Story Lesson أو الحِصَّة قِصَّة
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10  التالي
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الجمعة نوفمبر 20, 2015 6:42 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

رحم الله والدي اسماعيل احمد سليمان
نعم الموت حق

درجنا أن نصفه هكذا، والآن أنظر لكلمة (حق)وأحاول أن
أربطها بـ (الحق).

حقيقة الموت عصية علينا كبشر، ولكنها مُحفّزة للتفكير
أعتقد أن معظم الديانات خرجت من عباءة التفكير
في (الموت).

هل (ليس ثمة موت.. ثمة فقط تبديل عوالم) كما قال سياتل الزعيم الهندي الأحمر.
أم هو العودة مرات ومرات حتى الانعتاق الأخير كما يقول الهندوس.

هل تطرقنا للموت وعلاقته بالحق والحقيقة في خيطنا هذا؟


{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً} [ يونس : 4 ] .
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: السبت نوفمبر 21, 2015 10:06 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

هنا يواصل محمد خلف تأملاته، التي إستدعتها، من بين ما إستدعتها، تعليقات مسعود محمد علي، السر السيد، الصادق إسماعيل ومنصور المفتاح:




المُوسَوِيَّة والخَضِريَّة وجهانِ للحقِّ الواحد؛ وللحقيقةِ عِدَّةُ أوجهٍ، إنْ صحَّ أحدُها بطلتِ الأخرى





استطاع سؤال مسعود، كما جاء في ملاحظة منصور المفتاح في مشاركته السَّابقة، "أن يكونَ سبباً تتفتَّقُ منه بساتينُ المعرفة ... فيا لهاتيك الأسئلة التي كشفت لموسى خَلَفٍ ما يُخفيه خَضِرُهُ!"؛ ويا لهاتيك الملاحظات التي برع منصورٌ في الإدلاء بها، فتنقلُكَ شيئاً فشيئاً من الشَّاي الأخضرِ إلى نبيٍّ تخضَرُّ الأرضُ تحت أقدامِه حين يُصلِّي، حسبما جاء في الأثر، فسُمِّي لذلك بالخَضِر؛ وهو، بمقتضى الأحاديث الثَّابتة، ذلك العبدُ الذي علَّمهُ اللهُ من لدنه، والذي عُرِضت قصَّتُه في سورة "الكهف"، حيث لقي موسى عليه السَّلام وفتاه يوشع بن نون، حينَ نَسِيا حوتهما "فارتَدَّا على آثارِهما قصَصاً" (بمعنى قصِّ الأثر يا أبا الطَّيِّب عادل القصَّاص)، حتى بلغا صخرةً بمَجمَعِ البحرين، فوجدا عبداً لقَّنَ موسى درساً في علمِ الغيب، أي ذلك الوجهِ الخفيِّ من الحقِّ الذي يتنافى مع ظاهرِ أقوال النَّاس.

تتوسَّط سورةُ "الكهف" المُصحَفَ العثماني الذي اجتهد الصَّحابةُ والتَّابعون في تقسيمه إلى ثلاثين جزءاً؛ وبدورِها تتوسَّط قصَّةُ الخَضِر مع موسى سورةَ "الكهف"، بل أنَّ أحداثَها تتابعُ حتى تصِلَ إلى نهاية الجزء الخامس عشر ولا تنتهي، ويُستأنفُ متابعتُها بدءاً من الجزء السَّادس عشر، الذي يبدأ بالآية رقم 75 من السُّورة: "قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا"؛ وهي الآية التي تتطابق مع الآية رقم 72 من السُّورة في الجزء الخامس عشر، التي تؤكِّد على قول الخَضِر في الآيتين رقم 67 و 68 من السُّورة: "قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا"؛"وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا". فكأنَّما الصَّبرُ هو المعراجُ إلى علم الغيب؛ وهو الذي يستعصي، بل يكادُ يكونُ مستحيلاً، في غيابه (أي علم الغيب نفسه).

إلا أن ظاهر أقوال النَّاس التي جاءت على لسان نبيٍّ في قامةِ موسى عليه السَّلام قبل تلقيه الدَّرس على يدِ الخَضِر، هي أيضاً وجهٌ صميمٌ من الحقِّ؛ وكلا الوجهين يتكاملان، ولكلِّ وجهٍ مقامُه، ومناطُ تأثيره، ومدارُ صدقيته؛ ولا وجهَ للتَّنازع، ولا مبررَ لانقسام النَّاس تبعاً لمقتضاهما. هذا على خلافِ الحقيقة، التي تتعدَّدُ أوجُهُها، فتُصبِحُ مثاراً للتَّنازع، وسبيلاً مشروعاً للتَّنافس، حتى يصحُّ وجهٌ منها، فتخفِتُ إلى حينٍ أصواتُ الخلاف، لكن سرعان ما ينشبُ النِّزاع، ويحتدمُ الصراع، إذ لا توجدُ حقيقةٌ ثابتة، وإنما اقترابٌ دائمٌ نحوها، من دون مؤشرٍ قاطعٍ بالوصول إليها.

يستغلُّ ذوو النَّفَسِ القصير، العاجزون عن الصَّبر، هذا الوضع المتأزِّم للحقيقة، ويجعلون من نسبيتها فضيلةً لا تستحقُّها، فيروِّجون لحداثةٍ عرجاء (يغيب عن ناظرها الحقُّ) أو ما بعد حداثةٍ فالتة (يغيب عن رادارها أيُّ وجهٍ ساطعٍ للحقيقة). بينما العلماءُ الأفاضل يكدحون سحابةَ يومهم، ويسهرون اللَّيلَ، يقلِّبون كلَّ احتمالٍ، حتى يُوثِقون افتراضاتِهم المعقولة برباطِ أقربِ علامةٍ عشريةٍ ممكنة.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 179

نشرةارسل: الاحد نوفمبر 22, 2015 12:00 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

فكأنَّما الصَّبرُ هو المعراجُ إلى علم الغيب؛ وهو الذي يستعصي، بل يكادُ
يكونُ مستحيلاً، في غيابه (أي علم الغيب نفسه).

محمد خلف






ما لاحظه خلف عن الصبر وأسرار الكشف الميتافريقى، يمكن أن نضيف لها أسباب التعلم وإكتساب المعرفه والتى تنتفى مع
العجله، فالتروّى والتعقل والتمعن والرصد والتدبر تُكسِب المعارف الفيزيقية أيضاً { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها}
ف بالصبر تتفتح لنا المغاليق وتتكشف لنا الأغطيه والحجب وتبين لنا حقائق ما ورائها وخلفها ونقتل الشك والظن باليقين
والتسليم فالحق موجودٌ وحقيقته مُدركةٌ وبالصبر على التدبر فى التفاصيل نتيقن منها.


منصور
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاحد نوفمبر 29, 2015 6:16 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

ومازال محمد خلف يواصل تأملاته، بعودة إلي قصدية الوعي:




عودةٌ إلى المربَّع لصياغةِ نظامٍ ثلاثيٍّ وتدريبٌ على فكِّ الأقواسِ توطئةً للحديث عن قصدية الوعي





أشرنا في نهاية المشاركة الأخيرة إلى النِّظام العشري، واجتهادِ العلماء في تمحيصِ افتراضاتهم وربطِ وثاقها بأقربِ علامةٍ عشرية ممكنة. إلا أن النِّظام الثُّنائي الذي أنشأه ألان تورينغ، مؤسَّس نظرية الحاسوب المعاصرة، التي تقوم عليها الثَّورة الرَّقمية الحديثة، هو في الأساس نظامٌ ثنائيٌّ يعتمد على إعادة تعريف الأرقام العشرية، وفقاً لشفرةٍ ثنائية تتكوَّن من الصِّفر والواحد، بحيث يُمَكِّنُ من معالجتها -إلى جانب الحروف التي تمَّ إعادة تعريفها رقمياً- إليكترونياً، وفقاً لذلك النِّظام الذي يسهُل تحويله إلى نبضاتٍ كهربائية، تتناوبُ بين الإيجابِ والسَّلب، أو الفتحِ والإغلاق. ومع ذلك، لا يرقى هذا الحاسبُ الإلكتروني المُخترَع، رغم سرعته وقدرته الفائقة على طحنِ الأرقام، إلى مستوى الدُّماغ البشري، بحيث يكونُ حاضناً لما يُمكِنُ أن يتمخَّضَ عنه وعيٌّ يُبرِّرُ تسميتَه السَّابقة بالعقلِ الإلكتروني، أو مقارنتَه الحالية بالعقلِ البشري؛ فالأول، من حيث هو برنامجٌ، لا يعدو أن يحمِلَ في طيَّاته سوى تركيبٍ (أو سينتاكس)، بينما يحتوي الدُّماغ، من حيث هو حاضنٌ لعقلٍ بشري، إضافةً إلى التَّركيب، على دلالةٍ (أو سيمانتكس) تشيرُ إلى خارجِه.

تُعرفُ الحُجَّةُ المطروحةُ في الفقرةِ السَّابقة في أدبياتِ فلسفةِ العقل بـ"الغُرفةِ الصِّينية"، وهي "تجربةٌ فكرية" (غيدانكنإكسبيريمينت)، صاغها الفيلسوفُ الأمريكي جون سيرل، ونكتفي بالإشارة إليها هنا دون تفصيل؛ إلا أننا سنستفيدُ منها لاحقاً في نظامنا الثُّلاثي (الواقع، والعقل، واللُّغة)، الذي عرضناه في حلقاتٍ سابقة وفقاً لثلاثِ ألوانٍ هي الأصفر، والأحمر، والأزرق، ووضعناها داخل مربَّعٍ رقَّمناه، من واحد إلى تسعة؛ وسنحاول في هذه المشاركة إعادة تعريف الأرقام التِّسعة، بحيث تكون مشتملةً فقط على نظامٍ رقميٍّ ثلاثي، نستفيدُ منه إجرائياً في توضيح خطَّة توزيع الألوان، من حيث تمثيلها للأقانيم الثَّلاثة: الواقع، والعقل، واللُّغة. وفي خطوةٍ لاحقة، سنقوم بتعريف الأرقام المتبقية (من واحد إلى ثلاثة)، وفقاً لوجهين: الأول، يشتمل على وجودها المستقل داخل نظامٍ ثلاثيٍّ منفصل أو غير مترابط؛ والثَّاني، يشتمل على بعدها التَّراكمي، الذي لا يكتفي باستقلاليتها المنفصلة، وإنما يشير إلى ما اكتسبته بالإضافة إلى غيرها. على سبيل المثال، لاتكونُ الاثنينُ اثنيناً فقط، وإنما تكون أيضاً واحداً مضافاً إلى آخر.

أما بخصوص الأرقام 1، 4، 7 ذات اللَّون الأصفر، في الصَّفِّ العمودي على يمين المربَّع، فيمكن إعادة تعريفها، وفقاً لنظامنا الثُّلاثي المقترح، على النَّحو التَّالي: الرَّقم 1 يبقى على ما هو عليه في الصَّفِّ الأعلى الأفقي؛ 4 يُصبِحُ 1+(3×1)؛ 7 يُصبِحُ 1+(3×2). وبخصوص الأرقام 2، 5، 8 ذات اللَّون الأزرق (المُمتزج بالأصفر، ليُعطينا الأخضر)، في الصَّفِّ العمودي الواقع في منتصف المربَّع، فيمكن إعادة تعريفها، على النَّحو التَّالي: الرَّقم 2 يبقى على ما هو عليه في الصَّفِّ الأعلى الأفقي؛ 5 يُصبِحُ 2+(3×1)؛ 8 يُصبحُ 2+(3×2). وأخيراً، بخصوص الأرقام 3، 6، 9 ذات اللَّون الأحمر (الممتزج بالأزرق ليُعطينا البنفسجي، والأزرق والأصفر معاً ليعطينا البنِّي)، في الصَّفِّ العمودي على يسار المربَّع، فيمكن إعادة تعريفها، وفقاً لنظامنا الثُّلاثي المقترح، على النَّحو التَّالي: الرَّقم 3 يبقى على ما هو عليه في الصَّفِّ الأعلى الأفقي؛ 6 يُصبِحُ 3+(3×1)؛ 9 يُصبِحُ 3+(3×2).







غنيٌّ عن القول إن النَّظام الثُّلاثي المُقترح هنا قد تمَّ ترجمته من النِّظام العشري المعروف، لذلك فإنه لا زال يحتفظ بذلك الأثر؛ فإذا فككتَ الأقواسَ وأجريتَ الحسابَ وفقاً للنِّظام العشري، فإنكَ واصلٌ إلى نفسِ النَّتيجة؛ إلا أننا أمام نظامٍ ثلاثيٍّ مغلق، فينبغي إجراءُ الحسابِ والتدرُّبِ على فكِّ الأقواس بكيفيةٍ مغايرة، بحيث لا يتعدَّى العددُ الرقمَ 3، وبحيث يشير فكُّ الأقواسِ فقط إلى هذه المستوياتِ الثَّلاثة، التي تُغطيها الألوان الرَّئيسيىة الثَّلاثة، في إشارتها إلى الأقانيم الثَّلاثة، وهي الواقع، والعقل، واللٌّغة.

سنحتاجُ لوقتٍ، وصبرٍ أشرنا إليه في مشاركةٍ سابقة، حتى نتعوَّدَ على التَّفكيرِ والتَّأمُّلِ داخل هذا النِّظام الثُّلاثي؛ إلا أنَّ من حُسنِ الطَّالعِ أن وضعَ الأقواسِ وفكِّها عند إدموند هوسرل، رغم ضلوعِه وتبحُّرِه في علم الرِّياضيات، لا يحتاجُ منَّا إلى معرفةٍ كافيةٍ بها حتى نُدركَ ما يقصدُ بقصديةِ الوعي؛ فإلى مشاركةٍ قادمة نستجلي فيها مشروعه الظَّاهراتي، الذي جذبَ إليه، فيمَنْ جذبَ، مارتن هايدغر.

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الاثنين نوفمبر 30, 2015 2:54 pm, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاحد نوفمبر 29, 2015 5:52 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في هذه المساهمة يواصل محمد خلف تأملُّاته في أو تأويلاته للحق والحقيقة في علاقتهما بالوعي وأقانيم العقل، الواقع واللغة:





القيُّوميَّةُ شِراعُ الحقِّ الواحد والأُقنوميَّةُ إشعارٌ بوجودِ الحقيقةِ ضمن مجالاتٍ ثلاثة





قلنا في حلقةٍ سابقة عن الأحلام إن الله هو الحقُّ (سورة "الحج"؛ الآية رقم 62)، يقصُّ الحقَّ (سورة "الأنعام"، الآية 57)، وقوله الحقُّ (سورة "الأنعام"، الآية 73)؛ ويخبرنا في آية الكرسي (سورة "البقرة"، الآية 255) أنه المنفردُ بالألوهية، القائمُ على تدبيرِ خلقة؛ ومن تمامِ قيُّوميَّتِه أنه لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، مما ينتفي عنه بالضَّرورة تعرُّضُه لما يعتري النَّائمُ في نومِه. وحُلمُ النَّائمِ شكلٌ من أشكال الوعي، وهو حالاتُ الإحساس والانتباه التي تطرأ على الشَّخص المُستيقظ؛ لذلك، فإن تعريفه (أي الوعي) يتضمَّن ابتداؤه لأولِ وهلةٍ من يقظةٍ من نومٍ خالٍ من الأحلام، وانتهاؤه بغفوةٍ أخرى أو إغماءةٍ أو غيبوبةٍ أو غيابٍ تام عن الدُّنيا. علماً بأن هذا التَّعريف يشمل فقط التَّحديد الذي تقتضيه الفطرة السَّليمة؛ أمَّا التَّعريفُ التَّحليلي، فربما تصطكُّ له رُكبُ العارفين، خصوصاً إذا لامس ما أطلق عليه ديف(يد) تشالمرز مشكلة الوعي العصيَّة، وهي ليست تلك المشكلة السَّهلة التي يمكن حلَّها باختزال الوعي إلى مكوِّناته النَّفسية التي يسهُل تفسيرها بواسطةِ شفراتٍ سلوكية خارجية.

وفقاً للتَّعريف المذكور أعلاه، يمكن القول بأن الوعي البشري عرضة للانقطاع، وحدوثه قائمٌ على التَّناوب، مما يطعنُ في أوراق اعتماده كمنتجٍ للحقِّ الدَّائم، ومما يبرِّر، في نفسِ الوقتِ، تلقِّيه للحقِّ من علٍ في شكلِ آياتٍ من الذِّكرِ الحكيم أو أحاديثَ قدسيةٍ أو أقوالٍ أو أفعالٍ مرفوعةٍ بالسَّند الصَّحيح إلى النَّبي الكريم. فالقيُّوميَّة هي شراعُ الحقِّ الواحد؛ هذا بخلاف الحقيقة التي ينتجها وعيٌ بشريٌّ مُنتَقَصُ القيُّوميَّة، كما يمكن تلمُّسها ضمن أقانيمَ ثلاثة، تتوزَّعُ فيها الأعباء، وتتداخلُ الاختصاصات، وتتصارعُ السُّلطاتُ القائمة على الأمرِ في تلك المجالات المُتشظِّية، وتتنوَّعُ الأسبقيات. فالعلوم الطَّبيعية، على سبيل المثال، تعمل في مجال الواقع، الذي يتَّسمُ بالموضوعية، وطينته مادية - أمَّا الأسبقيةُ فيه، فإنها أنطولوجية؛ والفلسفة تعمل في مجال العقل، الذي يتَّسمُ بقدرٍ من التَّخيُّل والتَّقدير الذَّاتي للموضوعات، وصبغته مجرَّدة – أمَّا الأسبقيةُ فيه، فإنها منطقية؛ والبلاغة تعمل في مجال اللُّغة، التي تتَّسمُ بالمرونة والإبداع، وبنيتها الصَّوتية مادية، ونظامها الدَّلالي أقرب إلى التَّجريد – أمَّا الأسبقيةُ فيها، فإنها بيانية.

نادراً ما تعمل هذه الأقانيم الثَّلاثة، داخل ثقافةٍ بعينها، في تنسيقٍ وانسجام. ففي داخل الثَّقافة العربية، يُمكن الاستشهاد بالخلاف الذي كان قائماً بين المناطقة والنَّحويين، والذي انعكس في تلك المناظرة الشَّهيرة التي جرت بين أبي سعيد السِّيرافي وأبي بشر متَّى بن يونس في مجلس الوزير أبي الفتح جعفر بن الفرات، الذي انعقد في سنةِ ستٍّ وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، بحضورِ المرزبانيِّ وقدامة بن جعفر ورهطٍ من أهلِ العلم في مصرَ في زمنِ زعامةِ كافور الإخشيدي. ابتدر السِّيرافي المناظرة بسؤالٍ موجَّهٍ إلى متَّى، فقال: حدِّثني عن المنطق ما تعني به؟ قال متَّى أعني به أنَّه آلةٌ من آلاتِ الكلام يُعرف بها صحيحُ الكلامِ من سقيمه. فقال أبو سعيد: أخطأتَ، لأن صحيحَ الكلامِ من سقيمه يُعرف بالنَّظمِ المألوف والإعرابِ المعروف، إذا كنَّا نتكلَّم بالعربية؛ ... وإذا كان المنطقُ وَضَعَهُ رجلٌ من يونانَ على لغةِ أهلِها واصطلاحِهم عليها ... فمن أين يلزَمُ التركَ والهندَ والفرسَ والعرب؟ قال متَّى: إنما لزِمَ ذلك، لأن المنطقَ بحثٌ عن الأغراض المعقولة والمعاني المُدرَكة. قال أبو سعيد: إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المُدرَكة لا يُوصلُ إليها إلا باللُّغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزِمَتِ الحاجةُ إلى معرفة اللُّغة؟ قال نعم. قال أخطأتَ، قُلْ في هذا الموضع: بلى. قال: بلى، أنا أُقلِّدُكَ في مثلِ هذا.

لقد عرضنا هذا المقطَّع المطوَّل من المناظرة، لا لنبشِّرَ بانتصارِ السِّيرافي، الذي نقلته لنا المصادرُ المتوفِّرة، ولا لننتقصَ من مكانة أبي بشر متَّى بن يونس بعد هزيمته المشهودة في ذلك المجلس الإخشيديِّ المحضور، وإنما لنسلِّط الضُّوءَ على الاستقلال النِّسبي للأُقنومين المتنازِعين (العقل واللُّغة) عبر علمَيْ النَّحو والمنطق، ولنؤكِّد على مركزية الصِّراع المُحتدِم الذي كان يجري على مُقدِّمةِ الخشبة، وفي واجهةِ السُّلطة، وعلى مرأًى من أهلِ العلم؛ بينما كان أُقنومٌ آخرُ (هو الواقع) يتمُّ الاقترابُ منه عبر العلوم التَّجريبية الوليدة، خلف الكواليس، وعلى مسافةٍ من دهاليز السُّلطة، وبعيداً عن أعينِ الرُّقباء. وقد انقلب هذا الوضعُ نوعاً من الانقلاب داخل الثَّقافة الغربية الحديثة، فصارتِ العلومُ الطَّبيعية تتوسَّط خشبة المسرح، وأصبحت تهيمنُ هيمنةً واضحة على إنتاجِ جلِّ المعرفة "المُفيدة" (من الإبرةِ إلى الصَّاروخ)، وتتدخَّلُ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من حاجاتِ النَّاس اليومية؛ بينما انحصرتِ البلاغة والمنطق داخل الأبراج العاجية للجامعات ومعاهد البحث الكبرى.

ولقد أشرنا في الرِّسالة إلى الفيلسوف دان(يل) دينيت، من جامعة تفتس الأمريكية، وكتابه الأشهر: "وعيٌ وقد تمَّ تفسيرُه"، الذي دافع فيه عن العلوم الطَّبيعية، وانتصر فيه لأُقنوم (الواقع) الماديِّ الموضوعي؛ كما أشرنا إلى الفيلسوف الأمريكي طوماس نيجل، من جامعة نيويورك، الذي اتَّخذ الخُفَّاشَ مثالاً لتوضيحِ مشكلة الوعي المُستعصية في إطار أُقنوم (العقل)؛ وتطرُّقنا أيضاً إلى فلسفتَيْ فيتجنشتاين التي اهتمت أُولاها بأُقنوم (العقل)، لتنتقلَ أُخراها إلى أُقنوم (اللُّغة)؛ هذا علاوةً على إشارتنا المتكرِّرة واستفادتنا المتلاحقة من الإرشاداتِ اللُّغوية التي يقدِّمها ستيفن بنكر، من معهد ماساتشوسيتس للتَّقنية، الذي يهتمُّ بأُقنوم (اللُّغة)، ويعمل بداخله أيضاً اللِّسانيُّ الضَّليع، نعوم تشومسكي، الذي يستقلُّ ببحوثه اللُّغوية، رغم كَثرَةِ المقتنعين بآرائه بين الباحثين، ويرفض الانضمامَ إلى التَّيارِ الدَّارويني المهيمن داخل المعهد.

إلا أننا حرصنا في مشاركاتٍ سابقة على تأصيلِ مشكلة الوعي داخل حقبةٍ أوروبية كانت تستشرفُ حداثة القارة، فوقعَ اختيارُنا على أربعةِ فلاسفةٍ ألمان هم: إيمانويل كانت، وويلهام دلتاي، وإدموند هوسرل، ومارتن هايدغر؛ وقلنا إن الكانتيين الجُدد ركَّزوا على "الظَّاهرة" (الفينومينون) على حساب "الشَّيء في ذاته" (النُّومينون)، تمهيداً لتدشين الحداثة التي جاءت في أعطاف ثورة العلوم، فلم يروا في تصوُّرهم لأقنوم (الواقع) سوى هذه الظَّواهر القابلة للمعرفة العلمية؛ أمَّا "الشَّيء في ذاته"، فقد احتُبس إلى الأبد فيما وراء الظَّواهر البادية للعيان، والقابلة في نفسِ الوقت للتَّحليل العلمي. أمَّا دلتاي، فقد اهتمَّ بمنتجاتِ الثَّقافةِ الإنسانيةِ كلِّها، التي رأى أنها تحمل في طيَّاتِها معنًى أو دلالةً مُسبقة؛ لذلك، فإن التَّعامل معها يتمُّ عبر أُقنوم (اللُّغة)، وتحديداً النُّصوص؛ وبما أن دلالة النُّصوص لا توجد خارجها كالظَّواهر الماثلة للعيان، التي تتناولها العلوم الطَّبيعية، فإن أفضلَ طريقةٍ للتَّعامل معها هو القفزُ إلى حقلِ تفسيرِها الدَّلالي (أو الهيرمنيوطيقي).

وسوف نقتحمُ في حلقةٍ قادمة -في معيَّة هوسرل- أُقنومَ (العقل)، وسنتعلَّمُ منه حرفة فتحِ الأقواس ووضعِ أُقنومٍ على إثرِ آخرَ بداخلها، وسيبدأ هو بإدخال (الواقع) برُمَّتِه داخل قوسٍ، ليركِّز تحليله الظَّاهراتي داخل أٌقنوم (العقل)، يعاونُه ويختلفُ معه في ذاتِ الآن هايدغر، الذي سيشِبُّ عن الطَّوقِ لينشئَ فلسفته الخاصة، التي عرضها في كتابه الضَّخم "الكينونة والزَّمان" (هل أنت بخيرٍ يا عزيزي الصَّادق؟ أرجو صادقاً تحقُّقَ ذلك، فالزَّمنُ، يا صديقُ، خيرُ مداوٍ للجروح، وأفضلُ مُذهِبٍ لأحزاننا؛ فلا عليكَ إنْ نسيتَ تذكيري بحديثِ الكينونة).

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الاثنين نوفمبر 30, 2015 5:01 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

[](ههل أنت بخيرٍ يا عزيزي الصَّادق؟ أرجو صادقاً تحقُّقَ ذلك، فالزَّمنُ، يا صديقُ، خيرُ مداوٍ للجروح، وأفضلُ مُذهِبٍ لأحزاننا؛ فلا عليكَ إنْ نسيتَ تذكيري بحديثِ الكينونة)[/].

عزيزنا خلف

أنا بخير، والحزن يأخذ دورته العادية، لم أنسى، غير أني مشغول
بأشياء مؤجلة بخصوص العمل، كما تعلم فقد تغيبت لزيارة الوالد، رحمه الله، في مصر.
وبعدها ذهبت إلى السودان، كل هذا راكم العمل على مكتبي (والفواتير أيضاً).

وبرغم الحزن فقد سعدت بمقابلة بعض الأصدقاء، وعلى رأسهم العزيز محمد عبد الرحمن شقل
وهو محتفٍ بهذا الخيط أيّما احتفاء. يحمل نسخ مطبوعة منه يوزعها على (أصدقائكما).

زارني شقل معزياً بصحبة اثنين من أعز الأصدقاء (شهاب وكلتوم فضل الله)، ومرة ثانية بصحبة
(الشاعر بابكر الوسيلة) الذي ما زال كعهدي به يرتدي نفس الهدوء والنظر العميق للأشياء،
استعدنا ذكرى بعض الأصدقاء، أخبرني أن صديقي العزيز الشهيد نصر الدين الرشيد
(مات في معسكرات التجمع في اسمرا) قد أهداه جُلّ مكتبته قبل أن يغادر، وأخبرته أن صديقه
(رضوان بلال من نواحي أم تريبات (بتاعة حاتم مصطفى) قد اغترب أخيراً).
وزارني شقل مرة ثالثة مودعاً، وشقل يحمل من الوفاء ما لن نستطيع رد ولو جزء بسيط له
وأحزن أحياناً على عدم اعتناءنا بشقل ولو بمكالمة عابرة (متع الله حبيبنا شقل بالصحة
والعافية وأعانه على مصاعب الحياة هناك) وشقل، للذين لا يعرفونه، هو أحد أنبياء زماننا هذا،
واتمنى أن ينبري أحدهم للكتابة عنه ذات يوم.
زارني أيضاً الصديق محمد جلال هاشم أيضاً، وخفف عني الكثير بحكاويه وتحليلاته (الماكرة).
وجاءتني تماضر مبارك وآخر عهدي بها في زيارة خاطفة لباريس قبل اربعة عشر سنة، معها المحامي حاتم الياس وفيروز زوجته.
وشباب حزب المؤتمر السوداني يحملون قلق عظيم على الوطن. وجاءني الشاعر عبد الله الزين، هاديء كعهدي
به، طمنني وهو يحكي عن (مفروش) أن الناس تقرأ كما كنا، وخصوصاٍ الشباب، ليت (مفروش) تعود.
وكان الأهل جميعهم هناك بعضهم لم أره لسنوات تجاوزت العشرات، وأجيال جديدة هالني ما آل إليه حالهم
كنتاج طبيعي لتعليم لا يحفّز ملكة النقد عندهم.
كل هذا لم يمنعني من اختلاس النظر مرات عدة على هذا الخيط كلما سنحت فرصة (أتاحها غالباً عدم النوم المرتبط بفرق الزمن)
على العموم احاول أن اتخلص من تراكم العمل، لأعود لممارسة حياتي العادية.

ويظل الحزن الأكبر ليس على الفقد ولكن على (الأحاديث التى لم تكتمل، وهيهيات أن تكتمل، مع أبي ومع كل من فقدت ومن سأفقد)
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 179

نشرةارسل: الثلاثاء ديسمبر 01, 2015 2:16 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الصادق إسماعيل، محمد خلف، القصاص، عثمان حامد والسر السيد يا
سادات الكعب العالى سلام واستلافاً من العكودابى ود بادى خالط
الألسن وعاجن الرطانات فى قدحٍ من محلب جرتنى بعد الإشاره من خلف
ترف العباره من الصادق وشدنى إليها شداَ ذكره لشقل محمد عبدالرحمن
قرين حميد وبنك قوله وفعله وسمته المبذول والمخفى، فشقل ذلكم
الرقيق النحيف كما قلم الرصاص والرهيف الشفاف كثوب الساكوبيس ترى
جمال ما يحمل وتسمع تطريب ما يبث وتتمايل ثملاً من قراح
سلافه وليس سحاراً أنا كذلك الذى وصف مثيله فى ذات الزى
بالزيزى فى الكيس) فأنفرط الكيس وذاب الزيزى وسال نهراَ من
أسى، شقل عوالم تتداخل وتحف تتوالى وتتحفك بداعتها ففيه
ما فى حميد من يقين ومن حسٍ صادقٍ لإسعاد الآخر وفيه
ما فوق ذلك وأكثر، عرافٌ للناس، مشاءٌ لا بنميم فى حوائجهم،
ثقيل فى الموازين يطيح بالجبال إذا ما وضعت مكيالاً له فما
الأولياء الصالحين إذا لم يدانوه ويحضنوه!! جعل الله أسباب الحياة
هينةً ساهله لعزيزنا شقل وأنزل عليه مطر الخير والرزق والصلاح
فقد كان تطواف الصادق فى كوب قوله المعصور من كل فواكه السافنا
تلسعك مذاقاته فلا تدرى أيهما أحدق وأطعم فالأنناس والباباى والجوافة
والمنقه تتداخل حتى خِلْنا أننا على سُرُرٍ مرفوعة ووضعت لنا تلك
الأكواب وبثت من حولنا النمارق، رحم الله والد الصادق الذى كان حزنه
جامعاً لتلك اليواقيت الكريمه.


منصور


عدل من قبل منصور المفتاح في الاربعاء ديسمبر 02, 2015 5:39 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الثلاثاء ديسمبر 01, 2015 11:18 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

منصور المفتاح
سلام
لعل شقل سمع قول الشاعر:
الناس بقت حبات سبح
لا خيط يلمها لا ترانيم العباده

فنذر على نفسه أن يكون ذاك الخيط الذي يجمع الناس
تسأله عن الناس فيجيبك بأخبارهم، حتى أخبار جيراني
في مونتري (عبد اللطيف ومريم والخواض وسلوى صيام)،
يعرفها أكثر مني.

ولعل الله خلق شقل ليذكرنا دوماً بتقصيرنا في معرفة أخبار
بعضنا البعض، ولينسف أعذارنا الواهية (مشغوليات ... جري.. حال الدنيا)
والتى نقبلها من بعضنا البعض، عل مضض، مدفوعين بتواطوء الإلفة ودفع فواتير الصداقة.
حينما توفت والدة (خلف وبابكر الشاعر)، لم أجد من يعطيني تلفون بابكر
لأعزيه سوى شقل، اتصلت عليه فأخبرني الخبر وقال لي أنه في طريقه إلى هناك
وسيضطر للعودة لإستلام ملصقات لتأبين صديق، وزيارة مستشفى لوالد أحد الاصدقاء المشتركين
وهكذا تمضى حياة شقل، ناذراً نفسه لترتيق حبل التواصل.
لا أعرف كيف احتمل فراق مصطفى وبعده حميد ومحجوب شريف، ولكني أحسبه يراهم في تواصله بمن أحبوا.
أخجل حين أعرف أن أخباري كلها عنده، وأخجل أكثر حينما أكتفي، عند سماع اسمه في الونسات (الذكرياتيّة)
بالمقولة الإعتذارية الواهية (يا الله بالله هو عامل كيف؟). وهي اعتذارية وواهية كونها تستبطن هذا التقصير المخيف
في حق شقل، يكفي أنه الوحيد الذي اعطى وعطي وسيعطي دون مقابل سوى المحبة، ولأنه، وبحق يا منصور، مشاء بمديح،
فكل الناس جميلين عند شقل، شقل يعرف أجمل ما فيك ويكتفي به، يعيدك لبراءتك الأولى، لدفء المشاعر، الذي استبدلناه
براحة المنافي الخادعة.
الكون عند شقل يبدأ وينتهي عند هؤلاء الأصدقاء، شقل لا يبارح السودان لأنه مربوط بهذه الصلات، يتخيل
أن عقدها سينفرط لو هو غادر.
السلام على شقل وعلى من يحب شقل، والله إني لسعيد أن أكون حبةّ في سبحة شقل كونها تجمعني
مع قوم أعتى ذنوبهم حب الخير لأوطانهم واهلهم.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاربعاء ديسمبر 02, 2015 1:03 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

الصادق إسماعيل،
ليس لديَّ - اللحظة - ماهو أفضل من:
"رجاءً، ناولني رقم هاتف شقل بأسرع ما يمكنك".
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الجمعة ديسمبر 04, 2015 12:23 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عبر هذا الفيض الوجداني، يُزَيِّن محمد خلف هذا الخيط بثلاث شخصيات فاعلة وحميمة:





ثلاثة شخصياتٍ عِصامية تبحثُ عن حركةٍ ثقافيةٍ عاصمية راسخةِ الجذور






لا أدري لماذا ظللتُ مأخوذاً رَدَحَاً بالعباراتِ التي صِيغت بها عناوينُ بعضِ المسرحياتِ العالمية الشَّهيرة. فهناك منها، على سبيل المثال، "عربة ترام اسمها الرَّغبة"، و"قِطَّةٌ على سطحِ صفيحٍ ساخن"، وكلتاهما للكاتب المسرحي الأمريكي تينيسي وليامز؛ وهناك "دائرةُ الطَّباشيرِ القوقازية"، للكاتب المسرحي الألماني بيرتولد بريخت؛ و"هبط الملاك في بابل"، للكاتب المسرحي السُّويسري فريدريش دورنمات؛ و"اُنظُر وراءك في غضب" للكاتب المسرحي الإنجليزي جون أوزبورن؛ و"في انتظار غودو"، للكاتب المسرحي الإيرلندي صمويل ببكيت؛ و"ستُّ[ـةُ] شخصياتٍ تبحثُ عن مؤلف"، للكاتب المسرحي الإيطالي لويجي بيرانديلو، التي استوحينا منها عنوان هذه المشاركة.

وقد تعلَّمتُ من بريخت أهمية تمزيق الحُجُب والتَّنقيبِ بصبرٍ بين الأحجارِ المرصوصة لمعرفة المسؤولين الحقيقيين عن إنجاحِ الأعمال العظيمة؛ فلا يكفي النَّظرُ فقط إلى الأهرامات المصرية بعين السَّائح المستعجل، بل يجدرُ التَّساؤلُ عمَّن قام بتصميمها أو أشرف على تنفيذِها أو حمل جلاميدَها أو رفع ثِقلَها واحداً على إثرِ آخرَ إلى أنِ استكملَ الصَّرحُ هيئتَه المعروفة.

وعندما يتعرَّضُ بعضُ المهتمين إلى تجربةِ المسرحِ الجامعي في السُّودان، ينصرفُ الذِّهنُ عادةً إلى شخصياتٍ كاريزمية لها ألقُ عثمان جعفر النِّصيري أو عبد الباسط سبدرات أو سلمى بابكر أو النَّقية الوسيلة أو خالد المبارك أو طه أمير أو علي عبد القيوم؛ أو ربما ينصرفُ الذِّهنُ مباشرةً إلى مخرجينَ موهوبينَ، مثل شوقي عز الدِّين أو مأمون الباقر أو محمود تميم أو محجوب عباس، أو –لاحقاً- محمد المهدي عبد الوهاب؛ وقد ينصرفُ الخاطرُ ساعةً إلى ممثلينَ وممثلاتٍ برعوا زماناً على خشبةِ المسرح بقاعةِ الامتحاناتِ الكبرى بجامعة الخرطوم، ومنهم ومنهن: عبد الله محسي وهشام الفيل وأحمد عمر وليلى مراد وأسماء وكيل وماجدة تميمي ولبنى حمادة وميرغني الشَّايب والبلغارية فيسيلا.

إلا أنَّ المسرحَ الجامعيَّ كان سينهارُ فوق رؤوسِ ممثليه وممثلاتِه، وتتناثرُ دعائمُه، وتتبعثرُ إكسسواراتُه في الميدانِ الشَّرقي، لولا انشداده بمراسٍ راسخٍ أحكمته يدا عمر سر الختم القويتان، وحزمته بعاطفةٍ مشبوبة وحبٍّ جارفٍ للمسرح والقائمين عليه؛ وكانت ذكراه ستتبدَّدُ في الهواءِ الطَّلق أو تحمله نسماتٌ باردة عبر الميدانِ الغربي إلى مزابل الجامعة، لولا أنَّ لحظاتِه البديعة قد تمَّ اصطيادُها بكاميرا صغيرة لم تفارق كتفَ فتًى أنيقِ الهندام، هو سليمان بلدو، طيلة مواسم العروض.

وعندما يأتي ذكرُ المعهد العالي للموسيقى والمسرح، ويتمُّ التَّركيزُ على دُفعاتِ منتصفِ الثَّمانينات، ينصرفُ الذِّهنُ إلى مخرجينَ في قامة جلال بلَّال، ويحي فضل الله، وقاسم أبوزيد، وحاتم محمد صالح، وعادل السَّعيد والرَّشيد أحمد عيسى؛ أو ممثلينَ بارعينَ وممثلاتٍ بارعاتٍ، مثل آمنة أمين، وأحمد البكري، وسهام الخوَّاض ونعمات هارون وإنعام عبد الله وأسامة سالم. إلا أن طعم المعهد يظلُّ ماسخاً ولونه باهتاً ورائحته مُنكرة، لولا روحٌ وثَّابٌ ظلَّ يبثُّها السِّرُّ السَّيِّد بمزحاته البريئة وصلواتِه الخاشعة وصوته الشَّجي (خصوصاً حينما يموِّجه تمويجاً عالياً لينسجمَ مع طبقات الخالدي الصَّوتية)، وبقفشاتِه المرتجلة، وتقمُّصاته العديدة لشخصياتٍ لا حصرَ لها. وكان حتماً على هذه الرُّوح المتأجِّجة ألا تظلُّ حبيسةً لجدران المعهد العالي للموسيقى والمسرح؛ وكان بالفعل انتشارُها المُتناغم في الجامعات والمعاهد العليا بالعاصمة؛ وكان حتماً كذلك أن تلتقي بروحٍ أخرى تشعُّ من دواخل فتًى نحيفِ القوامِ، رقيقِ الحواشي، رهيفِ المشاعر، هو الصَّديقُ الصَّدوق: محمد عبد الرَّحمن شقل.

لا تُقامُ ندوةٌ ثقافية، إلا وكان أولَ مَنْ يدعو إليها؛ ولا يصدرُ كتابٌ جديدٌ، إلا وكان أولَ مَنِ اقتنى نسخةً منه، ولا يبخلُ بتسليفها لأقربِ مهتمٍّ، حتى قبل أن يشرعَ في قراءته، وربما اضطر أحياناً إلى شراءِ نسخةٍ جديدةٍ منه؛ ولا تجودُ قريحةُ شاعرٍ بقصيدة، إلا وكان أولَ من يحفظها، وربما اكتفى الكثيرون بسماعها منه، خصوصاً إذا كان شاعرُها مِمَنْ لا يجيدون إلقاءَ قصائدهم أو حفظَها عن ظهرِ قلب؛ ولا تُعرض مسرحيةٌ أو تُقامُ حفلةٌ غنائية، إلا وكان في حقيبته تذكرةٌ لمشاهدتهما، وربما تنازل لك طوعاً عنها، إذا أحسَّ بحاجتك الماسة إليها. ولا أستطيع، الآن، على بُعد الشُّقة وتقادم العهد، أن أتخيَّلَ حركةً ثقافيةً في عاصمة بلادي بلا شقل.

كما لا يمكن أن أتخيَّلها من غير أيوب مصطفى، صديق شقل وحميد، مستودع الحركة الثَّقافية العاصمية، وخزانتها العامرة بشتَّى أنواع الوثائق. لا يُنشرُ مقالٌ أو دراسةٌ في ملحقٍ ثقافيٍّ بصحيفةٍ يومية أو أسبوعية أو مجلةٍ دورية، إلا وكان لأيوبَ نسخةٌ منه؛ ولا تصدرُ مجلةٌ جديدة أو يُدشَّنُ كتابٌ، إلا وكان لأيوبَ نسخةٌ منه؛ ولا تُقامُ ندوةٌ ثقافية أو حفلةٌ غنائية أو ليلةٌ شعرية أو جلسةُ استماع، إلا وكان لأيوبَ شريطُ كاسيتَ منها. وكان يجمعُ مادَّته بصبرٍ وحب، ويعتني بها أيُّما اعتناء، ولا يبخلُ مع ذلك بتسليفها، إذا ما وثق بك، وشعر بحاجتك، وصدق نواياك في إرجاعها. منه تعرَّفتُ، وخلال شقل، على واسيني الأعرج، وحنَّا مينة، وعبد الرَّحمن منيف؛ وكنتُ وقتها قد توقَّفت، منذ نجيب محفوظ، عن قراءةِ رواياتٍ عربية.

وكيف يمكن أن تحيا حركةٌ ثقافية لم يكن طعمُها وبهارُها بمذاقِ أحمد الطَّيِّب عبد المكرَّم ونكهته. كان عنصراً ثابتاً في النَّدوات والفعاليات الثَّقافية التي تُقامُ في الجامعات والمعاهد العليا في العاصمة في منتصف الثَّمانينات. يحضرُ النَّدوةَ بذهنِه المتفتِّح وقلبِه العامرِ بحبِّ المشتغلين بالعملِ الثَّقافي. لا يظلمُ أحداً في تقييم. ولا يسفه ناشئاً، مهما صغُرت قامته؛ فقد كانت عيناه تحدِّقُ في القادم، وأذناه تصيخُ السَّمعَ لوقعِ الآتي. كان يسجِّلُ بأمانةٍ ونزاهةٍ نموذجيتين وقائعَ النَّدوات، ولا يكتفي بتقييدِها في كراسةٍ لا تُفارقُ يديه، وإنما يسهرٌ اللَّيلَ جِلَّه في تنقيحها وتوضيبها، توطئةً لنشرِها في العديد من الملاحق الثَّقافية التي كان يتعامل معها على فترةٍ من الوقت.

هذه إذاً ثلاثةُ شخصيات، كانت تعمل في انسجامٍ، من غير تنسيقٍ مُسبق، من أجل إنشاءِ حركةٍ ثقافية معافاةٍ من نواقص الماضي، فشملت جوانب الإعداد الدِّعائي، والحفظ والتَّوثيق، والنَّشر الإعلامي. فإذا كان محمد عبد الرَّحمن، مستعيرينَ من مجالِ المسرح الذي بدأنا به هذه المشاركة، هو "سِرُّ سيِّدِ" الحركةِ الثَّقافية في منتصف الثَّمانينات، فإن أيوب مصطفى هو "سليمان بلدوها"؛ أمَّا أحمد الطَّيِّب عبد المكرَّم، فهو "عمر سِرُّ ختمها". تلك، إذاً، ستةٌ كاملة، في إشارةٍ إلى الآية الكريمة: "تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ" (سورة "البقرة" الآية 196)، حتى تتطابق مع عددِ شخصيات مسرحية بيرانديلو؛ علماً بأن التَّأنيث اللَّفظي، كما في مفردة "شخصية"، يجوز فيه كلٌّ من التَّأنيثِ والتَّذكيرِ مع العدد؛ ولهذا السَّبب، وضعنا التَّاء المربوطة بين معقوفتين، هكذا [ةُ]، للحفاظِ على حقِّ المترجم، محمد إسماعيل محمد؛ أمَّا المترجم فوزي وفاء، فقد أراح واستراح، وترجمها هكذا: "6 شخصياتٍ تبحث عن مؤلف"؛ أمَّا نحن، فقد وقع خيارُنا على تأنيثِ المفردة، تعبيراً عن واقعٍ مؤسفٍ لهيمنة العنصر الذُّكوري على الحراكِ الثَّقافي في تلك الفترة المعنية.

(عزيزي عثمان حامد أرجو أن تُوصِلَ، وأنتَ في الخرطوم، تحياتٍ حارَّة إلى الصَّديق المسرحي حاتم مصطفى، كما أرجو منه أن يصحِّحني إنْ أخطأتُ في ذكرِ بعضِ الأسماءِ أو نسيتها؛ فيا عزيزي الصَّادق إسماعيل، أم تريباتِ أيضاً موطنٌ لعثمانَ، مثلما هي موطنٌ لحاتم، شقيقِ زوجته منال مصطفى؛ هذا بالطَّبع غير أنها موطنٌ لرضوان بلال، صديق أخي الشَّاعر بابكر الوسيلة سرِّ الختم.

ويا عزيزي الصَّادق، كلُّنا، بوجهٍ ما، من أم تريباتٍ وإليها؛ أو من أديمِ الأرضِ وإليه، في إشارةٍ إلى مقطعٍ شهير من خطبة الوداع: "كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ". رحمةُ الله على والدك إسماعيل أحمد سليمان، فهو من السَّابقين، وما نحنُ إلا عيالٌ في طريقِ اللَّحاقِ به).

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الخميس ديسمبر 17, 2015 9:17 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


محمد خلف يستدرك، ثم يواصل تأملاته التي بدأها في مساهماته السابقة:




سمكٌ عسيرُ الهضمِ وحوتٌ ليس بسهلِ الالتهامِ، كما توهَّمَ فتى موسى





في كلِّ كتابةٍ تليق بقارئها، تتشابى موضوعاتٌ، وتتزاحمُ عباراتٌ، على مداخلِ الجُملِ والفقرات، إلا أن السِّياقَ غالباً ما يستدعي الاقتصادَ في التَّعبير، ممَّا ينشأ بسببِه حرمانُ بعضِها من الظُّهور، أو تركُ بعضِها مُعلَّقةً على حافَّةِ الانتظار؛ أو قد تتبرعمُ فكرةٌ من غيرِ أن تلقى تطويراً مُلائماً، أو تُتركُ نهايةٌ من غيرِ إغلاقٍ حاسمٍ ونهائي. ففي المشاركة الأخيرة، كنت قد عقدتُ العزمَ أولاً أن أبدأها بإشارةٍ إلى إخراجِ كلٍّ من علي عبد القيوم وطه أمير لمسرحية "سمك عسير الهضم"، للكاتب المسرحي الجواتيمالي، مانويل غاليتش، لغرابةِ عنوانها، وللهالة التي تحيطُ باسمَيْ مُخرجَيْها. وفي مشاركةٍ سبقتها تحت عنوان "المُوسوية والخَضِرية"، كنتُ أرغبُ في توضيحِ العلاقة المتداخلة بين القصِّ بوصفه نَسَقاً سردياً وبين قصِّ الأثر، الذي تمَّ التَّعبيرُ عنه في الآية الكريمة: "وارتدَّا على آثارهما قصصا" (سورة "الكهف"؛ الآية رقم 64)، وربطِها بالتَّداخل القائم في اسم القاص الصَّديق عادل القصَّاص، باعتباره -من جهةٍ- اسماً موروثاً يشيرُ إلى حِرفةِ القصِّ (أي إتقان وامتهان تقفِّي الأثر)، بينما هو -من جهةٍ أخرى- اسمٌ على مُسمًّى يشير بشكلٍ مُباشر إلى فنِّ القصِّ (أي إتقان وتجويد تقنية السَّرد). ولأن الآية الكريمة تتوسَّطُ سورة "الكهف"، التي تتوسَّطُ بدورها كلَّ المصاحف العثمانية، فقد كنتُ أرغبُ أيضاً في تطويرِ مفهومِ الوسط، وتحديدِ صلته بالمربَّع الذي لم نُكملْ تفسيرَ دلالاتِه بعدُ، وربطِ كلِّ ذلك بأقنوم اللُّغة الذي يتوسَّطُ الصَّفَّ الأعلى من المربَّعِ المذكور.

لذلك، سأحاول في هذه المشاركة، وفي مشاركاتٍ تليها، الرُّجوعَ إلى بعضِ النِّهايات المواربة، بغرضِ إحكامِ إغلاقها، علماً بأن من طبيعة الكتابة البشرية أن يظلَّ بعضُها مفتوحاً وسائباً إلى يومِ يُبعثون؛ إلا أن واحدةً من مهمَّات الكاتب الأساسية هي تقليصُ حجم الفوضى بإدخالِ مزيدٍ من عناصر الانتظام، ومقاومة الأمواج المضطربة بإرساءِ الدَّعائم، وإلقاءِ المراسي، وبناءِ الجسور.

من حسن الطَّالع أن الآية الكريمة، التي تشيرُ إلى قصِّ الأثر، تجيءُ ضمن قصَّة نبي الله موسى مع الخَضِر، عليهما السَّلام، مما يسمح بمعالجة المفهومين داخلِ إطارٍ موحَّد هو الآيات من رقم 60 إلى 82 من سورة "الكهف"، التي تشمل القصَّة بمجملها. ومن حسن الطَّالع أيضاً أن هذا الإطار الموحَّد ينقسمُ إلى إطارين مصغَّرين أو مجموعتين مصغَّرتين لكوادرَ (منتقلين من خشبة المسرح إلى مصطلحات التَّصوير السِّينمائي) تعرِضُ مشاهدَ متتابعة، مصاحبةً للقصِّ، تتوسَّطهما آيةٌ واحدة مِفصلية تجمعُ للمرَّةِ الوحيدة كلَّ شخصيات القصَّة؛ ففي المجموعة الأولى، يتحرَّك شخصان، هما موسى بن عمران وفتاه يوشع بن نون؛ وفي المجموعة الثَّانية، يتحرَّك النَّبي موسى والخَضِر، عليهما السَّلام. بمعنًى آخر، يتحرَّك النَّبي موسى في كلا الإطارين، ويتوسَّطهما بوصفه شخصيةً محورية، تُمثِّلُ في المجموعةِ الأولى دورَ الباحثِ عن العلم، وفي المجموعةِ الثَّانية دورَ مُتلقيه؛ إلا أن الشَّخصية الأساسية التي تستهدفها القصَّة هى الفتى، باعتباره ممثلاً للقارئ العادي، دون مستوى النُّبوة أو الولاية، الذي يفتقرُ إلى خاصيَّة الإحاطة أو الاطِّلاع على طرفٍ من علم الغيب؛ من هنا أهمية القصَّة، وتبوؤها مكاناً وسيطاً (أي مرتفعاً وعالياً) في المصاحف العثمانية؛ هذا غير جذبها لاهتمامِ كلِّ المعنيين بالمُصحف، وانتباههم لأهميتها.

تبدأ المجموعة الأولى بمطلع الآية رقم 60: "وإذ قال موسى لفتاه"، ويُشار لهما بصيغ المُثنَّى: "بلغا"، "نسيا حوتهما"، "جاوزا"؛ إلى أن تُختتمَ بقوله: "فارتدا على آثارهما قصصا"، عند الآية رقم 64 من السُّورة؛ ثم تأتي الآية المِفصلية رقم 65: " فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"؛ بينما تركِّز المجموعة الثَّانية على القصَّة الرَّئيسية التي تتخلَّلها المحاورة بين النَّبي موسى والخَضِر عليهما السَّلام في رحلتهما التَّعليمية الشَّهيرة؛ ويُشار لهما أيضاً بصيغ المُثنَّى، بانزواءِ الفتى في خلفية المشهد: "فانطلقا" (ثلاث مرَّات)، "ركبا"، "لقيا"، "أتيا"، "استطعما"، "يضيفوهما"، "فوجدا"؛ إلى أن تنتهي المجموعة بالآية رقم 84، التي احتشدت بمُثنًّى آخرَ يحفظُ للقصَّة توازنها الأسلوبي، إضافةً إلى قوة سبكها الدَّلالي، الذي سنستعرَّض جانباً منه في فقرةٍ لاحقة: "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا".

ومع مطلع المجموعة الأولى، تبدأ رحلة موسى وفتاه إلى مَجمَعِ البحرين؛ ومن باب التَّلطُّف في القول، يُشار إلى الخادم أو الغلام بالفتى؛ بينما يُشار، في الآية المِفصلية إلى الخَضِر عليه السَّلام بأنه عبدٌ من عباد الله: "فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"؛ فالعبودية مُضافةً إلى الألوهية تحررٌ يُشارِفُ المطلق، بينما العبودية بالإضافة إلى المجتمع البشري محضُ استلحاقٍ واسترقاق. وبعد أن قطعا شوطاً في رحلتهما يستدركان بأنهما نسيا حوتهما الذي اتَّخذ طريقه إلى البحر سَرَبَاً، فيُدركُ موسى على الفور سرَّ الأمارة: "قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ"، مما يستوجب رجوعهما، قصَّاً للأثر، لوضع يدهما على العلامة التي تُوصِلهما إلى موقع الالتقاء بالخَضِر عند مَجمَعِ البحرين. مما يعني أن النَّبي موسى كان مُطَّلِعاً أصلاً، بفضلِ الله، على طرفٍ أو ممسكاً بعروةٍ من العلم اللَّدني؛ ومما يعني أيضاً أننا هنا أمام مستوياتٍ متفاضلة من العلم اللَّدني، وليس أمام قِسمَةٍ ضِيزَى بين علمٍ ظاهرِ الإهابِ وآخرَ باطنيِّ الحواشي؛ فكلُّ العلم، الذي يتمُّ الكشفُ عنه في رحاب الحقِّ، هو طرفٌ من علم الغيب؛ هذا بخلاف الحقيقة، التي يتنافسُ على كشفها المتنافسون، فيما تتغايرُ وجهاتُ نظرِهم؛ وتتباينُ -تحت ضغوطٍ شتَّى- خياراتُهم الحياتية.


سنحاول في مشاركةٍ قادمة مواصلة الحديث ضمن هذه القصَّة عن الانشقاق الثَّاني للبحر لموسى، عبر حوتٍ تخِذَ طريقه إلى البحرِ سَرَبَا، فيما كان الخَضِرُ يجلس على طُنفُسَةٍ خضراءَ في وسط الماء.


محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الجمعة ديسمبر 25, 2015 7:09 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وهذه أيضاً مساهمة أخرى من محمد خلف، مرتبطة بتأملاته السابقة:


يا لهُ من أسبوع؛ بدأ بموسى والخَضِر، وانتهى بميلادِ مُحَمَّدٍ ويسوع




يا لهُ من أسبوع؛ فبعدُ الألفينِ وخمسةَ عشرةَ عاماً، هاهو العامُ الميلادي يصِلُ إلى نهايته، وهاهي ساعاتُه المتبقية تلفظُ أنفاسَها الأخيرة؛ إلا أنه لم يمضِ إلى حالِ سبيلِه من قبلِ أن يحتفلَ العالمُ الإسلامي بميلادِ المصطفى، ومن قبلِ أن يحتفلَ العالمُ كلُّه (بحُكمِ الثَّقافةِ الغالبةِ راهناً) مع المسيحيينَ بميلادِ الفادي. ففي يوم الثُّلاثاء 11 ربيع الأول، كانت ليلةٌ هي، بحَسَبِ الشَّاعر محمد المهدي المجذوب، سرُّ كلِّ اللَّيالي؛ وصادف يوم الأربعاء 12 ربيع الأول ميلادَ النَّبي محمد، شفيعِ الأمَّة. وفي يوم الخميس 24 ديسمبر، كانت عشيةُ عيد الميلاد؛ وصادف يومُ الجمعة المبارك ميلادَ المسيح عليه السَّلام؛ تلك إذاً أربعةُ أيامٍ مشهودة. وكُنَّا قد تبِعنا في مشاركةِ يوم الخميس 17 ديسمبر موسى وفتاه إلى مَجمَعِ البحرين، حيث تخِذَ حوتٌ طريقه إلى البحرِ سَرَبَاً، فيما كان الخَضِرُ يجلس على طُنفُسةٍ فوق سطح الماء؛ تلك إذاً ثلاثةُ شخصياتٍ معهودة. وما بين الأيامِ المشهودةِ الأربعة والشَّخصياتِ المعهودةِ الثلاثة، أخذتُ أتبيَّنُ شيئاً فشيئا سرَّ العلاقةِ المُدهِشةِ بين المربَّع والمثلَّث.

ففي المربَّع قيد الاكتمال، كنَّا ننظر إليه (أي المربَّع) باعتباره نظاماً مغلقاً مكتملاً، يحوي داخله ثلاثة أقانيم، هي: الواقع، والعقل، واللُّغة؛ تستقلُّ بذاتها حيناً، وينشأ بينها علاقاتٌ متداخلة أحايينَ أخرى ضمن النِّظام الموحَّد، الذي ينحصرُ انحصاراً داخل المربَّع؛ حتَّى أننا أعدنا تعريف الأرقام من واحد إلى ثلاثة، داخل النِّظام العشري المعروف، لتكشِفَ عن نفسها بوصفها نظاماً ثلاثياً، مُعبِّراً عن الأقانيم الثَّلاثة، المُنحصِرة داخل المربَّع، باعتباره نظاماً كاملاً شاملاً في مجال الحقيقة المتغيِّرة. وكنتُ أنتظرُ، كما بُحتُ إلى الصَّديق الشَّاعر سيدأحمد علي بلال، إطلالةً من الصَّديق عبد الواحد ورَّاق عبر الهاتف؛ وما كنتُ أنتبهُ، إلا بعد مُضي وقتٍ، بأن ورَّاقاً كان يمطرني -طيلة وقت الانتظار- بوابلٍ من المربَّعات عن طريق الواتساب (الوتصب): بدءاً من حاج الماحي، مادحِ الرَّسول وعبر نسلِه الأخيار منذ القرن التَّاسع عشر، وانتهاءً بالشَّاعر المدهش غاية الإدهاش علي عاكير، الذي اشتُهر باسم عُكير الدَّامر؛ هذا إضافةً إلى ما استجدَّ من شعر العكودابي ود بادي، ومجادعاته مع الصَّديق الشَّاعر محمد طه القدَّال.

وكنتُ أستغربُ أيضاً أن ندوةً تُقامُ في "معهد البروفيسور عبد الله الطَّيِّب للُّغةِ العربية" بجامعة الخرطوم، في يوم الاثنين 31 أغسطس 2015، تحت عنوان: "الرَّسائل في أدب الحداثة – رسالة خلف إلى القصَّاص نموذجاً"، ويُعلنُ فيها عن مشاركةِ أربعةِ متحدِّثين، هم: د. مصطفى الصَّاوي، و أ. السِّر السَّيِّد، و أ. عامر محمَّد أحمد، و أ. نادر السَّماني؛ ولا يعتلي مِنبرَ النَّدوةِ إلا ثلاثةُ متحدِّثين، بغيابِ الأخ الصَّديق والجارِ العزيز نادر السَّماني (كيف حالُ الأهلِ والجيران؛ وكيف حالُ المنتدياتِ، في غيابِ أسرابها المهاجرة). وكانتِ النَّدوةُ محضورةً بحضورِ القدَّالِ، وعالم عبَّاس محمَّد نور، وعبد المنعم الكتيابي، وعبد الله محمد الطَّيِّب، وعصام عبد الحفيظ، وعثمان حامد، والأمين محمد عثمان، وبابكر الوسيلة، ورهطٍ من المهتمين الأخيار؛ إلَّا أنني أُدركُ الآنَ لماذا غابَ رابعُهم؛ فهي في الأصلِ، كما أحدسَ القدَّالُ نفسُه في إشارةٍ إلى "شملة كنيزة"، ثلاثية: "هي تلاتية لاكين قدَّها رباعي". ونقِفُ هنا الآن، لنُكمِلَ، في مشاركةٍ لاحقة، قصَّة موسى مع الخَضِر، حيثُ أقدمَ في المرَّةِ الأولى -ضمن ثلاثةِ اختباراتٍ- على "قدِّ" السَّفينة (أي خَرقِها)؛ ولنَختِمَ أيضاً على عَجَلٍ هذه المشاركة، التي أشارت إلى المربَّع، في ثلاثِ فقراتٍ مختصرة، احتفاءً بمقدِمِ العامِ الجديد، أعاده اللهُ على قرَّاءِ هذا الرُّكنِ بالخيرِ واليُمنِ والبركات.


محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الثلاثاء يناير 05, 2016 6:35 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الثلاثاء يناير 05, 2016 8:37 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

مازلنا مع محمد خلف وقصة موسى مع الخَضِر:


قصَّة موسى مع الخَضِر: بديلٌ تفسيري لفهمِ اختباراتٍ ثلاثة في مطلعِ عامِ المربَّع





أشرنا في حلقةٍ سابقة إلى أن سورة "الكهف" تتوسَّطُ المصاحفَ العثمانية، وأن قصَّة موسى مع الخَضِرِ، عليهما السَّلام، تتوسَّطُ بدورِها السُّورة المكيَّة (باتِّفاقِ جميع المفسِّرين)، بل إن الاختباراتِ الثَّلاثة، التي تضمَّنتها القصَّة، تمتدُ من الجزءِ الخامسَ عشرَ إلى الجزءِ السَّادسَ عشرَ من المُصحَف، حيث يبدأ الاختبارُ الأول (خَرقُ السَّفينة) وينتهي مع نهاية الجزء السَّادسَ عشرَ، ويبدأ الاختبارُ الثَّاني (قتلُ الغلام) مع نهاية الجزء، ولا يكتملُ إلا مع بداية الجزءِ السَّادس عشر، ثم يليه الاختبارُ الثَّالث والأخير (إقامةُ الجدارِ من دون اتِّخاذِ أجرٍ مقابل هذا العمل) مع بداية الجزء؛ ومن ثمَّ البدءُ في تفسيرِ ما أشكلَ أمرُه على موسى عليه السَّلام، ضمن هذه الاختبارات التَّعليمية الثَّلاثة. وكنَّا قد بدأنا الحديثَ عن هذه القصَّة الشَّهيرة في الأسبوع الأخير من العامِ الخامسَ عشرَ بعد الألفين، ونأمل أن نصِلَ إلى ختمِ قولٍ بصددها في الأسبوع الأول من العامِ السَّادسَ عشرَ بعدهما، سائلين الله أن يجعله عامَ خيرٍ وبركة؛ وآملين خلاله أن نصِلَ إلى تفسيرٍ مقنعٍ بشأنِ المربَّع، خصوصاً وأن العام السَّادسَ عشرَ (4×4) هو رمزُ المربَّع بامتياز، (بخلافِ الشَّملةِ يا قدَّالُ)، فهو رباعيٌّ وقدُّه (أي خرقُه) كذلك.

يعتقد الكثيرون أن فحوى القصَّة يشيرُ بوضوحٍ شديد إلى وجود مستويين من العلم: أحدهما ظاهرٌ متاحٌ للعيان، والآخرُ خفٍ أو باطنٌ لا يتأتَّى فهمه إلا لِمَنْ أوتي صبراً، أو كان ذا حظٍّ عظيم. ونحن لا نختلفُ كثيراً مع هذا الشِّقِّ الثَّاني من التَّوصيف، إلا أننا نضعُ بديلاً عنه تفسيراً قائماً على تمييزنا بين الحقِّ والحقيقة؛ فبينما نجدُ أن الحقيقة هي مجالٌ واسع للاكتشاف ضمن علم الظَّاهر بمحتلف أنواعه، نجد أن الحقَّ سبيلٌ لتلقي الكشف ضمن مستوياتٍ متعدِّدةٍ من العلم اللَّدني؛ ولأجلِ ذلك قلنا إن العلم الموسوي والخَضِري كلاهما يقعُ ضمن مستوياتٍ متراوحة من العلم اللَّدني، الذي يتمُّ منحه وفق معاييرَ لا ندرك كنهها تماماً، وإنْ كان الصَّبرُ والحظُّ العظيمُ أمارتين دالَّتين على وجودِ ذلك العلم الممنوح من الحقِّ عزَّ وجلَّ؛ وهو لا يتبع، كما الحقيقة، منهجاً بعينه لتلقيه، باستثناءِ صدقِ التَّقوى، وخُلُوِّ العمل من الزَّيف، وتطابقِ ظاهرِ المرءِ مع باطنه.

فإذا كانتِ التَّفرقةُ بين علم الظَّاهر والباطن ليست هي الأمرُ المعوَّل عليه في تفسير قصَّة موسى مع الخَضِر، فما هو البديل الذي يمكن أن يُركن إليه في تفسير هذه القصَّة العظيمة؛ علماً بأننا ما كان يمكن أن نضطرَّ للبحثِ عن بديل، لولا أننا رأينا بأمِّ أعيننا انقساماً لا مبرِّرَ كافياً له؛ هذا غير أنه قائمٌ على إغماضِ العين عن السِّياق الذي يبرِّر في الأصل وجوده، مما ينشأ بسببه انشقاقٌ في تفكير وممارسة المؤمنين بإرادة الحق، ومشيئته المطلقة في توزيع حصص العلم اللَّدني على المريدين. وأولُ ما يرهصُ بالبديل، هو تدرُّج الإثم المُرتكبِ ضمن الاختبارات الثَّلاثة المُشار إليها في الفقرة الأولى؛ ففي الاختبارِ الأول، خُرقت السَّفينة، التي يمكن أن يؤدِّي تثقيبُها إلى قتلِ رُكَّابِها المحتملين، مما يرقى إلى تهمة القتل العمد، في حالة حدوثه؛ بمعنًى آخر، إننا وإنْ كنَّا هنا أمام جريمة قتل، إلا أنها تتحرَّك في حيِّز الإمكان، ولا يوجد دليلٌ قاطع على عبورها إلى مجال التَّحقُّق العيني، بوقوعِ الجريمةِ ذاتِها. وفي الاختبار الثَّاني، وقع الجرمُ المؤكَّد، وحدث ما كان في موضعِ الإمكان في الاختبارِ الأول، وطلَّت جريمةُ القتلِ العمد برأسِها، مما يصعُب الدَّفعُ عنها أو تبريرُها. فإذا كان قتلُ النَّفس البريئة هو أفظعُ الكبائر وأعظمُ الجرائم عند الله، وكنَّا بصددِ سُلَّمٍ متدرجٍ للآثام ضمن الاختباراتِ الثَّلاثة، فما هو الإثمُ الذي يفوق في فظاعته جريمة القتل؟

من الواضح أن هذه الاختبارات الثَّلاثة لا تتمُّ ضمن سياقٍ مكرور أو تجري داخل مدرسةٍ عادية، وإنما تتمُّ في إطارِ مجموعةِ تحكُّمٍ أعضاؤها مختارون بعنايةٍ فائقة، فهي تضمُّ نبيَّاً لبني إسرائيل (موسى عليه السَّلام)، ورجلاً علَّمه اللهُ من لدنه علماً (الخَضِر عليه السَّلام)، وفتًى حباهُ الله برفقة نبيٍّ ليكونَ شاهداً للنَّاسِ على هذه الاختبارات الفريدة (يوشع بن نون). كما أن المكان الذي تمَّت فيه، قد تمَّ اختيارُه هو الآخرُ بعنايةٍ فائقة؛ بل جاء شَقَّاً ثانياً للبحر باتِّخاذِ الحوتِ طريقاً إليه سَرَبَاً، بعد الشَّقِّ الأول له في أعقاب هجرة بني إسرائيل من مصر. وإذا كان جريمة القتل هي جريمةٌ لا تُغتفر، بالفهم المتداول والمقبول اجتماعياً، فإن لله في خلقِه شؤون، وقد سبق أن غفرَ بواسعِ علمِه ورحمتِه لموسى؛ أمَّا الجريمة التي لا تُغتفر بالفعل ضمن سياق هذه الاختبارات الثَّلاثة، فهي اتِّخاذُ الأنبياء أجراً نظيرَ دعوتهم النَّاس إلى الإيمان بالحقِّ عزَّ وجلَّ، حتى لو تضوَّروا جوعاً أو لاقوا في دعوتهم شتَّى ألوان المصاعب والشَّدائد.

صحيح أننا نتَّخذُ النَّبي قدوةً، إلا أن النَّبي يتَّخذُ سائرَ الأنبياءِ قدوةً له، ومن ضمن أعمالهم المألوفة عدم اتِّخاذِ أجرٍ عن دعوتهم إلى الحق، فهمُ المهتدون حقَّاً. وفي سورة "الأنعام"، بدءاً من الآية رقم 83 إلى 89، يتمُّ ذكرُ الأنبياء الذين ينتظمون في سلك الاهتداء، ويُشار إلى إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، ونوح، وداوود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. وفي الآية رقم 90 من سورة "الأنعام"، يتمُّ التَّأكيد على اقتداء النَّبي محمد، صلوات الله وسلامه عليه، بهَديِّ هذه السِّلسلة الطَّويلة من الأنبياء؛ ومن أولِ سماتِ هذا الهَدي، هو امتناعُ النَّبي عن السُّؤالِ عن أجرٍ نظيرَ دعوتِه إلى الحق: "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ".

ونحن لا نستطيع أن نحتذي نهجَ الأنبياءِ حذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ والحافرِ بالحافر، ولكننا نسعى للاقتراب منهم اقتراباً؛ وربما نطلب أجراً عمَّا نقوم به من أعمالٍ عادية، لكننا نطلب مِمَن يتصدَّى للعمل الدِّيني أن يربأ بنفسه عن التَّكسُّبِ باسم دعوته. وفي الأعمال الخيرية، نراقبُ عن كَثَبٍ مصادرَ الأموال، ونطلبُ من القائمين عليها عِفَّةً في السُّلوك، وشفافيةً في المنهج. وإذا صبرنا على المتكسِّبين من العملِ العام، فإننا لسنا مطالبينَ بالصَّبرِ على المتكسِّبين من العمل الدَّعوي. وإذا طالب الخَضِرُ موسى بالصَّبر، ووجد له المعاذيرَ مُقدَّماً على ما لم يُحِط به خُبراً؛ فإننا نجدُ للخَضِرِ نفسِه المعاذيرَ في عدم صبره على موسى في الاختبارِ الأخير، حينما أوحى له بأنه كان من الممكن أن يتَّخذَ من بناءِ الجدارِ أجراً، ولو أن موسى كان متأثِّراً تحت ضغط التَّضوُّرِ جوعاً، برفضِ أهل القرية أن يضيفوهما، بعد أن طلبا منهم طعاماً.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الخميس يناير 07, 2016 9:37 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

يعتقد الكثيرون أن فحوى القصَّة يشيرُ بوضوحٍ شديد إلى وجود مستويين من العلم: أحدهما ظاهرٌ متاحٌ للعيان، والآخرُ خفٍ أو باطنٌ لا يتأتَّى فهمه إلا لِمَنْ أوتي صبراً، أو كان ذا حظٍّ عظيم. ونحن لا نختلفُ كثيراً مع هذا الشِّقِّ الثَّاني من التَّوصيف، إلا أننا نضعُ بديلاً عنه تفسيراً قائماً على تمييزنا بين الحقِّ والحقيقة؛ فبينما نجدُ أن الحقيقة هي مجالٌ واسع للاكتشاف ضمن علم الظَّاهر بمحتلف أنواعه، نجد أن الحقَّ سبيلٌ لتلقي الكشف ضمن مستوياتٍ متعدِّدةٍ من العلم اللَّدني؛ ولأجلِ ذلك قلنا إن العلم الموسوي والخَضِري كلاهما يقعُ ضمن مستوياتٍ متراوحة من العلم اللَّدني، الذي يتمُّ منحه وفق معاييرَ لا ندرك كنهها تماماً، وإنْ كان الصَّبرُ والحظُّ العظيمُ أمارتين دالَّتين على وجودِ ذلك العلم الممنوح من الحقِّ عزَّ وجلَّ؛ وهو لا يتبع، كما الحقيقة، منهجاً بعينه لتلقيه، باستثناءِ صدقِ التَّقوى، وخُلُوِّ العمل من الزَّيف، وتطابقِ ظاهرِ المرءِ مع باطنه.


كل سنة وكلكم بخير
أنا من الذين يعتقدون ان القصة تشير إلى وجود مستويين من العلم. لكن بعد
قراءتي لمداخلاتك الأخيرة، وأنا اتجول بين بعض القنوات العربية توقفت عند قاريء
جميل الصوت، كان يقرأ من ضمن ما قرأالآية
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ
وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ
وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ
مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا
شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). وتذكرت قراءات قديمة تتحدث عن السحر
بإعتباره طريق مغاير للمعرفة، ولو ربطنا قصة تعامل موسى بن عمران مع السحرة
في يوم الزينة المشهور، والآية أعلاه ومستويات العلم، فأين يمكن أن نوطِّن السحر ؟
بالطبع هو ليس سؤال يحتاج للإجابة بقدر ماهو تساؤل ورد على خاطري، وحفّزني لمزيد
من القراءة حول السحر وعلاقته بالعلم، وودت طرحه هنا لما ذكرت أعلاه، والحديث ذو شجون
كما في عبارة ضبّة بن آد التي صارت مثلاً.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الجمعة يناير 08, 2016 8:38 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

جديرٌ بالذكر اني أجد عنتاً وصعوبة في فهم المربع بأرقامه
وسأصبر (على القراية أُم دق) حتى الكَْشف.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاحد يناير 10, 2016 9:19 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


وهنا يكتب محمد خلف عن: مفهوم "الإبراز بالتَّخالف" أو "المخالفة":


آن الأوانُ لتقديمِ مفهوم "الإبرازِ بالتَّخالُف" في شكلِه العام وعرضِه وفقاً لثلاثِ طرقٍ خاصة




نعني بمفهوم "الإبراز بالتَّخالف" أو "المخالفة"، بشكلٍ عام، توضيحَ منحًى إيجابيٍّ وتصويرَه بشكلٍ جليٍّ بمقارنته بضدِّه؛ ويتَّخذُ ذلك التَّوضيح أو تلك المقارنة الضِّدِّية ثلاثَ طرقٍ خاصة، يمكن عرضها على النَّحو التَّالي:

أولاً: تجاور الأضداد؛ وهي طريقة معروفة يمكن تلخيصها في عبارةٍ وردت في شطرٍ من القصيدة "اليتيمة": "فالضِّدُّ يُظهِرُ حُسنَه الضِّدُّ" أو قول المتنبي في شطرٍ من إحدى قصائده "وبضدِّها تتميَّز الأشياءُ". ونجد أمثلةً لها في العلوم والدِّين والفلسفة. ففي العلوم، تبدأ قوانين نيوتن للحركة بوضع حالة السُّكون، حيث يوضِّح إسحق نيوتن في القانون الأول للحركة أن الجسمَ يظلُّ على حالته من سكون (أو حركةٍ منتظمة) في خطٍّ مستقيم، ما لم تؤثِّر عليه مُحَصِّلة القوة (أي مجموعها)، فتُغيِّرُ من حالتِه. وفي الأديان الكتابية، يتمُّ تصويرُ حالةِ الكُفَّار في النَّار، ليس تشفِّياً وإنما تحبيباً وترغيباً في الإيمان، وإبرازاً ساطعاً لحالة النَّعيم ومقام المؤمنين المُتطلَّع إليه في الجنَّة. وكنَّا قد بدأنا في حلقةٍ سابقة بتعريفٍ مبسَّط للوعي، توطئةً لتناول المشكلة المستعصية للوعي (وصبراً يبل الآبري يالصَّادق) في حلقاتٍ قادمة، عن طريق انبثاقه من نومٍ بلا أحلام (إذ إن الحُلمَ نوعٌ من الوعي)، أو انتهائه بإغماءةٍ أو إغماضِ عينٍ بنومٍ آخرَ بلا أحلام أو مفارقةٍ للحياة؛ وفي كلِّ تلك الحالات، يتمُّ إبراز الشَّيء بضدِّه أولاً.

ثانياً: الإحلالُ محلَّ الضِّدِّ؛ وهي حالةٌ نادرة، تتمُّ في الأعمال التَّراجيدية الكبيرة، حيث يلجأ الكاتب المسرحي إلى الانتقال بالعمل التَّراجيدي إلى ضدِّه، حينما يتصاعد التَّوتر ويصِلُ العملُ الدَّرامي إلى مستوًى يصعُب معه تحمُّل وطأته من قبل الممثلين أو المشاهدين على حدٍّ سواء، فينبثقُ من العمل التَّراجيدي ما تمَّ الاصطلاح على تسميته "كوميك ريليف"، أو الاستراحة الهزلية. إلا أن فكرتها الأساسية لا تنطلق فقط من إحداثِ مَجَمَّةٍ هزلية، ترويحاً للمشاهد أو الممثل، وإنما لها دورٌ آخرُ في تعميق الطَّبيعة التَّراجيدية للعمل الدَّرامي نفسه؛ لذلك، أدرجناها في التَّصوُّر العام لمفهوم "الإبراز بالتَّخالف". من جانبٍ آخر، فإن الكلمة الإنجليزية "ريليف" ذات الأصل اللَّاتيني تشيرُ إلى معنيين: فهناك معنى الاسترواح، كما أن هناك معنى الإبراز؛ وهو الذي نجده في النَّحت أو النَّقش البارز (ويُسمَّى أيضاً "ريليف" باللُّغةِ الإنجليزية)، ويستخدِم التَّخالفَ بين مستويين للسَّطح المستوي لإبرازِ الصُّورة المنشودة؛ ويوجد منه بصورةٍ رئيسية نوعان: النَّقش البارز المرتفع، والمنخفض أو الغائر.

ثالثاً: الإيهام بالتَّماهي مع الضِّدِّ؛ وتختصُّ هذه الطَّريقة -حسب فهمنا- بالقرآن، وتتوزَّع على ثلاثةِ أنماط، هي السِّحرُ والشِّعرُ والجنون؛ لتتراسل مع الأقانيم الثَّلاثة للمربَّع قيد التَّفسير (وصبراً يبل الحلو مر يالصَّادق)، وهي الواقع واللُّغة والعقل. فالسِّحرُ في جوهره إبطالٌ للواقع؛ والشِّعرُ في الأصلِ إلغاءٌ للمألوف من اللُّغةِ العادية؛ وليس الجنون في حقيقة الأمرِ إلا نسفٌ للعقل. والقرآن بوصفه حقَّاً وتنزيلاً من الحقِّ، يتمُّ إبراز التَّخالف فيه عبر طريقتين: الأولى هي تجاور الأضداد، كما جاء ذكرُه في فقرةٍ سابقة عن الجنَّة والنَّار؛ وبشكلٍ أوضح ما جاء ذكره في الآية رقم 81 من سورة "الإسراء": "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا"؛ فالباطلُ لا يوجد أصلاً في مقام الحقِّ، إلا أن في ذكرِه إبرازاً للحقِّ بالمُخالفة، علاوةً على إزهاق الباطل إزهاقاً لا مناصَ منه. أمَّا الطَّريقة الثَّانية، فهي إيهام الغافلين بشيءٍ على غير حقيقته؛ وهي تتبدَّى للعارفين –مؤمنينَ كانوا أم غيرَ مؤمنين- تماهياً بلاغياً مع الضِّدِّ، بغرضِ إبرازِ الحقِّ بالتَّخالف.

فما أتى به السَّحَرَةُ أمام فرعون هو سحرٌ سحروا به أعينَ النَّاس؛ وما أتى به موسى ليس بسحرٍ، وإنْ أوهم الغافلين بذلك، وعلى رأسهم فرعون نفسه، وإنما هو الحقُّ الذي أدركه السَّحَرَةُ أنفسُهم، مثلما كان يدركه موسى نفسُه، لذلك سارعوا بالإيمان به، قبل أن يأذَن لهم مليكُهم بذلك. فالسِّحرُ في جوهره كما قلنا هو إبطالٌ للواقع؛ أو هو بالأحرى إيهامٌ لمدارِكِ النَّاسِ حتى يبطُل الواقعُ الماثل أمامهم؛ أمَّا الحقُّ الذي يتماهى بضدِّه، في حالة السِّحر، فالغرضُ منه إجبار السَّحرةِ أنفسِهم على التَّخلِّي عن سحرهم والاعتراف بالحقِّ والإيمان به؛ إذ إنهم، وبما لهم من خبرةٍ ومعرفة بطرائقِ عملهم، هم أفضلُ من يؤكِّدون لغيرهم ويقرُّون لأنفسهم بصدقِ الحقِّ وبطلان طرائقهم.

وما اتُّهم به موسى عليه السَّلام، قد طال محمداً صلوات الله وسلامه عليه. إلا أنه اتُّهم أيضاً بقول الشِّعر. فقد أوهم القرآنُ الغافلين بأنه ضربٌ من الشِّعر، إلا أن العارفين بأقراءِ الشِّعر قد أقرُّوا بأنه ليس بشعر؛ كما أنه ليس بنثر، وقد سبق وأنْ عرضنا رأي طه حسين بأنَّ "القرآن ليس نثراً، كما أنه ليس شعراً، إنما هو قرآن". كما اتُّهم صلواتُ الله وسلامُه عليه بالجنون؛ فقد أوهم قولُه الغافلين، لأنه لم يأتِ على غرار ما يعقلون، إلا أن العارفين أقرُّوا بصدقِ قولِه، لمعرفتهم بصدقِ قائله؛ فعندما قال لهم الرَّسولُ الكريم بأنه قد "أُسري بي اللَّيلةَ إلى بيتِ المقدسِ بالشَّام"، ظنَّ أبو جهل بأنها فرصةٌ مناسبة لرمي الرَّسول الكريم بتهمة الجنون؛ وساور الشَّكُّ فريقاً من المسلمين، فذهبوا إلى أبي بكر وأخطروه بأمرِ صاحبه؛ فقال لهم إنِّي أُصدِّقة فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصدِّقة في خبرِ السَّماء يأتيه في غدوِه أو رَوَاحِه؛ ثم قال لهم قولته الشَّهيرة: "إنْ كان قال، فقد صدق"؛ فليس غريباً، إذاً، أنْ سُمِّي بالصِّدِّيق.

هذا من أمرِ السِّحرِ (والنَّمطين الآخرَيْن: الشِّعرِ والجنون) في مقابل الحقِّ؛ أمَّا في مجال الحقيقة، فإن السِّحرَ ينهضُ، في نظرِ جيمس فريزر صاحب "الغصن الذَّهبي"، وكثيرٍ من علماء الاجتماع المتبنِّين للنَّظرية الدَّاروينية، بوصفِه مرحلةً كاملة تسبق مرحلتي الدِّين والعلم. ونحن لا نختلف معهم في هذا القول، ولكننا نفرِّق بين أديان السِّجل الأنثروبولوجي وبين الدِّين الحقِّ؛ بل من أجل ذلك، ولأسبابٍ أخرى، توصَّلنا، بفضلِ الله، إلى أهمية التَّميير بين الحقِّ والحقيقة؛ ففي مجال الحقيقة، يبدو السِّحر مناطاً لاستخدام العقل، وإنْ بطُل محتواه الواقعي؛ في حين يبدو الدِّين في سجلِّه الأنثروبولوجي مفارقاً للعقل، فكان لا بدَّ من تجاوزه بمرحلة العلم، التي تشبه السِّحرَ في إطارها الشَّكليِّ فقط. وبدون هذا التَّمييز بين الحقِّ والحقيقة، ستجدُ الأديانُ الكتابية نفسَها في صراعٍ طاحنٍ مع العلم، الذي سيسهُل عليه أمرُ هزيمتها أو أكلِ غدائها، على حدِّ قول عالم الفيزياء الأمريكي، ستيقن واينبيرج. وفي حالة التَّمييز، سيتسنَّى للعلمِ والدَّين معاً التَّعاونُ على تجاوزِ السَّحَرَة والأنبياء الكَذَبَة.

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الاحد يناير 17, 2016 6:57 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الجمعة يناير 15, 2016 10:08 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في سلسلة حلقات يكتب محمد خلف عن:



انتخابات؛ إشاعات؛ تكهُّنات؛ احتمالات: مرحباً بالدُّخول إلى مجال الحقيقة




1. انتخابات:


كانتِ الكواكبُ داخل مجموعتنا الشَّمسية لا يتعدَّى عددُها تسعةً أثناء سنواتِ الطَّلب؛ وقُبيل انتخاباتٍ جرت عام 2006، كان عددُها متأرجِّحاً بين الزِّيادة والنُّقصان أو البقاء كما هي عليه دون تفسيرٍ مقبول، سوى التَّمسُّك بما عُهِد النَّاسُ عليه؛ وكانت تلك هي الخياراتُ الثَّلاثة التي طُرحت للتَّصويت على علماء الفلك المجتمعين في براغ في منتصف أغسطس عام 2006، في اجتماع الجمعية العمومية للاتِّحاد الفلكي الدُّولي. وما دعا في الأساس لطرحِ هذه الخيارات على التَّصويت، هو أنه قد تمَّ في عام 2005 اكتشافُ جِرمٍ جديد هو "إيريس"، في منطقة القُرص المُبعثَّر إلى جانب "سيريس" بين مداري المريخ والمشترى؛ وإلى جانب "بلوتو" و"هاوميا" و"ماكيماكي"، داخل حزام كايبر، وهي المنطقة التي تمتد من 30 وَحدَةً فلكية (حيث يوجد "نبتون") إلى 50 وَحدَةً فلكية، عِلماً بأن الوَحدَة الفلكية الواحدة تساوي المسافة ما بين الأرض والشَّمس.

وبما أن الجِرم الجديد "إيريس" في منطقة القُرص المبعثَّر كان أكبرَ كتلةً، وليس حجماً، من "بلوتو" داخل حزام كايبر، فقد نشأ خلافٌ حول تصنيف الجِرم الجديد، وبالتَّالي الأجرام الأخرى الشَّبيهة، هل يُعتبر الجِرمُ الجديدُ كوكباً عاشراً، أم يتمُّ تخفيض "بلوتو"؛ أم يتمُّ إضافة أجرامٍ أخرى إلى نادي الكواكب، مثل "سيريس" و"هاوميا" "وماكيماكي"؛ أم يظلُّ الأمرُ كما عُهِد النَّاسُ عليه؟ وهذا تحديداً ما استدعى طرحَ الخياراتِ الثَّلاثة على المجتمعين في براغ في منتصف عام 2006. وقد توصَّل المجتمعون، عبر آلية التَّصويت، إلى تخفيضِ رتبة "بلوتو" إلى "كوكبٍ قزم"، إلى جانب "سيريس"، و"هاوميا"، و"ماكيماكي"؛ وبذلك، أصبح عددُ الكواكب ثمانيةً، وليس تسعةً، كما عهِدنا أيام الطَّلب.

وفي 20 مايو 325م، تمَّ افتتاحُ المجمَّعِ المسكوني الأول، بحضور الإمبراطور قسطنطين الأول، في مدينة نيقية، في الشَّمال الغربي لآسيا الصُّغرى. وقد عُقد الاجتماعُ في الأساس لحسمِ الخلافِ النَّاشبِ بين القس آريوس وبابا الإسكندرية حول طبيعة يسوع: هل هي طبيعةٌ إلهية مثل الرَّبِ تماماً، كما كان يري بابا الإسكندرية؛ أم هي طبيعةٌ بشرية، كما كان يرى القس آريوس؟ وبما أن الإمبراطور كان حاضراً للاجتماع، وكان توَّاقاً لحسمِ الخلافِ بأسرعِ وقت، حتَّى يتفرَّغَ إلى شأنِ توسُّعِ الإمبراطورية، مدعوماً بوحدةٍ فكريةٍ قوية - فقد طُرِح الرأيان، بعد مداولاتٍ لم تستغرق طويلاً، على القساوسة المجتمعين في نيقية لحسمِ الخلافِ عبر آلية التَّصويت؛ وقد فاز رأي ألكسندروس الأول، بابا الإسكندرية. وعندما رفض آريوس التَّوقيع على وثيقة نيقية، حُرقت كتبُه، وحُرِّم مذهبُه، وتأسَّس في أعقاب ذلك أولُ أشكالِ الإيمان المسيحي، الذي لم يكتفِ بالتَّرويج للطَّبيعة الإلهية للسيِّد المسيح، وإنما عمِل على ربط الكنيسة بالدَّولة، بعد أن كانت كياناً دينياً مستقلاً لمدَّةٍ تربو على ثلاثةِ قرونٍ بقليل.

وفي كلتا هاتين الحالتين، قد تمَّ حسمُ قضيةٍ موضع خلاف، وفقاً لآلية التَّصويت الانتخابي. إلا أن هناك فرقاً جليَّاً بين الحالتين؛ ففي الحالة الأولى، تمَّ تخفيضُ كوكبٍ إلى رتبةٍ "كوكبٍ قزم"؛ وهو "بلوتو"، إلى جانب كلٍّ من "إيريس"، و"سيريس"، و"هاوميا"، و"ماكيماكي"؛ أمَّا في الحالة الثَّانية، فإنه بمجرد طرحِ القضية على التَّصويت، فقد تمَّ تخفيضُ "الحقِّ"، الذي لا يُعلى عليه، إلى مرتبة "الحقيقة" المُتغيِّرة، والقابلة للتَّداول بين البشر، مما أوقع المجتمعين في نيقية في غُلُوٍّ لا مبرِّرَ له: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا" (سورة "النِّساء"؛ الآية رقم 171).



انتهى هذا القسمُ الخاص بدور الانتخابات في حسمِ الخلاف بين الأطراف المتنازعة في إطار "الحقيقة"؛ وسنستعرض في حلقاتٍ قادماتٍ الدَّور الذي تلعبه كلٌّ من الشَّائعات، والتَّكهُّنات، ومختلفِ الاحتمالات في ترجيحِ أمرِها (أي "الحقيقة").

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في السبت يناير 30, 2016 8:13 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاحد يناير 17, 2016 8:45 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وثمة هذا الامتنان من محمد خلف، ومنا "نحن" أيضاً، للصديق الصادق إسماعيل:



كان الأجدرُ أن يُسدَى الشُّكرُ للصَّادق إسماعيل أولاً لولا خوفٌ من تلوينِ مشاركةٍ سابقة بلونٍ ذاتي




حرصنا في مشاركةٍ سابقة على تقديم مفهوم "الإبراز بالتَّخالف" في شكله العام، لذلك فقد تفادينا أيَّ استطرادٍ يمكن أن يُضعِفَ المشاركة أو أيَّ ميلٍ شخصيٍّ يمكن أن يلوِّنَها بلونٍ ذاتي؛ ومع ذلك، فقد أرهصنا بذلك اللَّون، عندما خاطبنا الصَّادقَ داخل الأقواس، ورجونا منه التَّريُّث قليلاً حتى ينجلي أمرُ المربَّع، وكنَّا نرجوه بصوتٍ داخليٍّ خفيض أن ينتظرنا حتى نُسدِي هذا الشُّكر، الذي هو أهلٌ له، ولولاه لما استقدمنا طرحَ موضوعِ السِّحر، وربطِه بالشِّعرِ والجنون، في تراسلِه بأقنوم الواقع، وفي تراسلِهما المُصاقبِ لأقنومي اللُّغة والعقل. وقد أشِدنا عِدَّةَ مراتٍ بذكاء أسئلته، وباعتمادِ هذا الرُّكنِ على صوتِه، في وقتٍ لاذ فيه غيرُه بالإرجاءِ أو الاستعصامِ بقراءةٍ إستراتيجيةٍ صامتة. إلا أننا لا نمَلُّ من الإشادةِ به، فيما يملأ جوانحَنا إحساسٌ غامرٌ بأنهم يأتون، فإنني أسمعُ وقعَ خُطاهم في الفلواتِ، وهسهسةَ أقلامِهم في الدُّجى، هذا غيرَ إشاراتٍ وبشاراتٍ تصلُني عبر الهاتف وعددٍ من الرَّسائل الإلكترونية.

أنا أعلم أنني قد طرقتُ كثيراً من الموضوعات، وفتحتُ العديدَ من الأبواب، إلا أنني تركتُ بعضَ الموضوعاتِ معلَّقة أو ملقاةً على قارعةِ الطَّريق، بينما تركتُ بعضَ الأبوابِ مواربةً أو مُشرَعَةً على مصراعيها. ولا خَشيَةَ من ذلك، لسببينِ رئيسيين: أولهما أن هذا الرُّكنَّ مفتوحٌ لمشاركةِ الجميع، التي لا تسندُها أيُّ سلطةٍ معرفية، سوى ذكاءِ المشاركين أنفسِهم ورجاحةِ عقلهم، ومن هنا احتفاؤنا بمشاركاتِ الصَّادق، ومن هنا صبرُنا الذي لا ينفدُ في انتظارِ القادمين؛ وثانيهما أن هذا الرُّكنَ مقامُ تعليمٍ وتعلُّم، لا يستعجلُ فيه معلِّمٌ بالفراغِ من إلقاءِ الدَّرس أو يضجرُ فيه من أسئلةِ الآخرين، بل إنه يترقَّبُها، ويتعلَّمُ منها، وينتظرُ انبثاقَ سياقٍ مناسبٍ لتقديم إجاباتٍ طازجة، لا تخرجُ مُكفهِرَّةً من بين ثنايا الكتب.

ومن أجل ذلك كان استغرابُنا أن يشيرَ الصَّديق الصَّادق إلى "القراية أم دق". مهلاً مهلا، فأنا أعرفُ أنه ذكرها بطيبةِ خاطرٍ، وأنه لا يعني تلك الدَّلالاتِ المُختبئة في ثنايا المصطلح الدَّارج؛ وكذلك لم يكنِ الصَّديقُ عادل القصَّاص يعنيها حينما أورد تلك الملاحظة العفوية العابرة، التي ولَّدنا منها هذا الرُّكن البديع. لن نلجأ هنا مرَّةً أخرى إلى ذلك الإجراء، ولكننا نُنبِّه إلى أننا بشَّرنا بعمومية السَّرد، وليس حصره في مجالاتٍ بعينها، من أجل أن يصبحَ تلقِّينا للمعرفةِ ممتعاً، ومن أجل أن يختفي من مدارسِنا وجامعاتِنا، وكلِّ أماكنِ تحصيلِ المعرفة، ذلك الضَّربُ (أي النَّوعُ) المقيتُ من "القراية أم دق".

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في السبت يناير 30, 2016 8:11 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الخميس يناير 21, 2016 8:24 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وهنا يكتب محمد خلف مجدداً عن الحقُّ والحقيقة، قبل أن يواصل في سلسلة حلقاته عن: انتخابات؛ إشاعات؛ تكهُّنات؛ احتمالات: مرحباً بالدُّخول إلى مجال الحقيقة:



الحقُّ والحقيقة:

العلمُ والمعرفة؛ الكلامُ والقول؛ المشيئةُ والإرادة




قلنا في الحلقة السَّابقة إننا استقدمنا الحديثَ عن السِّحر، استجابةً لمشاركةٍ كريمة تقدَّم بها الصَّديق الصَّادق إسماعيل؛ وقد ربطناه (أي السِّحر)، في تراسلِه بالواقع، بالشِّعر والجنون، وفي تراسلِ كليهما أيضاً باللُّغة والعقل. وكان في الحُسبانِ أولاً أن نُرجئَ الحديثَ عن السِّحر، إلى أنْ نستجليَ العلاقة بين العلمِ والمعرفة؛ وأن نؤخِّرَ الحديثَ عن الشِّعر، إلى أن نستوضحَ الفرقَ بين الكلامِ والقول؛ وألا نتطرَّقَ إلى الحديثِ عن الجنون، قبل أن نصيغَ تعريفاً عملياً يُقيمُ فارقاً واضحاً بين المشيئةِ (الإلهية) وحريةِ الإرادةِ (الإنسانية)؛ وذلك تمهيداً لربطِ كلِّ ذلك بصمديةِ الحقِّ، في مقابل تشظِّي الحقيقة البشرية.

وقد نبَّهنا، بفضلِ الله، عبارةٌ استخدمناها في الحلقةِ السَّابقة إلى مزالقِ هذا الاستقدام؛ فقد قلنا "إن هذا الرُّكنَّ مفتوحٌ لمشاركةِ الجميع، التي لا تسندُها أيُّ سلطةٍ معرفية، سوى ذكاءِ المشاركين أنفسِهم ورجاحةِ عقلهم". فهذه العبارة، من غير استجلاءٍ كافٍ للعلاقة بين العلم والمعرفة، تبدو وكأنها تبجُّحٌ علمانيٌّ من ذلك النَّوع الذي بعجه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت في الرُّبُع الأخير من القرن الثَّامن عشر؛ وقد كان مُحِقَّاً في ذلك الوقت الذي اتَّسم بهيمنة الكنيسة، فكان لا بدَّ من تأسيس التَّنوير ونقد العقل على قاعدة الفكاك من إسار السُّلطة الدِّينية القائمة.

وما يُنجينا من هذا الشَّرِّ المستطير (أي التبجُّح الأجوف)، هو البدءُ أولاً بتنزُّل الحقِّ، ومن ثَمَّ تمفصُل الحقيقة على الأقانيم الثَّلاثة المتشظِّية، وهي الواقع واللّـغة والعقل. فتنزُّلُ الحقِّ الصَّمديِّ يتمُّ التَّعبير عنه في أكملِ وجهٍ في الآية الكريمة: "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (سورة "النَّحل"؛ الآية رقم40)، حيث تنبهمُ المسافة وتضيعُ حدودُها المعروفة بين الإرادة والقول وانبثاقِ الشَّيءِ وتكوُّنِه في الواقع؛ أمَّا الحقيقة، فإنها تتمفصَل على الأقانيم الثَّلاثة (الواقع واللُّغة والعقل) وفق ترتيبٍ محدَّد، يتَّخذُ فيه الواقعُ أسبقيةً أنطولوجية؛ والعقلُ أسبقيةً منطقية؛ واللُّغةُ أسبقيةً بيانية.

وما يوصِلُنا إلى برِّ الأمان في هذه السِّباحةِ الفكرية المضنية، هو إقامةُ تفرقةٍ ضرورية بين العلمِ والمعرفة؛ والكلامِ والقول؛ والمشيئةِ (الإلهية) وحريةِ الإرادةِ (الإنسانية). فالمعرفة مرتبطةٌ بمجالِ الحقيقة، وسلطتُها التي أسندناها في ثنايا الحلقةِ السَّابقة إلى "ذكاءِ المشاركين ورجاحةِ عقلهم" لا تزاحمُ سلطة العلم العليا، إذ إن العلمَ في جوهرِه مختصٌّ بالحقِّ: "إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (سورة "النَّحل"؛ الآية رقم 74). أما القول، فإن استخدامه يتمُّ في نقلِ الكلامِ ذاتِه، وفي التَّعبيرِ عن اختلافِ الآراء، لذلك يرى أبو الفتح عثمان بن جنِّي أنَّ أكبرَ دليلٍ على فرقٍ بين الكلام والقول إننا نقول إن القرآن كلام الله، ولا نقول القرآن قول الله، إذ إن القول، بخلاف نقله للكلام، كما جاء في الآية الكريمة المُشار إليها في الفقرة السَّابقة، يعبِّر عن تنُّوع الآراء، فنقول هذا قول الكوفيين، فنعني به رأيَّهم في مسألةٍ محدَّدة؛ هذا بخلاف الكلام، الذي يشير إلى اليقين الذي لا يرقي إليه شكٌّ. أمَّا حرية الإنسان، فإنها حادثةٌ بالفعل، وإلا لما كانت هناك مسئوليةٌ عن فعل، غير أنها مقيَّدةٌ بالمشيئة الإلهية: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (سورة "التَّكوير"؛ الآية رقم 29).

لا نريد أن نفتحَ مجدَّداً حواراً عقيماً ومكلِّفاً حول الجبر والاختيار، فمن أجل ذلك حدَّدنا، بفضلِ الله، الحقيقةَ مجالاً واسعاً للحرية الإنسانية، بينما حرِصنا على التَّقيِّدِ طائعينَ بإسارِ الحقِّ. إلا أننا، مع ذلك، نشيرُ إلى أن هذه المسألة أخذت تكتسبُ زَخمَاً جديداً في مجال العلوم الطَّبيعية، بعد الاختبار الذي أجراه عالمُ النَّفسِ والأعصاب، بِنجامين ليبِت، في السَّبعيناتِ من القرن الماضي للبرهنةِ على أن هناك عملياتٍ كهربائية عصبية غير واعية تسبقُ القراراتِ الواعية، وتتسبَّبُ في العمليات الإرادية التي يتمُّ الشُّعور بها لاحقاً وكأنَّها صدرت بالفعل عن الذَّات الواعية؛ وقد حدَّد ليبِت المدَّة التي تسبق العمليات الإرادية بحوالي 200 ملِّي ثانية (الملِّي ثانية تساوي واحد على ألف من الثَّانية). ويقول ليبِت إن الوعي الإنساني لا يلعبُ دوراً في العمليات الكهربائية السَّابقة للقرار الواعي، غير أن بمقدورِ المرءِ أن يعترض أو يكبح جماح العمليات غير الواعية، إلا أن الوقت المُتاح له ضمن هذه الفترة المتناهية في قلَّتها يتراوح فقط بين 100 إلى 150 ملِّي ثانية، إذ إنَّ آخر 20 ملِّي ثانية يتمُّ شغلُها بصورةٍ رئيسية بواسطة الأعصاب الحركية داخل النِّخاع الشَّوكي؛ هذا إضافةً إلى اعتبارِ هامشٍ للخطأ لا يتعدَّى 50 ملِّي ثانية.

لا نريد أيضاً أن نقتحمَ مجالَ العلماء الفطاحل، إلا أننا نتأمَّلُ في نتائجِ اختباراتهم، ونحاول أن نجِدَ، في مجالِ الحقيقة، تفسيراً ملائماً لهذه الظَّاهرة المذهلة، والتي تبدو من أولِ وهلةٍ –خصوصاً، إذا استبعدنا الملِّي ثوانٍ القليلة المتاحة للوعي- وكأنَّ الإنسانَ مجردُ آلةٍ، كما يحلو وصفُه لبعضِ العلماء، لا إرادةَ له أو لها. إلا أن الوقتَ في هذه الحالةِ كالماءِ تماماً، إذ يكفي جزيئٌ واحدٌ منه فقط لتعريفه (ذرَّة أوكسجين زائد ذرَّتين من الهايدروجين)، ولكن ليس بإمكاننا التَّعرُّف عليه إلا مع الكثرة، فنرى قطراتٍ من الطلِّ أو فيضاً على جدول؛ وكذلك الوقتُ، فإذا اعتبرنا أن الـ 200 ملِّي ثانية هي أصغرُ وحدةٍ زمنية سابقة للوعي، فإننا نحتاج إلى ما بين عشرِ إلى خمسَ عشرةَ وحدةً زمنية صُغرى، لنصِلَ إلى ما مجموعه في المتوسط ما بين ثانيتين إلى ثلاثِ ثوانٍ، وهو الزَّمنُ الذي اتُّفق للتعاملِ معه علمياً حتى الآن باعتبار أنه هو الزَّمنُ الحاضر. وإذا أخذنا في الاعتبار تراكمَ الوقتِ المُتاحِ للعمليات الواعية ضمن هذه المدَّة، فإن الوقتَ الحاضرَ يكون كافياً لتمكين الوعي، إذا شاءَ، من نقضِ الأفعال التي تبدأ أولاً في شكلِ عملياتٍ كهربائية عصبية غير واعية، سابقةً للقراراتِ الواعية.


نرجو أن نستأنفَ في حلقةٍ قادمة، وفي أسرعِ وقتٍ وبعونِ الله، الحديثَ عن "الشَّائعات"، ضمن الحلقة الموسومة: "انتخابات؛ شائعات؛ تكهُّنات؛ احتمالات، إلى آخر العنوان الطَّويل"، خصوصاً وأن الشَّائعة التي أُريد التَّحدُث عنها قد تتحوَّل بين عشيةٍ وضحاها إلى حقيقة أو يتمُّ دحضُها إلى حين؛ وهي اكتشافُ أمواجِ الجاذبية، التي تنبأ ألبرت آينشتاين بوجودها في عام 1915، ضمن ما صار يُعرف لاحقاً بالنَّظرية النِّسبية العامَّة.

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في السبت يناير 30, 2016 8:04 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: السبت يناير 30, 2016 4:31 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وما يزال محمد خلف يواصل تأملاته بالاحتفاء (ودعوتنا إلى الدخول في) فضاء الحقيقة:



انتخابات؛ إشاعات؛ تكهُّنات؛ احتمالات: مرحباً بالدُّخول إلى مجال الحقيقة




2. إشاعات:

كنَّا نُريدُ أن نُسرِعَ في إكمالِ هذه المشاركة، فيما نحنُ نتأمَّلُ سوياً وضعيةَ إشاعةٍ رائجة، قبل أن تتحوَّلَ إلى حقيقةٍ ماثلة أو يتمَّ دحضُها مؤقَّتاً، ريثما ينشأُ مسوِّغٌ آخرُ إلى تجدُّدِها؛ إلَّا أن أنباءً في الأسبوع المنصرم قد حملت لنا خبراً، لا يمِتُّ بصلةٍ مباشرة إلى مشاركةِ "إشاعات"، التي نحنُ بصددِها الآن، وإنما يتعلَّق بمشاركةِ "انتخابات" السَّابقة. فقد قلنا في تلك المشاركة إن عدد الكواكب داخل مجموعتنا الشَّمسية كان لا يتعدَّى تسعةً، إلَّا أنه بعد اكتشافِ جِرمٍ جديد في عام 2005، هو "إيريس"، طُرِحت خياراتٌ على علماء الفلك المجتمعين في براغ في منتصف أغسطس عام 2006، في اجتماع الجمعية العمومية للاتِّحاد الفلكي الدُّولي، فتمَّ تخفيضُ رتبة "بلوتو" إلى "كوكبٍ قزم"، إلى جانب "سيريس"، و"هاوميا"، و"ماكيماكي"؛ وبذلك، أصبح عددُ الكواكب ثمانيةً، وليس تسعةً، كما عهِدنا أيام الطَّلب؛ ولكنَّ هذا النَّبأ، وهو نبأٌ صحيحٌ وليس إشاعةً، قد يقودُ إلى أن يُصبِحَ عددُ الكواكب مُجدَّداً تسعةً، وليس ثمانيةً، كما كان عليه الحال في عام 2006. فمرحباً، إذاً، بالدُّخولِ إلى عالمِ الحقيقة المتغيِّرة.

ومفادُ هذا الخبر هو أن فريقاً من الفلكيين في معهد كاليفورنيا للتَّقنية "كالتيك" (هل تذكُر يا عزيزي الصَّادق حديثَنا عن كاليفورنيا، عندما قلنا إن فيها –ضمن ما فيها-"بيركلي" و"كالتيك")، يقوده دكتور مايك براون (وهو نفسُ الشَّخص الذي قاد اكتشافُه لجِرم "إيريس" إلى أنْ يتمَّ في الأساس طرحُ الخياراتِ الثَّلاثة على اجتماع براغ)، قد توصَّل إلى أن حركة الأجرام الجليدية في منطقة حزام كايبر تُشيرُ بشكلٍ قويٍّ إلى احتمال وجودِ كوكبٍ تاسع؛ لم يتم رؤيتُه بعدُ بأيٍّ من التِّلسكوبات المتوفِّرة، ولكنَّ حركة دورانِ ستةِ أجرامٍ –من ضمنها "سِدنا" المُكتشف في عام 2003- في مساراتٍ تنحرف بزاوية ميلان واحدة، تُعزِّزُ احتمالَ وجودِ هذا الكوكب التَّاسع، الذي تمَّ تسميتُه بشكلٍ مُوحٍ بـ"بلانيت ناين"، في إشارةٍ إلى العبارة الدَّارجة في اللُّغة الإنجليزية "كلاود ناين"، التي تعني غاية السَّعادة، تعبيراً عن فرح فريق الفلكيين باحتمال وجود هذا الكوكب التَّاسع، الذي تدورُ حوله كلُّ تلك الأجرام الجليدية، فيما هي تدورُ في نفسِ الوقت، ضمن حزام كايبر، حول الشَّمس.

ولكن ما الذي يحوِّل "الجِرمَ السَّماويَّ"، في نظرِ علماءِ الفلكِ، إلى "كوكبٍ" في الأساس؟ بمعنًى آخرَ، ما هو تعريف "كوكب" المُتَّفق عليه بين العلماء؟ لن ندخلَ في تفاصيلَ تحرف بنا عن مسارِ الحُجَّة التي نحن بصددِها في هذه الحلقة -التي فرغنا فيها من مشاركة "انتخابات"، ونتهيأ بعد هذه المقدِّمة الاضطرارية إلى مواصلةِ مشاركة "إشاعات"- وهي التغيُّرُ المستمر في وضعية الحقيقة. إلا أن هناك فائدةً يمكن استحصالُها من إيرادِ تعريفٍ مُبَسَّط حول مفهوم "كوكب"، حتَّى يتمَّ، من جهةٍ، استيعابُ طرفٍ من الجدل العلمي الدَّائر حول عدد الكواكب؛ وحتى يتمَّ، من جهةٍ أخرى، دعمُ حُجَّتِنا المُضمَّنة في مشاركة "انتخابات"، خصوصاً وأنَّ التَّعريفَ نفسَه قد تمَّ حسمُه عن طريق التَّصويت في اجتماع براغ، بعد أنْ فشلت لجنةٌ مكوَّنة من 19 عضواً من الوصول إلى إجماعٍ في أكتوبر 2005. وقد خلُص اجتماع براغ في أغسطس 2006 إلى أن "الكوكب" هو جِرمٌ سماويٌّ، يشتملُ على ثلاثةِ ملامحَ أساسيةٍ هي: أ. دورانُه في مسارٍ حول الشَّمس؛ ب. تمتُّعُ جاذبيتِه بكتلةٍ كافية تُمكِّنه من التَّغلُّب على قوى الأجرام الصَّلبة، وبحيث يكتسبُ شكلُه توازناً هايدروستاتيكياً (أقرب إلى الاستدارة)؛ ج. تنظيفُه للمنطقة المجاورة لمساره.

هذا في شأنِ المتابعة التَّحديثية لمشاركة "انتخابات"، أمَّا في شأنِ الـ"إشاعات"، موضوع هذه المشاركة، فقد انطلقت إشاعةٌ منذ ديسمبر 2015، تقول بأن جهاز قياس التَّداخل (ليغو) في "كالتيك"، وهو الجهازُ المتطوِّر الذي صُمِّم خصِّيصاً لمراقبه تداخل موجات الجاذبية توطئةً لاكتشافِ وجودِها، الذي تنبأت به النَّظرية النِّسبية العامَّة، قد قام بالفعل في سبتمبر من العام الماضي باكتشافِ تلك الموجاتِ المراوغة، صعبةِ المنالِ، والمتناهيةِ في الصِّغر. فماهي هذه الموجات التي تمَّ التَّنبؤ بوجودها منذ مائة عام، ولم يتم إرهاصٌ بالعثور عليها إلَّا في الشَّهرين الأخيرين (ديسمبر الماضي ويناير الجاري)؟ لكي نُجيبَ على هذا السُّؤال، لا بدَّ من إعطاءِ فكرةٍ مُبَسَّطة جداً عن مفهوم الجاذبية عند إسحق نيوتن، وما أتى به ألبرت آينشتاين من جديدٍ تجاوزَ به المفهومَ النِّيوتوني، من غير أن يُبطِلَ استخدامَه في المجالاتِ التَّقليديةِ المعروفة.

يختصُّ مفهوم الجاذبية عند نيوتن بالقوة التي تنحصر بين الأجسام الفلكية؛ ولحسابِ مُحَصِّلةِ القوة على جسمٍ ما، يتعيَّن أن يُؤخذَ في الاعتبار مجموع قوى الجاذبية القائمة بين كلِّ تلك الأجسام. أمَّا الجاذبية عند آينشتاين، فإنها تأخذ شكلَ انحناءٍ، ليس في المواد بعينها، وإنما في نسيج الزَّمكان (المكان-الزَّمان) ذاتِه؛ وقد تمَّ في عام 1919 اختبارُ أثرِ هذا الانحناء بواسطة عالِم الفلك الإنجليزي، آرثر إدينجتون، عندما شهِدَ في 29 مايو من ذلك العام كسوفاً تامَّاً في جزيرةٍ صغيرة قبالة السَّاحل الغربي لأفريقيا، فأمكنه ذلك من رؤية انحناءِ شعاعِ نجمٍ من كوكبة الثَّور، عند مروره بالقرب من الشَّمس. إلَّا أن النَّظريات العلمية تكتسب أهميةً كبرى، ليس فقط باختبارِ صحَّتها، وإنما بما تأتي به من تنبؤاتٍ يُمكِنُ الكشفُ عنها في المستقبل؛ وقد تنبأتِ النَّظريةُ النِّسبية العامة منذ بداية صياغتها بوجودِ أمواجِ الجاذبية، وهي أمواجٌ متناهيةُ الصِّغر، لا يمكن رصدُها بأجهزةِ الرَّصد التَّقليدية؛ إلا أن لها قدرةً هائلة على الاختراق. فمن فوائدِ هذه الأشعة، إذا تمَّ اكتشافُها واستغلالُها، أنها تُساعدُ في اختراقِ أجسامٍ فلكية يصعُبُ اختراقُها، توطئةً لدراستها، مثل الأجرام الجليدية، والنُّجوم النِّيوترونية، والثُّقوب السَّوداء.

ومن أجل ذلك، قام "كالتيك" في الولايات المتحدة بنصبِ جهاز قياس (ليغو)، وهو بشكلٍ أساسيٍّ عبارة عن شعاع ليزر (طوله 4 كيلومترات) مُرسلٍ من مرصدٍ إلى مرآةٍ عاكسة، بحيث يُمكِنه الكشفُ عن أمواجِ الجاذبية، التي وإنْ كانت لها سرعةُ الضَّوء، إلا أنها تختلفُ عنه في أنها عبارة عن تموُّجاتٍ في نسيج الزَّمكان ذاته. ومن أجل ذلك أيضاً، قامت خمسُ دولٍ أوروبية بنصبِ جهاز قياس (فيرغو) بالقرب من بيزا في إيطاليا، وهو عبارة عن ذراعين من أشعة اللِّيزر ينعكسان على مرآتين منصوبتين على بُعد 3 كيلومترات من المرصد المركزي. وقد ظلَّ هذان الجهازان (الأمريكي والأوروبي) يعملان منذ عدَّة سنوات، من دون تمكُّنِ أحدهما من الكشف عن تلك الأمواج البالغة الصِّغر (أصغر من نواةِ ذرَّةٍ يتمُّ البحثُ عنها فوق شعاعٍ طوله عدَّة كيلومترات). لذلك لا غرابة في عدم التَّصديق، وفي أن تأخذ هذه "الإشاعة" التي نحن بصددها وقتاً طويلاً (منذ ديسمبر من العام الماضي)، قبل أن يتمَّ ترقيتُها إلى حقيقةٍ بين الحقائق، أو ينتهي بها الأمرُ إلى دحضٍ مؤقت.

وما يُعزِّزُ من احتمال أن تكتسبَ هذه المعلومة وضعيةَ "الإشاعة" لفترةٍ طويلة، هو ذلك التَّنافسُ القائم بين المرصدين الأمريكي والأوروبي من جهة، وحاجةُ كليهما إلى تدفُّقِ التَّمويل على مشروعيهما، من جهةٍ أخرى؛ هذا إضافةً إلى أن إدارة (ليغو) سبق أن أطلقت خدعةً، وهي عبارة عن "إشارةٍ" صادرة من تصادم مجموعتين شمسيتين زائلتين ليكوِّنان معاً ثقباً أسودَ؛ وكان الغرض من هذه الخدعة هو اختبارُ جهازِ القياس، واختبارُ قدرةِ العلماء أنفسِهم على الملاحظة الدَّقيقة لهذه الأمواج العجيبة؛ مما يذكِّر بقصَّة "النَّمِرَ النَّمِرَ" الشَّهيرة. إلا أنه إذا صحَّت هذه "الإشاعة"، فستقودُ نتيجتُها إلى تدعيمٍ قويٍّ للنَّظرية النَّسبية العامة، بعد مرورِ مائةِ عامٍ (في ديسمبر 2015) على صياغتِها في عام 1915. وهو أمرٌ يُعزِّزُ من مكانة آينشتاين، خصوصاً وأنَّ نبأ كسرِ النِّيوترينو (وهو أحدُ الجُسيمات الأولية) لسرعةِ الضَّوء، ربما يُهدِّدُ بعصفِ أحدِ المرتكزات الأساسية للنَّظرية النِّسبية الخاصة، التي تمَّ صياغتُها في عام 1905؛ إلا أن تلك قصَّةٌ أخرى، وربما تكون "إشاعةً" أخرى، إلى أن يتمَّ تأكيدُها من قبل جهةٍ مستقلة عن تلك التي أعلنتها، وهي معهد سيرن بسويسرا، في يوم الخميس 21 يناير 2016.

محمد خلف

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاحد فبراير 07, 2016 11:56 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عبر هذه المساهمة، التي هي الأولى من ثلاث حلقاتٍ، نصحب أفكاراً وتداعياتٍ حميمة لمحمد خلف فيما يبرِّر لنا استخدامه للشكل الهندسي المُتَمَثِّل في المُرَبَّع:




حكاية المربَّع والمكعَّب والمُشلعيب أو ثلاثةُ تصوُّراتٍ للدَّيمومة: المكان، والزَّمكان (مجال الحقيقة)؛ والدَّهر (مقام الحق)





عن أبي هريرة -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (قال اللهُ عزَّ وجلَّ: يؤذيني ابنُ آدمَ، يسبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيديَ الأمرُ، أُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهار). رواهُ البخاري.



حكاية المربَّع:

أسرَّ إليَّ أحدُ الأصدقاء، من ذوي الخبرةِ الطَّويلة والمعرفةِ اللَّصيقة بأمزجةِ القُرَّاء داخل الفضاءِ الإلكتروني، أن الكثيرَ منهم يستريبُ من استخداماتِ النَّماذج والرُّسومات التَّوضيحية، إنْ لم يكن لا يستسيغُها أداةً للتَّفسير (كما يزعُمُ صديقٌ آخرُ هو مسعود محمد علي)؛ فقلتُ أُخفِّفُ قليلاً من ضغط قدمي على بدَّال السُّرعة، خصوصاً عندما تذكَّرتُ أن عالِمَ الفيزياء النَّظرية البريطاني، ستيفن هوكينغ، قد قال ساخراً إنه عمل بنصيحة النَّاشر بشأنِ المعادلات، فأسقطها جميعاً، ما عدا معادلة آينشتاين الشَّهيرة، التي تقيمُ تكافؤاً ليس واضحاً من أولِ وهلةٍ بين الطَّاقة والكتلة (ويمكن الرُّجوع إليها في متنِ الرِّسالة). إلا أنني أحتاجُ إلى تقنياتٍ تُعينني على توصيل فكرتي، فقلتُ أُمهِّدُ لعودةِ النَّماذج بهذه الحكاية، خصوصاً وأننا ما زلنا نستكشِفُ عالمَ السَّردِ الذي أضاءه لنا، بفضلِ الله، الصَّديق القاص عادل القصَّاص؛ فلا يفوتني تهنئتُه بالرُّوَية المصاحبة للشَّهادة، وأقول له عُقبال الرُّواية، على أن يتروَّى ولا يُديرُ ظهرَهُ تماماً للكائنات السَّردية الصَّغيرة أو المتناهية في صغرها (أين أنتِ يا فاطمة السَّنوسي؟ أبالحصاحيصا أم بدروبٍ ومسالِكَ لا يُمكن إحصاؤها؟ وإلى أيِّ الحصاحيصاتِ أنتِ الآن أقربُ؟ أحصاحيصةُ أزهري محمد علي وهاشم كرار وعبدالمنعم رحمة أم حصاحيصةُ عبد المنعم حسيب ومصطفى سيدأحمد وسُميَّة حسن؟ أم عبرتِ الأزرقَ صُبحاً -بنطوناً كان العبورُ أو جسراً- إلى رفاعةِ أبي سنٍّ وبابكر بدري ومحمود محمد طه؟ هبَّت عليه نسمةٌ عَطِرَةٌ من أربَجي، لتصرفَ عنه، رغم توسُّعِه في القول، اشتطاط الذين ضرَّجوا الطَّريقَ إلى الدَّهرِ بحُمرةِ الدِّماء، وأمطروها بوابلٍ من رصاصاتِ الكلاشِن وقاذفاتِ الآر بي جي).

أنا أعلمُ أن صورةَ هذا المكانِ، ذي الاسمِ المميَّزِ قد تغيَّرت، وربما لم يتبقَ منها سوى صوتُ الحصى الذي يخرجُ مُصَلصِلاً من ثنايا الدَّالِ الغريبِ؛ إلا أن صوتاً ندياً، فتياً ووريفاً (كما يعبِّر القصَّاص) يخرجُ الآن منها طازجاً كمالرغيفِ البلديِّ، وحادقاً كالسَّبانخِ، وحامضاً مثل عصيرِ اللَّيمون، وهو صوتُ حرم النُّور (عليها نور). تلك هي المسألة، بعيداً عن الأحكام الفنية والقيمية؛ وهي أن المكان، أيَّ مكانٍ (ركنٌ أو غرفةٌ أو مدينة)، عرضةٌ للتغيُّرِ المستمر في كلِّ لحظة. ومن هنا أهمية تسجيل تلك اللَّحظات الزَّائلة؛ ومن هنا ذلك الإحساسُ بالأسى واللَّوعة، المشوبُ أحياناً بالحبورِ، ورقرقةِ الدُّموعِ التي لا نعرفُ أيَّ الإحساسَيْنِ المتناقضَيْنِ كان مصدرُها، عندما نُقلِّبُ ألبوماً عائلياً أو يُطلِعُنا صديقٌ على طَرَفٍ من تاريخِه الشَّخصي (وربما يُفسِّر هذا جانباً واحداً من ولعِ النَّاسِ بهذا الرُّكن).

ومن مزايا المربَّع أنه قابِلٌ للتَّسجيل بِرُمَّتِه، في لحظةٍ واحدة، بواسطة كاميرا فوتوغرافية صغيرة (اُنظُر عن يمينك ويسارك إلى حَمَلَةِ الموبايل وهم يسعون بِهِمَّةٍ وعلى عَجَلٍ لاصطيادِ هذه اللَّحظاتِ المؤاتية). إلا أنه كغيرِه من الأشكال الهندسية، مثل الدَّائرة والمثلث والمستطيل، لا تُوجدُ بذاتِها في الطَّبيعة، التي تكتظُّ بالأشكال غير المنتظمة؛ وإنما تُوجدُ في أخيلتِنا، فنقومُ برَسمِها، بدءاً من النُّقطة، ومروراً بالخطِّ (وكلاهما من ذوي البُعدِ الواحد)، وانتهاءً بالأشكال الهندسية المعروفة، ومن ضمنها المربَّع (وكلُّها ذاتُ بُعدين، بخلاف الأشكال المُجَسَّمَة، ويُمكن رسمها على سطحٍ مستوٍ، سبورةً كانت أم ورقةً بيضاء). لذلك، فإن أيَّاً منها يصلُحُ أن يكونَ ابناً أو ابنةً مُدلَّلة لعلماءِ الهندسة والفيزياء النَّظرية، إذ لا يتطلَّبُ التَّعاملُ معها وجوداً متعيِّناً في الطَّبيعة.

ومن أجل ذلك، اخترنا المربَّع مناطاً للمكانِ القابلِ لأن تُصطادَ أنحاؤه في لحظةٍ واحدة؛ وحرصنا لأن تكونَ هذه اللَّحظةُ مُمَثِلَةً لكلِّ الوجود، قبل انتقاله إلى لحظةٍ أخرى تُشكِّل في تعاقبها المستمر نسيجَ الزَّمكان، الذي سنتحدثُ عنه في المشاركة التَّالية ضمن هذه الحلقة الثُّلاثية. وقد شحنَّا هذا المكان المربَّع، مستعيرين شملةً من الصَّديق القدَّال، بثلاثةِ أقانيمَ، هي الواقعُ والعقلُ واللُّغة. إلا أن الكاميراتِ الحالية مهما تطوَّرت تقنياتُها لا تستطيعُ أن تطالَ اتِّساعَ هذا الكون، لأننا ببساطة محكومون بسرعة الضَّوء (300 ألف كيلومتر في الثَّانية، وهو رقمٌ مستديرٌ للتَّقريب وسهولة التَّذكُّر)؛ وهي فيما يبدو سرعةٌ فائقة، إلا أنها سلحفائيةٌ، بالنَّظر إلى اتِّساعِ الكون، وتمدُّدِه الذي لم ينقطع منذ الانفجار العظيم؛ فضوءُ نجمٍ نراهُ في سماءِ الحصاحيصا الصَّافية، قد يكونُ قد استغرق بلايينَ السِّنين ليصلنا في تلك اللَّيلة. وحتى لو تمَّ كسرُ سرعةِ الضَّوء، كما زعم سيرن منذ أسبوعين، فإن النيوتريتو، الذي سيفوقُ سرعة الضَّوء بـ 60 نانوثانيةً، سيكون هو الحدُّ الأقصى الجديد للسُّرعة؛ فربما يُصابُ آينشتاين إذاً برشاشٍ قليلٍ في سمعته العلمية، ولكنَّ محبسَنا الضَّوئيَّ لن يَّتأثَّرَ كثيراً.

ومن مزايا المربَّع أيضاً أنه قابِلٌ للإسقاط على أيِّ سطحٍ مستوٍ، مثل شاشاتِ الكمبيوتر والآيباد والموبايل. إلَّا أنه بحسب نظرية الجِشطالت، لا يوجد شكلٌ من دون خلفيةٍ تدعمُه؛ لذلك، فإننا يا عزيزي القارئ مطالبونَ باستخدامِ الخيال في التَّعامل مع هذه الأشكال التي لا وجودَ لها في الطَّبيعة، وأن نمسحَ بجرَّةِ قلمٍ أو بمسحةٍ من الخيال أيَّ خلفيةٍ تُشوِّشُ نقاءَ المربَّع، إلى أن نلتقيَ في مشاركةٍ لاحقة نستجلي فيها، عبر حكايةٍ أخرى، أمرَ المكعَّب، توطئةً للتَّمسُّكِ بِعُرَى المُشلعيب (أفتونا يا علماءَ اللِّسانياتِ والإتيمولوجيا: هل تُوجدُ صِلةٌ بينه وبين عبارة "مُش لِعِب" الدَّارجة؟). وفي كلِّ الأحوال، فإنه سيشيرُ، ضمن أشياءَ أخرى سنذكرُها في حينها، إلى الآيةِ الكريمة: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" (سورة "الأنبياء"؛ الآية رقم 16).

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الاثنين ابريل 25, 2016 1:50 am, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاثنين فبراير 22, 2016 9:12 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

لعلي لن أتسبَّب في حَرْفٍ ما لتدفُّقِك يا خَلَف؛ أو رُبَّما - آمل - أن ترفدَ هذا المساهمة تداعياتك بمزيد من الاندياح الحميم.

وبعد،

أيها الأعزاء والعزيزات، متابعات ومتابعي هذا الخيط،

لقد كنتُ ذكرتُ، في الحلقة الثالثة من "رسالتي إلى خلف"، كيف أن الكَشَّات المتكرِّرَة الذي كانت تتعرَّضُ لها خالتي مريم من قِبَل شرطة نظام مايو، بسبب إمتِهانِها (السابق) لصناعة وبيع العَرَق، وكذلك موقف والدتي، الحاجة صفيَّة بنت محمود الأنصارية، من ذاك الانتهاك التي كانت تتعرَّض له الخالة مريم، قد ساهما مساهمةً أساسية في ولادة قصتي القصيرة الموسومة: "نشيد التَّماسُك وزهراءُ التي تعرفُ كيف تضحكُ ويترَقْرَقُ صوتَها في فَمِك". ولقد درجتُ، عند كل زيارةٍ أقوم بها للبلد، أن أزور بعض جيراننا السابقين في الحارة السابعة بالثورة (فقد انتقلتْ أسرتي إلى حي ود البخيت الأم درماني قبل أعوام عديدة، أثناء تواجدي في الشتات). وفي مقدمة هؤلاء كنتُ أزور الخالة مريم. وفي زيارتي الأخيرة لها، كان الشيئ المختلف الوحيد الذي ميَّزَ تلك الزيارة عن سابقاتها يتمثَّلُ في اصطحابي لكاميرا فوتوغرافية.

ها هي خالتي مريم، أيها الأعزاء والعزيزات (وخَلْفَ منزلها يُرَى جانبٌ من منزلنا السابق، إذ كنا نجاور منزلها الحيطة-بالحيطة، حيث يبدو على يسار الصورة جزءٌ من الصالون، وعلى يمين الصورة يبدو جزءٌ من غرفتنا، "غرفة السابعة"، أي غرفتي وأصدقائي من أمثال محمد خَلَف، عثمان حامد، محمد مدني، عادل عبد الرحمن، أحمد عبد المكرَّم، عبد الوهاب حسن الخليفة، عبد اللطيف علي الفكي، يحيى فضل الله، السر السيد، طلعَتْ، محمد عباس محمد نور، موسى أحمد مُرَوِّح، إبراهيم جعفر، محمد سعيد بازرعة، أحمد المصطفى الحاج، أحمد الأمين أحمد، علم الدين عمر، والقائمة ليست قصيرة):






***

وفي الحلقة الأخيرة من "رسالتي إلى خلف"، مررتُ على ذكر أستاذي السابق، ناظر مدرستنا السابقة، "مدرسة بَكَّار الثانوية العامة بنين" بأم درمان، مصطفى الأسد، الذي كان مُعَلِّماً ماهراً لمواد الجغرافيا، العلوم (بأقسامها الثلاثة)، الرياضيات واللغة الإنجليزية؛ كما كان إدارياّ حاذقاً؛ وفوق هذا وذاك، كان مُربيَّاً وجاراً كفؤاً. ولم تتضمَّن جولاتي السابقة في حَيِّنا السابق في الحارة السابعة زيارة أستاذ الأسد لأنه كان قد رحل منها. غير أنني كنت أسأل عنه وعن أخبار أسرته كلما ذهبتُ للبلد. وفي هذه المرة تمكنتُ، بواسطة إبن أختي وصديقي ياسر محمد أحمد، من العثور على منزله وبالتالي زيارته التي احتفى بها أيَّما احتفاءٍ، لدرجة أنه لم يتركني أذهب إلا بعد قطعت له وعداً بأن أبعث إليه بنسخةٍ من مجموعتي القصصية "لهذا الصَّمتِ صَليلُ غيابِكِ"؛ وقد فعلتُ، إذ تركتُ نسخةً له مع إبنة أختي.

وهاهو أستاذ مصطفى الأسد:


انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: السبت مارس 05, 2016 6:28 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عادل
سلام
دي رحلة جميلة شفت الصور في الفيسبوك
وصورتك مع مولانا وياسر اسعدتني خصوصاً انه مولانا
بصحة جيدة، وشفت شقل برضه يا الله دي لمة جميلة
يا ريت لو تكتب عنها اكتر لانه شوفك بيكون مختلف.


خلف
تابعت موضوع امواج الجاذبية، والموضوع مدهش
والادهشني كيف انه انشتاين دا اتنبأ بالحكاية دي

دي فعلاً ( قصة) عجيبة، وامر الكون كله قصة من احسن القصص
ولو دا (قليل العلم) فكيف كثيره؟
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: السبت مارس 05, 2016 10:08 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

شكراً يا الصادق على المتابعة والتفاعل الحميم مع بعض آثار تلك الزيارة. غير أنها كانت فترة مضغوطة، ثلاثة أسابيع من اللهاث، جله ذي صلة بالاجتماعي؛ وأتمنى، مع ذلك، أن أقول شيئاً في وقت لاحق.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاثنين مارس 07, 2016 5:47 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

يواصل محمد خلف، عبر هذه الحلقة، تفاكيره حول الحق والحقيقة، حيث يعرض تصورات مختلفة للعقلانية:




الحق والحقيقة: من القطع المعرفي إلى مفهوم المراوحة وثلاثة تصوُّراتٍ للعقلانية




شرعتُ في يوم 29 فبراير في كتابةِ رسالةٍ ثانية إلى الصَّديق القاص عادل القصَّاص، وقد حرصتُ أن أبدأها في ذلك اليوم الذي لا يتكرَّر، إلا كلَّ أربعةِ أعوام، لنتذكَّرَ به عام 1916، عام المربَّع بامتياز؛ ولنبدأ به ليس فقط الانتقال من المربَّع إلى المكعَّب، أو من المكان إلى الزَّمان، بل أيضاً الانتقال من علم الأحياء إلى علم الكيمياء، على ألَّا نُغادر فضاءَ السَّردِ الذي هيَّأه لنا القاص المبدع؛ وفي البالِ، رسالةٌ ثالثة تنقلُنا إلى علم الفيزياء، ورابعةٌ أخيرة تُرجِعُنا إلى حظيرة الدِّين بمعناه الشَّامل، وهو الدِّينُ الحقُّ، الذي لا يكتفي بتجاوز أديان السِّجل الأنثروبولوجي، بل يُفسِّرُ ويُتوِّجُ كافَّة الأديان الكتابية. وإذا كان الانتقال من وضعٍ معرفيٍّ إلى آخرَ يتمُّ عبر آلية القطع الباشلاري (نسبةً إلى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار)، فإن الانتقال بين المعرفة والعلم يتمُّ عبر التَّراوحِ الذي لا ينقطعُ تموُّجُهُ ما بين الحقِّ إلى الحقيقة، وما بين الحقيقةِ إلى الحق.

قد يستغرقُ كتابة الرِّسالة بعضَ الوقت، إذ إن جزءاً منه سيُنفقُ في رفقةِ دمتري مندلييف والجدول الدَّوري للعناصر الكيميائية، وجزءاً آخرَ منه سيُنفقُ في الاستمتاعِ والتأمُّلِ فيما يُرسِلُهُ لي الصَّديق عبد الواحد ورَّاق من تسجيلاتٍ وحواراتٍ نادرة مع دمتري البازار (خصوصاً وأن بين الدِّمتريَيْن صلةٌ مدهشة لا يمكنُ إدراكُها بسهولةٍ من أولِ وهلة)؛ هذا غيرُ الوقتِ الذي سأُقضيه مع ابنتي ماريا برفقةِ العائلة في تايلاند، مكان إقامتها المؤقَّت منذ ما يقرب من عامٍ واحد، وهو طولُ المدَّة التي ستقضيها هناك، قبل أن تستأنفَ دراستها الجامعية مع بداية العام الأكاديمي الجديد.

إلا أنني ارتأيتُ أن أُمهِّدَ لهذا الانتقال المُزمع من الأحياءِ إلى الكيمياء، ومن المكانِ إلى الزَّمان، ومن المربَّعِ إلى المكعَّب، ومن القطعِ إلى المراوحة، بثلاثةِ تصوُّراتٍ للعقلانية، لتُعينُنا في رحلةٍ فكريةٍ لم نُرِدْ لها أن تخرُجَ قط من مسار العقلانية؛ ولكن قبل ذلك، يتعيَّن علينا أن نُميِّزَ بين مفاهيمَ متضاربةٍ بإزائها، وأن نُوضِّحَ بالتَّفصيل إلى أيِّ العقلانياتِ نُشير، عندما نُحدِّدُ خيارَنا العقلاني. وبشكلٍ عام، فإن التَّصوُّرات الثَّلاثة المقصودة هي التَّصوُّرُ الضَّيِّق الذي يربطها برينيه ديكارت على وجه الخصوص، والفكر القاري (الأوروبي) على وجه العموم؛ والتَّصوُّر الواسع الذي يضعها في مقابل السُّلطة الكنسية على وجه الخصوص، والتَّوجُّهات السُّلطوية على وجه العموم؛ والتَّصوُّر الأكثر اتِّساعاً وهو الذي نقصده، الذي يربطها بالحق، في مقابل النَّزعات الإلحادية التي لا تقبلُ خالقاً لهذا الكون، حتى ولو جاء على الوجه الاستعاري، الذي ربما قصده كلٌّ من ألبرت آينتشتاين وستيفن هوكينغ، اللَّذان صرَّحا في مناسباتٍ عديدة أنهما يريدانِ من خلالِ أبحاثهما النَّظرية في مجال الفيزياء الحديثة استكشافَ عقلِ الإله.

ارتبط التَّصوُّر الضَّيِّق للعقلانية بديكارت، لأنه اعتقد أن بإمكانه الوصول إلى أفكارٍ واضحة ومتميِّزة، فقط من خلال فحصِه الصَّبور والممنهج للمحتوى الفكري لعقله البشري الخاص، من دون حاجةٍ إلى إعانةٍ من معطيات الحواس. في مقابل تلك النَّظرة الفلسفية، التي تبنَّاها كثيرٌ من فلاسفة القارة الأوروبية، من أمثال باروخ إسبينوزا وغوتفريد لايبنيتس، ومن ضمنهم إدموند هوسرل الذي أرجأنا الحديثَ عنه إلى حين بزوغِ سياقٍ مناسب، وتبنَّتها أيضاً بدرجاتٍ مختلفة حركاتٌ ومدارسُ فلسفية، مثل المثالية الألمانية، والظَّاهراتية، والوجودية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، والتَّحليل النَّفسي، والماركسية الأوروبية – في مقابل كلِّ ذلك، تُوجد التَّجريبية البريطانية التي افترعها فرانسيس بيكون، وتبعه جون لوك وجورج باركلي وديفيد هيوم وجون ستيوارت مِل، وتبنَّتها بدرجاتٍ مختلفة حركاتٌ ومدارسُ فلسفية، مثل الفلسفة التَّحليلية، والوضعية المنطقية، والبراغماتية؛ وهي كلُّها تُقيمُ وزناً للحواس، وتضعُ معطياتِها أساساً لاكتسابِ المعرفة في جميع حقولها المعروفة. وبعد هذا العرض المُختصر، يُصبحُ أمراً نافلاً القولُ إن اللَّاعقلانية، بالفهم السَّائد لها، لا تُغطي كلَّ ما هو مقابلٌ لفكرِ ديكارت على وجه الخصوص، أو الفكر القاري الأوروبي على وجه العموم.

أمَّا التَّصور الواسع، فقد جمع كلَّاً من عقلانية رينيه ديكارت وتجريبية ديفيد هيوم، أو حتى تركيبية إيمانويل كانت، في سلَّةٍ واحدة، في مقابل الثَّوابت التي استقرَّت إمَّا عبر التَّأطير الأرسطي (نسبةً إلى الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس) للمعارف البشرية المُكتسبة أو، بشكلٍ كسبيٍّ مزعوم، من خلال هيمنة السُّلطات الكنسية التي وقفت عائقاً أمام حركة التَّنوير، فكان لابدَّ من التَّمرُّد عليها والإطاحة بها، وتأسيس الحداثة الأوروبية على أنقاضها. فاللَّاعقلانية بهذا المعنى هي تعبيرٌ عن تلك الحركة الرَّجعية التي وقفت ضد الحداثة باعتبارها صِنواً للفوضى، وتأسيساً لسلطة العقل البشري، في مقابل الحقِّ الإلهي، الذي ظلَّت ترعاه الكنيسة، ولم تكن ترغب في التَّخلِّي عنه، إلا تحت ضغط الثَّورات الأوروبية العنيفة. بمعنًى آخر، أن الحداثة الأوروبية كانت نتاجاً جديداً شارك في انبثاقه كلُّ تيارات الفكر الأوروبي الحديث، سواءً كان عقلانياً أو تجريبياً أو تركيبياً. أمَّا الوجهُ الآخر لِلَّاعقلانية، فقد كان يتمثَّل في إنكار إمكانية حدوث المعرفة في الأساس، وإنكار قدرة العقل البشري على الإتيان بها وتطويرها، مثل الدَّعوات النِّسبوية والتوجُّهات اللَّاأدرية.

هذا يقودنا إلى التَّصوُّر الأكثر اتِّساعاً الذي ندعو إليه، والذي من أجله أقمنا، ضمن أسبابٍ أخرى، تفرقةً ضرورية بين الحقيقة التي في متناولِ العقلِ البشري، والحقِّ الذي يعلو ولا يُعلى عليه. فقد لَحَظنا أن الإنتاج الفكري السَّائد يتمُّ تناوله من خلال العلوم الاجتماعية التي تُكثِرُ من استخدامِ ’الخطاباتِ‘ التي تُصبِحُ وسيلةً متاحة لتسريب الرَّغبات الشَّخصية والأمنيات الجماعية والأحلام المستحيلةِ ’التحقُّق‘، لذلك فقد حاولنا إدخالَ العلومِ الطَّبيعية بأقسامها الثَّلاثة الرَّئيسية لتوسيع مجال ’الحقيقة‘، وتقليص حجم ’الخطابات‘. أمَّا ’الحقُّ‘، فهو الملاذُ الذي نلجأ إليه في غدونا ورواحنا، حينما يطلُّ العجزُ، ويعزُّ المطلبُ، وتُستنفدُ إجاباتُ لِمَ ولماذا؛ "فالنِّهاياتُ البعيدةُ لا تُحَدُّ" (عزيزي إلدوس الإريتيري، المعروف بمحمَّد مدني أو محمَّد محمود الشِّيخ: هل لقِيَ مشروع توتيل رواجاً "استثنائياً" في إسطنبول، أم أنه اكتفى بتقدير "مقبول"؛ وماذا فعلتْ أحداثُ السَّاحةِ بتوتيل الأصل: هل لقِيَ تسريحاً يستحِقُّه، أم ما زال قابعاً في معتقلٍ لا يليقُ بقامته؟). وما يأتي من الحقِّ أو يُعطى بالحقِّ، فإن له على أقلِّ تقديرٍ مكاناً لائقاً ضمن خياراتنا المنطقية إزاء كلِّ ما يستعصي أمرُه أو يستحيلُ الإجابةُ عليه.

في هذا الخصوص، سمعتُ عالم الفيزياء الأمريكي ستيفن واينبيرج، وهو لا يُخفي عادةً إلحادَه، يقولُ في تعليلِ الطَّاقةِ المُظلمة، وهي شكلٌ غير معروف من أشكال الطَّاقة (وتمثِّل حوالي 68% من الكون المرئي حالياً، علماً بأن المادَّة المُعتِمة، والتي لا يمكن رؤيتها هي الأخرى وإنما يتمُّ افتراضُها لتفسيرِ جزءٍ من كتلة الكون، تمثِّل حوالي 27%، بينما تمثِّل المادَّة المعروفة حوالي 5% فقط)، وتُعرف أحياناً بالثَّابتِ الكوني، وقد افترضه آينشتاين ليُفسِّرَ به القوة المعاكسة للجاذبية، ويلقى افتراضُه حالياً قبولاً واسعاً باعتبار أنه عاملٌ مهم في تمدُّدِ الكون – يقول واينبيرج في تعليل الطَّاقة المظلمة ودقَّةِ معدَّلِ تمدُّدِ الكون إن هناك احتمالين لا غير: إما وجودُ مُصمِّمٍ مجبولٍ على الخير (أي خالقٍ لهذا الكون) أو الكونُ المتعدِّد (باعتبار أن حالة هذا الكون هي حالةٌ خاصَّة لا يُعوَّلُ عليها في صياغةِ قانونٍ كونيٍّ شامل للبديل المُتعدِّد)، فما كان من عالِمِ الأحياءِ البريطاني ريتشارد دوكنز، الذي يشتطُّ عادةً في إلحادِه، إلَّا أنِ استبعدَ من غيرِ إبطاءٍ الاحتمالَ الأول (باعتبار أن المُصمِّمَ لا بدَّ أن ينطوي على درجةٍ أكبرَ من تعقيدِ هذا الكون حتى يستحقَّ صفة الخالق، وأن تشارلز دارون قد قدَّم من قبلُ إجابةً شافية حول موضوع التَّعقيد، وإنْ خصَّ بها تعقيدَ ظاهرةِ الحياة، إذ من الممكن تعميم الإجابة لتشملَ الكونَ برُمَّتِه).

من جانبٍ آخر، فإن حركة ما بعد الحداثة تُوهِمُ الغافلَ بتقديرِها الإيجابيِّ لموضوع الدِّين، إلا أنها تفعلُ ذلك من موقع الاستعلاء بدافع التَّفضُّل على الفئات الثَّقافية والاجتماعية المقهورة، فتضعُ الأديانَ الكتابية في سلَّةٍ واحدة مع أديان السِّجل الأنثروبولوجي، جنباً إلى جنب مع المثليين والأقليات العرقية واللَّونية؛ هذا، بينما هي في واقع الأمر لا تُقيمُ وزناً للحقيقة، ناهيك عن الحق، وتعتبرهما إنشاءً بشرياً ليس إلا؛ وترى، وعلى الأخصِّ بعضُ تياراتها الفالته، أن أيَّ صياغةٍ تتبنَّاها مجموعةٌ بشرية يمكن أنْ تقومَ مقامَ الحقيقة (المُصاغةُ نظائرُها أصلاً من قبل البشر). فهذه النِّسبوية التي تتباهى بها الحركة بوصفها امتداداً طبيعياً للحداثة الأوروبية، هي نظرةٌ معادية للعلم والدِّين معاً (العلم باعتباره مُنتِجاً للحقيقة، والدِّين بوصفه دعوةً للحق). علاوةً على ذلك، فإن الخيار الاستبعادي المُتعجِّل الذي يتَّبعه دعاةُ الدَّاروينية المتشدِّدين، هو نهجٌ معادٍ للعلم والدِّين معاً (العلم باعتباره تقليباً متأنِّياً للخيارات، والدِّين بوصفه داعياً للتَّفكُّر؛ "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ؛ سورة "الرُّوم"، الآية رقم 8).

وفقاً لذلك، يمكن اعتبار هذين النَّهجين (النِّسبوية والاستبعاد المتعجِّل) أساساً للَّاعقلانية، إذ إن الأخيرةَ تنهضُ نقيضاً واضحاً للعقلانية في إطار التَّصور الأكثر اتِّساعاً لها؛ فالنِّسبوية تُنكرُ في الأساس إمكانَ الوصولِ إلى الحقيقة أو الاقتراب من أنصعِ مداراتها، بينما يُخفي الاستبعادُ المتعجِّل في باطنه رغبةً في الاستحواذِ على الحقيقة عن طريق الضَّربة القاضية. وفي معاداةِ هذه اللَّاعقلانية ضمن هذا التَّصوُّر الأكثر اتِّساعاً، يمكن إنشاءُ أساسٍ راسخٍ للتَّعاونٍ بين العلم والدِّين، خصوصاً وأن العلماء، متديِّنين منهم وملحدين، يعملون معاً في إطارِ المظلَّةِ الواسعة للعلوم الطَّبيعية؛ وليس هنالك أدلُّ على ذلك من تلك الصَّداقة التي كانت قائمةً بين عبد السَّلام المُسلم (حتى وقت وفاته في عام 1996) وواينبيرج المُلحد، اللَّذين تقاسما معاً جائزة نوبل للفيزياء في عام 1979، لتطويرهما نظريةً لتوحيدِ قوَّتين من القوى الرَّئيسية في الكون، هما القوَّة النَّووية الضَّعيفة والقوة الكهرومغنطيسية؛ وهذه الأخيرة هي التي وَحَّدَها من قبلُ عالمُ الفيزياء الإسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل بجهودٍ نظرية، استند فيها إلى تجاربَ عمليةٍ قام بها بنجاح عالمُ الكيمياء والفيزياء الإنجليزي مايكل فاراداي.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
ياسر عبيدي



اشترك في: 27 مارس 2008
مشاركات: 1157

نشرةارسل: الاحد مارس 13, 2016 6:53 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع



عزيزى محمد خلف .. لك جزيل الشكر على هذا الدَّفق المعرفى العميق والشيِّق الذى أفادنى وأمتعنى أيُّما إفادة وإمتاع. أتداخل هنا لا لأنحرِفَ بخط إسترسالك المُحكم الحَـذِق، وإنما ليأتى توضيحك على إستفسارىَّ التاليين ضمن مسيرة رسائلك:

جاء فى الفقرة الأولى من رسالتك الأخيرة: (.. حظيرة الدِّين بمعناه الشَّامل، وهو الدِّينُ الحقُّ، الذي لا يكتفي بتجاوز أديان السِّجل الأنثروبولوجي، بل يُفسِّرُ ويُتوِّجُ كافَّة الأديان الكتابية.)

ومادمنا نسعى لخلق "تصوُّرٍ أكثر اتِّساعاً، يمكن به إنشاءُ أساسٍ راسخٍ للتَّعاونٍ بين العلم والدِّين"؛ فما هو موقع "أديان السِّجل الأنثروبولوجي" من معنى "الدين الشامل" ومفهوم "الدين الحق" ؟ .. إذ أن صياغة الجملة أعلاه، تعطى إنطباعاً بأن "الدين الحق" " يتجاوز" هذه الأديان، بإعتبارها فى درجةٍ أدنى، إلى ما هو أهم، وهو تفسير وتتويج كافة الأديان الكتابية !

وجاء فى الفقرة الأخيرة من الرِّسالة: (.. حركة ما بعد الحداثة تُوهِمُ الغافلَ بتقديرِها الإيجابيِّ لموضوع الدِّين، إلا أنها تفعلُ ذلك من موقع الاستعلاء بدافع التَّفضُّل على الفئات الثَّقافية والاجتماعية المقهورة، فتضعُ الأديانَ الكتابية في سلَّةٍ واحدة مع أديان السِّجل الأنثروبولوجي.).

أفهمُ من ذلك؛ أنه عند تناول معنى "الدين الشامل"، فليس من اللائق الجمع بين "الأديانَ الكتابية وأديان السِّجل الأنثروبولوجي"، من حيث كونهم "دين"، فى سلّةٍ واحدة. وبالتالى؛ إذا كان يتحتّم الفصل بينهما، فكيف إذن يمكن الحديث عنهما فى معنى "الدين الشامل"، ومفهوم "الدين الحق" ؟

وإستطراداً، هل "أديان السجل الأنثروبولوجى" هذه مشمولة فى معنى "الدين كله" الذى سيُظهَـر عليه "دين الحق"، فى الآية: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [سورة التوبة 33]، أم أن هذا الإظهار يقتصر فقط على "الأديان الكتابية" ؟

فإن كانت مشمولة؛ ما الضَـيْر من وضعها مع الأديانَ الكتابية في سلَّةٍ واحدة ؟ .. وإن لم تكن كذلك؛ كيف إذن يمكن لنا الحديث عن معنى "الدين كله"، وقد جعلناها، بعدم إستصحابها فى سلَّةٍ واحدة، خارج "حظيرة الدين الشامل" ؟

أقول ذلك من واقع أن "أديان السجل الأنثروبولوجى" لديها الكثير لتقدِّمه فى عملية التَّعاون بين العلم والدِّين. فقد كانت، ولازالت، "العلم" الذى به طوّرَ الإنسان مقدراته، وبه نظّم مجتمعاته وتجاوز تحدِّيات الطبيعة ومحن الحياة .. وبه إستطاع الصمود والبقاء.

وأقبل منى عامر المودّة والتقدير

انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 248

نشرةارسل: الخميس مارس 24, 2016 5:20 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

فراس السوّاح في كتابه "مغامرة العقل الأولى"
أعتبر ديانات السجل الأنثربولجي هي المحاولات الأولى
للعقل لتفسير الظواهر حوله. وهناك الكثير من الأساطير
ظهرت في الديانات الكتابية بنفس التفاصيل.
والذين لم يؤمنوا بالإسلام كانوا يصفون كلامه بأنه
أساطير الأولين، مما يدل على معرفتهم بها
ومما يشي بوجود صلة بين هذه الأديان والاديان السماوية.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
علي عجب



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 423

نشرةارسل: الاربعاء ابريل 06, 2016 3:58 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


اوصاني صديق عزيز ان ابحث عن هذا البوست..

فعلا سياحة تستحق الاحتفاء

التحية والاحترام لكل من اسهم في هذه الحوارات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: الاثنين ابريل 11, 2016 8:38 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عبر هذه المساهمة، يتَّخِذُ محمد خلف من الأسئلة والاستفسارت التي ساقها ياسر عبيدي مناسبة ليستدرك ويوضح الدلالات التي يقصدها باستخدامه مصطلحات أو تعبيرات بعينها:




من معاني التَّجاوز، والتَّفسير، والتَّطوير، والتَّتويج



تعلَّمتُ منذ تأسيس جماعة "تجاوز" للإبداع في منتصف الثَّمانينات حرفة الاقتراب من الدِّقة حيال المفاهيم المُستحدثة والمفردات المُستخدمة في توصيلها، علاوةً على الانتباه إلى السِّياقات التي تتحرَّك في داخلها، مما ينتُج عنه تبديلٌ في دلالاتها أو تحويرٌ لمقاصدِ مستخدميها. إلَّا أنها حرفةٌ أشبه بحرفةِ المحارب السَّامرائي، لا ينجو صاحبُها من طعنةٍ إثر هفوةٍ أو كسرٍ لانشغالٍ بأمرٍ عابر. وكان مصطلح "التَّجاوزِ" مُنتشراً بتضميناته الأدونيسية التي لا تخفى على أحد، وكنَّا نُصارعُ لتبرئته من تضميناتِ الإلغاءِ أو الإقصاءِ أو الإبعاد، أو تلك الدَّلالاتِ المجاورة التي تأتي بسببٍ من التَّرفُّع أو الاستعلاء؛ فتجاوزُ القديمِ لا يعني إلغاءه، واحتضانُ المُعاصِرِ لا يعني إقصاءَ السَّائد، وتبني الحداثةِ لا يعني إبعادَ خصومِها؛ بل إن مفهوم "التَّجاوز" الذي كنَّا نقصده، ودافعنا عنه منذ الاجتماع التَّأسيسي للجماعة بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، وضمَّناه في بيانٍ منشور، هو النَّظرُ في القديمِ واستصحابُ السَّائد، وفقَ منظورٍ لا يدعو لتَّخطِّيه، وإنما يسمح بقراءته بكيفيةٍ تؤدِّي إلى تجاوزه، أي إحضاره، وليس تغييبه، بغرضِ رفدِه بدلالاتٍ معاصرة.

وكان ينبغي أن أشرح ذلك أو أحترس في عبارتي بعض الشَّيء عندما قلت إن "دين الحقِّ لا يكتفي بتجاوز أديان السِّجل الأنثروبولوجي"، فالتَّجاوز هنا لا يعني إلغاء التَّعبيرات الدِّينية المغايرة أو تهديم أضرحتها أو الانخراط مجدَّداً في إعادة اختراع العجلة بتحطيم تماثيلها أو تدمير معابدها، كما يعكف "داعش" الآن في تنفيذه، ولا يلقى تأييداً مِمَّن فُطِر على المحبة أو وطَّن النَّفسَ على أن يلقى ربَّه بقلبٍ سليم؛ فما قام به إبراهيمُ عليه السَّلام، وما اقتفى أثره محمَّدٌ صلوات الله وسلامه عليه، عملٌ مُفعمٌ بدلالاتٍ رمزية أملتها لحظاتٌ نموذجية متفرِّدة؛ وما يقوم به "داعش" عملٌ أخرق لا يكترث لدلالة الوقت أو يلتفت إلى قيمة التَّاريخ.

وينبغي القول أيضاً إن التَّجاوز بهذا المعنى المذكور لا يكفي أساساً للتَّعامل مع أديان السِّجل الأنثروبولوجي أو غيرها من الأديان الكتابية، بل إن دين الحق يصلُح أساساً لتفسيرها جميعاً؛ وما نعنيه بالتَّفسير لا يطالُ معنى الشَّرح، بل ينفذُ إلى معنى التَّعليل المُستخدم في مجال العلوم الطَّبيعية، ويقتربُ منه اقتراباً، ولا يتطابقُ معه. فعندما قلنا في حلقاتٍ سابقاتٍ إن الفيزياء تصلُح أساساً لتفسير الكيمياء والأحياء معاً، وأشرنا في ذلك الصَّدد إلى مفهوم "السُّوبرفينيس"، لم نكن نعني أنها تشرحهما أو تقومُ بديلاً عنهما، وإنما تصلُح إطاراً واسعاً لاستيعابهما في داخلها، أي أنها بما لها من قدرةٍ تفسيرية عالية مؤهَّلةٌ -عند درجةٍ ما من التَّعميم- لتفسيرِ ما ينشأُ عنها من كيمياء وأحياء. وكذلك، فإن الإسلام، دين الحق، الذي أُرسل به محمَّدٌ، "ليظهره على الدِّين كله"، أي يُعليه على غيره من أديان، هو دينٌ شامل، قادرٌ على تفسيرِ ما جاء قبله من أديان.

وأوَّلُ سمات هذا التَّفسير هو تعاملُه، بصفته دين التَّوحيد، مع الكثرة؛ وهي التي يُشارُ إليها في المُصطلح الحديث بالتَّعدُّد؛ فهناك التَّعدُّد الثَّقافي، واللُّغوي؛ وفي مجال العلوم الطَّبيعية، هناك التَّعدُّد المعرفي، وهو الذي يُشارُ إليه بالتَّخصُّص؛ وفي مجال الدِّين، هناك التَّعدُّد الدِّيني، وهو غيرُ تعدُّد الآلهة، الذي جاء دين التَّوحيد لإبطاله. فلنبدأ بالتَّعدُّد الثَّقافي، لِنرى كيف تعاملتِ المجتمعاتُ الحديثة معه، قبل أن نقِفَ على كيفية تناول دين الحق، الدِّين الشَّامل، لهذه الظَّاهرة العامَّة، التي تستوعب داخلها ما اصطلحنا على تسميته بأديان السِّجل الأنثروبولوجي، ومقارنة ذلك مع الممارسات التي تتضارب مع هذا التَّناول.

عندما استولى الغزاةُ الكونكيستدور على الأراضي المُكتشفة حديثاً في أعقاب رحلة كولومبس عبر الأطلسي في أواخر القرن الخامس عشر، تفاجأ الفاتحون بثقافةٍ أو ثقافاتٍ مغايرة لِما عُهِد النَّاسُ عليه في الأراضي القديمة. فعِوضاً عن الاحتفاء بهذا التَّعدُّد، لجأت غريزةُ الفاتحين إلى تخفيضِ قيمة السُّكان الأصليين وتشبيههم بالوحوش والبهائم، ممَّا سهَّل مهمَّة إبادتهم من غير إحساسٍ بالإثم. صحيح أن المذكِّرات والتَّقارير التي كتبها الرَّحالةُ والمُستكشفون قد كشفت للرأي العام الأوروبي الفظائعَ التي ارتكبها الجنودُ الأسبان والبرتغاليين، إلا أن صاحب المقالات الفرنسي الشَّهير، ميشيل دو مونتين، كان هو الصَّوتُ المتميِّز والأوضحُ تفنيداً لِما انطوت عليه حملاتُ الكونكيستدور، فقد اقترح بديلاً إجرائياً للنَّظرة الاستعلائية التي سوَّغت جرائم الفاتحين- وهو ما يمكن أن نصفه (أي هذا البديل المُقترح) بوضعِ كلٍّ من الثُّقافات المعروفة والمُكتشفة حديثاً في سلَّةٍ إنسانيةٍ واحدة. وهو نهجٌ للتَّسوية مُقدَّرٌ ولا خلافَ عليه، لكن مونتينَ يُعمِّمه على شتَّى المعارف البشرية، مما يقوِّض مشروع تطوُّر المعرفة، بتمهيده لسيادة النَّظرة النِّسبوية، الذي لم تهدف مقالاته أصلاً إليها.

ففي مقالاته الشَّهيرة، يقرُّ مونتين بأنه ليس لديه أيُّ فكرةٍ بشأنِ ماذا يمكنُ أن يقبله أساساً وأصلاً للأشياء: "أأفكارُ" أفلاطون، أم ذرَّاتُ أبيقور؛ امتلاءُ ليوكيبوس، أم فراغُ ديموقريطوس؛ ماءُ طاليس، لامحدوديةُ الطَّبيعة عند أناكسيماندر، أثيرُ ديوجينس، أرقامُ وتماثلُ فيثاغورس، أم مالانهايةُ بارمنيديس؟ هل يقبلُ نارَ وماءَ أبولودورس، انسجامَ الجُسيماتِ عند أناكساغورس، أمِ الخلافَ والوفاقَ عند إيمبيدوكليس؟ وما يريدُ أن ينبِّهَ عليه مونتين هو تفشِّي الأخطاء الجسيمة وصدورُها عن العباقرة الذين ساهموا في إثراءِ الفكرِ الإنساني. إلا أن وضعَ هذه الأخطاء في سلَّةٍ واحدة هو الذي يشكِّك في قيمة الحكمة المُودعة لدى البشر؛ والنَّهج الأفضل، في نظري، هو ترتيبُ تلك الأخطاء في سَمْتٍ تطوُّريٍّ يسمحُ بتفاضُلِها والتَّعلُّمِ منها، توطئةً إلى الاقترابِ حثيثاً من موقع الحقيقة، من غير الاستيقانِ التَّامِّ من بلوغها. ومن أجل ذلك، حاولنا في حلقاتٍ سابقاتٍ الانتقالَ من المربَّع إلى المكعَّب؛ ففي المربَّع، يمكن وضعُ الألوانِ والأرقام "في سلَّةٍ واحدة، بحيث يمكن مشاهدتُها مجتمعةً، غير أن المكعَّب يسمح بمتابعتها عبر الزَّمن، والتَّنقيب عمَّا تحتها أو ورائها.

أمَّا بخصوص التَّطوير، فقد أشرنا في حلقاتٍ سابقاتٍ أيضاً إلى تميُّزِه عن التَّدورن أو الدَّورنه (وهما مفردتانِ يرتبط جذرُهما -في اشتقاقِه الكبير، الذي فطِن إليه أبو علي الفارسي- باسم دارون (نسبةً إلى تشارلز دارون الذي يرتبط اسمه في التَّرجمة السَّائدة بنظرية النُّشوء و"التَّطور"). وسبق أن قلنا إن نظرية دارون في أصلها العلمي لا تنطوي على فكرة التَّطور (أو الارتقاء)، بل إنها جاءت لنفيها، واستبدالها بآلية التَّكيُّف عن طريق الانتخاب الطَّبيعي، الذي لا يلزم أن يصحبَه تطوُّر، إذ قد ينشأ نكوصٌ أو انقراضٌ لكائنات. ومع ذلك، فإن المُشاهدَ هو خطٌّ ينزعُ في مسارِه العام نحو التَّطوُّر، وهو المعنى الذي نقصده في هذا المقام؛ وسيتَّضحُ هذا أكثر عندما نتناول التَّعدُّد اللُّغوي في الفقرة التَّالية.

انبثق في أوائل القرن الماضي اتِّجاهٌ ينزعُ إلى وضعِ اللُّغاتِ الطَّبيعية البشرية في سلَّةٍ واحدة، وقد أنشأ هذا الاتِّجاه عالِمُ اللِّسانيات السُّويسري فيردناند دو سوسير؛ وسرعان ما نشأت في أعقابه واعتماداً عليه حركةٌ فكرية لم ينحصر نشاطُها في مجال اللُّغة، بل تعدَّاها إلى سائرِ العلومِ الإنسانية، وهي ما صار يُعرفُ بالحركةِ البنيوية، التي وصل مداها إلى السُّودان؛ وكان أولُ من نبَّه إلى وجودها الأستاذ العبقري ذو الأفق الواسع محمد عوض كبلو، الذي شرع في تقديمِ محاضراتٍ عامَّة عنها في جامعة الخرطوم منذ أوائل السَّبعينيات؛ وذلك، قبل أن يستقرَّ المصطلح على واحدٍ من ترجماته المُقترحة، فقد كان يَطلِقُ على الحركة اسم الهيكلية، وأحياناً البنائية، ولم يكن يغيبُ عن باله مصطلح البنيوية، الذي استقرَّ مع مُضيِّ الوقتِ عَلَمَاً راسخاً لا لبسَ حوله ودليلاً مؤكَّداً عليها.

إلَّا أن من أوائل المبشِّرين بالمنهج البنيوي، والدَّاعين له لاحقاً في العاصمة السُّودانية، هما الأستاذان عبد اللَّطيف علي الفكي وأسامة الخوَّاض؛ وكنت بحُكمِ تخصُّصي في مجال الفلسفة وتلقِيَّ دروساً منتظمة بشعبة الفلسفة بجامعة الخرطوم حول المناهج الأوروبية الحديثة، مُلِمَّاً بالبنيوية، ومشجِّعاً على استخدامها - باعتبارها واحدةً من مكتسبات الحداثة - في مجال تحليلِ الظَّواهر الإنسانية التي تستعصي على المناهج التَّقليدية. وقد وَقَفنا جمعية تجاوز للثقافة والإبداع للتَّعريفِ بها ضمن غيرها من المناهج، بغرض المساهمة في تحقيق الهدف الأساسي للجماعة، وهو وفقَ ما تمَّ التَّعبيرُ عنه في بيانِها التَّأسيسي الإحاطةُ بالثَّقافة السُّودانية من جميع أقطارها ودفعها معرفياً في طريق الحداثة.

وكان الأمرُ الذي سهَّل على البنيوية اللِّسانية التي بعجها دو سوسير مهمَّةَ وضعِ اللُّغاتِ في سلَّةٍ واحدة، هو اجتباؤها للتَّزامن (المنظور السِّنكروني) على حساب التَّعاقب (المنظور الدِّياكروني)، واعتباره أساساً للاقتراب من الظَّواهر التي تتبدَّى على خلفية الزَّمن. وهو المقابل للنَّهج الذي نعتمده هنا في تلمُّس التَّطور الذي لَحِق باللُّغات البشرية، خصوصاً انتقالُ بعضٍ منها من واقع الشَّفاهة المُهيمن إلى تبنِّي تقنية الكتابة، وهو التَّطور الضَّروري اللَّاحق الذي مهَّد في نهاية المطاف إلى مرحلة الأديان الكتابية وهيمنتها على المشهد الدَّيني في العالم. وفي هذا الصَّدد، لم يكن غريباً أن جاءت رسالةُ الإسلام مع إرهاصاتِ انتقالِ جزيرة العرب إلى عهد الكتابة؛ وما اصطفاءُ رسولٍ أُميٍّ للاطِّلاع بأمرِ توصيلِ رسالةٍ – أصلُها كتابٌ في الأعالي- إلى مجتمعٍ شبه أمِّيٍّ أو داخلاً لتوِّه في عصر الكتابة إلا دليلٌ ساطع على الأهمية المحورية لذلك الاختيار. أمَّا تفضيلُنا هنا لاستخدام المنظور الدِّياكروني، فقد أملته الحاجة إلى وضع اللُّغات في نَسَقٍ تطوُّري، من غيرِ انتقاصٍ من هيكلها الذي يكشف عنه النَّهجُ البنيوي؛ فاللُّغاتُ كما التَّكويناتُ الإثنية سواسيةٌ في تزامنها، ولكنها تنتظمُ على التَّعاقبِ في أسرٍ يخرجُ كلُّ واحدةٍ منها من رَحِمِ أخرى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبَاً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"؛ (سورة "الحُجُرات"، الآية رقم 13).

أمَّا التَّتويج، فقد ربطناه بالأديان الكتابية فقط، لأن القرآن الذي نعتمده أساساً للاقترابِ من الحقِّ قد أشار إليه، من غير أن يُورِدَ نصَّاً عليه. فالرِّسالة المحمَّدية لم تكن رسالةً مُنبَتَّةً (أي منقطعةً) عمَّا سبقها من رسالاتٍ سماوية، بل إن محمَّداً قد جاء في أعقابِ سلسلةٍ من الرِّسالات؛ وقد طُولب بصفته آخرَ الرُّسلِ أن يقتفي أثرَها جميعاً، فما هي في واقع الأمر إلا رسالةٌ توحيديةٌ واحدة، تباينت شرائعُها ومناهجُ عملها بتباين الحقب واختلافِ حاجاتِ المجتمعات البشرية: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنَاً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعَاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"؛ (سورة "المائدة"، الآية رقم 48). كما جاء في سورةِ "الأنعام" على لسانِ رسولِنا الكريم نصَّاً بالتزامه الاقتداءَ بما جاء به عددٌ من الرُّسل الذين سبقوه: "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلَّاً هَدَيْنَا وَنُوحَاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَاً وَ كُلَّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) – إلى أن يقول في الآية رقم 90 من السُّورة الكريمة: "أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ".

وما نُريدُ قولَه في معنى التَّتويج، هو أمرٌ يشبه علاقة الفيزياء بكلٍّ من الكيمياء والأحياء، ولا يتطابقُ معها تطابقاً تامَّاً؛ فالفيزياء بوصفها أولَ العلومِ (أو مليكَها في التَّعبير الدَّارج) هي مناطٌ للقوى الرَّئيسية (كهرومغنطيسية، وجاذبية، ونووية بنوعيها) التي يُمكن أن تُفسِّرَ ما يصدُر عنها لاحقاً من تركيباتٍ كيميائية أو كائناتٍ حيَّة؛ وكذلك فإن الإسلام، آخرَ الرِّسالاتِ، تتويجٌ لدينِ الحقِّ، ومفسِّرٌ لما قبله، لانطوائه على منحًى جوهريٍّ لم يظهر فيما قبله، وهو صفة الشُّمول؛ فقد تلقَّى موسى، على كونه كليمَ الله، من ربِّه "ألواحاً"، وكان عيسى "كلمة" الله في الأرض؛ أمَّا ما نُزِّل على محمَّدٍ تنزيلاً، فهو في الأصل "لوحٌ محفوظٌ" في الأعالي (الكتاب)، و"كلامٌ" محفوظٌ في صدور المؤمنين (القرآن)؛ وقد كان بهذه الصِّفة الأخيرة قابلاً للتَّدوينِ من قبل كَتَبَةِ الوحي في عهد الرَّسول، وللتَّسجيلِ لاحقاً في شكلِ صحف (المُصحف). بمعنَّى آخر، أن ما نَزَلَ على محمَّدٍ شاملٌ لجانبي العملية اللُّغوية (الكلام والكتابة)، وهو بهذه الصِّفةِ تتويجٌ لما قبله. علاوةً على ذلك، فإن التَّنزيلَ في جانبيه الأساسيين (كتابٌ في السَّماء، وكلامٌ في صدرِ مؤمنٍ في الأرض) تعبيرٌ عن الحق؛ أمَّا صيرورتُه مُصحفاً، فقد فتحته على احتمالين، كان يخشى أبو بكرٍ ثانيهما: الأول، تمسُّكٌ بالحقِّ، وتفسيرٌ لآياتِه على ضوئِه؛ والثَّاني، انحرافٌ عن الحقِّ، وتحريفٌ لدلالاتِ الآيات؛ أمَّا المُنزَلُ نفسُه، سواءً كان في الصُّدورِ أو في السُّطور، فقد تعهَّد اللهُ بحفظِه (وهو ما نشهده الآن عياناً بياناً)، مثلما تعهَّد بحفظِ نسختِه الأصلية في السَّماء: "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسَاً شَدِيداً وَشُهُبَاً؛ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً"؛ (سورة "الجن"، الآيتان رقم 8 و9).

سنُسدي في حلقةٍ مُكمِّلة شُكراً يستحقُّه ياسر عبيدي، لطرحِه استفساراتٍ محرِّضةً على التَّفكير العميق؛ موصولاً كذلك للصَّادق إسماعيل، لمواصلته في تقديم التَّعليقات الشَّيِّقة والإضاءات المفيدة؛ كما سنُوردُ تعليقاً على أسطر علي العجب المُضيئة. هذا غيرُ عَودةٍ إلى إسبانيا، مروراً بجنوبِ مصرَ، وأخرى إلى سنَّار؛ كما سنُشيرُ إلى هفوةِ سامرائيٍّ (أو سامورايٍّ) أخرى، نشأ عنها خلطٌ بين علمٍ وعلم، دون التَّنبيه إلى أن أحدَهما يشيرُ إلى الحق (العلم اللَّدني)، وأن الآخرَ يشيرُ إلى الحقيقة (العلوم الطَّبيعية)؛ ممَّا قد يؤدِّي لاحقاً إلى لبسٍ في استخلاصِ النَّتائج أو تعسُّرٍ في توضيحِ الدَّلالات.


عدل من قبل عادل القصاص في الاحد مايو 08, 2016 7:01 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1120

نشرةارسل: السبت ابريل 23, 2016 11:37 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وهذه وردةُ عِرفانٍ من محمد خلف:



حلقةٌ مُكمِّلةٌ لِما قبلها ومخصَّصة في غالبها إلى إسداء الشُّكر لثلاثِ مجموعاتٍ مُنتِجة لهذا الرُّكن




ما كان يمكن لهذا الرُّكن، الذي يُسمِّيه عادل القصَّاص (متصرِّفاً في التَّرجمةِ) خيطاً وعثمان حامد (متوخِّياً للتَّعريبِ) بوستاً، أن ينجحَ في توصيلِ رسالته، لولا جهودٌ متَّصِلة لثلاثِ مجموعاتٍ نخصُّها هنا بالشُّكر، وربما غَفَلنا عن غيرها؛ فيُرجى التَّنبيهُ، قبل فواتِ الأوان. وما كان يُمكنُ، من جانبي، أن أصرَّ على تسميته بالرُّكن، لولا اعتقادٌ راسخٌ بأنه في الأساسِ مكانٌ افتراضيٌّ لحوارٍ جماعيٍّ مُطَّرد؛ وكان لهذه المجموعاتِ الثَّلاثةِ دورُها الرَّائدُ في تحبيرِ أسطرٍ مضيئة أو كتابةِ أخرى بمِدادِ صمتٍ عاليِّ الضَّجيج (في إشارةٍ مزدوجة إلى ديوانٍ بعنوان "مِداد الصَّمت"، وقصَّةٍ قصيرة بعنوان "عالياً كان ضجيجُ صمتِها"؛ فشُكراً لعبد اللَّطيف علي الفكي، صاحب الدِّيوان، مهنئين له بصدور "اللُّغة الخفية في السَّرد"، وليتَه يُتحِفُ هذا الرُّكنَ بطائفةٍ من معارفه السَّردية؛ وأسفاً دائماً ومُوجِعاً على رحيلِ عبد السَّلام حسن عبد السَّلام، صاحب القصَّة القصيرة، فلو كان يسعي بيننا في هذه السَّاعاتِ المباركةِ بإذنِ الله، لملأ ركنَ هذا الحوارِ بضجيجِه المُحبَّب، قبل أن يُضمِّخَ أجواءه باستبصاراتِه الفكريةِ العميقة).

أولُ هذه المجموعات هي مجموعةٌ مُنتِجةٌ بامتياز، يقف على رأسِها الصَّديق القاص عادل القصَّاص، فهو صاحب الرُّكن، وهو الذي هيَّأ لنا في الأساس هذا الفضاء السَّرديَّ العامر بقصصِه الشَّيِّقة، وردودِه القوية، وسياستِه التَّحريرية الصَّارمة، وتعاونِه النُّموذجي في تصحيح المعلومات، وتنقيحِه للمشاركات، وتقييمه للمواد، وتعليقه عليها -شفاهةً أو كتابةً- قبل أو بعد نشرها؛ وهذه سمةٌ أخرى من جماعيةِ هذا الحوار، فقد كان القصَّاصُ يترك أحياناً لعثمانَ (الشَّخصِ الثَّاني في هذه المجموعة) مهمةَ نشرِ المواد، لانشغالِه بجهدٍ أكاديميٍّ -أثمر بنَيلِه شهادة الدُّكتوراة- ولاختلافِ التَّوقيتِ على جانبي الكرةِ الأرضية (فهو إنْ كان نائماً في ميلبورن، فعثمانُ صاحٍ في وولفرهامبتون لإنزالِ المشاركات)، إلا أنه يقوم بمراجعتها في اليوم التَّالي بأدبٍ جمٍّ وهمَّةٍ لا تعرفُ التَّراخي. وقد ذكرنا من قبل في أولِ الرِّسالةِ أن وكزَ عثمان حامد المستمر هو الذي عجَّل في المقام الأول بكتابتِها، كما ذكرنا في ذيلِها أنه "منذ بدءِ كتابتها، راجع معي عثمانُ فقراتِها، فقرةً على إثرِ فقرة؛ يصحِّحُ معلوماتٍ بها تارَّةً، أو يُقيِّمُ محتوياتِها تارَّةً أخرى. فقد كنَّا نعتبرها رسالةً تهمُّ كلَّ الأصدقاء، إنْ لم نقل كلَّ القراء".

وقد حرصنا منذ البدء على أن نحافظ في هذه الرِّسالة على روحِ غرفةِ الحارةِ السَّابعة، التي يمكن تلخيصُها في احتدامِ الخلافِ الأخويِّ الدَّاخلي بيننا ومواجهة العالم الخارجي بالحدِّ الأدنى من الاتِّفاقاتِ التي نصلُ إليها بعد جهدٍ جهيد، من غير التَّمسُّك بشكلٍ دوغمائي (أي عقائديٍّ) بما نصِلُ إليه من نتائجَ أو خلاصات. فكنا نسلِّط الضُّوء على المكتوب ونُلهِبُ ظهره بسياطِ النَّقد حتى يصِلَ إلى القارئ في أفضلِ شكلٍ ممكن. وعلى الجانب الآخر من الأطلنطي، أُسعفنا وسَعِدنا بوجودِ منصور المفتاح في كالجري، وكنا نُطلعه بما يجري، فيُلهِبُ القارئَ حماساً بمقدِّماته النَّارية للمشاركات، ومحاوراته الذَّكية، ولغته الأدبية الرَّفيعة، والمتميِّزة في ذاتِ الوقت (فأرجو أن يُعطيناً قليلاً من السِّياسةِ، كثيراً من الأدب؛ فقد لحِظنا جُمهورَ "تجاوزَ"، في منتصف الثَّمانينات، وعلى اختلافِ مشاربهم السِّياسية، يتحدَّثون، قُبيل الانتفاضةِ، بلغةٍ مشتركة؛ وعند نجاحِها، تفرَّقت بهمُ السُّبلُ، فكان الوطنُ هو الخاسرُ الأكبر: إذ يحتاجُ المشتغلون بقضايا الفكرِ والثَّقافةِ وقتاً أكبرَ للاتِّفاقِ على شيءٍ بينهم، فيما ينشغلُ السَّاسةُ باليوميِّ، ويتخطَّفون في استعجالِهم المُبرَّرِ –بصِدقٍ أو بمزاعمَ كاذبةٍ- ما هو جاهزٌ، وإنْ لم يستوِ عودُه أو ينضجْ ثمارُه).

وكنا نُرسِلُ في نفسِ الوقت، أي قُبيل إنزالِ المشاركاتِ، إيميلاً مُشترَكاً لصديقينِ عزيزين، هما الصَّحفيُّ التَّشكيلي عبد الواحد ورَّاق والشَّاعر الرَّقيقُ الطَّبعِ سيد أحمد علي بلال؛ وإيميلاً آخرَ لأخوين عزيزين، هما النَّاقد والنَّاشط الثَّقافي السِّر السَّيِّد والشَّاعر العميقُ الغورِ بابكر الوسيلة سر الختم. وكانت تصِلُنا ملاحظاتِهم بشكلٍ فوري؛ وأحياناً، حين يتعذَّر وجودُ عثمانَ لانشغالِه بقضايا أسرتِه الصَّغيرة أو الممتدَّة، مما يستوجبُ أحياناً قيامُه بجولاتٍ ماكوكية ما بين وولفرهامبتون وأم تريبات، ينبري بلالٌ أو ورَّاقٌ لسدِّ خانته، فيما يقفُ ضَعفُ خدماتِ الإنترنت عائقاً أمام تلقِّي نجدةٍ فوريةٍ من السِّر أو بابكر، وإنْ كانت تعليقاتُهما تصِلُ إلينا عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني.

تلك هي مجموعةُ السَّبعة المُنتجة بامتياز؛ وقد حرصنا، استجابةً لمقتضياتٍ سردية، على وَصفِ مساهماتِ أفرادِها بصيغةِ الماضي، عِلماً بأن إنتاجَها لم ينقطع، كما نرجو له أن يستمرَّ، كما كان، في سلاسةٍ ويُسر. أمَّا المجموعة الثَّانية، فإنها تنقسمُ إلى فرعين رئيسيين: الأول، يُبدي مساهماتِه القوية عبر الرَّسائل الهاتفية المباشرة التي تتَّصف بالفرحةِ تارةً، وبالاندهاش تارةً أخرى، وبالتَّشجيع الذي لم ينقطع، حتى كتابةِ هذه السُّطور؛ والثَّاني، يتململُ في جلسته، ويعِدُ بمغالبةِ المشافهة، ويتحرَّقُ للإمساكِ بالقلم، ثم يُرحِّلُ في نهايةِ الجلسةِ تأمُّلَ يومِه ليومِ عملٍ آخرَ أكثرَ نَماءً وخصوبة. ولهؤلاء، وهمُ الأغلبيةُ الغالبة من قراءِ هذا الرُّكن، أقولُ لهم إنني أكادُ أسمعُ سريانَ الأفكارِ في خلاياهم العصبية، هذا إنْ لم أقلْ حفيفَ مِدادِ الصَّمت في جلساتِهم اليومية؛ فلأجلهم، قد خُصِّص هذا الرُّكن؛ ولتوقُّعِ مساهماتِهم والرَّدِ على مداخلاتِهم المُحتملة واعتراضاتِهم المُتخيَّلة، قد أُنجزت معظمُ الأفكارِ المبثوثةِ في ثنايا هذا الفضاءِ الافتراضي.

استنكفنا عنوةً عن التَّصريحِ بأسماءِ الأشخاصِ المنضوين تحت لواءِ الفرعين الرَّئيسين للممجموعة الثَّانية، فهُمُ كُثرُ (وشكراً للنَّصري على إرسالِ أغنية "لو تصدِّق"، من كلمات عبد العزيز جمال الدِّين؛ فقد ذكَّرتني الكلمةُ الأخيرة بأغنية "شذى زهرٍ" للكابلي أيضاً، وهي من كلمات عبَّاس محمود العقَّاد، التي يقول في آخرِها: "خذوا دنياكم هذي فدنياواتنا كُثرُ)، وإغفالُ شخصٍ منهم أو السَّهوُ عن ذكره قد يُسبِّبُ حرجاً نحن في غنًى عنه، هذا غيرُ أننا ما زلنا نأملُ في أن ترى كلماتِهم النُّورَ قريباً، "فمهما هم تأخَّروا فإنهم يأتون". وهذا ما لا يمكن أن نقوله عن المجموعة الثَّالثة، التي استحضرنا من أجلها كلَّ ما جاء ذكره فيما سبق من فقرات؛ فهي أولاً مجموعةٌ صغيرة، وهي ثانياً تتميِّز بإنتاجٍ فوريٍّ وقوي، ثم هي أيضاً مجموعةٌ قد تابعتِ الرُّكنَ منذ إنشائه. إلا أننا نودُّ أن نتحدَّث هنا عن ثلاثةِ أشخاصٍ منهم فقط، لقُربِ عهدِ مشاركاتهم، ولصلتِها اللَّصيقة بموضوع الحلقةِ السَّابقة، وهم: ياسر عبيدي، والصَّادق إسماعيل، وعلي العجب.

لم أكن عند خروجي من عُزلتِي الطَّوعيَّةِ قادراً على التَّمييزِ الواضحِ بين الياسرين (ياسر عبيدي وياسر زمراوي؛ ولو كان للأخيرِ صلةٌ بفاطمة زمراوي، فإنَّ ذلك سيُعدُّ مكسباً ولا شكَّ كبيراً؛ وإنْ لم يكن، فيكفيه أنه يتقاسمُ اسماً مع الأول، الذي تقرَّبتُ إليه من خلال عادل، فلمِستُ فيه تقارباً مع ما يصِفُه الشَّاعرُ والمفكِّرُ المغربي عبد اللَّطيف اللُّعبي بأنه "نوعٌ بشريٌّ جديد"؛ ومن سماتِه، من منظورِي الخاص، قبولُ رأيِّ الآخرِ في كتاباته، واحتفاؤه بكتاباتِ الآخرين، وتقديره لآراءِ المختلفين معه، وتهذيبه في طرح آرائه؛ ونحن ما زلنا نتحرَّك في مجال الفكرِ والإنتاجِ الكتابي، وإني لأجزمُ بأنني إنْ لقيته وجهاً لوجه، لألقينَّ منه لطافةً ورهافةً وعذوبةً ورقَّةَ روح. فيكفيه لاستحقاقِ ما ذكرت أنه بدأ مداخلته بمخاطبتي بما لم نعهده منذ زمنٍ طويلٍ، قائلاً: "لك جزيلُ الشُّكرِ على هذا الدَّفقِ المعرفيِّ العميق والشَّيِّق الذى أفادني وأمتعني أيُّما إفادة وإمتاع. أتداخل هنا لا لأنحرِفَ بخطِّ استرسالك المُحكم الحَـذِق، وإنما ليأتي توضيحك على استفساريَّ التَّاليين" (وقد تعمَّدتُ في هذا الاقتباس تصحيحَ اللَّام الشَّمسية، وياءِ المفرد الغائب، وهمزةِ الوصل، وياءِ النَّسب، لقناعتي التَّامَّة بأنه سيقبلُ تدخُّلي بصدرٍ رحب؛ وهذا عينُ ما أقصده حينما أشرتُ -جرياً على قولِ اللُّعبي- إلى بزوغِ إنسانٍ حديث، أو بتعبيرِ الشَّاعرِ المغربي: انبثاقِ "نوعٍ بشريٍّ جديد")؛ فأرجو أن أكون قد شرعتُ في الحلقةِ السَّابقةِ في بعضٍ من التَّوضيح.

تحدَّثنا ضمن مشاركاتٍ عديدة عن الصَّادق إسماعيل، وقلنا إن هذا الرُّكنَ يتنفسُ برئتِه؛ ولو توقَّف عن أسئلته الفورية ومشاركاته التِّلقائية، لأُصيب هذا الرُّكن بالسَّكتةِ القلبية. وما نعنيه بهذا القول إننا لا نأتي إلى الحوارِ بصياغاتٍ فكرية مكتملة أو أجندةٍ مخبأةٍ عن المتحاورين، وإنما نطرحُ آراءَ، إنْ لم تلقَ أُذُناً صاغية، أو تفاعلاً تلقائياً، أو ردوداً مُحكمة، لماتتْ موتاً سريرياً. ومن أجل ذلك كله، يأتي تقريظُنا لجهودِ ابنِ إسماعيلَ، وتثمينُنا لمشاركاته. صحيحٌ أننا نطلب منه الإبطاءَ أحياناً، لكنه لو توقَّف تماماً، أو آثر انضماماً للمجموعة الثَّاثية، لتوقَّفَ الرَّكنُ تماماً، إلى أن ينهضَ، كما العنقاءُ، حينما تأتي مساهماتُ مَنْ طال انتظارهم، ومَنْ نسمعُ منذ الآن وقعَ أقدامهم في الفلواتِ، وعبر الجسرِ، وتحت النَّوافذ.

وثالثُ ثلاثةٍ من هذه المجموعةِ الثَّالثة لم يعطنا سوى ثلاثةِ أسطرٍ، ولكنها كافيةٌ لانضمامه لهذه المجموعة المُنتِجة. فقد كنا نقول منذ تأسيس اتِّحاد الكتاب إن الكتابة ليست كَمَّاً فقط، وإنْ كان ذلك يكفي أحياناً، ولكنها في المقامِ الأول تميُّزٌ نوعي؛ فماذا يقول علي العجب في هذه الثَّلاثةِ أسطر. في السَّطرِ الأول، يقولُ العجبُ إن صديقاً أخطره بالبحثِ عن هذا البوست (متوخِّياً مثل عثمانَ للتَّعريب، ومحتفياً مثله، وربما دوماً مثله كذلك، بالأصدقاء)؛ وهل يتبقَّى لنا شيءٌ يُذكر، إذا أسقطنا من تكويننا الفكري كلَّ ما أضافه لنا عبر مسيرتنا الطَّويلة رهطٌ من الأصدقاء؟ في السَّطرِ الثَّاني، يصفُ العجبُ هذا الرُّكنَ بأنه "سياحةٌ تستحقُّ الاحتفاء"، فهذا إطراءٌ يُثلجُ الصَّدرَ ويدفع المرءَ نحو مزيدٍ من الإسهامِ الكتابي؛ فهل يتبقَّى لنا شيءٌ يُذكر، إذا أسقطنا من مزاجنا النَّفسي كلَّ كلماتِ الإطراءِ التي حفَّزت تدافعَنا عبر الحقب؟ وفي السَّطرِ الثَّالث، يُغدقُ العجبُ "التَّحيَّةَ والاحترامَ لكلِّ من ساهم في هذه الحوارات". أجل، قد جاء العجبُ أخيراً، ولكنه فطِنَ بذكائِه الفطريِّ إلى أن هذا الرُّكنَ في حقيقته سلسلةٌ من حواراتٍ، ساهم فيها عددٌ قسَّمناه إلى ثلاثِ مجموعات، إلا أننا نُدرِكُ أن الرَّقم الحقيقي يتجاوزُ ذلك العددَ بكثير؛ فمنهم من ساق حُجَّته إلى حجراتِ الدَّرس، وقاعاتِ المؤتمرات، وصفحاتِ الجرائد، والإذاعةِ المسموعة، وأركانِ النِّقاش، والحواراتِ اليوميةِ التِّلقائية؛ فالتَّحيَّةُ والاحترامُ لهم جميعاً، وشكراً عليٌّ على هذه الأسطرِ المضيئة؛ فهل يتبقَّى من نسيجِنا الأخلاقيِّ خيطٌ يُذكر، إذا أسقطنا منه ما تبادلناه من تحايا، وما تواضعنا عليه من احترامٍ متبادل؟



انتهينا من إسداءِ شكرٍ مؤقَّت، وما زال في الحلقِ بقيةٌ من قول؛ غير أنه لطولِ المشاركةِ لا بدَّ من تأجيل السَّفر، وكنا قد أعددنا للقرَّاءِ رحلةً إلى إسبانيا وأخرى إلى جنوبِ مصرَ، مع وعدٍ باستئنافِ القولِ حول خلطٍ بين علمٍ وعلم؛ فإلى لقاءٍ في حلقةٍ قادمة، نرجو أن تكونَ بالفعلِ مُكمِّلةً لما تمَّ استهلالُه من قولٍ بشأنِ التَّعدُّدِ وتعاملِ دينِ الحقِّ مع هذه الظَّاهرة العامَّة.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10  التالي
صفحة 7 من 10

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة