سيكولوجية "الزول" السوداني!
انتقل الى صفحة 1, 2, 3, 4, 5, 6  التالي
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 1:55 pm    موضوع الرسالة: سيكولوجية "الزول" السوداني! رد مع اشارة الى الموضوع

سيكولوجية "الزول" السوداني!

في بوست "الإنسان والمجتمع والدولة في السودان - نحو أفق جديد" تحدثت عند الصفحة الثامنة في محور جانبي أسميته " سيكولوجية "الزول". الآن وبعد مرور بعض الوقت على حديثي ذاك رأيت أن هذا الشيء "الكائن المدعو زول" قمين بإفراد بوست خاص به لما ينطوي عليه من دهشة ومفاجئات ومفارقات وتمايزات... وكارثة!. هناك عقدت مقارنات بين الزول والزول الآخر كما بين الزول واللا زول بشكل مجمل و هنا عندما أتقدم في الحكي قليلآ سأعمل على عقد مقارنة هذه المرة بين سيكولوجية "الزول" و سيكولوجية "الخواجة" على وجه التحديد ولربما حصلنا من واقع المفارقة المحتملة على إحداثيات جديدة ومختلفة عما فعلنا عند بوست المجتمع المدني والدولة في السودان. وذاك هو سر فتح هذا البوست.

وأراه حسنآ أن أنقل إلى هنا كلامي المعنى من البوست الآخر ولكن ببعض التصرف.

متمنيآ لي ولكم الصبر على مكاره القراءة والكتابة والنصر على شرور سيكلوجياتنا وسيئات آيدولوجياتنا... و"الزول" من وراء القصد.

تحياتي،

محمد جمال


---التعديل---
لمحاولة إصلاح عنوان البوست




عدل من قبل محمد جمال الدين في الاحد اغسطس 05, 2012 9:11 pm, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 2:04 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سؤال مهم جدآ ربما ردده العديد منا سرآ أو جهرآ وهو:

هل "الزول" مختلف عن بقية البشر في الدنيا؟.

الإجابة من عندي "طااااخ" نعم!.

بعد شوية حا نعرف "الزول" ذاتو منو وشنو؟. وحا نعرف مختلف كيف؟!. وليه؟.


محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 2:41 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

تحذير وتنبيه!


منظومات القيم في السودان؟

حا أتحدث من جديد عن المنظومات القيمية في السودان وهي الميكانزمات التحتية التي تشكل سيكولوجية "الزول" وتجعل منه زولآ مميزآ ومتمايزآ عن الآخرين.

لكن قبل أن أبدأ أرجو أن تأذنو لي بإطلاق تحذير هام كما تنبيه صغير.

تحذير:
المنظومات القيمية المعنية كما جاءت في بوست المجتمع المدني والدولة هي من إختراعي الخاص إذ ليست بشيء مجمع عليه ولا يوجد ما يطابقها في العلوم الإجتماعية القائمة والمعلومة أبدآ لا، لا بتصنفيها الذي فعلت ولا لغتها. ولإن بحث أحدكم مثلآ في محرك البحث قوقل وكتب أيآ من المنظومات القمية الثلاثة بلغتي 1- منظومة قيم الجسدانية "الفروسية" 2- منظومة قيم الروحانية "الغيب" 3- منظومة قيم العقلانية "الموضوعية" فلن يحصل على شيء غير كتابتي هذه والأمر سيان إن فعل البحث باللغة الإنجليزية
1- Value system of corporality, “Knighthood”.
2- Value system of spirituality, “Metaphysical”.
3- Value system of rationality, “Objectivity”.

الخلاصات التي توصلت إليها حتى الآن حول المجتمع المدني والدولة موضوعة أيضآ باللغة الإنجليزية ومنشورة في عدة مواقع وهي في مجملها أرائي الخاصة التي أحاول فرضها على العقول. وليست منظومات القيم فحسب بل كل شيء تقريبآ فيما يتعلق بالخلاصات المعنية حول المجتمع المدني والدولة.
ليه التحذير دا؟. عشان دا عمل تجريبي ينطوي على مغامرة خطيرة فإما هو حدث جديد "نظرية إجتماعية جديدة" أو هو تزييف ليس إلا. دا عشان الأمانة وعشان عايز أشعل روح العقول الناقدة. وعندي ظن إن كدا أنا شخصيآ بستفيد.

تنبيه صغير:
ناس الحتمية التاريخية والجدلية المادية ما يستعجلوا عند بداية حديثي هذا!. أظنكم أنتم عارفين أنا بقصد شنو؟. وحدث أن قلت معرفآ ماهية "القيمة":

منظومة القيم = حزمة متجانسة من المسلمات الإجتماعية "المثالية" الراسخة في العقل الجمعي. "القيمة" تقوم من جسد الجماعة بمثابة الشفرة الجينية DNA من جسد الفرد. هي محور إالتقاء "تلاحم" الجماعة وإعادة إنتاجها "نسخها" كل مرة مع جعلها متمايزة عن الجماعات الأخرى ك"وحدة إجتماعية واحدة ذات خصائص متفردة". كما أن "القيم" هي القوة الخفية الدافعة الى الفعل الموجب في سبيل تحقيق الهدف الكلي والنهائي للجماعة وهو على الدوام (البقاء أو/والمعاش أو/والأمن أو/والرفاهية) وبهذا المعني تمثل القيمة أيضآ معيار الجماعة للتفريق بين ما هو خير وما هو شر بالإحالة الى نجاعة الفعل من عدمه في نزوعه الى تحقيق "الهدف".

يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 7:42 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


المنظومات القيمية ... (لطفآ، راجع للأهمية خلاصة الإنسان و المجتمع والدولة في السودان كاملة لدى المداخلة المقبلة):

نستطيع أن نلاحظ أن هناك ثلاث منظومات قيمية رئيسية تقف خلف مجمل تمظهرات المجتمع المدني في السودان. وتمثل سببآ جوهريآ في تنوع تمظهرات المجتمع المدني وتمايزها عن بعضها البعض، وهي:
1- منظومة قيم الجسدانية "الفروسية" 2- منظومة قيم الروحانية "الغيب" و 3- منظومة قيم العقلانية "الموضوعية". (مع الوضع في الحسبان واقعية إختلاط وإمتزاج وتشابك القيم).

أ- تقف منظومة قيم الجسدانية "الفروسية" خلف جل التمظهرات المدنية الإثنية "العرقية" وأهمها القبيلة والعشيرة. و"الجسدانية" تكون في إعمال طاقة الجسد في سبيل سيطرتها على العقل والروح في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف هو: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته. وأهم قيم "الجسدانية" هي: الرجولة والشجاعة والأمانة والكرامة والشرف والمروءة والشهامة والكرم. وهي قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الفرسان "أولى القربى = وشائج الدم".
ورمز مكانها المادي هو "السرج" ورمز فعلها هو "السيف". وأسمى معانيها "التضحية" وأسوأ مثالبها "الإنحيازية العمياء" كما "اللاإنسانية".

ب- تقف منظومة قيم الروحانية "الغيب" خلف جل التمظهرات المدنية الدينية "بالمعنى الواسع للكلمة" وأهمها الطريقة الصوفية والطائفة والمسيد والمسجد والكنيسة والكجورية. و"الروحانية" تكون في إعمال طاقة الروح في سبيل سيطرتها على الجسد والعقل في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف دائمآ واحد: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته. ومن أهم قيم الروحانية: الزهد والتواضع والإيمان والإتكال على قوة ما ورائية. وهي بدورها قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من المؤمنين ب"الغيب" = "عالم ما وراء الطبيعة المادية". ورمز مكانها المادي هو "السجادة" بمعناها الصوفي ورمز فعلها هو "الفزعة" بالمعنى الغيبي للكلمة. وأسمى معانيها "النزاهة" وأسوأ مثالبها "العبثية" كما "الإتكالية المفرطة".

ج- تقف منظومة قيم العقلانية "الموضوعية" خلف جل التمظهرات المدنية "المدينية" ومثالها النقابة والمصنع. و"العقلانية" تكون في إعمال طاقة العقل في سبيل سيطرتها على الروح والجسد في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف دائمآ واحد: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته . ومن ضمن قيم "العقلانية": الإستنارة والتجربة والإنسانية والنظافة والنظام والإدخار. وهي قيم "أنا". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الأفندية "الوطنيين" والمثقفين والمتعلمين بالمعنى الحديث للكلمة. ورمز مكانها المادي هو "المكتب" ورمز فعلها هو "القلم". وأسمى معانيها " الموضوعية" وأسوأ مثالبها "الإستغلالية" كما "الأنانية".

د- القيم في تنزلها كفعل يصبغ حياة "الإنسان" تستطيع أن تشتغل مفردة أو متشابكة "ممتزجة". فالإنسان يمكنه أن يكون فارسآ محضآ أو زاهد محضآ أو متمدنآ محضآ. كما أن الإنسان يستطيع أن يكون "فارسآ زاهدآ" أو "فارسآ متمدنآ" او "زاهدآ متمدنآ". ليس ذاك فحسب بل الإنسان يستطيع أن يكون "فارسآ وزاهدآ ومتمدنآ" في ذات الأوان!.

الفارس هو المنتمى بالكامل إلى منظومة قيم الجسدانية "الفروسية". والزاهد هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم الروحانية "الغيب". والمتمدن هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم العقلانية "الموضوعية". و"متمدن" هذه لا تعني بالضرورة ساكن المدينة على وجه الحصر وإنما صفة لكل من ينتمي بالكامل إلى منظومة قيم الموضوعية حتى لو كان يقيم "فيزيائيآ" في الريف لا المدينة كما أن العكس صحيح بنفس القدر من الصحة فكثيرآ ما يكون سكان المدن أكثر ريفية من أهل الريف وأهل الريف أكثر أصالة في المدنية كزمان من أهل المدينة كمكان.

-الفارس في نسخته المثالية هو الإنسان "الضكران"، الشجاع، الكريم، الشهم، الأمين، ذو المروءة والشرف والكرامة.

-الزاهد في نسخته المثالية هو الإنسان المتواضع، الصبور، المتوكل، الورع التقي ، المحسن والمؤمن ب "الغيب".

-المتمدن في نسخته المثالية هو الإنسان المستنير، المنظم، النظيف، المدخر و الإنساني.

مع الوضع في الأفهام أن بعض هذه القيم تستطيع أن تتبادل المواقع لكن دون أن تفقد المنظومة المحددة خصائصها كلية. كما أن القيم "المفردة في نوعها" والمشكلة لكل منظومة قيمية تكون في الغالب أكثر وأغنى بكثير مما حصرناه لدى هذه النقطة.


ه- "القيمة" تقوم من جسد الجماعة بمثابة الشفرة الجينية DNA من جسد الفرد. هي محور إلتقاء "تلاحم" الجماعة وإعادة إنتاجها "نسخها" كل مرة مع جعلها متمايزة عن الجماعات الأخرى ك"وحدة إجتماعية واحدة ذات خصائص متفردة". كما أن "القيم" هي القوة الخفية الدافعة الى الفعل الموجب في سبيل تحقيق الهدف الكلي والنهائي للجماعة وهو على الدوام (البقاء والمعاش والأمن والرفاهية). وبهذا المعني تمثل القيمة أيضآ معيار الجماعة للتفريق بين ما هو خير وما هو شر بالإحالة الى نجاعة الفعل من عدمه في نزوعه الى تحقيق "الهدف".

يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال



عدل من قبل محمد جمال الدين في الجمعة يناير 18, 2013 4:41 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 7:45 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الإنسان والمجتمع المدني والدولة في السودان - نحو أفق جديد


خلاصة



تعريف المجتمع المدني (مفهوميآ وعمليآ) وفي مقابل الدولة "السودان مثالا"




1- "مدني" في عبارة "المجتمع المدني" تعني لا "رسمي"، لا غير.

كلمة "مدني" في عبارة: المجتمع المدني تقوم ضد الرسمي "الدولة" على وجه الإطلاق.

المدني هو المجتمع اللا رسمي والدولة هي المجتمع اللا مدني.

مدني في مقابل رسمي.*

وبهذا النحو فإن "مدني" في عبارة "المجتمع المدني" لا تحيل إلى أي معنى آخر من معاني التميز والإمتياز من قبيل مدنية بمعنى حضر أو حضارة أو حداثة أو علمانية. كما ان الكلمة "مدني" لا تحيل الى أي معنى من معاني الإلتزام الأخلاقي أو الأدبي أو الآيدولوجي. وإنما تعني فقط لا غير: غير رسمي (كل شيء أو فعل أو شخص خارج إطار منظومة الدولة). فالمجتمع المدني بهذا المعنى يكون هو محصلة حراك الناس "الهيكلي واللا هيكلي" خارج منظومة الرسمي "الدولة". وبغض النظر عن مغزى وشكل ذاك الحراك. ولا يهم ان وصف بأنه حديث أو تقليدي، تقدمي أو رجعي. كما لا يهم مكان حدوثه في الريف أو المدينة. وبغض النظر عن زمان حدوثه. فهو في كل الأحوال والأماكن والأزمان فعل "مدني": مجتمع مدني.


2- جوهر "المجتمع المدني" في مظهره، إذ لا ذات قائمة بذاتها للمجتمع المدني .. كما ان المجتمع المدني يتمظهر هيكليآ في ذات الوقت الذي يتمظهر فيه لا هيكليآ ودائمآ بطرق منوعة ومتمايزة.

فإن جاز تشبيه المجتمع المدني بالبحر فان موج البحر هو تمظهره. وإذا تحقق أن نرى البحر في سكونه بأعيننا ونسبح فيه بأجسادنا، فالمجتمع المدني عكس ذلك تماما فهو لا يرى ولا يحس الا حينما يتمظهر. لأن لا ذات للمجتمع المدني قائمة بذاتها. لا يوجد جوهر للمجتمع المدني. فجوهر "المجتمع المدني" هو مظهره هو "تمظهراته" ليس إلا. المجتمع المدني مجرد خط بياني متصور الغرض منه قياس الحالة، ليس إلا. ولهذا لا تتحدث الناس عن المجتمع المدني والا تطابق حديثهم مع تمظهراته أي هياكله وأحداثه. كما لا يوجد مجتمع مدني واحد يحمل نفس الصفات والمواصفات ويتمظهر بنفس النسق والمنوال. كل تمظهر مدني عنده خصائصه المتفردة وفقآ للأسباب الواقفة خلف كل تمظهر من التمظهرات. التمظهر المدني مثل بصمات الأصابع لا يتكرر مرتين في نفس الآن والمكان، فعلى سبيل المثال النقابة المحددة لا تتطابق مع نقابة أخرى في كل شيء كما الأمر نفسه يكون لدي الطائفة والعشيرة وإلخ... تلك التمايزات "متفاوتة الحجم" تجد خلفيتها في جدلية "الهدف والقيم واللائحة".

3- تمظهرات المجتمع المدني الأفقية والرأسية:
يتمظهر المجتمع المدني أفقيآ كما رأسيا. أفقيآ في صورة أحداث وهياكل (هيكليآ ولا هيكليآ). كما يتمظهر رأسيآ (في نسخته الهيكلية) في صورتين 1- "أصيلة" = "تحتية" و2- فوقية (مولدة عن الأصيلة). النسخة المدنية الأصلية تستند على منظومة قيم إجتماعية تنقسم الى ثلاثة أنماط: 1- جسدانية "فروسية" 2- روحانية "غيبية" و 3- عقلانية "موضوعية". بينما يستند التمظهر الفوقي "المولد" إلى منظومة آيدولوجية "رؤيوية".

أ- أحداث "لا هياكل" المجتمع المدني:
يتمظهر المجتمع المدني لا هيكليآ في شكل أحداث متكررة وراتبة من خلفها قيم وعندها أهداف وأعراف وسوابق راسخة في العقل الجمعي. مثال ذلك التظاهرات الجماهيرية والألعاب الشعبية ومراسم الزواج وشعائر الجنازة والفزعة والنفير و"الظار" والمبارزة و "البطان" والحكاوي الشعبية و"القعدات" بأشكالها المختلفة كجلسات القهوة "الجبنة" و الشاي والخمر ولعب الورق "الكتشينة".

ب- منظمات "هياكل" المجتمع المدني:
يتمظهر المجتمع المدني هيكليآ في شكل تجمعات مجتمعية طويلة الأمد، وتسمى بأسماء مختلفة غير أن أكثر إسم شائع في الوقت الراهن هو: منظمة، وتجمع منظمات. والمنظمة هنا تشمل في الأساس القبيلة والعشيرة والطائفة الدينية (التمظهرات الطبيعية والوراثية و التقليدية وهي في الأساس تمظهرات المجتمع المدني "الريفي") يقابلها في الجانب الآخر تمظهرات المجتمع المدني "المديني" كالنقابات والإتحادات والنوادي والمنظمات الحقوقية والبيئية والإبداعية والعلمية والروابط الفئوية المختلفة ومصانع القطاع الخاص. فالمجتمع المدني بمثل ما يتمظهر "لا هيكليآ" في شكل أحداث فإنه أيضآ يتمظهر "هيكليآ" في شكل منظمات عندها أعضاء مسجلون أو غير مسجلين على الورق بغرض انجاز أهداف محدده وفق نظم وقيم ولوائح محددة مكتوبة أو غير مكتوبة على الورق.

ج- شروط تمظهرات المجتمع المدني:
لا يستطيع المجتمع المدني أن يتمظهر هيكليآ أو لا هيكليآ "على مستوى بنياته الأصيلة" إلا في حالة تحقق ثلاثة شروط في نفس الآن ودون نقصان: 1- هدف 2- منظومة قيم و 3- لائحة .. وقد تكون تلك الشروط اللازمة موضوعة على الورق "مكتوبة" في حالة النقابة مثلآ أو مرسومة في العقل الجمعي للجماعة المحددة "غير مكتوبة" في حالة "العشيرة" أو "شعائر الجنازة" مثلآ.

د- كل حراك جمعي هيكلي أو لا هيكلي هو مجتمع مدني وعلى وجه الإطلاق:
كل حراك مدني هيكلي هو منظمة مجتمع مدني بغض النظر عن أهدافه وشكل عضويته ومكان وزمان وقوعه وبغض النظر عن إعتراف الرسمي به أو لا، يكون منظمة مجتمع مدني حتى لو كانت عصابة إجرامية. كما أنه بنفس القدر كل حدث جمعي غير هيكلي يقوم على أساس هدف محدد وقيم محددة وأعراف وسوابق متعارف عليها هو حدث مدني أي مجتمع مدني، مثال ذلك التظاهرات الجماهيرية والألعاب الشعبية ومراسم الزواج وشعائر الجنازة والفزعة والنفير و"الظار" والمبارزة و "البطان" والحكاوي الشعبية و"القعدات" بأشكالها المختلفة كجلسات القهوة "الجبنة" و الشاي والخمر ولعب الورق "الكتشينة".

ه- التمظهرات المدنية الهيكلية واللا هيكلية تمثل التمظهرات الأصيلة للمجتمع المدني والتي بدورها قد تتمظهر في أشكال أخرى "فوقية" بهدف الجدل مع الدولة = تمظهر مولد عن الأصيل ( جماعات وأحزاب سياسية "رؤيوية موضوعية" أي آيدولوجية).

و- الأحزاب السياسية لا تكون ذات فاعلية وديمومة إلا إذا جاءت كتمظهر فوقي لتمظهر مدني أصيل.

ز- البنية المدنية الفوقية هي مكان الرؤى الشتيتة = "آيدولوجيات متصارعة" في سبيل الفوز بأكبر قد من التاُثير في عملية بناء وسيرورة رؤية موحدة للعيش المشترك، بينما تكون الدولة هي مكان الرؤية الموحدة للعيش المشترك = "عقد إجتماعي".

4- المنظومات القيمية:

نستطيع أن نلاحظ أن هناك ثلاث منظومات قيمية رئيسية تقف خلف مجمل تمظهرات المجتمع المدني في السودان. وتمثل سببآ جوهريآ في تنوع تمظهرات المجتمع المدني وتمايزها عن بعضها البعض، وهي:
1- منظومة قيم الجسدانية "الفروسية" 2- منظومة قيم الروحانية "الغيب" و 3- منظومة قيم العقلانية "الموضوعية". (مع الوضع في الحسبان إختلاط وتشابك القيم).

أ- تقف منظومة قيم الجسدانية "الفروسية" خلف جل التمظهرات المدنية الإثنية "العرقية" وأهمها القبيلة والعشيرة. و"الجسدانية" تكون في إعمال طاقة الجسد في سبيل سيطرتها على العقل والروح في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف هو: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته. وأهم قيم "الجسدانية" هي: الرجولة والشجاعة والأمانة والكرامة والشرف والمروءة والشهامة والكرم. وهي قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الفرسان "أولى القربى = وشائج الدم".
ورمز مكانها المادي هو "السرج" ورمز فعلها هو "السيف". وأسمى معانيها "التضحية" وأسوأ مثالبها "الإنحيازية العمياء" كما "اللاإنسانية".

ب- تقف منظومة قيم الروحانية "الغيب" خلف جل التمظهرات المدنية الدينية "بالمعنى الواسع للكلمة" وأهمها الطريقة الصوفية والطائفة والمسيد والمسجد والكنيسة والكجورية. و"الروحانية" تكون في إعمال طاقة الروح في سبيل سيطرتها على الجسد والعقل في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف دائمآ واحد: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته. ومن أهم قيم الروحانية: الزهد والتواضع والإيمان والإتكال على قوة ما ورائية. وهي بدورها قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من المؤمنين ب"الغيب" = "عالم ما وراء الطبيعة المادية". ورمز مكانها المادي هو "السجادة" بمعناها الصوفي ورمز فعلها هو "الفزعة" بالمعنى الغيبي للكلمة. وأسمى معانيها "النزاهة" وأسوأ مثالبها "العبثية" كما "الإتكالية المفرطة".

ج- تقف منظومة قيم العقلانية "الموضوعية" خلف جل التمظهرات المدنية "المدينية" ومثالها النقابة والمصنع. و"العقلانية" تكون في إعمال طاقة العقل في سبيل سيطرتها على الروح والجسد في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف دائمآ واحد: (بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته . ومن ضمن قيم "العقلانية": الإستنارة والتجربة والإنسانية والنظافة والنظام والإدخار. وهي قيم "أنا". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الأفندية "الوطنيين" والمثقفين والمتعلمين بالمعنى الحديث للكلمة. ورمز مكانها المادي هو "المكتب" ورمز فعلها هو "القلم". وأسمى معانيها " الموضوعية" وأسوأ مثالبها "الإستغلالية" كما "الأنانية".

د- القيم في تنزلها كفعل يصبغ حياة "الإنسان" تستطيع أن تشتغل مفردة أو متشابكة "ممتزجة". فالإنسان يمكنه أن يكون فارسآ محضآ أو زاهد محضآ أو متمدنآ محضآ. كما أن الإنسان يستطيع أن يكون "فارسآ زاهدآ" أو "فارسآ متمدنآ" او "زاهدآ متمدنآ". ليس ذاك فحسب بل الإنسان يستطيع أن يكون "فارسآ وزاهدآ ومتمدنآ" في ذات الأوان!.

الفارس هو المنتمى بالكامل إلى منظومة قيم الجسدانية "الفروسية". والزاهد هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم الروحانية "الغيب". والمتمدن هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم العقلانية "الموضوعية". و"متمدن" هذه لا تعني بالضرورة ساكن المدينة على وجه الحصر وإنما صفة لكل من ينتمي بالكامل إلى منظومة قيم الموضوعية حتى لو كان يقيم "فيزيائيآ" في الريف لا المدينة كما أن العكس صحيح بنفس القدر من الصحة فكثيرآ ما يكون سكان المدن أكثر ريفية من أهل الريف وأهل الريف أكثر أصالة في المدنية كزمان من أهل المدينة كمكان.

-الفارس في نسخته المثالية هو الإنسان "الضكران"، الشجاع، الكريم، الشهم، الأمين، ذو المروءة والشرف والكرامة.

-الزاهد في نسخته المثالية هو الإنسان المتواضع، الصبور، المتوكل، الورع التقي ، المحسن والمؤمن ب "الغيب".

-المتمدن في نسخته المثالية هو الإنسان المستنير، المنظم، النظيف، المدخر و الإنساني.

مع الوضع في الأفهام أن بعض هذه القيم تستطيع أن تتبادل المواقع لكن دون أن تفقد المنظومة المحددة خصائصها كلية. كما أن القيم "المفردة في نوعها" والمشكلة لكل منظومة قيمية تكون في الغالب أكثر وأغنى بكثير مما حصرناه لدى هذه النقطة.


ه- "القيمة" تقوم من جسد الجماعة بمثابة الشفرة الجينية DNA من جسد الفرد. هي محور إلتقاء "تلاحم" الجماعة وإعادة إنتاجها "نسخها" كل مرة مع جعلها متمايزة عن الجماعات الأخرى ك"وحدة إجتماعية واحدة ذات خصائص متفردة". كما أن "القيم" هي القوة الخفية الدافعة الى الفعل الموجب في سبيل تحقيق الهدف الكلي والنهائي للجماعة وهو على الدوام (البقاء والمعاش والأمن والرفاهية). وبهذا المعني تمثل القيمة أيضآ معيار الجماعة للتفريق بين ما هو خير وما هو شر بالإحالة الى نجاعة الفعل من عدمه في نزوعه الى تحقيق "الهدف".

5- وظائف وأدوار البنيات المدنية الأصيلة و الفوقية:
وظيفة البنية المدنية الأصيلة في الأساس تنحصر حول إنجاز هدف الجماعة الكلى أو الجزئي من (البقاء أو/و المعاش أو/و الأمن أو/و الرفاهية) للجماعة المدنية المحددة في مواجهة الطبيعة والآخر على وجه الإطلاق كما تشهد عليه الحياة العملية. إذ ليس من أهداف البنيات المدنية الأصيلة الجدل المباشر مع الدولة إلا في الحالات غير الطبيعية. تلك مهمة البنيات المولدة " الفوقية" لا الأصيلة "التحتية".

مرة ثانية ليس من وظائف أو أدوار البنيات المدنية "الأصيلة" الجدل المباشر مع الدولة. كما ليس من مصلحة الدولة في شيء الجدل المباشر مع تلك البنيات المدنية الأصيلة. بل ذاك إن حدث من البنيات المدنية الأصيلة أو من الدولة سيؤدي على المستوى البعيد إلى التـأثير السالب من حيث المبدأ على وجودهما المادي على حد سواء، كون إذن منظومات القيم المثالية "المدني" ستصطدم بمبدأ المصلحة "المنفعة" المجردة = "الدولة". وهما حقلان وجبا أن يكونا متوازيان على الدوام لا يتقاطعان أبدآ وتقوم في الفضاء الفاصل بينهما البنيات الفوقية = الآيدولوجيات. وإلا هناك مشكلة دائمآ ما تتجسد في فساد الرؤية الموحدة للعيش المشترك.

6- السمة الغالبة للمجتمع المدني هي التضحية بجهد الجماعة لمصلحة الفرد (كشف الفراش = دفتر تبرعات المأتم) مثالآ. بينما تكون السمة الغالبة للدولة هي التضحية بجهد الفرد لمصلحة الجماعة (الضرائب) مثالآ.


7- المجتمع المدني كمصطلح تقني:
المجتمع المدني يجوز أن ننظر إليه كمصطلح تقني بحت (لا قيمي و لا أخلاقي) لا يتعرف في جوهره بالخير ولا الشر ولا الحداثة أو التقليدية ولا التقدم أو التخلف ولا العلمانية أو الدينية. تلك الفاظ قيمة تتعرف وفق منظوماتها القيمية المحددة ولا يجب أن تحيل بحال من الأحوال الى "المدني". فالمجتمع المدني يكون بمثابة الميدان المادي للصراع القيمي والآيدولوجي لكنه هو ليس ذاته الصراع. إنه الفضاء فحسب. فضاء التجليات!. الفضاء الذي تحلق فيه العصافير الملونة "الجميلة" والبريئة والصقور الجارحة والبعوض والحشرات العديدة. هو الفضاء فحسب، هو ليس العصافير الجميلة البريئة ولا الصقور الجارحة. إنه الفضاء الشاسع القابع في سلبيته. فضاء للخير بقدر ما هو فضاء للشر، فضاء للباطل والحق وللقبح والجمال. هو الرمز ليس إلا بينما تكون تجلياته هي الحقيقة!.


8- جدلية الخير والشر "أ":
يتعرف المجتمع المدني بخيره من شره القائم أو المحتمل لا ببنياته قديمة أو حديثة وإنما بحسب أفعاله الصالحة أو الطالحة من مجالات الفعل الموجب والتي يمكن رؤيتها في: 1- التنمية 2- السلام 3- الحكم الرشيد 4- الحقوق )حقوق الإنسان والحيوان والطبيعة(Human, Animal and Nature Rights "HAN"
5- الإبداع و6- المجال المفتوح (الثقافي-الإجتماعي- الترفيهي). وذلك بقياس المسافة بين الصفة الخيرة ونقيضها، من مثل: التنمية مقابل الدمار والسلام مقابل الحرب والرشد مقابل الطغيان والحق مقابل الباطل والإبداع مقابل التحجر و المفتوح مقابل المغلق.


9- جدلية الخير والشر "ب":
في جميع الاحوال وفي كل الأوقات فإن الفعل في سياق المجتمع المدني هيكليآ أو لا هيكليآ يقود الى منفعة محددة تجد تعبيرها في مساهمة مادية نقدية أو عينية كما بذل الجهد المجاني أو مدفوع الأجر بهدف جلب الخير او درء الاذى، في فضاء خارج الرسمي "الدولة" وفق منظومة قيمية أو رؤيوية محددة ربما يكون نتاجها شرآ في نظر الآخر.



10- جدلية المدني و الرسمي:
لا يكون "المدني" الا في مقابل "الرسمي" والعكس صحيح، وبإنتفاء أيآ منهما ينتفي الآخر بالضرورة، فلا مجتمع مدني بلا دولة ولا دولة بلا مجتمع مدني. فعلى سبيل المثال فإن أي منظمة تقوم خارج السودان "بحدوده كدولة" لا تمثل "مجتمع مدني" لأنها ببساطة لا تقوم في مقابل الدولة. والأصح (أي ربما يجوز) أنها تمثل مجتمع مدني فقط بالنسبة للدولة التي نشأت بها. وبالتالي فإن تسمية "منظمات مجتمع مدني" بالنسبة للمنظمات "الموصوفة بالمدنية" التي ينشأها السودانيون بالخارج لا تصح إلا كمجاز. إلا إذا حتم واقعها الموضوعي أن تكون فروعآ مرحلية لكيانات مدنية أصيلة أو فوقية تقوم بداخل البلاد وإستنادآ عليه تكون أهدافها ورؤيتها ورسالتها، وهو ما نلمسه في الواقع المعاش في حالة كثير من الأحزاب السياسية السودانية.


11- التمظهرات الهيكلية "العملية" للمجتمع المدني:
يتمظهر "المجتمع المدني" في السودان عمليآ ويبدو للعيان بشكل "هيكلي" في أربع أنماط رئيسية:
1- تمظهرات عقلانية موضوعية "الشكل الحديث" ورمزها النقابة 2- تمظهرات جسدانية إثنية "القبيلة والعشيرة" 3- تمظهرات روحانية غيبية (الطرق الصوفية والمسيد والمسجد والكجور والكنائس) وأخيرآ 4- تمظهرات القطاع الخاص (بدورها عقلانية).

12- التمظهرات الهيكلية للدولة:
تتمظهر الدولة على وجه العموم "هيكليآ" في ستة أشكال رئيسية هي: 1-الجهاز التنفيذي (الحكومة) 2-الجهاز التشريعي "البرلمان" 3-الجهاز القضائي 4-المؤسسة العسكرية (الجيش والبوليس وأجهزة الأمن) 5-الخدمية المدنية و6- القطاع العام. (كما أن الدولة بدورها تستطيع أن تتمظهر في أشكال غير هيكلية من قبيل مرموزات قيمية ومفاهيم آيدولوجية وهنا يكمن معزي تأثير الدولة على أحداث وهياكل "المجتمع المدني" سلبآ وإيجابا. وهنا تكون جدلية "المجتمع المدني والدولة" في أسطع صورها).


13- صراع الريف والمدينة و نزاع الذات:
من خلال الملاحظة نستطيع ان نتحسس أن المجتمع المدني في السودان ينقسم في مستوى بنيته الأصيلة على وجه الإجمال في كتلتين هما كتلة الريف وكتلة المدينة. هذان الكتلتان تتوازيان مرة وتتقاطعان في بعض المرات، تختصمان في لحظة ما وتتصالاحان في لحظة اخرى، في نفس الوقت الذي يعتمل في داخل كل منهما مجموعة من التناقضات الذاتية بفعل اختلاف واختلال منظومة القيم الواقفة وراء تمظهرهما ( أي ان كل كتلة في ذاتها تتراكب من جزيئات تتشابه حينآ و تتمايز تراكيبها بعضا عن بعض أحيانآ أخرى). هذان المجتمعان يتمثلان بشكل مجمل في المجتمع المدني "المديني" والمجتمع المدني " الريفي". ولكل منهما تمظهراته المختلفة إختلافآ جذريآ عن الآخر كون تلك التمظهرات المعنية تقوم على سند من منظومات قيمية متمايزة "جذريآ". وهذا التمايز والإختلاف لدى البنية المدنية التحتية يسقط على التجلى الفوقي "الآيدولوجي" لكل منهما (مثال لذلك الصراع السياسي الذي وسم تاريخ السودان الحديث بين الطائفيين والأفندية). كما أن في الجانب الآخر كل كتلة من الكتلتين الأصيلتين موسومة بإختلال قيمي "ذاتي" يجعلها في نوعها متمايزة في تراكيبها وهذا التمايز في إطار النوع الواحد يسقط بدوره على البنية الفوقية (مثال لذلك الصراع السياسي بين العلمانيين والغيبيين "يسار يمين" على مدى تاريخ سودان ما بعد الإستقلال).


-14البنيات المدنية التحتية تبقى على الدوام ممثلة في مستوى الدولة عبر الآيدولوجيا (البنيات الفوقية) في ثلاثة مستويات متباينة: أ- تمثيل بالأصالة (هو التمثيل المثالي) ب- تمثيل بالإنابة (يعتمل ضمان الحقوق المادية والمعنوية) و ج- تمثيل بالإحالة (يحتمل القهر المادي والمعنوي).


15- سايكولوجيا الإنسان "الفرد" تتخلق وتعيش وتموت وتولد من جديد وفق القيم المشكلة للبنيات المدنية التحتية. كما أن تلك البنيات التحتية تقوم في و "على" جدل مستمر مع الرؤى "الآيدولوجيا" كما الزمكان "الدولة" . و تكون البنية المدنية التحتية كما الفوقية والدولة مكان هويات الفرد "القيمية والرؤيوية والزمكانية" على التوالي. كما أن للفرد هويته "الفردانية" أي سايكلوجيته الخاصة. (سايكلوجيا الفرد تعني تجربته الذهنية والنفسية والجمالية وذوقه الحسي. هناك أربعة مستويات للهوية: هوية "قيمية"، هوية "رؤيوية"، هوية "زمكانية" وهوية "فردانية". ولكل كائن بشري بالضرورة شعور بهوية "فردانية" وهوية "قيمية" وليس بالضرورة أن يشعر الفرد على الدوام بهوية رؤيوية أو/و هوية زمكانية).



16- فرضية أخيرة: المجتمع المدني هو الاصل كما هو سديم الدولة:

الأصل في الإجتماع البشري هو "المجتمع المدني" ببنياته الأصيلة ثم تأتي البنى الفوقية ومن ثمة تتشكل الدولة. فالمجتمع المدني هو بذرة الدولة. الدولة بكل بساطة هي: نقطة تلاقي المصالح/تعارضها. أي نقطة تلاقي/تعارض مصالح البنيات المدنية الأصيلة في حيز زماني وجغرافي محدد "زمكان" وما يقتضي ذلك بالضرورة من نظام لا مفر منه يسمى في شموله: الدولة. وإذ يقوم المجتمع المدني على "القيمي" في تمظهره الأصيل وعلى "الآيدولوجي" في تمظهره الفوقي تقوم الدولة على نظام "المنفعة = المصلحة" مجردة بلا قيم ولا آيدولوجيا في نسختها المثالية. وإلا ستتعارض الدولة وتتصادم بإستمرار مع كثير من البنيات الإجتماعية الأصيلة مما يؤدي في نهاية المطاف (في الغالب الأعم) إلى واحد من إحتمالين: موت "فناء" الدولة السائدة بشكل نهائي وبالتالي موت المجتمع المدني "موت القيم السائدة" أو إعادة تشكل الدولة في صيغة جديدة وبالتالي تمظهر المجتمع المدني في لباس جديد "قيم جديدة". مرة ثانية الصورة المعتادة هي أن تتشكل القيم أولآ تتشكل الرؤى تبعآ للقيم تتشكل الدولة وفقآ للرؤى. تتشكل المستويات الثلاثة للهوية "القيمية والرؤيوية والزمكانية" في نسق ما. تموت القيم السائدة تموت الرؤى السائدة تموت الدولة السائدة. تتشكل القيم من جديد تتشكل الرؤى من جديد تتشكل الدولة من جديد. تتشكل المستويات الثلاثة للهوية في نسق جديد. وهكذا تكون على سبيل المثال مروي ثم المقرة وعلوة فسنار. وتكون بالطبع تلك التموجات "الزمكانية" مشحونة بملايين الهويات القيمية والرؤيوية "أي تتصارع الكتلة الواحدة في ذاتها حتى الفناء". قيم فرؤى فدولة.

غير أنه في مرة من المرات تتعقد تلك المعادلة إذ يحدث في لحظة ما إستثنائية العكس تمامآ بحيث تتشكل الدولة "الزمكان" أولآ ثم تتشكل من بعدها الرؤى فلقيم (حدث في واقع السودان بصورة حادة مرتين عام 1821 "ما عرف بالغزو التركي المصري" وحصل مرة ثانية عام 1899 " ما عرف بالغزو الإنجليزي المصري"). ليس ذاك فحسب بل أن الزمكان على الدوام يخرق الرؤى والرؤى تخرق القيم وتلك هي جدلية المجتمع المدني والدولة "المعنية".


• التكرار مقصود عند نقطة رقم "1"

محمد جمال الدين حامد، لاهاي/هولندا 10 يونيو 2011


عدل من قبل محمد جمال الدين في الجمعة يناير 18, 2013 4:49 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:00 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

بعد المقدمة الصغيرة دي ممكن نبدأ الكلام... خليكم معاي... لطفآ.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!


محمد جمال


------------التعديل------
لا شيء مهم!.


عدل من قبل محمد جمال الدين في الجمعة سبتمبر 16, 2011 12:10 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:08 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سيكولوجية "الزول"

قلنا أننا سنحاول تقصى سيكولوجية "الزول" أي الإنسان السوداني!. هذا المحور ستهيمن عليه "منظومة القيم" كما هو معلن!. وسأبقى أصيلآ في إعتمادي على ملاحظتي الذاتية كما هو الحال "إشارة إلى البوست الآخر".

نبدأ بالإنسان "الفرد" = " الزول". أ- الزول من حيث هو زول .. ب- الزول في نظر الزول الآخر .. ج- الزول في نظر الآخر المطلق "اللازول"!.

أ‌- الزول

(إذا ما شب حريق بشكل مباغت ... ماذا يفعل الزول؟) مثال.

أولآ دعوني أعرفكم على ثلاثة شبان سودانيين كل "زول" منهم من جهة ما مختلفة. الأول يدعى أحمد سمير من حي الصافية بالخرطوم موظف صغير ببنك الخرطوم والثاني عدلان أب شرا مزارع "صاحب حواشة" من طيبة الشيخ عبد الباقي والثالث آدم بحر الدين راعي أبقار قبالة كفيا كنجي. ولو أن عدلان وآدم تركا مهنتيهما ونزحا بعيدآ فعاشا في مناطق مختلفة في إحدى أحياء أمبدة بإمدرمان منذ عامين.

جمعت هولاء الثلاثة مصادفة غير عادية في دار مغلقة بإحكام شديد تشبه إلى حد كبير صوامع الغلال. وكان هناك ثلاثة أطفال نائمون في سرداب بالداخل. وفجأة حدث أمر غير متوقع. بدأ "أنبوب" غاز ما يشتعل نارآ دون إدراكهم. لكنهم أخذوا على حين غرة بصوت فتاة صغيرة جملية وهي تصيح في منتهى الهلع: النار النار النار.. حريق حريق حريق. (الأطفال الثلاثة كانوا إخوان وأخوات تلك الفتاة).

فماذا فعل كل من أحمد وعدلان وآدم في النصف الأول من الثانية الأولى من الوقت إلى إكتمال الثانية الثالثة؟.

-قفز أحمد قبالة الباب المغلق ويده تتحسس الموبايل في جيبه.
-نهض عدلان متجهآ قبالة الفتاة.
-نظر آدم ناحية إشارة الفتاة إلى مكان الحريق.

(كل تصرف من تلقاء نفسه ودون أن يشعر أو يعير إنتباهآ لما يفعل الآخر)

بين الثانية الثالثة والعاشرة، كان الوضع كالتالي:

-أحمد إستطاع بقدرة خارقة كسر الباب والولوج إلى الخارج في الوقت الذي يحاول فيه إبلاغ شرطة المطافيء بالحدث.
-عدلان كان يهز كتفي الفتاة "التي كانت في منتهي الهلع" ويقول لها: "قولي: يا الشيخ اب شرا".
-آدم كان يقف قبالة الحريق ويبحث عن وسيلة لإطفائه.

ماذا حدث بين نهاية الثانية العاشرة وإلى إكتمال الدقيقة الأولى؟.

قبل أن أخبركم بكل ما جرى في الدقيقة الأولى هناك أمر مهم جدآ وهو: بعد إكتمال تحريات "البوليس" ثبت أن مواقف الشبان الثلاثة وإنفعالاتهم التلقائية مع الحدث في العشرة ثواني الأولى كانت صحيحة وصحيحة بنفس القدر من الصحة، على حد سواء!. لقد كان حكمآ مدهشآ جدآ لكثير من الناس!.

وبإكتمال الدقيقة الأولى:

-آدم شرع في إطفاء الحريق وحده وبكل السبل الممكنة ... كان أمرآ صعبآ... لكنه على كل حال إستطاع حجب بعض ألسنة اللهب من أن تصل إلى مدى الإنفجار قبل الخمسة دقائق الأولى.

-عدلان إستطاع تهدئة روع الفتاة بحيث عملت على قيادته إلى مكان الأطفال الثلاثة.

-أحمد إستطاع إبلاغ شرطة المطافي بالحدث وظل يراقب بتمعن من الخارج.

بعد سبع دقائق وصلت شرطة المطافي. فوجدت عدلان وآدم وأحمد والفتاة والأطفال الثلاثة بالخارج وبحالة ليست سيئة جدا. ولو أن أحمد جرح جرحآ صغيرآ لكنه مؤلمآ في يده اليمنى أثناء محاولة خروجه من الدار وعدلان أصيب بألم حاد في السلسله الفقرية من جراء حمله للأطفال الثلاثة على عجل إلى الخارج وآدم أصابته النار في قدمه اليسرى. الفتاة لا تزال مرتعبة والأطفال الثلاثة بدأ عليهم الخوف والإرتباك.

في خلال عشر دقائق إحترق المكان عن بكرة أبيه كونه كان يحتوي بداخله عدد من أنابيب الغاز الطبيعي. غير أن المتحدث الرسمي بإسم شرطة المطافي بولاية الخرطوم صرح في اليوم التالي بأن نجاح العملية يكمن في أن النار لم تصل إلى مناطق الجوار كما أنه لا يوجد أذى جسيم .. وقدر أن لولا -شجاعة و-حكمة و-عقلانية الشبان الثلاثة لكانت كارثة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها. وبعد عدة أيام أقام تلفزيون السودان إستطلاعآ خاصآ حول الحدث أشاد فيه بالطريقة العقلانية التي تعامل بها أحمد وأشاد بذات القدر بحكمة عدلان وشجاعة آدم الفائقتين... (-عقلانية، -حكمة و-شجاعة). إنتهى. (لا أحد منهم ذكر أو تحدث عن أي دور موجب للفتاة) هكذا علق بعد عدة أيام أحد محرري صحيفة الصباح الحر "متعجبآ"!.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:11 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


أهم ما في المشهد "المتخيل" إعلاه هو معقوليته. أي أن "الزول" عندما يقرأ أو يسمع تلك الحكاية لا يجد مفارقة لما قد يحدث في الواقع المادي. تلك تكون قمة نجاح المثال في مقاربته للحقيقة. بمعنى آخر فان المواقف المختلفة التي تبناها الرجال الثلاثة تكون معقولة ومنسجمة مع خلفياتهم القيمية. فبالإحالة إلى منظومات القيم التي خلصنا إليها من خلال هذا السرد يكون أحمد "أفندي" وعدلان " زاهد" وآدم "فارس". أي أن المواقف التلقائية التي تبناها الرجال الثلاثة حيال حدث مباغت يهدد حياة الكائن البشري ماديآ لم تأتي من فراغ بل تنبني على المحمول القيمي الجمعي للزول. وذاك طبعآ السبب الذي يقف خلف تباين المواقف الثلاثة للرجال الثلاثة في مشهد النار أعلاه.

فأحمد أول ما فكر فيه هو "أحمد" أي الذات "أنا" . وكان الفعل هو النفاد بالجسد أمام مشهد "النار" المرتبطة في المخيلة بالموت والبشاعة.
غير أن الشيئين الأوليين الذين فكرا فيهما علان وآدم كانا مختلفين جذريآ. فكرا في الآخر. فعدلان همه المباشر تركز حول الفتاة. بينما فكر آدم في النار. أي أن فكرتهما الأولى لم يكن محورها المباشر الذات ال"أنا" بل ال"نحن". فالفتاة تمثل جزءآ لا يتجزأ من الجماعة كونها وجدت في الحيز المكاني والزماني بينما إطفاء النار يعتمل خلاص الجميع.

غير أن القصة لا تنتهي هنا.


فيبدو أن أحمد بخلاصه لنفسه "أولآ" يعتقد خلاص الآخرين عبر إستخدام فكرته المجردة أي عقله.
وعدلان في مسعاه لخلاص الآخرين إعتمد على قوة ما ورائية "غائبة" كلية هي "الشيخ أب شرا". بينما نجد أن آدم واجه "النار" مباشرة بكل ما ينطوي عليه الفعل من مغامرة بالجسد أي "الآذي الجسماني" أي أنه كان مؤهلآ للتضحية بالجسد أو بعضه في سبيل خلاص الجماعة دون الركون إلى فكرة مجردة أو قوة أخرى "غائبة".

وبغض النظر عن ما هو رأي الناقد المحايد عند مقارنة صحة المواقف التلقائية الثلاثة ببعضها البعض يكون ذاك هو ما جرى في ميدان الواقع، وعنده ما يبرره!.

ومن هنا ربما أجد مدخلآ إلى القول بأن آدم كان في مقام الفارس the knight
وعدلان في مقام الزاهد "المؤمن على طريقة التصوف"
وأحمد في مقام الأفندي "الموضوعي". وبالأفندي أؤشر على وجه الأجمال إلى سكان المدن الأصيلين والملتزمين بقيم المدينة الخالصة وهي قيم ال "أنا"، بمنأ عن معنى الكلمة التقليدي "موظف حكومي". وقد أفضل في المستقبل إستخدام كلمة "أنوي وأنوية" إشتقاق من "أنا" بدلآ عن أفندي وأفندوية.

وعندي أن القيم التي تقف خلف جل تمظهرات المجتمع المدني في السودان "ثلاثة" منظومات قيمية لا غير.
هي قيم الجسدانية "الفروسية" وقيم الروحانية "الغيب" وقيم العقلانية " الموضوعية" (فروسية، غيب وموضوعية). وأشعر أنه توجب علي في لحظة ما أن أشرح ماذا أعني بكلمة جسدانية كوني أعتقد أن الروحانية والعقلانية كلمتان واضحتان في السياق. تلك القيم تسقط على فعل الزول أي تتجسد في أفعال.

وتلك المنظومات القيمية تفعل فعلها الأصيل كل بمفردها أو تنمزج "تتداخل وتتشابك" مع بعضها البعض لتشكل في نهاية المطاف "الزول" الذي نراه الآن يمشى في الأسواق ويعمل ويتكلم ويكتب ويشعر ويغني ويرسم ويحكم ويعارض ويسافر. وتجعل الزول مميزآ أو متمايزآ في سلوكه عن الزول الآخر كما في ذات الأوان هي السبب المباشر في تنميط الزول لدى الآخرين كما نرى لاحقآ (عبر أخذ عينات من الواقع) كيف يكون "الزول" في مخيلة البشر الآخرين في بعض بلدان أفريقيا والعرب وربما بلدان أخر.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال




انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:21 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

فرسان لا إنسانيون!!!


قيم "الجسدانية"

قلت في مكان آخر أنني أشعر بأنه توجب علي أن أوضح بعض الشيء عن ماذا أقصد بالجسدانية في عبارة "قيم الجسدانية". إذ أن منظومات القيم الرئيسية عندي في السودان يمكن حصرها في ثلاثة مجموعات كبيرة هي 1- قيم العقلانية "الموضوعية" 2- قيم الروحانية "الغيب" و 3- قيم الجسدانية "الفروسية".

ورأيت أن كلمتي العقلانية والروحانية ربما تكونا واضحتين في سياقهما ولكن "جسدانية" قد تكون غريبة في السياق الذي وضعتها فيه أو كما شعرت من بعض نقاشات الصحاب.

ماذا تكون تلك القيم؟. ولماذا هي جسدانية؟.

هنا حزمة متجانسة من قيم الجسدانية (كما هي مضمنة في الخلاصة): الرجولة، الشجاعة، الأمانة، الكرامة، الشرف، المروءة، الشهامة والكرم. و يجوز عندي تكنيتها بقيم الفروسية.
وهي عندي في الأساس قيم الأسرة الممتدة كما العشيرة والقبيلة. وهي قيم "ذكورية بحتة لدرجة أن صفة النوع "المذكر" تكون قيمة في حد ذاتها فيصبح الرجل الهمام "ضكران" ولا تكون الأنثي "المرأة" بشيء سوى بت رجال وإن ووصفت بالعفة والشرف فهي بت رجال أشراف، أصحاب مروءة وكرم ولا تكون المرأة ولا يجوز أن تكون شريفة وعفيفة أو كريمة ككائن قائم بذاته ما لم تكن تلك هي صفات الرجال من خلفها "ضكرانين تب" وإلا لن تكون بشئ سوى إمرأة "مكسورة جناح". ذلك هو المجرى العام مع إستثناءات لا يعتد بها. ولا تكون صفة النوع "نتاية" مقابل "ضكر" إلا ذمآ في مواجهة قيم الفروسية كون محور تلك القيم ورأس سنامها "الضكرنة" لدرجة أنه لا يوجد في اللغة السودانية "العربية" الدارجة ضد للإسم "ضكرنة" من ضكر مقابل نتاية أو إنتاية إذ أن "نتوية أو إنتاوية" كإسم من الصفة نتاية لا يوجد بمعنى معطل الإستخدام. لا حوجة له!. وهو الأمر نفسه بالنسبة لكلمة "رجولة" من رجل مقابل إمرأة. وبهكذا "قيم" فإن الغالبية الساحقة للتمظهرات المدنية الإثنية يقودها رجال "ضكور" في جميع أرجاء السودان بلا إستثناء يستحق الذكر وما أوضحها عند مكوك الجعليين وسلاطين الدينكا وشراتي الفور وعمد السلامات والتعايشة والبني هلبة وكذلك الأمر لدى النوبة والنوبيين والبجا والفونج وإلخ. وهو أمر يبدو في غاية الوضوح لدرجة البدهية. وخلاصة الأمر فالمجتمعات السودانية المستندة في تمظهرها كليآ أو جزئيآ على منظومة قيم الجسدانية هي تمظهرات ذكورية تشكلت منذ مئات السنين وظلت بنسب متفاوتة تحافظ على ذات القيم المتوارثة والتي تقف خلف تجلياتها وإستمراريتها في الوجود المادي.

ولماذا هي جسدانية؟.

تكون قيم "جسدانية" لعدة أسباب تحدثنا عن بعضها في أوقات سابقة. لكن أهمها عندي:

1- هي قيم وشائج الدم (من جسد قديم إلى جسد جديد).

2- هي قيم الفروسية وبما ينطوي عليه المعني من إستخدام للجسد في مواجهة الطبيعة والآخر. إنها قيم صاخبة. هي من أشد القيم المشكلة للمجتمع المدني السوداني بأسآ وصيتآ وقوة (راجع ص 3 من هذا الخيط "نظرة في مرثية بنونة بت المك"). كما أن هناك إشارة متعلقة في مشهد "النار" أعلاه.

3- هي قيم القبيلة وبنية القبيلة في الأساس علمانية لا دينية وبذات القدر فهي لا عقلانية (راجع علمانية بنية القبيلة ص 3 اربع مداخلات) ... وإن صح ذاك الزعم تكون قيم القبيلة هي قيم الدنيا وبما ينطوي عليه المعنى من علاقة مباشرة بالعالم المحسوس، مرة ثانية "الجسد".

وأظنه من نافل القول أن القبيلة كما العشيرة والأسرة الممتدة يشكل الجسد "الدم" مركزها الحتمي. وبهذا يكون للجسد عند القبيلة قداسة لا حدود لها. فمن الجسد تخرج القبيلة وبالجسد تعيش وبفتوة الجسد تبقى وتحقق أمنها ورفاهيتها وعزتها وسط القبائل. ففي الجسد السر كله.... هو الدم!. الجسد مكان محرم "تابو" عظيم... هو مكان الشرف. ولهذا يكون غسل العار. أي غسل جسد القبيلة كلها بدم الضحية "إمرأة ما نامت على فراش رجل غريب". كما للثأر "التار" أيضآ علاقة مباشرة بالجسد. الجسد لا شيء غيره هو الحياة كلها منه تخرج إلى الوجود وبه تغيب في العدم.

ربما نلاحظ عند الخطوات المقبلة كيف أن قيم الجسدانية "الفروسية" تكاد لا تفارق مخيلتنا جميعآ مهما أدعينا البعد عنها!. إنها تشكل لا وعينا وتسيطر على قدر كبير من سلوكياتنا وتصرفاتنا.


يتواصل... سيكولوجيا الزول والمجتمع المدني والدولة في السودان!.



يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:23 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


خصائص المنظومات القيمية "الثلاثة"

أستطيع أن اقول بشكل مبدئي أن الخصائص الجوهرية للمنظومات القيمية الثلاثة تكون على الوجه التالي:
محور منظومة قيم الفروسية يكون في الجوهر "المضمون" مع التقليل من أهمية الشكل "المبنى"
ومحور منظومة قيم الغيب يكون في الجوهر مع إحتقار الشكل
ومحور منظومة قيم الموضوعية يكون في الشكل والجوهر على حد سواء
منظومتي الفروسية والغيب هما في الأساس سمة الريف
بينما تكون منظومة الموضوعية هي في الاساس سمة المدينة
كما أن منظومتي الفروسية والغيب هما منظومتا "نحن" بينما تكون منظومة الموضوعية هي منظومة "أنا".

وإذا ما ثبت لنا أن منظومتي الفروسية والغيب هما في الأساس سمة الريف فهذا لا يمنع أن يكون الريف في قلب المدينة والعكس صحيح فكثيرآ ما نجد ريفيين يمتثلون بالكامل إلى قيم الموضوعية أي "الفردانية". والأمثلة هنا لا حصر لها ونستطيع بسهولة أن ننظر إلى سلوك الأمدرمانيين الأصيلين لنجد أن قيم الفروسية ما تزال تشكل لا وعي معظمهم ويظهر ذلك جليآ في فخرهم بمدينتهم أو أحيائهم العريقة بدلآ عن قبائلهم كما هم أولاد بلد عوضآ عن أولاد قبائل. وسبق أن عقدنا في بداية هذا الخيط مقارنة عاجلة بين بعض أحياء الخرطوم ورد في نهايتها ملاحظة صغيرة حول أمدرمان تقول: ( نجد في واقع الحياة اليومية أن كثير من الأمدرمانيين يحيلون ذواتهم الى مدينتهم، ويجدون فخرا وعزا وكرامة في انتمائهم الى امدرمان (احساس عالى بروح الجماعة) و"نحن" تطغى على "الأنا". فالأمدرماني شهم وكريم وصاحب مروءة وعزيز وأصيل ونبيل وأخو أخوات أو كما يحاول أن يرسم ذاته في مخيلة الآخرين. وتلك كلها قيم "نحن" إذ يكون بعضها في نزاع مع قيم المدينة الخالصة مثل الكرم سمة الريف مقابل الإدخار سمة المدينة. وسأفرد في وقت لاحق مساحة خاصة للقيمة "إنسانية" كأحد ابرز قيم الموضوعية لما لها من علاقة تعارضية وصدامية واضحة مع قيم الفروسية.

وعندي إعتقاد أن منظومة الفروسية هي المنظومة الأكثر سيادة على واقع الحياة في السودان تليها منظومة الغيب. وإن صح هذا الزعم فإن العجينة الإساسية لنفسيات "الزول" تشكلها منظومتي الفروسة والغيب وتأتي منظومة الموضوعية في المرتبة الأخيرة في الريف وفي المدينة على حد سواء. فالمدينة في السودان لم تأخذ بعد هيئتها الأخيرة كمدينة مكتملة الشروط.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:25 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

ب- الزول في نظر الزول الآخر

نبدأ بتقصي إفتراض ما كثيرآ ما عن لي حول ما يمكن تسميته بالزول الإنسان والزول الفارس.

وإفتراضي هو أن : الفارس زول غير " إنساني" والإنساني زول غير "فارس" . ذلك قد يكون أمرآ أقرب إلى الحقيقة الواقعية في كثير من المرات.

كيف؟.

القيمة "إنسانية" قيمة مطلقة المفعول. فالرجل أو المرأة الإنسان بالإحالة إلى القيمة إنسانية يفعل وينفعل في المبدأ مع الجميع ولمصلحة الجميع غير أن الفارس في المبدأ يفعل وينفعل مع جماعته فقط ولمصلحة جماعته فقط "العشيرة" مثالآ. ولهذا فإن القيمة "إنسانية" ليست من قيم القبيلة (لا تكون جزءآ من حزمة قيم الفروسية). لأن ببساطة القبيلة تتمايز عن القبائل الأخرى بسماتها المتفردة وتتعرف في مواجهة الآخرين بما تحوزه من شرف وعز وجاه. ذلك الشرف "المقام الرفيع" يتأتى عبر إلتصاق أعضاء العشيرة أو القبيلة المحددة بقيم الفروسية في مواجهة الآخر وعلى وجه الإطلاق. عندما نقول على سبيل المثال فلان "جعلي" فسرعان ما تخطر على بالنا صفات ومواصفات محددة مخزونة سلفآ في العقل الجمعي "إنه فارس" وهو يتعرف بكرمه وشهامته وشجاعته في مواجهة الآخر "الشايقي مثلآ" ذلك الوضيع الشرف كونه بخيل "فسل" وجبان... وتلك صفات تقف في الضد من قيم الفروسية. وهذا طبعآ إنبناءآ على المحمول الجمعي المحدد للجماعة المحددة وهم الجعليون هذه المرة. فمن مقام جماعة "الشايقية" يكون المنظور بالطبع آخر، فما الجعلي سوى زول أحمق متهور وعوير. (وذاك مجرد مثال توضيحي). لا توجد إنسانية عند الفروسية. هي في الأساس قيم الجسد "الجسدانية" وما ينطوى عليه الأمر من نقاء "الدم" في مواجهة الدماء الأخرى الأقل شرفآ ونقاءآ حتى لو كان ذاك الآخر ينحدر من ذات العرق الحقيقي أو المتوهم.

إن أعظم مثال يجسد قيم الفروسية يكون في أبيات الشعر الشعبي واسعة الإنتشار ، القائلة:

(1- نحن اولاد بلد نقعد نقوم علي كيفنا 2- في لقا في عدم دايمآ مخدر صيفنا 3- نحن أب خرز بنملاهو و بنكرم ضيفنا. 4- و نحن الفوق رقاب الناس مجرب سيفنا).

لاحظ معي كيف تترجم قيم "الفروسية" الى افعال بتتبع مبسط لأبيات الشعر " الشعبي" تلك مع مراعاة الترقيم الذي وضعته من عندي:
بقليل من اعمال التفكير سنجد ان القيم السامية الدافعة لتلك الافعال كانت كالتالي:
1- العزة
2- المروءة
3- الكرم، و
4- الشجاعة

تلك القيم "الفروسية" تقوم في الأساس وتفعل فعلها في مواجهة الآخر.. ذلك الآخر قد يكون في لحظة من اللحظات مكانآ للتجربة. تجربة السيف على رقبته والخلاصة إثبات جبنه وخنوعه وذلته في مواجهة
جماعة من الفرسان لا قبل له بها.

وفي كل الاحوال فان كل تلك القيم تصنعها الجماعة وفق عملية تاريخية طويلة ومعقدة تتمدد عبر اجيال بهدف تحقيق مصلحة الجماعة المحددة وضمان معاشها وبقائها وأمنها ورفاهيتها في مواجهة الطبيعة والآخر.

وكم هو واضح عندي أن "القيمة الإجتماعية" لا تشتغل إلا في سياقها المكاني والزماني (في إطار مجتمعها المدني المحدد، العشيرة مثالا). وأي خلع لها من سياقها المكاني والزماني سيحولها الى مسخ، أي سيلحقها تشويه وتزييف يتجسدان إما في سوء فهما أو سوء ممارستها. وفي أفضل الظروف يتم الحكم عليها من منطلق انساني كلي (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثالآ). وعندها تكون لا شيء سوى فكرة مجردة. فلقيم لا تقوم في الفضاء الحر بلا هدف أو أطر أو مبررات بل عندها على الدوام هدفها وأطرها ومبرراتها في حيز زمانها ومكانها. فالكرم على سبيل المثال كقيمة يختلف في طبيعة وطريقة ممارسته من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ... غير أن ممارسة الكرم كقيمة إجتماعية في إطلاقها تقوم في مقابل هدف واحد محدد على الدوام.

فللقيم الإجتماعية أطرها المحددة "تمظهرات إجتماعية محددة"، لا يمكن أن تستقيم بالكامل خارجها. فمثلآ لا أظن أن الكثير من الناس لا في السودان ولا بقية أرجاء الدنيا يتفقون مع "بنونة" بت المك نمر في رؤيتها "الجعلية" لماهية أفضل طريقة للموت. فبنونة ترى أجمل الموت هوالموصوف ب( دايراك يوم لقا بى دميك تتوشح ... الميت مسولب والعجاج يكتح). والرجل الذي تحب بنونة "أي فارس أحلامها" غالبآ ما يكون هو الموصوف ب: (الخيل عركسن ماقال عدادن كم... فرتاك حافلن ملاي سروجن دم). ومثل ذلك الرجل بالطبع لا يكون إلا جعليآ لدى بنونة. ولو أنني لا أستبعد تمامآ أن نعثر في الوقت الراهن على عدة نساء في سودان اليوم يمتلكن بجدارة ذائقة بنونة النفسية والجمالية.

(( "مرثية بنونة":

دا إن أداك وكتر ما بيقـول اديت
أب درق الموشح كلو بالسوميت
أب رسوة البكر حجر شراب سيتيت
كاتال في الخلا وعقبن كريم في البيت

***
ماهو الفافنوس ماهو الغليد البوص
ود المك عريس خيلا بيجن عركوس
أحي على سيفوا البحد الروس

***

ما دايرالك الميتة ام رمادا شح
دايراك يوم لقى بدميك تتوشح
الميت مسولب والعـجاج يكتح
أحي على سيفوا البسوى التح

***
إن وردن بجيك في أول الوردات
مرنن مو نشيط إن قبلن شاردات
أسد بيشة المكرمد قمزاتو مطـبقات
وبرضع في ضرايع العونز الفاردات

***
كوفيتك الخودة ام عصـا بولاد
درعك في ام لهيب زي الشمس وقاد
سيفك من سقايتو استعجب الحداد
قارحك غير شكال ما بيقربو الشداد

****

يا بقت عقود السم
يا مقنع بنات جعل العزاز منجم
الخيل عركسن ماقال عدادن كم
فرتاك حافلن ملاي سروجن دم

****
وماهو الفافنوس ماهو الغليد القوص
ود المك عريس خيلا بـــجن عركوس
احي على سيفوا البجز الروس
)).


مرة أخيرة فإن قيمة " الإنسانية" تقوم في صدام وتضاد مع قيم الفروسية. كونها قيمة "الفردانية" .. فالإنسانية قيمة لا تورث ولا تتأتى كمعطى جاهز. كما أن الإنسان "الإنساني" لا يضيف بالضرورة إلى جعبة الجماعة سهمآ بممارسته الفردية لقيمة الإنسانية. عكس ما يحدث لدي ممارسي قيمة من قيم الفروسية. أنظر من جديد أحد المقاطع المتعلقة من قراءتي لمرثية بنونة بت المك:

(وضعت بنونة مرثيتها باللغة العربية. لغة الدين الإسلامي. في تاريخ ليس ببعيد هو بداية القرن التاسع عشر. منذ قرنين سابقين على القرن التاسع عشر أو يزيد كثيرآ ما درس بعض السودانيين التوحيد وعلوم الدين الإسلامي في الأزهر بمصر (رواق السنارية مثالآ). كما حفلت الساحة قبل قرون عديدة خلت بأعداد لا حصر لها من المتصوفة القادمين من بلدان أخرى. كان الدين حاضرآ في حياة الناس. كما أن بنونة نفسها من قبيلة الجعليين المتصور انها متحدرة من العباس عم النبي محمد.

بل بنونة من قمة أسر النبلاء في القبيلة، أسرة الملك نمر، هي بنت المك نمر، زعيم القبيلة أي فارسها الأول بلا منازع، وقبل ذلك حفيد "العباس". برغم كل هذا. لا توجد أي إشارة في مرثية بنونة تؤمن بالقدر أو ترجو في "آخرة" كما لا يوجد تهليل أو تكبير أو جهاد بالمعنى الديني للكلمة. ففي مرثية بنونة هناك فروسية لا غير. خلاصة قيم دنيوية سامية.

فبنونة ترى الحياة في الفروسية، الحياة التى لا موت فيها. لهذا عندما مات أخوها موتآ طبيعيآ بفعل المرض لا السيف، رأته يموت. وما كانت ترجو له الموت!. كانت توده حيآ في قيمة الفروسية. فالفرسان الميتون في ميدان القتال لا يحسبون موتى. انهم أحياء يرزقون لكن ليس بالمعنى الديني بل بالدنيوي. انهم يعشون في قيمة الفروسية. كيف؟.

القيمة تورث للإبن أو الأخ وهكذا. وهو نفسه السر في تحدر بنونة من أسرة نبيلة، من أسرة فارس بن فارس أبآ عن جد. بنونة بنت المك نمر بن الفرسان "وارثين الشطارة". إن مرثية بنونة ليست مجرد حزن على عزيز، بل أكثر من ذلك. وليست مجرد فخر بفروسية أخيها الراحل بل أكبر من ذلك. فعندى أن مرثية بنونة تعادل "الإستئناف" في لغة اليوم أى مراجعة الحكم الصادر من محكمة .

أرادت بنونة بكل بساطة أن تقول: نعم لقد مات أخي "عمارة" الفارس خارج ميدان القتال، ولكن نسبة لتميزه وتفرده في القتال في حياته السابقة من قبيل (الخيل عركسن ماقال عدادن كم.. فرتاك حافلن ملاي سروجن دم) و (إن وردن بجيك في أول الوردات.. مرنآ مو نشيط إن قبلن شاردات ).

بالتالي ترجو من الناس "القضاة" إعتباره حيآ أي ضمه الى قائمة الأحياء في قيمة "الفروسية". وعندها فقط يستطيع أخوها "عمارة" أن يضيف سهمه في مسيرة نبل الأسرة كما بالتالى "العشيرة". ولقد فعلتها بنونة. معظمنا يعرف الآن أنه كان هناك فارسآ مغوارآ إسمه عمارة وهو ود المك نمر وأخو بنونة وأنه جعلي "حر").



يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال




عدل من قبل محمد جمال الدين في الثلاثاء يونيو 28, 2011 12:41 am, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:26 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

حرب القيم Stereotypes


كثيرأ ما نسمع بعبارات مثل: عريبي، وراعي غنم، وروسي، ودرويش، وحلبي وعب. وهي بالقطع ألفاظ شتيمة هدفها تحقير وتقليل شأن من يرمي بها ونبذ سلوكه أو/و مظهره أو/و ملامحه الجسمانية. إنها ألفاظ قيمية تجد خلفيتها في قيم إجتماعية محددة تفرتض في ذاتها النقاء والكمال.

هل نحاول أن نتقصى منطلقات تلك الألفاظ القيمية؟.

من يقول لمن أنت "عريبي"؟. إذا علمنا أن المقصود بالعريبي إنسان ما ربما كان يلبس ملابس تقليدية من شاكلة عراقي وسروال أب تكة ومركوب ويتحدث بصوت جهور "عالي" ويتلفظ بكلمات صريحة "خشنة" ويتحرك بلا أجندة "تلقائي" عندها سنعلم بصورة جلية أن ذاك الحكم صادر من شخص آخر متمدن "من مدينة" أي صادر من خلفية قيمية عقلانية. والأمر ذاته يكون بالنسبة للفظ الذم "راعي" ويقولون سلوك رعوي. كما أن كلمة "روسي" كانت مستخدمة في جامعة الخرطوم لتؤشر إلى الطلاب المنحدرين من الأرياف البعيدة متضمرة الشك في صحة مظهرهم ومخبرهم با يعني بعدهم عن منظومة قيم العقلانية. وللفارس أحكامه الذامة بشدة للمتمدن من قبيل: الرجل: فسل، ما عندو نخوة عديم مروة، جبان، ما راجل، ما عندي كرامة، فارغ، بتاع قشور و مظاهر " والرجال ما تقيسها بتيبانها ما يغرك لباسهم والعروض عريانة" إلخ. والمرأة المتمدنة يتم التشكيك أيضآ في مخبرها كما مظهرها من قبيل ما "بت قبائل" صايعة متقرضمة وتشبه الأولاد إلخ. إنها حرب منظومتي المدينة و الريف... قيم الموضوعية "العقلانية" و الجسدانية "الفروسية" في مواجهة بعضهما البعض.

غير أن لفظي "حلبي" و "عب" يقفان في النقيض. إنهما لفظان يذمان الملامح الجسدية. اي ذم "الدم". ويبقى من الواضح أن قاعدة إنطلاقهما تبقى منظومة قيم الفروسية "الريف" لا الموضوعية "المدينة". وذم الدم يقتضي بالضرورة ذم جميع الصفات والسمات البشرية .. من قبيل "لا تبول في شق لا تخاوي العب الشق حساي و العب نساي". (وتلك هي سدرة منتهى العنصرية الجوفاء والبليدة ومن الأدلة المادية الواضحة على الشقوق المجتمعية الضاربة في الأصالة والتي وجب علينا الآن ردعها كل ما سنحت الفرصة وبلا هوادة).

و لفظ "درويش" حكم ذم مشترك تتقاسمه منظومتي قيم الفروسية والعقلانية. فالحكم بدروشة شخص ما من باب الذم يمكن أن يصدر من راعي أغنام من فيافي كردفان أو موظف بنك عتيق من سكان حي بيت المال بأمدرمان. والمقصود به الإشارة السالبة إلى مظهر أو سلوك غير منظم من المعتقد أن تكون مرجعيته من حيث الحقيقة أو المجاز منظومة قيم الغيب.

كما أن لمنظومة قيم الغيب بدورها أحكامها الذامة للآخرين لكن دون أن يكون المظهر أحد مواضيعها بل السلوك وحده كالإسراف في الأكل والشرب أو النوم أو الكلام ... (هنا الحديث عن جزئية التصوف من منظومة الغيب) إذ أن المنظومة القيمية الواحدة في ذاتها ليست بالضرورة كتلة صماء ومتجانسة على الدوام. فالقيم الواقفة خلف تمظهرات الكجور تختلف بعض الشيء عن تمظهرات "المسيد" كما الكنيسة تخلف بقدر محدد عن قيم المسجد مع أنها في نهاية المطاف كلها تمظهرات إجتماعية يستند وجودها في الأساس على قيم الغيب.


وبالقطع هناك عدد من الأحكام المسبقة Stereotypes
لا حصر لها تجد خلفيتها في واحدة من المنظومات القيمية في مواجهة الأخرى أو الأخريات من منظومات القيم. وما الأمثلة التي سقتها أعلاه سوى محاولة مقتضبة لتصوير ما أسميته بحرب القيم.

لدى الرابط أدناه قصيدة شعرية (صوت وصورة) يترافع عبرها أحد الشعراء عن أهل الريف في مواجهة هجوم أهل المدينة وتهكمهم على سلوك ومظهر أهل بادية البطانة (فيها أيضآ تعديد وتصوير وتجسيد لقيم الفروسية):

http://www.youtube.com/watch?v=ApxYyyObB9Q


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال






عدل من قبل محمد جمال الدين في الجمعة يوليو 15, 2011 3:21 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:27 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

ج- الزول في نظر اللازول!


تحدثنا بشكل مقتضب عن أ- الزول من حيث هو زول ثم ب- الزول في نظر الزول الآخر كيف يكون. وتبقى لنا أن نتعرف على ج- الزول في نظر اللازول أي الإنسان السوداني في نظر الآخر غير السوداني. وذاك وفق تصنيفي الموضوع بداية هذه الجزئية من السرد.

هل ينظر الآخرون إلينا كما ننظر نحن إلى أنفسنا أو كما نحب؟.

لا أعتقد، بل لا يجوز، غير ممكن!.

هل نحن كرماء و أمناء وصادقون صديقون وطيبون "أنقياء السريرة" وأصحاب مروءة وشهامة وكرامة وشرف؟.

ذاك من ناحية ومن الناحية الأخرى هل نحن طيبون "سذج" وحمقى وعنيفون و "وسخانين" وكسالى وقطيعيون "من قطيع" ومتخلفون؟.

هكذا قد ينظر إلينا الآخرون في بلدان مختلفة من زوايا مختلفة لأسباب مختلفة حقيقية أو متوهمة. وهذا أمر قد يكون طبيعيآ بل حتميآ مادام للآخرين بدورهم منظوماتهم القيمية المختلفة جذريآ عما عندنا وعندهم معاييرهم للحياة وللأشياء وذائقتهم النفسية والجمالية التي شكلتها وقائع مختلفة عما جرى عندنا.

غير أنه بعد يبقى عندي حسنآ أن نعمل التفكير في الكيفية التي ينظر لنا بها الآخرون ( الأسباب والمبررات التي تجعل الآخرين ينظرون لنا من زوايا محددة بطريقة محددة) وما قد يصحب تلك النظرة من نتائج نفسية وعملية على بعض مجريات حياتنا في داخل و خارج السودان.

والتركيز هنا حصريآ على النظرة القيمية تجاه الفرد "الزول" لا الشعب كدولة من أفراد آخرين لا شعوب "دول" أي لا مواقف رسمية. ولو أن تلك النظرة القيمية المعنية غالبآ ما تتحول في نهاية المطاف إلى حكم أو نظرية شعبية عامة تشمل الجميع بغير إستثناء من قبيل "السوادنة أمناء" أو "رياييل نشامى" أو "كسلانين" في السعودية أو إبن النيل طيب في مصر أو السوداني خطية وأمين في عراق صدام وهكذا.

كما لا ننسى أن بنفس القدر تكون للزول نظرته القيمية للآخر سلبآ وإيجابآ. وذاك شأن آخر.



يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:30 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

نحن عند الآخرين دائمآ "سودانيين"!

لكل جماعة بشرية صفاتها وسماتها المحددة التي تميزها عن الجماعات الأخرى في حيز الشعب الواحد أو الدولة الواحدة و في الإطار العريض لكل شعب قسماته وملامحه المحددة التي تميزه عن الشعوب الأخرى. ذلك أمر يبدو بدهيآ جدآ. وهذا بالضبط ما يحدث في حالة السودان . كما أن كل جماعة كما كل شعب لديه إحساس محدد بكيانه. ذلك الإحساس غالبآ ما يقود أفراده إلى إعتزاز ما معلن أو مضمر بالذات الكلية. فالجماعات المدنية المختلفة المقيمة فوق الرقعة الجغرافية المسماة السودان لديها كل بطريقته أحاسيس عالية بذواتها المفردة في نفس الوقت الذي تتنامى فيه أو تتضاءل الأحاسيس "الشعوبية" الوطنية في كل مرحلة من المراحل. فالشعور بالإنتماء للوطن "الوطنية" قد يتأتي تامآ أو ناقصآ أو منعدمآ بحسب الفاعلية الموجبة أو السالبة للدولة على هوية/هويات الفرد الذاتية ( إنتماءات الفرد لبنيات مدنية مختلفة "العشيرة أو الوعاء السياسي مثالآ") في مقابل إنتماء تام أو ناقص أو منعدم للدولة "الوطن". ولإعتبارات سياسية وإقتصادية وتاريخية محددة (تحدثنا عنها بإستفاضة عبر هذا الخيط) فإن إنتماء الزول السوداني للسودان كدولة وشعب ربما جاء غير مكتمل يتبع ذلك في كثير من المرات سلبية واضحة تجاه ما يدعى "الوطن" ولا يتم الشعور به إلا بشكل عملي وغالبآ كحالة سياسية متردية.

وسبق أن ضربت في وقت سابق مثالآ صغيرآ بمجريات محفل ثقافي أقيم بهولندا نهاية العام المنصرم (تحت شعار: السودان الآخر) قلت فيه: (أن الناس في غربتها عن الدولة "الوطن" لا تود لها أن تبقى قوية كون قوة الدولة تبقى خصمآ على عيشهم وأمنهم وسلامتهم لدرجة أن الكثير من الناس يحزنه أن يسمع خبرآ جيدآ عن السودان "الوطن" كون الدولة عندهم ليست بشيء غير آلة متخصصة في تهديد مصالهم وعدو يتربص بحياتهم ومستقبلهم كل السبل. ولدي هنا مثال صغير تتجلى عنده تلك المفارقة المؤلمة في أسطع صورها وذاك أن هذه الأيام تجرى فعاليات ثقافية في عدة مدن من هولندا إبتدءآ من نهاية شهر سبتمبر المنصرم وستستمر كما يقول منظموها حتى منتصف نوفمبر المقبل. هذه الفعاليات الثقافية تجي تحت عنوان "السودان الآخر" بمعنى الوجه الآخر الجميل وغير المرئي بالكامل للناس والمقصود بالناس هنا "الغرب" . السودان كخبر بلا حرب ولا مجاعة. السودان كفن وثقافة وأدب وعلم وحضارة. وهي في الأساس فكرة ناشطة هولندية تدعى "ميكا كولك" لديها علائق جيدة بالسودانيين بكل أطيافهم بما فيهم السفارة السودانية بلاهاي. فماذا حدث؟. لقد قاطع القدر الأعظم من السودانيين المقيمين بهولندا معظم فعاليات ذلك المهرجان الثقافي المهيب كونه عندهم يعطى فكرة زائفة عن السودان، السودان القبيح الدميم "الواقع" وإلى حين إشعار آخر. وذاك عندي أمر تتكشف عنده الأزمة في أوضح تجلياتها "أزمة غربة الإنسان عن دولته". الدولة بما هي رؤية موحدة للعيش المشترك "وطن" أو كما يجب). وتلك ليست حالة تجلي سياسي "آيدولوجي" عابر فحسب كما قد يظن البعض بل هي أشمل وأعمق وما "السياسي" العابر إلا الظاهر من الأزمة!.

بعد هذا كله فالسوداني إنسان مميز لدى كثير من الشعوب ويستطيعون التعرف عليه بكل بساطة عبر قسماته الفيزيائية ومظهره وسلوكه.

ماذا يجمعنا إذآ إن كان ما يفرقنا هو "الوطن"!؟. أو بالأحرى ما هو الشيء الذي يجعلنا برغم كل شيء "سودانيين" في عيون الآخرين ؟.

نحن "السودانيون" كثيرآ ما نكون كائنات مدهشة لدى الآخرين . والسبب الأول بكل بساطة هو قيم الفروسية سودانية الأصل مع قدر من قيم الغيب بدورها سودانية الأصل. وأقول سودانية الأصل لأن القيمة كما قلنا سابقآ هي بنت بيئتها بنت مكانها وزمانها وأي خلع لها من سياقها الزمكاني سيحولها الى مسخ، أي سيلحقها تشويه وتزييف يتجسدان إما في سوء فهما أو سوء ممارستها. إضافة إلى ذلك فإن قيم الفروسية في إطلاقها إنقرضت في كثير من مجتمعات الكرة الأرضية أو أضحت في كثير من المرات مجرد حالة فلكلورية أو ممارسة فردانية بحتة لا توجد تمظهرات إجتماعية حية تقوم عليها. والشيء ذاته بالنسب لقيم الغيب. ولو تراءى لنا أن قيم الغيب قائمة عند جميع المجتمعات البشرية بدرجات متفاوتة في الوضوح فإن قيم الغيب السودانية متفردة ولا مثيل لها إلا في أرجاء محددة ومحدودة كالهند مثلآ.

لهذا كثيرآ ما يكون السوداني كائن مدهش للكثيرين وكأنه قادم من كوكب آخر.

كيف؟.

أنظر معي كيف تشتغل قيم الفروسية خارج سياقها الزماني والمكاني لتدهش الآخرين، ولنأخذ ثلاثة قيم محددة من قيم هذة المنظومة الصاخبة (المروءة والكرم والشرف) ثم نمتحن بعدها عمل حزمة من منظومة قيم الغيب خارج سياقها الزمكاني.

المروءة والكرم والشرف (قيم سودانية في أوروبا):

سأحاول الإستعانة بأمثلة حية من الواقع المعاش.

كثير ما يسعى الواحد منا إلى مساعدة الآخرين "الأغراب" طوعآ وبطريقة تلقائية في لحظات محددة وبالذات الكبار من النساء والرجال والأطفال أو المعاقين جسديآ وأحيانآ يساعد الرجل المرأة حتى لو كانت شابة في مقتبل العمر بوصفها "ضعيفة" في وعيه أو لا وعيه، تلك هي المروءة. كأن يحمل أحدنا حملآ ثقيلآ عن كاهل أحد النساء أو ينهض من كرسيه في القطار أو البص "بطريقة تلقائية" لمصلحة إمرأة أو رجل مسن أو أحد المعاقين.

والكرم طبعآ معروف كأن تعطي قدرآ من المال "طوعآ" لأحدهم حسبته في حوجة ماسة. والشرف من أمثلته حماية ونهي وردع "البنت" وبالذات العذراوات بواسطة الرجال من أوليائهن عن ممارسة الجنس مع الآخرين دون الأزواج.

يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال




انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:35 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

هل تقبل لنفسك أن تسير في طريق للمارة بجانب بنت الجيران أو صديقة أختك على سبيل المثال وهي تحمل على كاهلها حقيبة كبيرة نسبيآ زنة 15 كيلوجرام بينما تتسكع أنت بجانبها خالي الوفاض وتثرثر في حميمية وفي منتهى الإتساق مع النفس؟.

في الغالب ما تكون الإجابة بالنفي!. لا تستطيع أن تكون مرتاحآ لهكذا حالة، معظمنا ربما هم بأخذ الحقيبة عن كاهل الفتاة. مثل تلك الحالة قد تكرر في حياتنا اليومية عدة مرات وفي أشكال مختلفة.

قبل عدة سنوات خلت و تحديدآ عند السنين الأولى من قدومي إلى هولندا "مكان إقامتي الحالي" كنت أتصرف بوعيي السوداني الخالص مثل الكثير من أقراني من السودانيين. ولكني لاحظت بمرور الوقت أنني أفعل أشياء ما كان ينبغي علي فعلها، وتحديدآ عندما إستطعت أن أتعرف على قدر من الأصدقاء "هولنديون وجنسيات أخرى" وأخذت في المقارنة بين سلوكي الشخصي مع الناس في الشارع والمناسبات الإجتماعية و "الرومانسية" المختلفة وسلوكهم وطريقة حياتهم. كانت هناك أشياء كثيرة تبدو صغيرة لكنها مفارقة بقدر ملحوظ للمعتاد. وهو بالضبط ما يمر به أقراني من السودانيين في هولندا وفي بلدان غربية أخرى.

فمثلآ حمل حقيبة عن كاهل إمرأة ما "تصادفك في الشارع" لا يبدو أمرآ عاديآ كما هو في مخيلتنا الجمعية.. وكثيرآ ما كان الفعل يفسر بطريقة لا عادية فإما أن تشعر تلك المرأة بذلك الحدث الصغير شعورآ جميلآ جدآ بحيث تسعد بطريقة فائقة وتتبسم وتكون في منتهى الإمتنان و العرفان بالجميل أو يحدث العكس إذ تفسر المحاولة بطريقة ما قبيحة لا تمت لمخيلة الفاعل بصلة.

ففي الحالتين لا يفسر ذاك الفعل من تلك المرأة الهولندية بكونه "مروءة" وغالبآ ما يعتبر "لطف" في الحالة الأولى وربما تطفل أو "شوبار" في الحالة الثانية. لأن هذا "الفعل" غير متعارف عليه إجتماعيآ. إذ أن للمروءة عند هؤلاء القوم معنى آخر وطريقة ممارسة مختلفة أو هي غير موجود البتة بالمعنى الذي هو عندنا.

كما أن بعضنا يقدم بعض "السنتات" بكل ود وكرم كلما لاحت الفرصة إلى بعض المتسولين عند محطات القطار أو الحانات المختلفة في لاهاي وأمستردام. الهولنديون لا يفعلون ذلك كثيرآ وبتك السهولة التي نفعلها نحن برقم أن دخل الهولندي صاحب البلاد الأصيل أكبر من مداخيلنا بلا شك كما أن بعض المتسولين الهولنديين يمتلكون فرص للحياة أفضل منا بكثير. والدولة تجهز لهم المأوة وتجهد في البحث عنهم. وفي خاتمة المطاف فإن القدر الأكبر من "تلك السنتات" يذهب إلى باعة المخدرات. تلك تكون ممارسة لقيمة "الكرم" خارج مكانها وزمانها. ويبقى أمر مدهش بعض الشيء لأهل البلد المضيف قد يفسر سلبآ أو إيجابآ لكنه في جميع الحالات يكون شيئآ لا طبيعيا.

وبعضنا يضرب بنته أو أخته أو يزجرها زجرآ عنيفآ وربما يصل الأمر إلى حد قتلها (نادرآ) إذا ما تبادر شك غليظ إلى مخيلته بأنها قد تكون إرتكبت أو في طريقها إلى إرتكاب "جريمة" النوم مع رجل غريب "ممارسة الجنس". هذا يحدث بشكل مستمر. وفي كل مرة يتسرب فيها الخبر إلى البوليس أو الناس في إطار المجتمع الهولندي المضيف تكون دهشة فائقة مرتسمة على وجوه الجميع. إنه أمر لا يمكن فهمة بسهولة. تقوم الدنيا ولا تقعد. إنها جريمة كبيرة تستحق السجن سنوات عديدة بل هما جريمتان في حق المرأة "الراشد" الأولى منعها عن ممارسة حق مشروع وفق القانون والأعراف والثانية الإعتداء عليها بدنيآ وهو أمر ممنوع وفق القانون والأعراف. وتلك ممارسة لقيمتي "الشرف" و "الضكرنة" في غير مكانهما ولا زمانهما، وتكون ممارسة خاطئة ولا يمكن فهمها أبدآ. ويبقى أمر مدهش لأهل البلد المضيف.

والسوداني لا يدهش الناس في "الغرب" وحده بل عنده مقدرة و إستطاعة فائقة على إدهاش العرب في الخليج ومصر كما بلدان أخرى مثل أثيوبيا وأرتيريا. ودائمآ بطرق مختلفة وفي مناسبات منوعة .


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال




انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:36 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

لحظة "كرم" من جديد ودهشة جديدة


تصور معي سودانيان في أيام عملها الأولى بمصنع للشموع فى أحد ضواحي أمستردام.
في نهاية يوم ما خرجا وفق إتفاق جماعي مسبق للعشاء في أحد مطاعم المدينة مع بعض زملاء وزميلات العمل وتصادف أن كانو أربعة رجال (سودانيات وهولنديان) وست نساء هولنديات.

بعد أن أكلوا وشربوا وتوجب عليهم مغادرة المكان جاء النادل بالفاتورة. فما كان من السودانيين وإلا أن دخلا في لحظة عراك حامية وتعالت أصواتهم كل يقسم برأس أبوه!. إذ كان كل واحد منهم يود أن يسدد الحساب "هو" نيابة عن الآخرين. بل وعندما انتصر الأعلى صوتآ والأشد بأسآ وسدد الفاتورة كاملة شعر الآخر ببعض المهانة!. تلك كانت قصة حقيقية. حدثت ويحدث مثلها كلما حانت الفرصة.

نلاحظ أن الآخرين غائبين عند بداية هذا المشهد. لم يدخلا في العراك الصغير الحميم حول من يسدد الحساب. ودفع عنهم الحساب كائن سوداني جميل هو زميلهم في العمل يتعاطى نفس دخلهم الشهرى وليس له مصدر دخل آخر. كلما فعلوه بعدها أن تقاسموا المبلغ فيما بينهم بطريقة هادئة ومدوه للرجل الذي دفع عنهم من قبل، إلا أنه رفض بشدة أن يأخذ أي مليم وقال لهم في بعض الحدة أن الأمر قد قضي.

ذاك سلوك مدهش من السوداني. الناس هنا لا تفعل ذلك أبدآ. إنهم يأكلون ويشربون مع بعضهم البعض كأصدقاء لكنهم يتحاسبون كتجار كما يقول المثل ولا يشعرون بأي غضاضة، المرأة والرجل سيان. إن ما فعله السوداني لا يمكن فهمه أبدآ بكونه كرم أو شهامة أو ضكرنة. أستطيع أن أخمن بأنهم قد يظنون أن ذلك الإجراء ربما أشعره هو شخصيآ بالسعادة والرضاء لأسباب تخصه هو وحده. إذ أن تلك القيم (الكرم والشهامة والضكرنة) غير موجودة البتة في مخيلة الجماعة التي ينتمون إليها. هناك قيمة مختلفة تتضمن مفهوم الكرم وتتجاوزه وهي " الإنسانية". إنهم إنسانيون وليسو فرسانا. قد يكون الكثير منهم يساهم شهريآ بمبلغ صغير لمصلحة ضحايا الحروب والمجاعات في دول العالم الثالث ومن ضمنها السودان عبر منظمات تنمية وإغاثة عالمية لكنهم لا يدفعون فاتورة عشاء أصدقائهم في المطاعم نيابة عنهم. ويبقى سلوك السوداني مدهشآ وقد يفسر في منتهى الجمال كما الفرصة متاحة دائمآ لتأويله بطريقة قبيحة.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال




انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:37 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


قيم الفروسية في ذاتها متباينة ومتمايزة عن بعضها البعض في حزمتها الواحدة في النوع والمقدار ومختلفة بذات القدر من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان. فقيم فروسية قبيلة الشكرية على سبيل الثال فهي ليست بالضرورة متطابقة مع قبيلة الجعليين أو أحد عشائر الدينكا أو الزغاوة أو النوبة. ذاك الإختلاف في نوع القيمة المحددة "الشجاعة" مثالآ كما عدد ومقدار القيم الحية المشكلة للتمظهر المدني المحدد هو العامل الأساس في أختلاف وتميز وتمايز القبائل والعشائر عن بعضها بالبعض كما أن ذاك الإختلاف في السمات المدنية يسقط على سلوك الفرد "الزول" فيكون له مزاجه الخاص ويجعل له سمات وصفات محددة يتعرف بها "بوعي أو بلا وعي" في عيون الآخرين.

لنتمتحن خمس قيم محورية من قيم الفروسية: (الشجاعة، الكرم، المروءة الأمانة والشرف)

فإذا جاز ترتيب قيم الفروسية من حيث الأهمية والممارسة لدى عشائر وقبائل بعينها سنجد أن هناك تأرجحآ واضحآ للقيمة المحددة من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان. فعند قبيلة الجعليين تكون القيمة "شجاعة" رقم "1" في ترتيب حزمة القيم من حيث الأهمية في نظر أفراد القبيلة. فالجعلى لا يخاف (الشجاعة تكون القيمة المحورية لدى الجعليين) دونها لا يكون الجعلي "جعلي". والقيمة "2" هي الكرم فالجعلى شجاع ثم كريم والقيمة "3" هي المروءة. فالجعلى زول شجاع وكريم "جواد" وصاحب مروءة "أبو مروة". ولا تكون الأمانة قيمة أساسية لدى الجعليين. والبطاحين يخدعون للترتيب القيمي الجعلى.
عند الشكرية القيمة المحورية هي الكرم تليه الشجاعة ثم الأمانة مع قدر أقل من المروءة مقارنة بالجعليين والبطاحين.

وعند الشاقية القيمة رقم واحد هي المروءة ثم الأمانة مع قدر أقل من الكرم والشجاعة مقارنة بالجعليين والبطاحين والشكرية.

والقيمة "شرف" تتقاسمها جميع القبائل في المثال أعلاه ما عدا قبيلة الشايقية. فالقيمة "شرف" عند الشاقية تمارس بقدر أقل حدة مما عند هؤلئك وعندي يكون ذاك هو السر من وراء تحرر المرأة الشايقية مقارنة بالأخريات من نساء القبائل لدرجة أصبح فيها مثال "icon" المرأة السودانية المتحررة هو مهيرة بت عبود "الشايقية".

كما أن ترتيب القيم ودرجة أهميتها تختلف كما هو الحال في المثال أعلاه لدى الدينكا والنوير والمحس والدناقلة والفور والمساليت والهدندوة إلخ. بل هناك تعقيد أكبر وهو إختلاف القيمة الواحدة المفردة "الشجاعة" مثالآ في النوع من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان. فقد نجد أن الشجاعة عن الجعليين مختلفة في النوع لا المقدار وحده "أي درجو ممارستها" بل في طبيعة ممارستها عما هو عند الآخرين. وهذا هو السر في أن السوداني الفارس يستطيع أن يدهش قدر من الخليجيين الفرسان بدورهم، السعوديون مثالآ، لأن الشجاعة عند السعودي هي ليست ذاتها شجاعة السوداني كما قد يكون الأمر ذاته لبقية حزمة منظومة قيم الفروسية. والأمر ينطبق على قيم الغيب كما بعض الشيء على قيم الموضوعية (الشيء الذي سأحاول معالجته في المرة القادمة).


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:39 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


نظرة عامة في سيكولوجية "الزول"!

الفارس الزاهد المتمدن

سبق أن قلنا أن القيم في تنزلها كفعل يسبغ حياة "الزول" تستطيع أن تشتغل مفردة أو ممتزجة. فالزول يمكن أن يكون "فارس" محض أو "زاهد" محض أو "متمدن" محض. كما أن الزول يستطيع أن يكون "فارس زاهد" أو "فارس متمدن" او "زاهد متمدن". ليس ذاك فحسب بل الزول يستطيع أن يكون "فارس وزاهد ومتمدن" في ذات الأوان.

الفارس طبعآ هو المنتمى بالكامل إلى منظومة قيم الجسدانية "الفروسية". والزاهد هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم الروحانية "الغيب". والمتمدن هو المنتمي بالكامل إلى منظومة قيم العقلانية "الموضوعية". و"متمدن" هذه لا أعنى بها ساكن المدينة على وجه الحصر وإنما صفة لكل من ينتمي بالكامل إلى منظومة قيم الموضوعية حتى لو كان يقيم "فيزيائآ" في الريف لا المدينة.

-الفارس في نسخته المثالية هو الزول "الضكران"، الشجاع، الكريم، الشهم، الأمين، ذو المروءة والشرف والكرامة.

-الزاهد في نسخته المثالية هو الزول المتواضع، الصبور، المتوكل، الورع التقي ، المحسن والمؤمن ب "الغيب".

-المتمدن في نسخته المثالية هو الزول المستنير، المنظم، النظيف، المدخر و الإنساني.

مع الوضع في الأفهام أن بعض هذه القيم تستطيع أن تتبادل المواقع لكن دون أن تفقد المنظومة المحددة خصائصها كلية. كما أن القيم المفردة المشكلة لكل منظومة قيمية تكون في الغالب أكثر وأغنى مما حصرناه بعاليه.

لنذهب خطوة عملية إلى الأمام.

أنظر كيف يكون مثل هذا "الزول" غنيآ بالقيم. أعني ذلك ال "الفارس الزاهد المتمدن". ذلك الذي يحمل كل القيم في كنانته!. تلك تكون حقيقة. إنه إنسان عظيم. غير أن الوضع قد يأتي معكوسآ بذات القدر من العظمة. إذ أن لكل منظومة قيمية مثالبها. إذن من المتوقع أن يحمل ذلك الإنسان ثلاثي الأضلاع "ثلاثي القيم" جميع المثالب الملازمة للمنظومات القيمية الثلاثة. فمن مثالب الفارس المحتملة الإنحيازية العمياء وال"لا إنسانية". ومن مثالب الزاهد المحتملة العبثية والإتكالية المفرطة. ومن مثالب المتمدن المحتملة الأنانية والإستغلالية.

هل نحيل إلى المشهد الواقعي في السودان (الحاضر والماضي) فننتقي أمثلة لشخصيات تجسد القيم مفردة ثم منمزجة بغرض التوضيح؟.

القيم مفردة:
الفارس المحض = ود الضرير
الزاهد المحض = فرح ود تكتوك
المتمدن المحض = أحمد خير المحامي

القيم ممتزجة "ثنائية":

الفارس الزاهد = د. عمر نور الدائم
الفارس المتمدن= د. جون قرانق كما فاطمة أحمد إبراهيم
الزاهد المتمدن = محمد إسماعيل الأزهري "الرئيس"

القيم ممتزجة "ثلاثية":

الفارس الزاهد المتمدن = د. حسن عبد الله الترابي كما الصادق المهدي كما أزرق طيبة

تلك مجرد أمثلة. نستطيع أن نقشط بشكل مستمر ونملآ الفراغ بشخصيات أخرى نراها أكثر ملاءمة للصورة.

وعندما يأتى الحديث عن سايكولوجي المجتمع المدني والدولة سنرى "عمليآ" أن السياسي "الآيدولوجي" ما هو سوى تجلى فوقي للقيمي. كما أن الدولة تكون على الدوام تجلى فوقي للآيدولوجي. غير أن هذه المستويات الثلاثة (القيم والآيدولوجيا والدولة) تعيش مع بعضها البعض في جدلية دائمة مما يجعل الوضع في كثير من المرات في صورة معكوسة عما افترضناه أولآ.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاحد يونيو 26, 2011 8:59 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

هناك ثلاث عجائن مختلفة ومتفردة تشكل الزول السوداني، تشكله مفردة أو مختلطة ومنمزجة.
1- الجسدانية 2- الروحانية 3- العقلانية.
سنتحدث عن خصائص كل عجينة وسنضرب أمثلة حية تشكف سلوك الزول وذوقه وتجربته النفسية والجمالية ورود أفعاله تجاه الأحداث في أمكنة وأزمنة مختلفة.

وكنا قد تحدثنا "أعلاه" في المستوى الأول "الجسدانية" وعندي إعتقاد قلت به في السابق أن العجينة الأساس المسيطرة على سيكلوجية الزول هي "الجسدانية" وإسمها الآخر "الفروسية" أي منظومة قيم الفروسية. وبمثل هكذا زعم أنتوي المواصلة في الجسدانية "الفروسية" وبقدر من الإستفاضة ثم نتحدث لاحقآ عن الروحانية والعقلانية. وقد أضطر لعقد مقارنات بشكل مستمر بين المستويات الثلاثة.

نقف "أدناه" على قصيدة الشاعر محمد بادي "أنا أخو البت اللكعت قرن الخمرة النازة"


عدل من قبل محمد جمال الدين في الاثنين يونيو 27, 2011 10:53 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 1:54 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

أنا اخو البت اللكعت قرن الخمرة النازة, د.محمد بادى، لدى اللنك التالي:

http://www.youtube.com/watch?v=UR4s6DqoWLs


عدل من قبل محمد جمال الدين في الاثنين يونيو 27, 2011 4:53 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 1:58 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

قصيدة بادي تقوم في مستوى البنية التحتية للمجتمع المدني. وقلنا أن لا تمظهر مدني تحتي يكون ممكنآ إلا في حالة توفر ثلاث عوامل في ذات الأوان ودون نقصان: 1- قيم 2-هدف و 3-لائحة (اللائحة تعني الإطار النظري للهيكل ويمكن أن تكون مبتدعة أو مكتسبة أو موروثة "مكتوبة أو غير مكتوبة").

القيم تحدثنا عنها هنا كثيرآ وقلنا أن الهدف يكون واحد على الدوام مركب في الصيغة التالية: (البقاء، المعاش، الأمن والرفاهية). واللائحة من أمثلتها الصغير إقوم للكبير.

شوف معاي كيف تتمرحل ملحمة "البت اللكعت قرن الخمرة النازة" كونها تتحدث عن جماعة مدنية تحتية محددة؟. قبيلة/عشيرة.

1- هناك هدف من قبيل: (الجنيات الحزمو الجبه
وعرق الشتوي عليهم نايا و صبا
قول ما دله ..
رجالا حصدوا الحبه
عيشون هادو انكال واتعبا
ومنو كتير في الواطا انكبا
وباقي مصوبر واقف قبه
الحمد آلاف .. الشكر آلاف
الحمد آلاف الشكر آلاف
العيش الرقد أصناف أصناف
الولد الكان.. عزام .. حلاف...ضياف
الرزق الجانا مدلا.. الحلق الجاف اتبلا
بالحيل آ جني إيي والله
********
الوادي الجانا مترقن
مدد جناحو الطايل شرقا وغربا
القبلي بروقو على القلعات اضربن
الدكن البعدن قربن
فوق صنقور الحله الطالت كبن
قول للحله بيوتك خربن
قول ما دله.. الحلق الجاف اتبلا
بالحيل آ جني إيي والله
**********
مرحاتنا شرابهن يوت ماغبن
شبعانات في الشقل أب شوك ما شبن
الحومل ولدن وربن
حلماتن تقلن.. جرن.. فوق سيقانن كبن
اللبن العاتم في ضرعاتن جبن
المغصة إن كان ضرعاتن خربن
القرعة آ وليد .. السعن آ بنيه
القربة كمان... كبوها المية
المغصة إن كان ضرعاتن خربن
شوفو النعمة السالت فوق قيزان الرمله
ناس البندر لبن الشاي بالعمله

سمح الخمج الفوق أسيادو
سمح العز المن أجدادو
الجنيات المشو ما عادو
كان بالرد أكان اتنادو
غرب حامد وشرق بلة
كانوا بحلبو الضرع الدلا
كانوا بحضرو الخير القدحو معلا
الجنيات ما كفرت بنعمة الله
بالحيل آ جني إي والله
*****
والغيمة تهتف مطرا نقع
فوق نوار الطلح الفقع
ريحة البرد إن جاتك
عطرا فايت خمر الفوق أردافا مجدع
شفنا الوادي يقشقش في دمعات الليل
والتعل الشايل بدا يتفقع )..... واضح أن هناك رفاهية إجتماعية عالية. أمن كبير ومعاش رغد يحرسه حامد حطب الطندب نار القصب في مواجهة الزبيدية أي الآخر. حامد الفارس.

2- هناك قيم من قبيل: (أنا أخو البت اللكعت قرن الخمره النازه ..على وردان الصبوه الراكزه .. الجنيات الهازه صدورن لازه ورقا النص زي خيت الشلا ) و (ديل يوم عادوا اتلافو الجاهل بحقوق الله .. ديل كم لحقو البشهق ضايق وداوو العله ..الولد الجايب حقايب سفرو تقال تقال من جنس كتاب ومجله .. الحكمة النضم إياهو الكان.. الحكمة الولد اتوضا وصلى .. عادة البلد الدخلت فيهم سكنت سكنت ما ب تتخلا ) و (الولد الكان.. عزام .. حلاف.. ضياف) وحكاية حامد كلها قيم من قبيل الشجاعة إلى آخر الإلتصاق بقيم الفروسية. و
3- هناك لائحة من قبيل: (بعد الليل ما يهود ونحن نهود.. عاد أماتن ينادن ليهن) والمقصود البنات (اي الجكس بلغة الشارع) الحاجات ما سايبة ساي هناك لوائح محددة عند لحظة ما، البنات لازم إمشو على بيوتهم والا هناك مشكلة. أعني أن هناك لوائح محددة تقوم في المخيال الجمعي تحدد للفرد أفعاله وأقواله في إطار الجماعة.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 2:21 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

حامد "نار القصب الهبلت" في قصيدة محمد بادي مثال في غاية السطوع لقيم الجسدانية (فارس) "رابع مخ الترك البزبز من ضرب أهلو نهار الركزو تمام وإتعدلو" و " حامد عوج الطندب". أي أن الفخر هنا يقوم على أن "ود القبائل" الجد "الضكر" لازم إكون "مخو مقفل" تمامآ في مواجهة الآخر!. ففي مشهد حامد عند لقائه مصادفة لآخر ممثل رمزيآ في قبيلة الزبيدية لم يكن في الأفق أي طريقة للحوار أو التفاوض على حلول وسطية. لا توجد. لأن ببساطة لا توجد رؤية ذاتية للعيش المشترك لدى حامد كممثل لجماعة عشائرية محددة ولا لدى الزبيدية كممثلين مباشرة لقبيلتهم بالإسم. وفي تلك الحالة هناك حل واحد لا غيره. وهو فناء الآخر وبلغة علمية genocide . ولقد فعلها حامد!.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 2:27 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع



مأساة الفارس على ود حامد

رويت في بوست الدولة والمجتمع المدني عند الحديث عن منظومات القيم حكاية واقعية حكتها لي "أمي" بطلها أحد أعمامها : على ود حامد (فارس من الجعليين). حكاية صغيرة لكنها في غاية الشطط.

في حوالي العام 1944 رفض على ود حامد هذا رفضآ قاطعآ خطة حكومية لإنشاء مدرسة إبتدائية هي الأولى من نوعها بمنطقة الجعليين في جبل أولياء. بحجة أن المدرسة "عنده" ما هي بشيء سوى دعوة صريحة للمثلية Homosexuality !.

إذ قيل أنه نهض متسائلآ ومتعجبآ وغاضبآ مخاطبآ المبعوث الحكومي، قائلآ : يعني عايز تسوي أولادنا "مايلين"*!.

وبناءآ عليه فقد تم بناء المدرسة في مكان آخر يبعد عدة كيلومترات من المكان الأول الذي خطط لها. وعلى النقيض من ذلك فإن جدي هذا لم يكن يرفض الدراسة في الخلوة برغم أنني لم أسمع بأنه كان متدينآ. بل على النقيض كان فارسآ مغوارآ ويشرب المريسة كل يوم. وأعتقد أن السبب هو أن دراسة الخلوة لا تشكل تعارضآ مع مرموزات القبيلة وقيمها.

بعد مرور كل هذه السنوات أستطيع الآن أن أخمن لماذا فعل جدي ذاك ما فعل؟. إن الأمر لا يستقيم أن يكون بتلك البساطة التي حكتها لي أمي وما يزال البعض يرويها بتهكم!.

في الغالب ما كان جدي متشككآ في أن المدرسة قد تشكل تهديدآ حتميآ لقيم القبيلة و ما المثلية Homosexuality التي قال بها إلا الترميز في حدة، كون المثلية تمثل النقيض ل"الضكرنة" أي الرجولة وهي من أسطع قيم القبيلة. والإحتمال الأكبر عندي أن جدي كان عنده قناعة ذاتية فطرية بأن المدرسة قد تؤدي بالأولاد الى مكانة يعصون فيها أباءهم وجدودهم بحكم حصولهم على معلومات ومعارف ورموز وافدة من المدينة. الشيء الذي قد يمثل تهديدآ مباشرآ لقيم "الفروسية" ما قد يقود الى هدم الهيكل فتختفي المنظومة الإجتماعية التحتية أي العشيرة في هذه الحالة. أي فإن جدي كان يرى في المدرسة "مؤامرة" متضمنة فعلآ رادكاليآ مدمرآ لبنية العشيرة وإستمراريتها .وقد كان جدي ذو حدس ثاقب ومحقآ جدآ في سياق "نظرية معرفته" الشيء الذي أكدته الوقائع اللاحقة كون المدرسة مقدمة حتمية لفرع محتمل من فروع مؤتمر الخريجين ( قيم جديدة مضادة للقبيلة) والتي يعمل أحمد خير المحامي على إنشاءها في الأقاليم وهي بالقطع تكون تلك ال Homosexuality عند "جدي" تمشي على قدمين!. وأحمد خير رجل معروف بعدائه الحاد للقبيلة والطائفة الدينية. فهو كان عدو جدي بلا منازع.

قلت أن جدي كان محقآ في رفضه للمدرسة الحكومية وفق نظرية معرفته. لقد أكدت الأحداث المقبلة صدق حدسه. فقد درس بتلك المدرسة ثلة من أبنائه وأحفاده بالمعنى العريض للكلمة. فحدث ان كانوا هم أول من أدخل "البنطال" في بلدتنا بدلآ من الجلابية والعمة والسروال البلدي وما تبع ذلك من تخليهم عن لبس "السكين" في الضراع وحمل "العكاز" فوق الكتف إضافة الى إهتمامهم الفائف بالنظافة مما يجعل منظرهم في عين جدي أقرب ما يكون الى البنات منه الى الرجال. وكانوا أول من دخن السجائر متخلين عن "الحقة" السعوط. وأصبحوا يستاكون بالفرشاة والمعجون بدلآ عن مسواك الأراك. و لبسوا ساعة اليد مرة بالشمال وتارة باليمين. كما أنهم تخلو عن "البطان". وعندما يأخذ الغضب بهم مأخذآ شططآ لا يقول أحدهم للآخر "ببعجك" (إشارة للطعن بالسكين) وإنما يقول له بديك "بنية" box. وأصبحوا بدلا عن "العرضة" في الأفراح "يسكسكون" (يرقصون بالطريقة الأفرنجية). كما أصبحوا يبغضون أكل العصيدة مع السمن أو "الروب" والكسرة (من دقيق الذرة) مع الويكة وحبذوا أكل الرغيف (من دقيق القمح) مع الفول المصري والبيض والكبدة وما إلى ذلك. والأسوأ من كل هذا لقد أصبح رأيهم في جدي سالب جدآ. إذ أنهم يكنون له بالغ الإحترام كأب وجد ولكن مع ذلك كثيرآ ما ينظرون إليه كشخص أمي ومتخلف out-of-date.
وأصبحو لا يفخرون كثيرأ بأصولهم الجعلية ولا يتحدثون كثيرآ عن نسبهم وأصولهم النبيلة بالقدر الذي كان يحدث في السابق. وعندما يقسمون "يحلفون" لا يقولون كالسابق "وحات رأس أبوي" أو "وحات تربة أمي" أو "علي بالطلاق" أو "طلق" أو "علي بالحرام" وإنما يقولون "وحيات ديني وإيماني" أو والله العظيم. كل هذه الإنقلابات المفاجئة جعلت جدي في حالة من الحزن والأسي وأرق الخاطر من مصير مجهول يتهدد نسله. كون بالإضافة الى كل تلك المآسي فإن هؤلاء الرجال الجدد أخذوا يمتهنون مهنآ هامشية وضيعة في نظر جدي مثل الأعمال المكتبية والحدادة والنجارة الخ. وتركوا مصدر الرزق الشريف والمشرف وهو الرعي في المكان الأول ثم الزراعة (الإقتصاديات التي عرفها جدي من الجدود وجربت في ضمان عيشهم وحفظ كرامتهم).

وأخيرآ جرى أمر بالغ الخطورة: "آيديولوجي"!. لقد تعاون هؤلاء الرجال الجدد مع حزب الأزهري "الوطني الإتحادي" حزب الأفندية. وكان من نتائج ذاك التعاون أن الرجل الذي فاز في الإنتخابات البرلمانية لعام 1953 بأعلى نسبة من الأصوات في دوائر الخريجين "دوائر الأفندية" فاز في الإنتخابات البرلمانية اللاحقة بتفوق ساحق في دائرة جغرافية هذه المرة هي دائرة جبل أولياء (مسقط رأس جدي) وهو الأفندي مبارك زروق مع انه ليس من أبناء المنطقة. لكنه المحامي "المديني" الأفندي المثقف، خريج كلية غردون التذكارية، أول وزير خارجية للسودان المستقل، الرجل "القيافة" ذو ربطة العنق "الفراشة" والذي غنت له بنات الخرطوم "عيون زروق جننونا".

الحياة لم تصبح أفضل في بلدتنا بعدما تم تبني قيم المدينة بل أصبحت أسوأ. إذ أن غزو المدينة لبلدتنا بمرموزاتها "المدينية" المنوعة شكل ضربة قاصمة لا لقيم العشيرة وحدها بل لهدف وجود العشيرة من الأساس ولبنيتها الهيكلية. دون أن يكون هناك بديلآ واضحآ يضمن بقاء ومعاش وأمن ورفاهية الناس. لقد تحدثنا أعلاه عن تجسد التحول في منظومة القيم عند المظهر الخارجي للرجال الجدد في بلدتنا. غير أن ذاك الشكل الخارجي للأشياء كان تحته القدر يغلى. إذ حدث تحول لا مثيل له في تاريخ بلدتنا فيما يتعلق بالانشطة المعيشية (الإقتصادية) وثقافتها. فتحول الإقتصاد من الرعي والزراعة الى الخدمات والتجارة بشكل أساس في كل منطقة جنوب الخرطوم ومن ضمنها جبل أولياء حاضنة بلدة الجعليين هذه. ولما لم يكن جعلي جبل أولياء أولي خبرة راسخة في الشكل الإقتصادي الجديد الوافد (كونهم في الأصل هم رعاة ومزارعون) فكانت النتيجة أن تحولوا من أهل عز ورغد عيش بفعل قطعانهم ومزارعهم في الماضي إلى حالة أشبه بالإملاق بنهاية الستينات من القرن الماضي.

وجاء قوم آخرون غالبآ ما كانوا مهاجرون من أرجاء السودان الأخرى أكثر رسوخآ في "الأفندوية" والتجارة فأكلوا على حين غرة الكتف. وتدحرج أهل بلدة جدي إلى الأدنى معيشيآ ثم الأدنى. ستجد ما قاله جدي محسوسآ هذه الأيام إذ أن منطقة الجعليين كانت قبل سبعينات القرن الماضي هي أغنى منطقة في جبل أولياء على الإطلاق من الناحية الإقتصادية والأرغد عيشآ والأكثر أمنآ والأغني قيمآ. أي كانوا أهل العز وبلا منازع!. وكانو ينظرون إلى سكان حجر جبل أولياء مجرد ضيوف وافدين لا حولة لهم ولا قوة. ويمدون لهم يد العون كل ما دعت الضرورة. إذ كانت ظروفهم المعيشية في غاية السوء مقارنة بمنطقة الجعليين. لكن إنقلابآ مفاجئآ في الأمور قد حدث كما قلنا أعلاه. إنقلاب عنده مبرراته الموضوعية. هل تتخيل معي أن بعض ناس الحلة الجديدة وحي التجار وديم البساطاب يسمون منطقة الجعليين في الوقت الراهن "الحلال" أو ناس البحر أوناس الشجر وكل ذلك يتضمن تصور مبسط للأمور أنهم أقل شأنآ من الناحية الإقتصادية وربما المزيد!. وهو أمر قاومه جدي على ود حامد بكل ما يملك كي لا يحدث. لكنه حدث!.

كانت تلك نتيجة المدرسة "وفق نظرية جدي". وقد تكون!. كونه لم تكن هناك خطة واضحة لماذا مدرسة؟..

كان الأفضل أن لا تقوم مدرسة في بلدتنا وإلا وان تحتم ان تقوم وجب ان تكون مدرسة تدرس الرعي والزراعة (مصدر معاش العشيرة آنذاك) لا غير. حينها فقط أتصور أن جدي كان سيقبلها . وعلى كل حال فقد أثبتت الوقائع العملية أن فكرة جدي ليست مجنونة تمامآ. وإنما مغزى حديثه هو أن "المدرسة" لا تشكل بديلآ للحياة الواقعية بل هي تزييفآ للواقع ما دامت لم تكن جدلية حقيقية مع الواقع .. ولم تكن في حينها!.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال

--------------------
* مايلين = Homos مع أن جدي قالها عارية وبالدارجة... أوردتها كما هي عند البوست المعني، تحريآ للدقة!.



عدل من قبل محمد جمال الدين في الاثنين فبراير 27, 2012 7:49 pm, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 2:58 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

كلمة "فارس أو فارسة" لا هي بمدح ولا بذم وإنما أشر بها إلى كل من ينتمي إلى منظومة قيم الجسدانية أي الفروسية أي قيم القبيلة/العشيرة في مقابل كلمة "زاهد" لمن ينتمي إلى منظومة قيم الغيب و "متمدن" لمن ينتمي إلى منظومة قيم الموضوعية. ولكل منظومة قيمية محاسنها ومثالبها. مع الوضع في الإعتبار تشابك وإختلاط القيم المشكلة لمخيلة الفرد الواحد. وهي توصيفة من إختراعي الخاص كما قلت سابقآ لا وجود لها من قبل بهذا النسق وغير مثبتة علميآ بعد، وإنما تقوم بحسب المنطق الذي رأيته لها. وهذا للعلم.

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 3:21 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


نظرة جديدة في منظومات القيم*

من الملاحظ ان في كل من شكلي التمظهر الهيكلي واللا هيكلي للمجتمع المدني لا بد من وجود قيمة اجتماعية او منظومة قيم (راجع الخلاصة "أعلاه").

لنأخد أمثلة من الواقع المعاش.

شبشة الشيخ برير (قرية سودانية تقع على الضفة الغربية للنيل الابيض بالقرب من مدينة الدويم)
كيف تكون الحياة هناك؟. قد يكون لاحدكم فكرة احسن مني، وبالطبع لاهل شبشة الشيخ برير فكرة عن حياتهم احسن منا جميعا. لكنني أستطيع ان اتصور بالاحالة الى الصورة النمطية للقرية السودانية في الوسط النيلي كيف تكون الخطوط العامة لحياة الناس اليومية. وفي نهاية المطاف سأحاول عقد مقارنة بين شبشة الشيخ برير وحي العمارات المعروف في العاصمة الخرطوم. كيف يتمظهر المجتمع المدني هيكليا ولا هيكليا في شبشبة الشيخ برير؟.

في احد ايام الاسبوع جرت في شبشبة الشيخ برير الاحداث التالية:

رجع المزارعون والرعاة والصيادون الى القرية ثم اجتمع بعضهم في دار احد شيوخ القرية فتحدثوا عن زرعهم ورعيهم وصيدهم، سقط جدار احد بيوت سكان القرية بفعل السيول والفيضانات فقرر بعض فتيان وفتيات القرية بناءه تطوعا، شب حريق كبير في مدرسة القرية الابتدائية فهرع جمع من الناس لإطفاءه تطوعا، لعب فتيان القرية كرة القدم، ، اجتمع رجال عشيرة بني دويح في دار شيخهم للتفاكر حول نزاع نشب على قطعة ارض بين اثنين من رجال العشيرة ، نظمت نساء القرية "ختة" (ادخار لبعض المال)، ذهب البعض للصلاة في المسجد، وحلقة مديح نبوي في "المسيد" ، لعب بعض الشبان الورق " كتشينة"، بعض الفتيات عملن على تدريب احد العروسات على الرقص "رقصة العروس"، اقام بعض الشبان حفلة "حنة" لاحد فتيان القرية، كانت هناك مناسبة زواج، لعب الاطفال شليل، وكان هناك مجموعة من الشبان يتعاطون الخمر (قعدة) ، تعقب بعض الشبان سارق فاوسعوه طربا حتى الموت تطوعا، داهم احدهم مرض عضال فسارع بعض الناس الى حمله الى المستشفي التخصصي في اقرب المدن (تطوعا) لكنه مات فتجمع كثير من الناس لدفن الجنازة (تطوعا) واقاموا له مأتما للعزاء (تطوعا).

هل تجري نفس الاحداث بذات النسق والمنوال في حي العمارات في مدينة الخرطوم (العاصمة)، فنقول كما قلنا اعلاه: في احد ايام الاسبوع جرت في حي العمارات الاحداث التالية:
رجع المزارعون والرعاة والصيادون الى حي العمارات ثم اجتمع بعضهم في دار احد شيوخ الحي فتحدثوا عن زرعهم ورعيهم وصيدهم، سقط جدار احد بيوت سكان حي العمارات بفعل السيول والفيضانات فقرر بعض فتيان وفتيات الحي بناءه تطوعا، شب حريق... الى آخر الاحداث المتصورة (اعلاه) والتي جرت في شبشة الشيخ برير. هل نتصور انها جرت بالكامل في يوم من الايام في حي العمارات؟.

تلك احداث طبيعية في قرية ما (مثل شبشة الشيخ برير وغيرها من القرى النائية البعيدة). لكن ربما شعر المرء ان الوقائع المتصورة اعلاه لا يمكن ان تجري جميعها في شبشة الشيخ برير وحي العمارات بنفس النسق والمنوال. كونها جرت جميعا في شبشة الشيخ برير قد يبدو منطقيا، لكن بعضها لا يمكن ان يحدث في حي العمارات، بمعنى ان حدوثها جميعا في حي العمارات ليس منطقيا. شي طبيعي جدا ان يقول قائل رجع المزارعون والرعاة والصيادون الى القرية ثم اجتمعوا في دار احد شيوخ القرية فتحدثوا عن زرعهم ورعيهم وصيدهم، لكن ليس من المتوقع ان يقول رجع المزارعون والرعاة والصيادون الى حي العمارات في قلب العاصمة السودانية الخرطوم. الاكثر منطقية هو ان يقول القائل رجع التجار والصناع والافندية الي منازلهم في حي العمارات نهاية اليوم ثم ذهب بعضهم الى نواديهم (دورهم) المتخصصة فتحدثوا عن تجارتهم وصناعتهم وخدماتهم ويكون الانتماء الى احد هذه الدور قرارا فرديا وطوعيا. كما انه اذا سرق السارق في حي العمارات ففي الغالب الاعم ان صاحب الشي المسروق وحده يتصل ببوليس النجدة وليس من المحتمل في الاحوال العادية ان يجد من يطارد له السارق ويقتله، والمريض يتصل هو او اهله بعربة الاسعاف واذا شب حريق يتم استدعاء المطافيء. واذا سقط جدار بيت باي طريقة فان صاحبه وحده هو الذي يعيد بناءه او شركة التأمين ففي عداد المستحيل ان يتجمع شبان الحي لمساعدته تطوعا، نساء الحي مثل رجاله يدخرن (او يستثمرن) ما فاض من اموالهمن في البنوك، وغالبا ما يلعب الشبان الورق في النادي الرياضي الثقافي وهو من المتوقع ان يكون نفس النادي الذي ينظم تمارين كرة القدم في الحي ويكون الانتماء الى هذا النادي قرارا فرديا وطوعيا، كما انه من في حساب المستحيل ان يجتمع رجال عشيرة بني دويح او جعل في دار شيخهم في حي العمارات اذ ان سكان العمارات لا يتقسمون في شكل كتل عشائرية واضحة كما هو حادث في شبشة الشيخ برير واذا حدث نزاع ما بين شخصين حول قطعة ارض فالغالب ان تكون تلك مهمة المساح الشرعي ثم القضاء (البوليس و المحكمة)، وليس من المتوقع ان يلعب اطفال حي العمارات لعبة شليل التي تحتاج الى ضوء القمر (لا لمبات النيون) بالاضافة الى فسحة مكانية بواصفات محددة قد لا تتيحها طبيعة حي العمارات مسفلت الطرقات كما ان لاطفال حي العمارات العاب اخرى تعودوا عليها.

قد تكون هناك احداث تجري بنفس النسق والمنوال، لكنها قليلة، وهناك احداث تجري بذات النسق لكن ليس بذات المنوال والعكس صحيح. لماذا؟. سنجاوب على هذا السؤال لاحقا. لا اود ان ادخل في مقارنات الان. لنؤجل هذا السؤال برغم الحاحه مؤقتا، فالنغيب حي العمارات كلية من ذاكرتنا الان، ونركز اولا في شبشة الشيخ برير ثم نرجع الى حي العمارات لاحقا. كيف تنتظم هذه الاحداث القرية "هنا المثال قرية شبشة الشيخ برير". ما هي القوة الدافعة والاسباب. لنأخد سبع امثلة بشكل انتقائي، او قل لنعمل التفكير والخيال في سبعة احداث، جرت على الوجه التالي: بناء الجدار طوعا، اجتماع عشيرة بني دويح، كرة القدم، "الختة"، الحنة، شليل ومراسم الجنازة. ولنأخذ من هذه الامثلة حدث واحد لتحليله ما امكن، وليكن في هذه العجالة " مراسم الجنازة". عندما تحدث وفاة احد البالغين في شبشة الشيخ برير، صغيرا كان او كبيرا، وبغض النظر عن موقعه الاجتماعي ونشاطه الاقتصادي، تحدث نفس الاشياء على الدوام. يجتمع الرجال حول الجثة يمارسون الشعائر المجمع عليها و يغسلون الميت ويكفنونه وفق الاعتقاد المسلم به، وبالجانب الاخر يبكين النسوة بحرقة على اثر الوداع. ثم يحمل الرجال الجسد على سرير من اربع ارجل وعلى كل رجل من ارجل السرير رجل من الرجال يتبادل مع الاخرين المهمة في طريقهم الى المقبرة فيحفرون حفرة عميقة تسمى القبر يوضع فيها الجسد ثم يدفن، ثم يرجع الناس الى بيت المتوفي فيضربون خيمة للعزاء "صيوان" لمدة ثلاث ايام او يزيد، يمارسون الشعائر المتعارف عليها ويواسون افراد اسرة المتوفي، ومن اهم الاشياء يتبرعون بالاموال حسب الاستطاعة. وذلك مجرد حدث واحد من كل تلك الوقائع العديدة والمتكررة بنفس النسق والمنوال. ففي رقصة العروس مثلا لا بد ان تكون هناك آلة موسيقية "غالبا دلوكة"، الدلوكة مفترض ان تكون محفوظة في مكان محدد، مسئولية بنت او امراة محددة (طوعا) تخرجها فقط عن اللزوم والحوجة، تأتي المبادرة من احداهن والعمل جماعي (والمقصود هو العروس) التضامن مع العروس من اجل تدريبها على فعل محبذ عند الجماعة (رقصة العروس) ثم سعادتها واشاعة البهجة والفرحة في نفسها. نفس الشي مع اختلاف طفيف في الشكل الخارجي يحدث في حالة الجنازة. أدوات الحفر غالبا ما تكون مسئولية شخص محدد (طوعا) والكفن وغسل الميت (مبادرات فردية) لكن في النهاية العملية كلها تتم بشكل جماعي (حيث يتوافد الناس من كل الفجاج بشكل يبدو تلقائيا جدا) يفعلون كل تلك الاشياء بانسجام تام ويدفعون مساهمات مادية " كشف الفراش". والمقصود هم ابن المتوفى او بنته (على سبيل المثال) والحي ابقى من الميت في المثل الشائع. وكذا واقعة الحنة تختتم بمساهمات مادية والمقصود هو العريس المرتقب (امنه وسعادته ورفاهيته). و في كل الاحوال هناك شكل تنظيمي ما (سلس ومحكم)، كما ان هناك قواعد جماعية متفق عليها (مسلمات غير قابلة للنقاش) نجدها عند النظر (الملاحظة) بتمعن في جميع الاحداث والوقائع التي حدثت وتحدث وستحدث في شبشة الشيخ برير.

الملاحظة الاولى ان كل هذه الاحداث من وراءها جماعة لا فرد. قد يكون من خلفها مبادرات فردية لكن كل هذه الاحداث صغيرها وكبيرها تقيمها في نهاية المطاف جماعة من الناس كما هو واضح وفق نسق محدد.

الملاحظة الثانية ان كل هذه الافعال الجماعية الهدف الاساس (الغاية) منها هو الفرد المفرد (عيشه، امنه ورفاهيته) عبر وسيلة محددة هي التضامن (توحيد الجهود).

الملاحظة الثالثة ان كل او معظم هذه الاحداث تجرى بشكل تلقائي وفق قواعد مسلم بها في معظم الاحوال.

الملاحظة الرابعة ان كل هذه الاحداث تجري في فضاء طوعي، غير الزامي (بلا سلطة مادية ملزمة تستطيع ان توقع العقاب " العذاب" بادوات مادية أو تجزل الثواب) ولو ان هناك منظمومة قيم ومعتقدات ومسلمات تدفع الفرد دفعا الى الفعل (طوعا) في اطار نسق محدد مرسوم سلفا في المخيلة الجمعية.

والملاحظة الخامسة والاخيرة ان هذه الاحداث تحدث في حل عن الدولة. كما نلاحظ بوضوح غياب كلي او جزئي لعربة النجدة، عربة الاسعاف، عربة المطافيء، البنك، شركة التأمين، القضاء، والبوليس. فالجماعة تقوم بكل الواجبات.

في حي العمارات الصورة مختلفه جدا. اول ملاحظة تظهر بحدة تتمثل في أن الفرد (الانسان الواحد) هو الذي يطغى على المشهد. الفعل الجماعي (بصورته الشبشية) شبه غائب. دور الجماعة وواجبها تم استبداله بدور عربة النجدة، عربة الاسعاف ، عربة المطافيء، البنك، شركة التأمين، القضاء، والبوليس، نادي الفتنس، نادي المهندس، نادي الكذا ودار الكذا. لا حوجة لدور الجماعة، لا توجد ثقافة الجماعة. الفرد لا يغضب من الجماعة، لا يرجو شيئا من الجماعة كما انه لا يفخر ابدا بالجماعة اذ ان الجماعة غائبة من ذاكرته كليا. انه هو لا غيره، هو هو وهو كل شيء، انه الفرد الصمد. وبالتالى عندما يتحدث ذلك الانسان "الانا" لا يبدأ حديثه الا ب "أنا".

في شبشة الشيخ برير، عندما يتحدث احدهم عن نفسه ففي الغالب لا يتحدث عن نفسه مستخدما الكلمة "أنا"، بل يقول نحن (نحنا او احنا)!. نحن اولاد رجال، اولاد قبائل، اولاد بلد، اولاد عز، انا ود ناس فلان (مش ود فلان). وعندما ينشد الواحد منهم الاشعار ربما انشد: ( نحن اولاد بلد نقعد نقوم علي كيفنا في لقا في عدم دايمآ مخدر صيفنا نحن أب خرز بنملاهو و بنكرم ضيفنا. و نحن الفوق رقاب الناس مجرب سيفنا). وهذا شي منطقي. اذ ان الجماعة في شبشة الشيخ برير في خدمة الفرد (منذ لحظه ميلاده، طفولته، صباه، شبابه، كهولته، الى لحظة مماته)، بالمقابل فان الفرد يقدس الجماعة وهو بدوره يستطيع التضحية من اجلها ما دعت الضرورة كأن يذبح الرجل بنته العزيزة بالسكين جراء خطأ أقترفته سهوآ غسلا للعار الذي قد يلحق بالجماعة. في شبشة الشيخ برير "الانا" تأخذ عظمتها من عظمة الجماعة، فهي "أنا" ضخمة ضخامة الجماعة لكنها غائبة في رمزيتها، غائبة في ال "نحن".

في شبشة الشيخ برير احساس الفرد بالفرد الاخر عالي جدا، فعلى سبيل المثال فان الناس يتبادلون التحيايا بحرارة وصدق فائق، ويبكون بحرقة عندما يسافر احدهم بعيدا ويبكون من جديد فرحا بعوده. فالفرد عنصرا مقدسا لا لذاته بل لكونه ينتمي الى الجماعة المقدسة، هو جزءا لا يتجزء من الجماعة، تلك الجماعة النازعة في كل لحظة للتضحية من اجل الفرد. وفي حي العمارات لا أحد يحي الاخر في الشوارع الا لماما وحسب مقتضيات الضرورة فيقول له ما يشبه "هالو" الانجليزية وهو ماض في حال سبيله. فالاخر في العمارات شي قائم بذاته ولذاته. فالفرد كائن متحرر كلية عن قبضة الجماعة. فان فعل فعلا مع الجماعة يفعله طوعا وبوعي موضوعي ومن اجل هدف واضح وآني. كأن ينضم مثلا الى عضوية نادي المهندس او اتحاد التنس، يتصرف وفق لوائح مكتوبة، يدفع اشتراك شهري او سنوي او لا يدفع حسب النظم واللوائح ويستطيع في اي لحظة ان يوقف عضويته والعكس صحيح فالنادي او الاتحاد المحدد يستطيع حسب النظم واللوائح ان يلغي عضوية الفرد من سجله في اي لحظة. لكن ليس من المنظور ان يحدث نفس الشي بالنسبة لعشيرة بني دويح في شبشة الشيخ برير. اذ ان العضوية بالميلاد والدم، قدرية لا فكاك منها الا بالدم. وكذا اشكال التنظيم (الاخرى) الطبيعية (كالقبيلة) والتقليدية (كالطائفة الدينية) مع اختلافات طفيفة في حدة المواجهة مع الجماعة في حالة نشوذ الفرد. ف "الأنا" في شبشة الشيخ برير "أنا" سالبة، وخاضعة ل "نحن" و "الأنا" في حي العمارات "أنا" موجبة وفاعلة لا تكترث بال "نحن".

تلك الاحداث التي جرت وتجري في شبشة الشيخ برير تحدث بنفس النسق والمنوال في جميع القرى الاخرى المشابهة في الارياف القريبة والبعيدة. وما ننقله من صورة هنا ما هو الا محاولة تقريبية للصورة النمطية للقرية او توقعنا لها. مع علمنا التام ان التفاصيل قد تختلف بشكل او اخر من قرية الى قرية في ارياف السودان النيلي، ناهيك اذا ما ذهبنا بخواطرنا ابعد من ذلك وتحدثنا عن الريف في جنوب السودان وفي شرقه وفي غربه البعيد، في تلك اللحظه ربما نواجه باقدار واحداث اخرى مختلفة جدا. بمعنى ان المجتمع المدني في تلك الارجاء يتمظهر هيكليا ولا هيكليا بطرق قد تكون مختلفة جدا عن تمظهره في شبشبة الشيخ برير. كما ان المجتمع المدني قد يتمظهر بطريقة مختلفة من مدينة الى مدينة (مثلا الخرطوم، امدرمان، كوستي، مدني، الابيض، جوبا، ونيالا)، بل فان المجتمع المدني قد يتمظهر هيكليا ولا هيكليا بطرق مختلفة من حي الى حي في المدينة الواحدة. وربما اسعى الى شحذ خواطركم في هذه اللحظة لتتمعنو معي في امكانية تمظهر المجتمع المدني في حي الديوم الواقع على مرمى حجر من حي العمارات الذي تحدثنا عنه هنا، لاجل عقد مقارنه عاجلة بين المجتمع المدني في الديوم والعمارات كحيين متجاورين في نفس المدينة. فالاحتمال وارد ان نجد اختلاف بائن في شكل تمظهر المجتمع المدني في الحيين. ناهيك عن تمظهرات المجتمع المدني في افاق اخرى بعيدة مثل انغولا، الفلبين، الهند، البرازيل، البرتغال والمانيا.
كما حاولت ان اشرح في اللحظات الفائتة كيف ولماذا تكون "الأنا = الفردانية" أعلى من ال "نحن = الجماعة" في العمارات والعكس صحيح بالنسبة لشبشة الشيخ برير نسبة للعوامل المحددة التي حاولت استبيانها في سياق المقارنة سالفة الذكر وسأقوم بالقاء مزيد من الضوء عليها في ختام هذا المقال. ساقوم هنا ايضا بذكر "قفشة" منتشرة على نطاق واسع. تقول القفشة "الشعبية": ان اولاد حي العمارات عندما يحدث وان يزورا حي الديوم وبعد انتهاء زيارتهم تقوم بنات الديوم بمهمة وداعهم (تقديمهم) اي الذهاب معهم في طريق عودتهم الى منازلهم بحي العمارات خوفا عليهم من عارض الطريق ولطفا بهم. انتهت المقولة. هذه المقولة التي انتجها عقل "ديامي بحت" وجدت صدى واسع واصبح يرددها كثير من الناس من باب التندر والخ. اذا نظرت الى فحوى هذه المقولة ستجد انها تنطوي على عدة مفاجئات واسرار ولا تخلوا من المآزق.

وهذا نفسه السر من وراء انتشارها برغم ما يبدو عليها من بساطة وتبسيط. للوهلة الاولى تتبدأ هذه المقولة بشكل زائف كمظهر من مظاهر الصراع الطبقي في عرف الماركسيين، خصوصا انها صادرة من اضابير الديوم وما اشتهروا به من مؤازرة الحزب الشيوعي السوداني. غير ان الامر عندي ليس كذلك. خصوصا اذا اتفق حدسي وكان الهدف من وراء المقولة الطعن في رجولة اولاد حي العمارات كونهم منعمين (نعومة ودعة) من قبل سهولة العيش في مقابل رجولة اولاد الديوم من قبل شظف العيش الذي يقتضي بالضروري "الخشونة" بحسب المضمر من المقولة. ولو ان حتى هذه اللحظة هناك شبهة صراع طبقي، غير انه بقليل من الخطوات للامام ستنبهم حقيقة الصراع الطبقي وتتعرى حقيقة جديدة تكمن في ثقافة القرية ونستطيع ان نقول القبيلة. ولا يمكن للمرء ان يتصور بسهولة ان في الادب الماركسي مجالا لوصف البرجوازي بالنعومة فهو في كل الاحوال مصور كوحش في الروح وفي الجسد.
اول الملاحظات في اتجاه هذه المقولة هي غياب "الانا" فيها مع حضور طاغي لل "نحن". نحن اولاد الديوم، نحن بنات الديوم. تلك ال "نحن" من صناعة شبشة الشيخ برير. فالديوم بحسب المقولة كتلة صماء غير قابلة للتقسيم (جماعة ذات قيم وعزة وكرامة وكمان ماركسية) لدرجة ان اولادها يستقبلون اولاد العمارات لكنهم يتأففون من وداعهم لعلة فيهم هي النعومة بحسب المقولة، مما يخرجهم من مصاف الرجال كاملي الرجولة وفق الفهم الديامي للرجولة، فمن صفات الرجال "الخشونة" كما تفترض الاسطورة الريفية "الضكرنة"، ولهذا السبب فان بنات الديوم يقمن بالمهة نيابة عن رجال الديوم باعتبار ان رجال العمارات لا فرق بينهم والنساء، فاولاد الديوم على سبيل المثال يستقبلون ويودعون في نفس الوقت اولاد حي الامتداد، لكن اولا العمارات "لا. هناك وخز ما!.

وبالطبع ليس المقصود المعنى الحرفي للعبارة بان اولا العمارات غير اسوياء ولكن المقصود هو الحرب النفسية من ناحية ومحاولة تعلية قيمة الذات من ناحية أخرى باضافة وزن قيمي جديد متخيل للجماعة (من قبيل اولادنا رجال يأكلوا النار بمعنى انهم "ضكور"). هذه الثقافة لا تقوم بدون سند محدد، هذا السند هو الجماعة ( الاحساس العالى بروح الجامعة ال "نحن")، منظمومة قيم قديمة شديدة الرسوخ جيء بها من القرية فعاشت في ضمير الجماعة كل الوقت وظلت تتحكم في سلوك الفرد المفترض فيه المدينية كونه ولد ويعيش في المدينة. فبالاحالة الى الاحداث التي جرت في شبشة الشيخ برير نجد ان كثير من تلك الاحداث تستطيع ان تجد مكانها بسلاسة في الديوم، ولن يصيب الكثيرون الاستغراب اذا ما قال احدهم: رجع المزارعون والرعاة والصيادون الى حي الديوم ثم اجتمع بعضهم في دار احد شيوخ الحي فتحدثوا عن زرعهم ورعيهم وصيدهم، سقط جدار احد بيوت سكان الديوم بفعل السيول والفيضانات فقرر بعض فتيان وفتيات الحي بناءه تطوعا، شب حريق... الى آخر الاحداث المتصورة (اعلاه) والتي جرت في شبشة الشيخ برير. فالنتصور انها جرت بالكامل في يوم من الايام في الديوم.

قد تكون هناك اشياء قليلة لا تبدو ممكنة او منطقية، لكن معظم تلك الاحداث تحدث في الديوم بشكل يومي. وبأي حال من الاحوال لن تكون دهشة المرء كبيرة بذاك القدر الذي يحدث عند عقد المقارنة بين شبشة الشيخ برير وحي العمارات. كل ما اود ان اقوله ان الديوم ترقد في الخرطوم وقلبها في شبشة. اذ ان تمظهرات المجتمع المدني في حي الديوم الذي يبعد بضع امتار عن حي العمارات مختلفة جذريا عن الاخير. كما بالطبع فان تمظهرات المجتمع المدني في حي الديوم ليس بالضرورة مشابهة تماما لتلك التي لشبشة الشيخ برير. وهذا هو سر المفارقة بين العمارات والديوم لا الصراع الطبقي (او قل لا الفوارق الطبقية وحدها). هذه المقارنة ايضا صالحة لاحياء كثيرة في امدرمان ولهذا السبب تجد كثير من الامدرمانيين يحيلون ذواتهم الى مدينتهم، ويجدون فخرا وعزا وكرامة في انتماءهم الى امدرمان (احساس عالى بالجماعة) و"نحن" تطغى على "الأنا".


من اين تأتي هذه القيم؟. وهل تكون لذات المغزى وبنفس القدر في الريف والمدينة؟. وبين الريف والريف الآخر والمدينة والمدينة الأخرى ؟. وكيف تعمل هذه القيم على دفع الظاهرة الاجتماعية المحددة الى العيان؟. ثم كيف تشكل سلوك الزول وطريقة تفكيره؟.

سابدأ هنا من جديد بضرب مثال متخيل. لك ان تتصور معى ان رجلين تبرعا لمعسكر للنازحين بخروفين كل على حدا. احد هذين الرجلين مهندس معماري من حي الصافية بالخرطوم بحري، والآخر راعي اغنام "بطحاني" من منطقة الشوك في شرق السودان. رجع الرجلان الى دارهما في الصافية وفي الشوك بعد أداء هذا العمل النبيل. ماذا سيقول الناس في حي الصافية اذا علموا بالامر؟. الاحتمال الاكبر انهم سيقولون انه رجل "انساني" او "انسان نبيل". بينما اتوقع ان يقول الناس في الشوك عن الرجل الاخر انه رجل كريم. وبنفس القدر فانه اذا حدث وان تبرع ذات الرجلين بمبلغ من المال لمصلحة اطفال المايقوما فان الرجل من الصافية سيبقى انساني، بينما الاحتمال الاكبر ان يوصف الرجل الاخر (في داره بالشوك) بانه رجل شهم وكريم.

الرجل الذي ساهم في بناء الجدار الذي اسقطته السيول والفيضانات بشبشة الشيخ برير هو رجل شهم وصاحب مروءة. والآخر الذي شارك في اطفاء الحريق فهو رجل "ضكران" و شجاع لكونه واجه الخطر، وذاك الذي دفع مبلغا من المال ل "كشف الفراش" فهو "زول واجب" بمعنى انه صاحب مروءة. وهكذا دواليك فان كل الافعال الجماعية في شبشة الشيخ برير تجعل الفرد موصوفا بواحد او اكثر من القيم الدافعة التالية: الرجولة، الشهامة، الكرامة، الشرف ، الشجاعة، الكرم، المروءة و العزة. كما ان العكس صحيح فقد يوصف الاخر المتقاعس بصفات سالبة ومناقضة من قبيل خائب وجبان. بينما الرجل من حي العمارات او حي الصافية اذا ساهم في اي عمل جماعي (نقابة المهندسين مثلا) فليس من المتوقع ان تسبغ عليه تلك الصفات بنفس القدر الذي يحدث لذاك الذي في شبشبة الشيخ برير، وغالبا ما يوصف بانه رجل انساني وملتزم ومتحضر، ومن المستبعد جدا ان تصفه احد الفتيات من حي الصافية بانه "ضكران" بمعنى انه رجل ولا كل الرجال!. وذا جلس بعيدا من الجماعة لا يفعل شي فانه لا يوصف بانه رجل خائب او جبان ولكنه ربما يوصف بانه انسان سلبي، لا غير.

كيف تشتغل منظومة القيم:

انظر معي في ثلاث امثلة من الواقع. المثال الاول من مدينة هيا في شرق السودان. قيل ان رجلا يقطن قرية حول مدينة هيا في شرق السودان، اثناء ما كان مسترخيا يشرب القهوة في حضور آخرين حدثت فجأة مشادة كلامية صغيرة بينه وآخر من الجماعة، فسبه الاخير قائلا يا إبن القحبة ( قالها باللغة الدارجة!) فما كان من الاول الا ان استل خنجره وغرزه في صدر الثاني فقتله ثائرا لكرامته وكرامة امه. وحكم عليه بالسجن 25 عاما، لكنه طوال هذه المدة لم يندم ولا لحظة، كما ان كثيرا من الناس حوله نظرو ا اليه كبطل. بالنسبة له هو فقد أدى عملا مقدسا، والا ستكون مكانته في الحضيض امام أقرانه ووسط عشيرته كونه سكت على تلويث شرفه!. المثل الثاني شائع جدا وهو غسل العار. حدث ان رجلا من احد القرى حول المتمة و ان حملت بنته الصغيرة سفاحا، فما كان منه غير ان ذبحها بالسكين غسلا للعار، وخرج صائحا وسكينه تقطر دما: "هو نحنا عندنا شنو غير سمعتنا" ويعني شرفنا وكرامتنا. المثل الثالث، يقال ان في احد القرى النائية الواقعة على مقربة من مدينة الدمازين، كان هناك رجل فقير في مقتبل العمر له ابن واحد عمره خمس سنوات، عمل في ليلة دامسة على تخليص فتاة من فم تمساح ذهب بها الى عرض النهر، فاستطاع تخليصها بعد عراك دامي مع الوحش النهري المخيف ودفعها الى البر بحيث رجعت سالمة الى اهلها، الا ان الرجل لاسباب غير معروفة على وجه الدقة ضاع في النهر وحمل تيار الماء جثته بعيدا الى جهة غير معلومة. فاسبغ عليه الناس في غيابه الابدى كل الصفات الحميدة واسمو ابنه ود "الكلس" اسم يدل على منتهى الرجولة و الشجاعة والمروءة والشهامة. وجاء احفاده فكانو "اولاد الكلس" واحفاد احفاده "اولاد الكلس". هذه القصة حكاها احد احفاده وهو شيخ القرية في الوقت الراهن وقال انها حدثت قبل مائة وخمسون عاما خلت.

في المثالين الاولين نلاحظ ان الفرد ضحى تضحية جسيمة خوفا على تضعضع مكانته وسط الجماعة بفعل الخوف الرهيب من إلتصاق صفة سالبة به "عار" قد يطول نسله وافراد عشيرته ويقلل من فرصه وفرصهم في الحياة وسط الجماعة. وفي المثال الثالث فان الجماعة تكافيء الفرد ذا الولاء الطوعي المطلق للقيم السامية بالاحتفاء به عبر السنين غائبا كجسد وحاضرا في "احفاده" لدرجة انهم اصبحوا زعماء القرية او القبيلة فيما بعد.

ذاك بالضبط ما يحدث في شبشة الشيخ برير، هناك منظومة قيم دافعة متمثلة في الرجولة، الشهامة، الكرامة، الشرف، الشجاعة، الكرم، المروءة و العزة. هذه المنظومة القيمية تقف خلف تمظهر المجتمع المدني وتبقى مسئولة على الدوام على استمرارية وديمومة تلك التمظهرات سواءا كانت هيكلية او لا هيكلية وهي قيم ال "نحن". بينما في حي العمارات او حي الصافية هناك منظمومة قيم جاذبة نجدها في الايمان بالهدف النبيل والتضامن من اجل تحقيق مصلحة مستركة، وهي قيم "الأنا".
لاحظ مرة اخيرة كيف تترجم قيم ال "نحن" الى افعال بتتبع مبسط لابيات الشعر " الشعبي" التي ضربنا بها المثل في مكان آخر (اعلاه). هذه هي الابيات والترقيم من عندي : (1- نحن اولاد بلد نقعد نقوم علي كيفنا 2- في لقا في عدم دايمآ مخدر صيفنا 3- نحن أب خرز بنملاهو و بنكرم ضيفنا. 4- و نحن الفوق رقاب الناس مجرب سيفنا)... بقليل من اعمال التفكير سنجد ان القيم السامية الدافعة لتلك الافعال كالتالي:
1- العزة
2- المروءة
3- الكرم، و
4- الشجاعة .

وفي كل الاحوال فان كل تلك القيم تصنعها الجماعة وفق عملية تاريخية طويلة ومعقدة تتمدد عبر اجيال بهدف تحقيق مصلحة الجماعة المحددة وضمان معاشها وبقاءها وامنها ورفاهيتها. وتخضع هذه القيم للتبديل والتعديل والتحوير على الدوام بما ينسجم والتغييرات التي تطرى على وسائل تحقيق الهدف بين زمان وآخر ومكان وآخر. لدرجة ان منظومة القيم التي تبدو صارمة ومبدئية ودونها المهج في مكان محدد ولحظة تاريخية محددة (الكرم مثلا) قد تنهار كلية وتختفي بشكل شبه كامل في العمارات والصافية بالخرطوم العاصمة وتحل محلها قيم جديدة اكثر انسجاما مع اجندة الهدف في ثوبه الجديد، فتصبح على سبيل المثال خصلة ذميمة مثل البخل (سالب الكرم) محمدة فيكون ذلك الانسان البخيل في عرف القرية "اقتصادي" في فهم المدينة. كما قد يحدث تحوير للقيمة فيصبح الكرم ذاته (التبرع للنازحين او اطفال المايقوما بالاموال) يسمى انسانية ولا احد يسميه كرما او شهامة في حي الصافية او العمارات بينما في منطقة الشوك هذه الكلمة: ال "انسانية"، قد تبدو غريبة على السامع.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


* مقاطع من مقدمة "الانسان والمجتمع والدولة في السودان - نحو أفق جديد" أحد بوستاتي بهذا المنبر "سودانفوروول"


عدل من قبل محمد جمال الدين في الاثنين يونيو 27, 2011 10:59 pm, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 5:24 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

علمانية بنية القبيلة (1)


مرثية بنونة بت المك نمر مرة ثانية...


لكن قبل الحديث من جديد حول مرثية بنونة. أحب أن أقدم لكم ثلاثة رجال عرفهم تاريخ السودان القريب "كل واحد منهم بعظمته المتفردة" على أمل أن يبقوا معنا في هذا البوست بأرواحهم النيرة. وهم:

1- الشيخ العبيد ود بدر (الطريقة القادرية) 2- الناظر عبد الله ود جاد الله (ناظر قبيلة الكواهلة) و 3- الاستاذ أحمد خير المحامي (مؤسس مؤتمر الخريجين).

كيف يجوز لي تعريف هؤلاء الثلاثة، كل على حدى؟. قد تكون هناك طرق كثيرة لتقديمهم الى شخص لا يعرفهم، لكني أرى أن الطريقة التالية قد تكون بدورها مناسبة:

1- ود بدر: هو الشيخ الورع، الزاهد، العارف بالله الفقير الى ربه المتوكل عليه، سيدنا العبيد ود بدر، شيخ الطريقة القادرية (اشتهر بزهده وتواضعه وتوكله على الله).

2- جاد الله: هو الدود النتر، بحر المالح طمح، ضرغام الرجال، الفارس الجحجاح، كسار قلم "مكميك"، المك عبد الله ود جاد الله ناظر قبيلة الكواهلة. (اشتهر بكسره لقلم أحد الحكام الإنجليز بكردفان ويدعى ماكمايل).

3- أحمد خير: هو الأستاذ الكبير ( خريج كلية غردون التذكارية) المحامي أحمد خير، مؤسس مؤتمر الخريجين (اشتهر بثقافته العالية ووطنيته وبغضه للطائفية والقبلية).

دعوني أصالة عن نفسي ونيابة عنكم أن أرحب بهم جميعآ (بدون فرز) ليكونوا بصحبتنا في هذا البوست "المنور" بهم. والآن لنذهب هنيهة الى بنونة ثم نعود الى ضيوفنا الأماجد.

بنونة:

سبق أن قلنا أن منتهى "هدف" مرثية بنونة هو "إستئناف" قرار "طريقة" موت أخيها، بحيث يحال من كونه ميتآ ساكنآ على الفراش الى حي في قيمة "الفروسية" أي ميتآ فاعلا. كونها قالت بأنها تملك أدلة تؤكد جدارة أخيها بمثل هذا الإستثناء الخارق للعادة. وقد فعلتها بنونة.
جميعنا يعلم الآن بعد مضى حوالى مئاتي عام على موت "عمارة" انه كان فارسآ. وعليه فقد ظل فارسآ بالفعل، فاعلآ وملهمآ وحاضرآ في خواطر الكثير منا.
إنه مثالآ للفروسية: للرجولة والشجاعة والأمانة والكرامة والشرف والمروءة والشهامة والكرم. كما النبل والعزة. وكلها قيم القبيلة. قيم صاخبة. سنامها وخلاصتها "الفروسية": مكانها المادي هو "السرج" وأدات فعلها هي "السيف" وصوتها هو ال"تح" (أحي على سيفه البسوي التح).

وهذا ما قد يقودنا الى تحية ضيوفنا هنا من جديد والسؤال عن أحوالهم وأخبارهم.

ممن ضيوفنا هنا يشبه "عمارة" أخو بنونة؟.

هل يكون هو ود بدر؟. لا، لا أعتقد.

إنه رجل زاهد في الدنيا، متواضع أمام الكل ومتوكل على الله.

هل هو أحمد خير؟. أيضآ لا.

أحمد مثقف حداثي ويتحلى بوعي موضوعي كبير. على أقل تقدير لا يصلح لمهمة (الخيل عركسن ما قال عدادن كم). أعتقد أن أول شيء سيفعله الأستاذ أحمد إذا حدث وأن الخيل "عركسن" هو "عدادن"، عكس ما يفعل عمارة تماما.

أتصور أنه سيكون الناظر عبد الله ود جاد الله، كسار قلم "مكميك". نعم، انه هو. الناظر عبد الله يمتلك مقدرات "عمارة" أخو بنونة تماما. لقد كسر قلم الإنجليزي المسلح بالنار "ماكمايل" دون أن يطرف له جفن. قالت عنه الشاعرة الجامعية: (شدّولو وركب على أم ما ربيكْ.. يا جرو الأسود أب قرناً يخرخر زيتْ..عبد الله ود جاد الله كسار قلم مكميك.. شدولو وركب على أُمات رشامتن بوق.. ما ازحزح دَني وما هاود اللايوق..يا السيف البكسر الفقرة مع الطايوق..رايو مكيفو).
وهذه هي صورة الفارس عبد الله ود جاد الله في الخيال الجمعي "الأغنية" عند اللنك أدناه بصوت الفنانة إنصاف مدني... والأغنية مشحونة بمرموزات منظومة قيم الفروسية.

http://www.youtube.com/watch?v=ePlSA-0lD2E&playnext=1&list=PL089395E855C0A76A

يبدو واضحآ أن هناك أمر ما يجعل هؤلاء الرجال الثلاثة مختلفين جدآ في طريقة نظرتهم للحياة والأشياء ثم بالتالي يسقط ذلك على واقع أفعالهم ويجعل الناس ينظرون إليهم بطرق مختلفة ويتوقعون منهم مسبقآ تصرفات وسلوكيات وأدوار بعينها!. ماذا يا ترى يكون ذلك الأمر؟.

أعتقد أنها "منظومة القيم". كل منهم ينتمي الى منظومة قيمية مختلفة.

هل نستطيع محاولة تأمل المنظومات القيمية المختلفة لهؤلاء الرجال؟.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


عدل من قبل محمد جمال الدين في السبت يناير 19, 2013 5:38 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 5:56 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

علمانية بنية القبيلة (2)

نظرة عملية في منظومة القيم


نلاحظ في الحياة الواقعية عبر الزمان أن شيخ القبيلة بمسمياته المختلفة (مك، ناظر، عمدة الخ.) لا يجمع أبدآ السلطة الدنيوية مع الأخروية (اي الدينية) فسلطة الناظر هي سلطة الدنيا لا غير. إلا في حالات نادرة تكون من شواذ القاعدة. كما أن مسمى "شيخ" الذي ظل مؤخرآ يشتركا فيه معآ زعيم الطريقة و ناظر القبيلة مختلف جذريآ في سياقه المعنوي هذا عن ذاك. فعندما نقول الشيخ العبيد ود بدر نعني "شيخ" بمرجعيتها الدينية ولكن عندما نقول الشيخ عبد الله جاد الله شيخ قبيلة الكواهلة يكون فارس فرسان قبيلة الكواهلة (كسار قلم مكيمك) أي خبير الفروسية، وهو مرموز مختلف عن ذاك.

لماذا جاءت القبيلة علمانية؟.

أعتقد لأنها أصل البنية الإجتماعية في الأساس والبدء "فهي سابقة للطائفة وللدين بمعناهما المعروف" كتنظيم إجتماعي. جوهرها الأسرة التي تنبني على عماد الأبوة والبنوة وسلمها العشيرة التي تنبني على عماد العمومة والخؤولة. وتلك وشائج قربى "دم" لا يستقيم معها إعمال أي شكل من أشكال التمييز على أساس أي إعتقادات خارجة عن الإعتقاد في تقديس الأسرة والعشيرة كهدف في حد ذاته والا كالحوت يأكل بعضه (سينقرض). ولهذا دائمآ ما يحبذ أن يكون زعيم العشيرة أو ناظر القبيلة محايدين تجاه الدين "الآخرة" وتجاه جميع صنوف الإعتقاد الأخرى ما خلا فروسية الجدود. ولهذا تظل القبيلة في كل الأزمان والاحوال متلاحمة (وحدة واحدة) بغض النظر عن التنوع النسبي لإعتقادات أعضاءها. قوامها الفروسية وهي الآلية الناجعة لتحقيق الأهداف المبديئة وهي: معاش وبقاء وأمن ورفاهية الجماعة.

وبالتالي تكون الفروسية هي قيم "الدنيا" والأصح قيم "الجسدانية" (أي إعمال طاقة الجسد) في سبيل سيطرتها على العقل والروح في مواجهة الطبيعة والآخر. وأهم قيم "الجسدانية" هي: الرجولة والشجاعة والأمانة والكرامة والشرف والمروءة والشهامة والكرم. وهي قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الفرسان (أولى القربى).
ورمز مكانها المادي هو "السرج" ورمز فعلها هو "السيف".

بينما تكون قيم الصوفية "الطائفة أو الطريقة" في "الروحانية" (أي إعمال طاقة الروح) في سبيل سيطرتها على الجسد والعقل في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف في المرتين واحد: (معاش وبقاء وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته. ومن أهم قيم الروحانية: الزهد والتواضع والإتكال. وهي بدورها قيم "نحن". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الدراويش (الحيران والمريدين). ورمز مكانها المادي هو "السجادة" ورمز فعلها هو "الفزعة" بالمعنى الغيبي للكلمة.

هنا يبدو أننا تحدثنا عن قيم ضيفينا العزيزين الشيخ العبيد ود بدر والناظر عبد الله جاد الله (وأعني منظمتيهما). لا يجب أن ننسى ضيفنا الثالث: الأستاذ أحمد خير المحامي (مؤسس مؤتمرالخريجين أي الأفندية). أعتقد أن قيم أحمد خير (وأعني منظمته) هي قيم "العقلانية" (أي إعمال طاقة العقل) في سبيل سيطرتها على الروح والجسد في مواجهة الطبيعة والآخر. والهدف دائمآ واحد: (معاش وبقاء وأمن ورفاهية الجماعة). وكل له حيلته . ومن ضمن قيم "العقلانية": الموضوعية والإستنارة، والإنسانية والنظافة والنظام والإدخار. وهي قيم "أنا". وجسدها تمظهر هيكلي أس عضويته من الأفندية "الوطنيين" والمثقفين والمتعلمين بالمعنى الحديث للكلمة. ورمز مكانها المادي هو "المكتب" ورمز فعلها هو القلم.

ذاك طبعآ بشكل "نظري" مقتضب. ربما نعود الى تلك النقاط بالتفصيل لاحقآ، ما لزم.

وأرى أنه تبقى سؤال آخر مهم في هذا المنحى لم يتم التطرق إليه بعد، وهو: كيف تعايشت الطائفة الدينية مع القبيلة العلمانية "في سلام" كل هذه القرون؟.
ربما نحاول معالجة مثل هذا السؤال لاحقآ وسنعرف عندها حقيقة قد لا تروق الكثيرين منا إذ أن لدي إعتقاد أن الطرق الصوفية في السودان كانت ولعدة قرون لبلاب حميد يعتاش معظم الوقت على عصير القبيلة في معادلة ذات مصلحة متبادلة ينفصم عندها الغيب "الدين" كلية عن السلطة الدنيوية في علمانية صارخة!.

يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 6:05 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

علمانية بنية القبيلة (3)

مواصلة في النظر الى منظومة القيم
_


العباس هو جد الجعليين الأول (لا أحد غيره)

العباس بن "عبد المطلب" هو جد الجعليين وليس النبي محمد بن عبد الله بن "عبد المطلب" ؟.

لماذا لا يكون إذن "عبد المطلب" ذاته، وهو أبو العباس وهو أيضآ جد النبي؟.

السبب عندي هو "الفروسية" ضمن أسباب أخرى بدورها مهمة.

إن الإنتماء للعباس لا يجعل قيم القبيلة في نزاع مع ذاتها ولا يجعل قيادتها وبنيتها العلمانية في حرج بالقدر الذي سيحدث لو قال الجعليون بإنتماءهم للنبي محمد مباشرة. ولو قالوا بإنتماءهم للنبي سيصبحون "أشرافآ" لكن ليس بالضرورة فرسانآ. والفروسية هي معنى قبيلة الجعليين وهي بالطبع معنى القبيلة مطلقآ. ثم أن أي إنتماء للبيت النبوي لا يتحقق إلا عبر إحدى بنات النبي محمد لأن لا ذرية للنبي من ولد. وكلنا يعلم أن القبيلة بنية أبوية في المكان الأول. لكل هذه التعقيدات وأخرى كان جد الجعليين هو العباس لا أحد غيره... ولا حتى أبيه "عبد المطلب" وهو رجل معروف في تاريخ ما قبل الإسلام بالفروسية أي النبل والعزة. وقد يكون الإنتماء المباشر لعبد المطلب تجاوزآ للعباس لم يكن من اللياقة في شيء كون في العباس تتحقق كل قيم الفروسية كما يتم الإحتفاظ بالخيط الضروري مع قيم الدين لإعتبارات عندها علاقة بجدلية الآخر. وهذا بالضبط ما حدث. فجاء العباس (الفارس المسلم) هو جد الجعليين الأول، لا أحد غيره. أي أن الجعليين جعلوا نسبهم وقفآ على "العباس" لا على رجل آخر من آباءه ولا على أحد من أبناءه أو أحفاده كما بالطبع ليس على إبن أخيه النبي محمد، مع أن ذلك كان خيارآ متاحآ من الناحية النظرية وقد فعله غيرهم. فكان "العباس" . قال النبي محمد (ص) : ( العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفآ، وأوصلها، وهو بقية آبائي). وقد أسس أحفاده أعظم دولة في إطار الحضارة العربية الإسلامية هي الدولة التي حملت إسمه: الدولة العباسية. والنسبة إلى جعل يتم تجاوزها بشكل مستمر إلى العباس مباشرة لا إلى إبنه الحقيقي أو المتصور "جعل".

ووفق هذه المعادلة الحاذقة حقق الجعليون إنتصارات حاسمة في مسيرة تاريخهم عبر القرون الخمسة الماضية. ونالوا صيتآ كقبيلة من "الفرسان" لا مثيل له في تاريخ السودان المشهود. مع إحتفاظهم التام وعلى الدوام بعلمانية بنيات عشائرهم القبلية، وهو عندي، سر بقاءهم على مر الأيام وإنتصارهم على مر العصور ومن ضمنها تحالفم مع الفونج والذي إستمر زهاء الثلاث قرون وجدلهم مع الأتراك والمهدية والإنجليز.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الاثنين يونيو 27, 2011 9:13 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

نقف مع لمحة صغيرة من مفارقة منظومة قيم الغيب "سلوك الزول الزاهد" خارج سياقه المكاني والزماني "خارج الزمكان" ثم نواصل في محاولة تقصي سيكلوجية الزول الفارس.


قيم الغيب خارج سياقها "الزمكاني":

قيم الغيب تشكل بدورها قدرآ كبيرآ من سايكولوجية "الزول" وتأتي عندي في المرتبة الثانية بعد قيم الفروسية.

منذ فترة من الزمن هناك فلم صغير واسع الإنتشار في أنحاء المملكة العربية السعودية يصور حجاج سودانيين يرقصون في منتهى النشوة على إيقاعات الدفوف ويبدءون للناظر غير العالم أنهم "يهججون ويسكسكون ويكشفون" بلغة الشارع وهم في لباس احرامهم الأبيض وفي المناطق المحرمة والمقدسة. هذا الفلم سبب صدمة كبيرة لكثير من السعوديين وجعلهم في منتهى الدهشة!. وما يزال بعض السعوديين وآخرين يتبادلون هذا الفلم عبر كل الوسائط الإعلامية المتاحة مع كثير من عبارات التهكم والتعجب والدهشة.

أدناه رابط للفلم المعني the party كما أسماه صاحبه "مندهشآ" من يوتوب تحت عنوان "مفاجأة الموسم":*

http://www.youtube.com/watch?v=pHExiFPXp9U


وهو ليس بشيء غير حلقة ذكر "مديح نبوي سوداني". وهو أمر غير متعارف عليه في المجتمعات السعودية منذ العام 1934 عام سيطرة آل سعود على السلطة السياسية في منطقة الحجاز متحالفين مع الوهابية بعد أن أقصوا غرمائهم الهاشميين من السلطة والمشهد الإجتماعي أجمعه.


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
محمد جمال الدين



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1838

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 28, 2011 2:00 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

القبيلة والطريقة الصوفية "1"

قلنا أن الخلفية القيمية "فروسية" تشكل في الأساس نفسية "الزول" تليها منظومة "الغيب" ثم بقدر ضئيل منظومة "الموضوعية".
وإن جاز لي أن أخمن نسبة مئوية سأفعل التالي:
60% إلى 70 من نفسيات الزول فروسية = منظومة قيم الجسدانية
20% إلى 30 غيب = منظومة قيم الروحانية
0% إلى 10 موضوعية = منظومة قيم العقلانية

وبالإضافة إلى ما ذكرت آنفآ من أدلة قد نعثر بعد على شواهد لا حصر لها تؤكد مزاعمي هذي.

وقد أتصور أن المتابع بتمعن لما أقول هنا سيلاحظ ضعف النسبة المئوية لمنظومة "الغيب" لدي تخميني هذا وقد لا يتفق مع مزاعمي القائلة بضعف تأثير بنية الغيب على مخيلة "الزول" كونه أمر يتصادم مع المقولات والمفاهيم السائدة. لا بأس. سأحاول لاحقآ المجيء ببعض الأدلة تؤكد قلة حيلة الطرق الصوفية "أحد أهم بنيات الغيب" في كثير من أرجاء السودان النيلي وبشكل أكثر حدة في غرب السودان (دارفور وكردفان) أمام سطوة قيم الجسدانية. بل وإعتماد "التصوف" على القبيلة في معاشه وبقائه في معظم المرات فالمشاريع الصوفية من مسائد وخلاوي غالبآ ما تمولها القبيلة من حر مالها وحتى لو جاء عبر الهمبتة والسرقة. فالقبيلة والعشيرة هما في مقام المانحين الكبار للطريقة الصوفية في مقابل خدمات معنوية وطبية وترفيهية والمساعدة في حفط السلم الإجتماعي مع إعتراف الطريقة الصوفية وموافقتها علنآ وضمنآ على علمانية البنية الإجتماعية "علمانية القبيلة" وذاك عندي هو سر الحلف التاريخي الصلد بين القبيلة والطريقة الصوفية عبر القرون.

لاحظ معي مبدءآ أن الشيخ الصوفي "الزاهد" عندما يتم تمجيده في الغناء الشعبي والفلكلور كثيرآ ما يتم تصويره في صيغة "الفارس" لا "الزاهد" عند اللنك أدناه (تمعن كلمات الأغنية ومرموزاتها):

الشيخ سيرو (إنصاف مدني):

http://www.youtube.com/watch?v=doCMXxm6jzg

والحكي لا ينتهي هنا... الآن تبدأ صفحة جديدة "2" بعد ما انتهت الصفحة الأولى ... تستطيع أن أردت أن تمضي معنا إلى الأمام.
go to page 2


يتواصل.... سيكولوجية "الزول"!

محمد جمال


عدل من قبل محمد جمال الدين في الخميس يونيو 30, 2011 7:39 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة 1, 2, 3, 4, 5, 6  التالي
صفحة 1 من 6

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة