زيارة الأحياء" (3).
فالعوامل الاجتماعية تعمل على تحديد نجاح الكتابة السردية خاصة عندما يجد المتلقّون في العمل الروائي الأدبي "كائنات وعلائق تكون في مجموعها تعبيرا عن تطلعاتهم الخاصة إلى درجة من الوعي والاتساق لم يبلغوها بعد بأنفسهم" ( 4).
2- الرومانس والمجتمع الحقيقي
إن الصمود الثقافي للرواية قد أكّد هويتها ضد انهيارات القيم المجتمعية، ضد الرقابة على حرية الفكر وحرية التعبير..فحيوية الرواية تجعلها تستوعب هزيمة الواقع المتكررة في انكسارات كل المجتمعات البشرية ، فالنظام الثقافي الجديد جعل الخصوصيات المحلية لمجتمع ما مجرد صيغة للتناول الواقعي لثقافة الرواية بما هي مشروع ورؤية للعالم ، ولِتَبْخيس الفكر المتمركز حول ذاته وهي كما برهن عليها لوسيان غولدمان L. Goldman, فهي وجهة نظر متناسقة ووحدوية حول مجموع واقع وفكر الأفراد كنسق يفرض نفسه على الشرط الوجودي لبعض الطبقات الاجتماعية، وهذه الرؤية " ليست واقعة فردية بل واقعة اجتماعية تنتمي إلى مجموعة أو إلى طبقة" (5).
فحركة المجتمع استطاعت أن تجعل من الرواية وثيقة تاريخية تصبّ المعاني النافرة على الحركات الثقافية المستعصية على المعاني، وقد تميّزت رواية دون كيشوط Don Quichotte بخلق شخصية روائية من أكثر الشخصيات نموذجية في الأدب العالمي بالرغم من أن محاربة الطواحين ليس سلوكا مألوفا في الحياة اليومية " فالسمة المتطرفة للأحوال النموذجية تنتج عن ضرورة استخراج الأعمق والأبعد في الشخصيات الإنسانية مع كل التناقضات المتضمنة فيها" (6).
إن التنوّع الذي جعل الحتمية الثقافية تجعل اسبانيا وريثا شرعيا لحضارة الأندلس التي كان غرقها أعظم من زمن سرفانتيس الذي وصفه جورج لوكاتش بالزمن الذي شهد آخر ازدهار لتصوف عظيم يائس، اختلطت فيه القيم الكبيرة بمطامح حياتية فقدت غايتها (7) من كآبة الزمان الهارب الذي استساغ عدم صلاحيتها من مثل " ضرورة انقلاب البطولة الأشد صفاء إلى شيء مضحك"(8).
ولهذا خرج دون كيشوط إلى الالتقاء ببشر " لاينتمي إليهم، ويختلف إلى أمكنة متعددة حاملا كآبة الطفل اللقيط، كأن ما حوله من البشر مجرد زينة خارجية فارغة تمليها مقتضيات الحكاية لا أكثر" (9).
وقد اعتبر لوكا تش بشكل ضمني رواية دون كيشوط لسرفانتس من الأدب الكوني كرواية عظيمة أولى " تقف على عتبة المرحلة التي أنذر فيها الإله بهجر العالم" (10) حيث اقترب سرفانتس من الواقع على نحو لم يكن معهودا لدى معاصريه" فقلد قصص الفروسية تقليدا ساخرا أو نقل الأحداث من ألوان المثالية التي تتمثل في المأساة إلى لون هزلي يصطدم فيها المثال بالواقع الأليم " (11) وهذا ما استنتجه لوكاتش من "عدم التطابق بين الروح وبين العمل الأدبي ، بين الطوية وبين المغامرة، وفي كون أي مجهود بشري لم يعد يندرج في المستوى المتعالي" (12).
فرواية دون كيشوط لدى تلقيها " تستثير في القراء جميع التوقعات المتعلقة تخصيصا بروايات الفروسية العتيقة التي كانت تعجب الجمهور والتي ستحاكيها بسخرية وبمنتهى العمق مغامرات آخر الفرسان"(13).
وهكذا وصلت المرحلة الرومانسية في الأدب إلى ولوج أزمتها " وكانت الحرب العالمية الثانية حدا فاصلا بين ،عهد كانت تتسع فيه الرومانسية للوفاء بتطلعات شخصية (الفرد) في الرواية، وعهد لا يستطيع الوفاء بالتعبير عنه إلا (الواقعية)، التي ترى الواقع في صورته الشاملة" (14).
فالمجتمع الحقيقي لا يتنافى مع الرواية التي تترصد خطاه " فبقدر ما يكون الواقع جديدا، يكون النص الأدبي الذي يكشف عن هذا الواقع، ذا شكل شاذ وغير مألوف" (15).
فالواقع عند الروائيةNathalie sarraute هو مجرد مظهر يوهم بالواقع فهو بهذا المعنى يعبر عن كل أشكال الحنين إلى المجهول اللامرئي وبذلك فهو يتلاقى مع الأخيولي يتشكل الواقع فيه من عناصر متناثرة.
لهذا فالواقع السوسيولوجي لدى الرواية الجديدة ليس هو الواقع بمفهومه التبسيطي ،الاستنساخي ، " هو ما يثير اهتمام القصاصين المجددين، وإنما أصبح الواقع يعني أيضا المحسوس والمتخيل والمتذكَّر، يعني الوقح والمألوف والمتطرف من الأحداث والمواقف، يعني الذات الموزعة المشتتة والظروف المادية القاسية"(16) ، فالرواية بهذا المعنى تبحث عن الجديد غير المتشكل بعد في الواقع وهي مثقلة بواقع مضى ، فهي بذلك تحاول أن تصبح مختبرا للزمن الآتي " من هنا كان السرد وثيق الارتباط بالخيال بحكم تمثله لواقع زائل ينبغي حكايته أو روايته لإعادة تشكيله وفق نماذج ومعالم وتثبيته كخطاب يحتفظ بدلالته ويضمن له السيرورة عبر القراءة والتأويل" (17).
إن غنى التخييل يعطي عمقا واضحا للواقع وقد يجازف بمصير الحكي إلا أنه قد يقرر حقيقة جوهرية أن " العالم حولنا لم يعد ملكا لنا، كما لم يعد ممكنا أن نعتبر أنفسنا محورا للعالم أو تفسيرا نهائيا له"(18)، وقد أصبحت مهمة القارئ مرتبطة بحياة الرواية من حيث بروز وظيفة المتلقي المحايثة للإبداع والذي يراهن اكتشافه لجوانب هذا الواقع ما يملكه من خيال بناء مختزن في لاوعيه يخرج به من سطحية الاجتماعي نحو عمق السوسيولوجي ، فيمكن للقارئ أن يتخيّل نفسه من خلال قراءته للنص الروائي ، أرنبا أو فيلا أو فراشة لكن الحقيقة التي يمكن أن يقررها السارد والغائبة عن النص المعادة صياغته عبر القراءة ،هي أن كل من الأرنب والفيل والفراشة في بنية النص السردي هي التي تتخيّل نفسها إنسانا ف" الأشخاص الذين يختارهم الكاتب من واقعه الاجتماعي ما إن يدخلوا الحكاية حتى ينفصلوا عن ذواتهم الأولى، وتتحقق لهم ذوات جديدة يرسمها النص" (19)...فالمعاني المعطاة سلفا لا تحقق سوى تجسيد السلطة بمعناها الإطلاقي وهذا ما يجعل النص الروائي الجديد بعيدا عن الواقع الموضوعي ، خارج مدار المعاني الجاهزة فالقارئ حسب ناتالي ساروت وكما أكد هذا الطرح، الروائي Alain Robbe – Grillet " يجب عليه أن يتعرف في ما يقرأ على عالم ليس عالمه، ولكن يرغب في أن يكون عالمه" (20) وبذلك يصبح النص المقروء خارج السلطة كما يرسمها النص الأصلي.
3- النقد السوسيولوجي والأدب
ارتبط النقد السوسيولوجي للرواية بفرضيات من بينها :
- أن الأدب يماثل المجتمع والثقافة السائدة فيه.
- إن الأدب وسيلة إعلامية مرتبطة بالرأي العام من حيث تأثيره في القيم والاتجاهات العامة في سلوك الأفراد والجماعات.
- الأدب وسيلة للضبط الاجتماعي داخل المجتمع.(21)
إن الإبداع الأدبي يمثل حقلا فكريا للتفاعل الأيديولوجي، للممارسات
التطبيقية في المجتمع وقد اعتبر جورج لوكاتش"أن عملية الإنتاج الأدبي والأيديولوجي هما جزأ لا يتجزأ من العملية الاجتماعية العامة" (22).
- فإلى أي حد يشكل العالم الدلالي والسردي للرواية واقعة اجتماعية؟
وقد يضيف بيير زيما سؤالا آخر لايقل أهمية من الأول يقول:"إلى أي مستوى يمكن للنص الروائي أن يرتبط بالبنى الاجتماعية اللغوية لعصر ما ؟ " (23).
غير أن الفرضية الأساسية التي قام عليها النقد السوسيولوجي قد حددها جاك دوبوا J.Dubois في التعامل مع الأدب باعتباره نظاما اجتماعيا Institution Social ، تتلاقى مع نظرية لوسيان غولدمان الذي حاول إقامة توازن بين الذاتي والموضوعي في النظر إلى الواقعة الأدبية حيث يرى أن هناك تجاوبا بين رؤية الأديب أو فلسفته في الحياة داخل بناء له خصوصيته من حيث البناء الأخيولي لعوالمه وبين الوعي الجماعي يقول،" فمعظم أعمال سوسيولوجيا الأدب في الحقيقة تقيم علاقة بين أهم المؤلفات الأدبية والوعي الجماعي لهذه الجماعة الاجتماعية أو تلك التي ولدت هذه المؤلفات داخلها" (24)
وقد ارتبط مفهوم النقد السوسيولوجي بالرواية دون غيرها على اعتبارها من أكثر الأجناس الأدبية اهتماما برصد تحركات الإنسان داخل المجتمع وفي علاقته بأفراده " فالرواية هي الشكل الذي به يخاطب مجتمع ما نفسه ، وهي الطريقة التي يحيا بها الفرد ليكون مقبولا في مجتمعه .ويمكن أن يكون النقد السوسيولوجي كما عرفه ريمون ماهيو" بكونه ممارسة لقراءة ذات طابع خصوصي إزاء النص الأدبي ، تحترم استقلاليته باعتباره شكلا جماليا" (25).
ولدى فمن المهم جدا أن تتمتع الرواية بجميع المستويات : الطبيعي منها والواقعي والتوهمي والخيالي والأخلاقي والنفسي وما دون النفسي والشاعري والجنسي والسياسي والتجريبي " فيليب سولرز Ph. Solerz ولعل من ضمن الاستساغات النظرية فيما يتعلق بالمجتمع هي التي تعطي الشرعية التطبيقية لهذا النقد من حيث أن النسق الأدبي هو بمعنى من المعاني صياغة فنية سوسيولوجية للعلاقات الاجتماعية المتفاعلة ليست لها علاقة شكلية فقط بالظواهر الاجتماعية بل تتجاوز هذا المعطى نحو التفاعل مع المضامين المعرفية.
فمقاربات كارل ماركس K. Marx تدرج الإبداع الأدبي في صيرورة المجتمع مع الأخذ في تفسير هذه العلاقة الجدلية بالصراع الطبقي والبناء التحتي الاقتصادي حيث الصلة بين المجتمع والمعرفة وبالتالي الأيديولوجية ، جد قوية مما يعطي للإرث الأيديولوجي بعدا مؤثرا في المعرفة والفن والثقافة والأدب.
أما مقاربات كل من جورج زيمل G.Simmel وماكس فيبر M.Weber وكارل مانهايم K.Manheim ، فقد تنوعت ما بين تصنيفية ج.زيمل للعلاقات والعمليات الاجتماعية في المجتمع والعمل الدرامي وما بين تصنيفية فيبر للأنساقية والقيمية في الإبداعات الأدبية إلى أنماط مثالية Idéal Types.
أما مدرسة فرانكفورت عبر أعمال أدورنو W.Adorno وهوركايمر Horkeimer وولتر بنيامين W.Benjamin فقد ساهمت في تطور النقد السوسيولوجي بعد الحرب العالمية الثانية .
وعملت المدرسة السوسيولوجية مع روادها ساكولين P.Sakulin ورازومينيك I.Razuminik و فنجروف S.Vengerov على الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية المتعددة للأدب وعلى صياغة عددا من المباحث الفرعية في علم اجتماع الأدب ، مثل علم اجتماع المحتوى Context ، وعلم اجتماع المؤلف و القارئ.
وقد اهتم النقد السوسيولوجي في ألمانيا بمجمل الظروف المادية التي تطورت عبرها الأعمال الأدبية ومدى تأثيرها في جمهرة القراء حيث عمل ليفين شوكنج L. Schucking على دراسة جمهور القراء وبحث في أذواقهم.
أما في فرنسا فقد تطرق جويو J. Guyow لقضية القيم التي تقود إلى قضية الفعل في العمل الأدبي، واهتم غولدمان بدراسة بناء العمل الأدبي وتجسيده لفكر الجماعة الاجتماعية بينما أسس جاك لينهارت J.Leenhardt ,jurt و,Escarpit لإنشاء مبحث علم اجتماع القراءة Sociologie De Lecteur et le public حيث كان الطرح الأساسي يتناول بالسؤال الكيفية التي يستمر فيها عمل روائي إسباني أو إنجليزي دالا في نص اجتماعي مخالف عبر ترجمته إلى اللغة الفرنسية أو الألمانية ، كما أسسH.R jauss هانس روبرت ياوس الألماني لمقاربة جديدة " جمالية التلقي" اكتشف فيها القارئ المجهول والجمهور المستهلك للعمل الأدبي " فمؤسسي نظرية جمالية التلقي ( ياوس، إيزر) لا ينظران في النص الأدبي سوى " كن هنا " ويتجاهلان مقومات الانتاج الداخلي للنص الذي أنتجه" (26).
4- من أجل الانفلات من قبضة هيرمنوطيقا غولدمان
ساهمت سوسيولوجية الأدب بشكل متميز في تحليل أشكال العلاقة بين الانتاج الفكري ومعطيات البنية الاجتماعية ، وقد ساهم لوسيان غولدمان في بلورة العلاقة المباشرة بين مضمون النص الأدبي والواقع المعطى حيث اعتبر أن العلاقة الأساسية بين الحياة الاجتماعية والخلق الفني لا تهم مضمون هذين الحقلين في الواقع البشري وإنما تهم البنى العقلية التي تنتظم وفق التبادل الذي يخلقه الكاتب بين وعي فئة اجتماعية ما والعالم الخيالي ، حيث ينتمي المبدع " إلى فئات بين المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها وقد لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات معينة " (27).
إذن لايمكن تفسير حدث فكري بدون التطرق لهذه الوظيفة الاجتماعية والسياسية لهذا الانتاج لأنها تشخص بعدا من أبعاد الواقع.
ومع ازدياد الاهتمام بالتحليل السوسيولوجي للظواهر الفكرية ازداد التركيز على الخصائص المميزة للأجناس الأدبية من حيث أنه على كل مناقشة عقلية تهتم بماهو رمزي أن تبدأ من مبادئ قابلة للنقاش العقلي الذي يستوجب من وجهة نظر ما في الزمان أن يتم الاتفاق عليها.
ولقد تحرك النقد الأدبي الصادر عن علم اجتماع الأدب في اتجاه تجاوز النص الأدبي نحو دراسة آثاره واكتناه وظيفته الاجتماعية والأيديولوجية على اعتبار أن العمل الأدبي لا يتضمن فهم الواقع وتفسيره فقط بل يحتوي على اتساق معرفي تدفع به لاحتلال وظيفة تحقق لمضمونه أبعادا وجودية حقيقية.
وينطلق غولدمان في بنائه المعرفي للسوسيولوجيا الجدلية ( البنيوية التكوينية) structuralisme génitique
من فكرة أن الظواهر الفردية يحكمها تجانس كلي يحدد رؤية ما للعالم بالنسبة للكاتب، فالمجموع كله يتجلى في كل العناصر المكونة له كأن يختزل بيت شعري داخل القصيدة الشعرية مجمل الاشكالية التي يتطرق لها الكل (أي القصيدة)، من ثم كان الكل وأجزاؤه بالنسبة لغولدمان يتفاعلان داخل النص الأدبي.
فإى أي حد استطاعت السوسيولوجيا الجدلية (غولدمان) أن تبقى وفية للطرح الكيفي وأن تتخد من سوسيولوجيا المضمون منهجا يجعل من النص الأدبي وثيقة اجتماعية لفهم وتفسير نظام اجتماعي ما، حيث يبقى السؤال الجوهري مع هذا الطرح يسائل سوسيولوجيا إشكالية المعنى الحقيقي للكتابة ؟
مراجع الدراسة
1- رينيه ويليك، أوستين وارين " نظرية الأدب ، ترجمة محي الدين صبحي ،مراجعة د.حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت سنة 1948 ص: 98.
- عبد الفتاح كيليطو، نفس المرجع السابق، ص:137.2
3- Lotman Youri, La structure du texte artistique Ed Gallimard 1978,p :332.
4 - لوسيان غولدمان "الإله الخفي" أخذا عن محمد برادة " أسئلة الرواية أسئلة النقد" شركة الرابطة ،الدار البيضاء،الطبعة الأولى سنة 1996،ص: 180.
5- " البنيوية التكوينية والنقد الأدبي "يون باسكاوي، ترجمة محمد سبيلا، نفس المرجع السابق ، ص: 48.
6 - جورج لوكاتش ، دراسات في الواقعية ترجمة نايف بلوز ط،وزارة الثقافة، دمشق،1972.
7- للمزيد من المعلومات ،أنظر(ي) جورج لوكا تش،" نظرية الرواية" ترجمة: الحسين سحبان، منشورات التل،الرباط، مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء،الطبعة العربية الأولى سنة 1988 ص: 96-97.
8 - جورج لوكا تش ، نفس المرجع السابق ص:97.
9- د.فيصل دراج" نظرية الرواية والرواية العربية " المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى سنة 1999 ص: 98.
10 - جورج لوكا تش،" نظرية الرواية" نفس المرجع السابق ص:96.
11 - د.علي نجيب عطوي، تطور فن القصة اللبنانية العربية ،بعد الحرب العالمية الثانية" منشورات دار الآفاق الجديدة،بيروت الطبعة الأولى ،1982 الصفحة: 22.
12 - نفس المرجع السابق ص:89.
13 - اعتمد هانس روبير ياوس تأويل ه.ي. نويشافر في "معنى الباروديا" وضمنه كتابه "جمالية التلقي ، من أجل تأويل جديد للنص الأدبي، ترجمة وتقديم د.رشيد بنحدو،الطبعة الأولى 2003 ص:66/67.
14 - د.طه وادي، صورة المرأة في الرواية المعاصرة" دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية،سنة 1980،ص: 60.
15- ناتالي ساروت"الرواية والواقع "،الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول و اللامرئي" تأليف جماعي، ترجمة رشيد بنحدو،منشورات عيون ،الطبعة الأولى ،البيضاء سنة 1988 الصفحة: 12.
16-" دراسات في القصة العربية " وقائع ندوة مكناس، محمد برادة، " كتابة الفوضى والفعل المغير" مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى، بيروت- لبنان سنة 1986، الصفحة :11.
17 - محمد شوقي الزين" تأويلات وتفكيكات،فصول في الفكر الغربي المعاصر" المركز الثقافي العربي،الطبعة الأولى، 2002،ص: 82.
18- " الرواية والواقع" نفس المرجع ، ص: 31.
19 - د. عبد العالي بوطيب" مستويات دراسة النص الروائي، مقاربة نظرية" مطبعة الأمنية الرباط الطبعة الأولى سنة 1999 ص: 45.
20- " الرواية والواقع" نفس المرجع ، ص:30.
21- مجلة فصول "النقد الأدبي وعلم الاجتماع" محمد حافظ دياب المجلد الرابع العدد الأول 1983 ص: 63
22 - جورج لوكا ت-ش " دراسات في الواقعية" ترجمة نايف بلوز، دار الطليعة ،دمشق، الطبعة الثانية ، سنة :1972، ص: 42.
23 - بيير زيما " النقد الاجتماعي نحو علم اجتماع للنص الأدبي " ترجمة عايدة لطفي مراجعة د.أمينة رشيد ود.سيد بحراوي،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،القاهرة الطبعة الأولى 1991، ص: 123.
24 - لوسيان غولدمان" مقدمات في سوسيولوجية الرواية " ترجمة بدر الدين عرودكي ،دار الحوارللنشر والتوزيع،الطبعة الأولى 1993، ص: 24.
25- " نظريات القراءة : من البنيوية إلى جمالية التلقي " ريمون ماهيو، القراءة السوسيو- نقدية، ترجمة د.عبد الرحمان بوعلي، دار الحوار للنشر والتوزيع سورية ،الطبعة الأولى 2003، الصفحة63.
26 - Pierre v.zima,Manuel de sociocritique ,l’harmattan 2000,France, première édition ,Picard édition 1985,p :202. -
27-الطاهر لبيب ص: 2
المصدر :
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى