Story Lesson أو الحِصَّة قِصَّة
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 266

نشرةارسل: الخميس فبراير 09, 2017 12:11 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

فما نُريدُ عمله، يا عزيزي الصّادق، ليس مجرد توضيحِ رؤى الكاتبِ داخل النَّص، وإنَّما تنصيبُه شخصيَّةً قائمةَ الذَّات، تماماً مثلما أن الرَّاوي في "موسم الهجرة" هو أيضاً شخصيَّةٌ قائمةُ الذاتِ، إلى جانبِ وظيفتِه السَّرديَّةِ المعهودة.




سلام يا خلف

شكراً للتوضيح، وربما كان تنصيبك للكاتب كشخصية قائمة بذاتها في هذه الرواية
توضح لي جزء منها استشكل علي فهمه، وهو الجزء الذي يبدأ بـ(وأنتهت الحرب فجأة بالنصر) ويستمر من ص 137 الى ص 140
في النسخة التي أمتلكها.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 266

نشرةارسل: الجمعة فبراير 24, 2017 5:45 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

This is Charing Cross


It is one o'clock


There is still a great cloud, and very little light


Immense shafts of shadows over the black crowd


That hardly whispers aloud


And now! . . That is another dead mother,


And there is another and another and another. . .


And little children, all in black,


All with dead faces, waiting in all the waiting-places,


Wandering from the doors of the waiting-room


In the dim gloom.


These are the women of Flanders.


They await the lost.


They await the lost that shall never leave the dock;


They await the lost that shall never again come by the train


To the embraces of all these women with dead faces


They await the lost who lie dead in trench and barrier and foss

In the dark of the night


This is Charing Cross; it is past one of the clock


There is very little ligh



There is so much pain
[/align]
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاحد فبراير 26, 2017 10:14 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في هذه المساهمة، يتوغَّلُ محمد خلف داخل "موسم الهجرة إلى الشمال"، حاملاً مصباحه النقدي، ينثر به ضوءاً على بعض جوانب المحتوى والشكل في هذه الرواية، وعلاقة ذلك بالكاتب وموقعه:




هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق

-1-


كشفنا في الحلقةِ السَّابقة، عبر ما وصفناه بقناديلِ الطَّريق، الخطوطَ العريضة لشخصيَّةِ الكاتب المُراد إنشاؤها داخل النَّص، وقلنا إننا سنُجسِّدُ في هذه الحلقةِ تلك الشَّخصيَّة المنسيَّة من خلالِ أمثلةٍ تُحدِّدُ – بشكلٍ مُركَّز – النُّورَ السَّاطعَ من تلك القناديل؛ فهدفُنا من ذلك، ليس مجرد توضيحِ رؤى الكاتبِ داخل النَّص، وإنَّما تنصيبُه شخصيَّةً قائمةَ الذَّات، تماماً مثلما أن الرَّاوي في "موسم الهجرة" هو أيضاً شخصيَّةٌ قائمةُ الذاتِ، إلى جانبِ وظيفتِه السَّرديَّةِ المعهودة.
ولتذكيرِ القارئ بتلك القناديل، فإننا قلنا إن هناك منها، أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه؛ ومنها، ثانياً: ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن؛ ومنها، ثالثاً: ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. وفي كلِّ تلك المواقع الثَّلاثة، يجيءُ صوتُ الكاتبِ واضحاً، فلم يترك لنا لبساً، أو يُلهِنا بتشويشٍ، أنَّه صاحبُ القول.
وإذا كانت تلك القناديل، التي سنتعرَّض لها بالتَّفصيلِ في هذه الحلقة، قد غطَّت جانبَ المحتوى، فإن هناك ضوءً أشدَّ سطوعاً قد لَمِسَ جانبَ الشَّكل؛ وهو هذا المنحى الذي سنتعرَّضُ له أولاً، قبل فلفلةِ الحِزَمِ الضَّوئية القادمة من تلك القناديل. ففي الأسطرِ الأولى من الفصلِ الأول، الذي اعتلى فيه الرَّاوي مِنصَّة القول، جاء ما يلي:

الجُملة الأولى:
"عُدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويلة، سبعةُ أعوامٍ على وجهِ التَّحديد، كنتُ خلالها أتعلَّمُ في أوروبا".
الجملة الثَّانية:
"تعلَّمتُ الكثير، وغابَ عنٍّي الكثير، لكن تلك قصَّة أخرى".
الجملة الثَّالثة:
"المهمُّ أنني عُدتُ وبي شوقٌ عظيم إلى أهلي في تلك القريةِ الصَّغيرة عند منحنى النِّيل".

يُلاحَظُ أن بين الجملةِ الأولى التي تبدأ بعبارة "عُدتُ إلى أهلي" والجملة الثَّالثة التي تبدأ بعبارة "المهمُّ أنني عُدتُ"، تُوجدُ جملةٌ متوازِنة، تتحدَّثُ عن شَّيءٍ إيجابي ("تعلَّمتُ الكثير")، وتُقابلُه بضدِّه السَّلبي ("غاب عنِّي الكثير")؛ ثمَّ تستدركُ بأن "تلك قصَّة أخرى"، ليعودَ الرَّاوي لاستئنافِ قصَّتِه الأساسية.
وفي الأسطرِ الأولى من الفصلِ الثَّاني، الذي اعتلى فيه مصطفى سعيد مِنصَّة القول، بعد أن انتهى الفصلُ الأول بعلامةِ "نقطتَيْنِ رأسيتَيْن" ’:‘، جاء ما يلي:

الجُملة الأولى:
"إنَّها قصَّةٌ طويلة، لكنني لن أقول لكَ كلَّ شيء".
الجملة الثَّانية:
"وبعضُ التَّفاصيلِ لن تهمَّكَ كثيراً، وبعضُها ..
الجملة الثَّالثة:
"المهمُّ أنَّني كما ترى من الخُرطوم".

ويُلاحَظُ أيضاً أن بين الجملةِ الأولى التي تبدأ بعبارة "إنَّها قصَّةٌ طويلة" والجملةِ الثَّالثة التي تبدأ هي أيضاً، كما في الفصلِ الأول، بعبارة "المهمُّ أنَّني"، تُوجدُ كذلك جملةٌ متوازِنة، تتحدَّثُ عن شيءٍ سَلبيٍّ ("وبعضُ التَّفاصيلِ لن تهمَّكَ كثيراً")، وتُقابلُه بضدِّه الإيجابيِّ المفتوح، الذي تمَّ التَّعبيرُ عنه بعبارةٍ غير مكتملة ("وبعضُها .. "؛ التي تنتهي بنقطتَيْنِ أفقيتَيْن)، إلَّا أنَّها مفهومة، وتقديرُها متروكٌ للرَّاوي، الذي ستقعُ عليه لاحقاً مهمَّة الاختيار. فهذه الجملة الثَّانية المتوازِنة، الموجودة في كلا الفصلين، والقائمة بين البَدءِ الفعليِّ للقصِّ واستئنافِه بما هو "المهمُّ" فيه، بَدءاً من الجملة الثَّالثة في كليهما، هي المكانُ الإستراتيجي – من حيثُ الشَّكل – الذي تختبئُ فيه شخصيَّةُ الكاتب، التي ستفاجئنا لاحقاً ضمن محتوى القصِّ بإحداثِ التَّوازنِ تارةً، وتعليقِ الحُكمِ تارةً أخرى، ورؤيةِ الأشياءِ من كلا طرفيها في كلٍّ؛ فتلك باختصارٍ شديد هي فلسفةُ الكاتب، التي جاء التَّعبيرُ عنها بشكلٍ سردي، مثلما جاء التَّعبيرُ عنها ضمن كتاباتِ الطَّيِّب صالح النَّثرية الأخرى، إضافةً إلى مقابلاتِه المطبوعة، والمسموعة، والمرئية؛ إلَّا أننا سنُركِّزُ الآنَ على المحتوى السَّردي، وفقاً للقناديلِ التي تحدَّثنا عنها في الفقرةِ الأولى من هذه الحلقة.

أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه
قبل أن يُقابِلَ مصطفى سعيد السَّيِّدة المسكينة إيزابيلا سيمور أولَ مرَّةٍ في ركنِ الخطباء في هايد بارك، قال للرَّاوي (الذي نسمعُ من خلالِه قصَّتَه): "وقفتُ عن بُعدٍ أستمعُ إلى خطيبٍ من جزرِ الهندِ الغربية يتحدَّثُ عن مشكلةِ الملوَّنين". وقد تُوحي عبارة "الوقوف عن بُعد" نوعاً من الإيحاءِ بأن المشكلة لا تعنيه في الأصل، إلا أنَّنا نعلمُ بأن الأفريقيَّ الأسود الذي جاء إلى الحديقةِ الشَّهيرة، بحثاً عن "صيدٍ عظيم"، لم يكن بمنأًى عن مشكلةِ الملَّونين التي تُصادفُه في كلِّ منحًّى من مناحي حياته؛ فرغم إيمانِ الفتاةِ القروية شيلا غرينوود بأنه "سيجيءُ يومٌ تنعدمُ فيه الفروق"، إلَّا أنَّها تقولُ له "إن أُمِّي ستجنُّ وأبي سيقتلني إذا عَلِم أنني أُحبُّ رجلاً أسود"؛ كما يقولُ مصطفى عن المحلِّفينَ في قاعةِ المحكمة "لو أنني طلبتُ استئجارَ غرفةٍ في بيتِ أحدِهم فأغلبُ الظَّنِّ أنه سيرفض، وإذا جاءتِ ابنةُ أحدِهم تقولُ له إنَّني سأتزوَّجُ هذا الأفريقي، فيحسُّ حتماً بأن العالمَ ينهارُ تحت رجليه". لذلك، فإن العبارة ليس لها من معنًى مطابقٍ لواقعِ الحال، إلَّا إذا ربطناها بشخصيَّةِ الكاتب التي تتخفَّى في طيَّاتِ التَّعبير وبين شُقوقِ الكلام.
فخلافاً لشخصيَّة مصطفى سعيد المُصادِمة، خصوصاً إبَّان إقامته الطَّويلة بالبندرِ الكولونيالي، نجدُ أنَّ شخصيَّة الكاتب تقفُ دائماً بمنأًى عن اتِّخاذِ موقفٍ يُوحي بانحيازِها لجانبٍ من جوانبِ الصِّراع؛ كما نجدُها مُهتمَّةً أبداً بالتَّريُّثِ وإقامةِ التَّوازن – غيرِ المرئيِّ من منظورِ الأشخاصِ الذين يرَونَ الأشياءَ بعينٍ واحدة – تماماً مثلما جاء في الجملتينِ الثَّانيتين، في ذينكِ الفصلين؛ وهو السُّلوكُ الذي يتعارضُ تعارضاً تامَّاً مع ما جاء في تصوُّرِ مصطفى، الذي تمَّ التَّعبيرُ عنه في شكلِ إهداءٍ في كُرَّاسةٍ احتوت على صفحاتٍ من "سيرةِ حياته"، التي نقرأُ فيها ما يلي: "إلى الذين يرَونَ بعينٍ واحدة ويتكلَّمونَ بلسانٍ واحد ويرَونَ الأشياءَ إمَّا سوداءَ أو بيضاء، إمَّا شرقيةً أو غربية". لذلك، فإننا نُرجِّحُ دائماً وجودَ شخصيَّةِ الكاتب مُختبِئةً في أقوالِ البطلين، إذا لم يُرجِّح حديثُهما أيَّاً من كفَّتَي الميزان. وعلى سبيل المثال، قد دُهِشَ المستقبلون، عندما أجابَ الرَّاوي على أسئلتهم عن الأوروبيينَ قائلاً هم "إذا استثنينا فوارقَ ضئيلة، مثلُنا تماماً، يتزوَّجون ويربُّون أولادَهم حسب التَّقاليدِ والأصول، ولهم أخلاقٌ حسنة، وهم عموماً قومٌ طيِّبون".
فهذا الرَّأيُ المتوازِن، الذي دفع الكاتبَ نفسَه إلى تحديدِ موقفٍ حياتيٍّ من قضيةِ الصِّراعِ اللَّونِّيِّ والعرقي، يقفُ (بالنَّظرِ إلى موقفِ الشَّخصِ المُستعمَرِ) على مسافةٍ من طرحِ المفكِّر المارتنيكي، فرانز فانون، الذي يضعُ أولويةً قصوى لقضيَّةِ التَّمييز اللَّوني، التي ترتبطُ بالهوية الكولونيالية، أو الصِّراع بين المُستعمِرِ والمُستعمَر، ويرى أنها سابقةٌ لقضيَّةِ الصِّراع الطَّبقي، ولا يُمكِنُ تخفيضُها إليه أو اختزالُها فيه؛ كما يقفُ (بالنَّظرِ إلى رؤيةِ المُستعمِرِ) على مسافةٍ من تمجيدِ رسالةِ الرَّجلِ الأبيض أو إعادةِ تدويرِ استيهاماتِه الاستشراقية. بل يُمكِنُ القولُ بأن شخصيَّة مصطفى سعيد الرَّئيسية قد تمَّ بناؤها – أصلاً – وفقاً لنَسَقٍ قائمٍ على الاشتطاطِ في السُّلوك والمبالغةِ في تقديرِ المواقف، حتَّى يتسنَّى للكاتب إبراز الخللِ والتَّلفيقِ في عملية تكوين الأفكار والجنوحِ إلى التَّطرُّفِ في الممارسة، وهما العيبانِ الأساسيانِ اللَّذانِ يكتنفانِ طرفي المعادلة في حلبةِ الصِّراعِ الدُّولي (الذي يتمُّ التَّعبيرُ عنه في النَّصِّ الرِّوائيِّ، جغرافياً واقتصادياً، بجنوب-شمال؛ وتاريخياً وحضارياً، بشرق-غرب؛ وعرقياً ولونياً، بأسود-أبيض؛ وسياسياً وعنصرياً، بأفريقي-أوروبي).
وما يُلفت الانتباه في بناء شخصيَّة مصطفى سعيد هو أنَّه إضافةً إلى نبوغها المبكِّر، وجموحها في التَّفكير، وتفحُّشها في القولِ والفعل (إبَّان إقامتها الطَّويلة في البندرِ الكولونيالي)، ومفارقتها لمراعاةِ التقيُّد بالأطرِ الأخلاقيةِ المعروفة، قد شُحِنت بطاقةٍ شعرية عالية، نُثِرت في ثنايا حديثِه، ومتونِ دفاترِه، وبعضِ "قصاصاتٍ وشذورٍ متفرِّقة"، وُجِدت بين محتوياتِ غرفتِه. ولا نعني بذلك محاولتَه كتابةَ الشِّعرِ أو فشلَه في إكمالِ بيتٍ من قصيدة (فذاك ميدانُ الرَّاوي الذي تخصَّصَ في الشِّعر، واتَّخذه وسيلةً لكسبِ العيش، بعد أن أنجز بصددِه رسالةَ دكتوراة، تعقَّب فيها أثرَ شاعرٍ إنجليزي مغمور)، وإنما نقصد به ذلك الزَّخمَ النَّغمي الذي يُحيطُ بعبارتِه، فيُحرِّرُها من ربقةِ العاديِّ، ويجنحُ بها هارباً إلى مشارفِ لحظةِ الدَّهشةِ، وانبثاقِ وقتِ الجِدَّةِ؛ متألِّقاً بتفتُّقِ أكمامِ الحروفِ، وانبلاجِ نورِ الكلم.
أمَّا الكاتبُ، فقد أفرد لنا مختاراتٍ مما يروقُ له من أشعارٍ كلاسيكية وشعبية، من غيرِ مراعاةٍ أحياناً إلى أهميةِ سياقِ ورودِها في النَّص؛ ونستثني، من ذلكَ، شاعراً واحداً وقصيدةً واحدةً مترجمةً يتيمة. فالشاعرُ المُستثنى من هذا العيب النَّصي هو أبو نواس، إذ إن اتِّفاقَ الشَّخصيتَيْن الرَّئيسيتَيْن على أهميةِ شعرِه وتنبيهَهُما إلى جماليَّتِه، يُعدُّ علامةً أخرى، على مستوى الشَّكل، لانبثاقِ شخصيَّةِ الكاتبِ في النَّص. فمن جانبِه، يُشيرُ الرَّاوي، قبيل إقامتِهم "في قلبِ الصحراءِ فرحاً للَّاشيء"، إلى أبي نواس، ويقول: "هذه أرضُ اليأسِ والشِّعرِ ولا أحدَ يُغنِّي"؛ وفي عبارةٍ أخرى تُذكِّرُنا بأسلوب مصطفى سعيد، يقول الرَّاوي في نفسِ اللَّيلة: "هذه أرضُ الشِّعرِ والممكن وابنتي اسمها آمال". وفي الجانبِ الأخر، لا يكتفي مصطفى سعيد بقراءةِ عددٍ كبيرٍ من أبياتِ شعرٍ لإبي نواس، حتَّى لتكادُ تُخِلُّ بتوازنِ النَّصِّ الرِّوائي، بل يستخدِمُه في محاضرةٍ ألقاها على محفلٍ استشراقي للتَّدليلِ على "أن أبا نواس كان متصوِّفاً، وأنه جعل من الخمرِ رمزاً حمَّله جميع أشواقه الرُّوحية". وإذا كان مصطفى قد وصف كلامَه بأنه "كلامٌ مُلفَّق لا أساسَ له من الصِّحَّة"، فإن الرَّاوي قد وصف ذلك الحفلَ في الصَّحراءِ بأنه "عرسٌ بلا معنًى، مجردُ عملٍ يائس نبع ارتجالاً كالأعاصيرِ التي تنبعُ في الصَّحراءِ ثمَّ تموت". وفي كلا الوصفَيْنِ الانتقاديَيْن، تشرئبُّ شخصيَّة الكاتب القادرة على نقدِ المكتوب، والتي يجمعُها أبو نواسٍ بالشخصيَّتَيْن الرئيسيتَيْن الأُخريَيْن عبر الاتِّفاقِ على قوَّة شاعريته.
وقد استثنينا أيضاً قصيدة "أنتويرب" المترجمة، التي استُخدِمَ مقطعٌ من قسمِها السَّادس، ليس للإشارةِ فقط إلى زمنِ وقوعِ أحداثِ الرِّواية، وهي فترةُ ما بين الحربين، وإنما للنَّظرِ إليها أيضاً كأساسٍ لتوزيعِ أنصبةِ المعلومات، وتقييمِ الشَّخصياتِ، وفقاً لمقدارِ المعرفة بالقصيدة، واستكناهِ دلالاتِها العميقة. ووفقاً لهذا المعيار، لا يُمكِنُ لنا الجزمُ حتَّى الآن بما قدَّمناه من دلائلَ نصيَّة بأن شخصيَّة الكاتب هي أهمُّ الشَّخصيات؛ وربَّما إذا تسنَّى لنا لاحقاً تقديمُ مزيدٍ من الدَّلائل، أن نخلُصَ إلى الزَّعمِ بأن شخصيَّة الكاتب أقدرُ من غيرِها على تقييمِ دلالاتِ القصيدة؛ وعندها فقط، سنلجأُ إلى الكاتبِ نفسِه، عبر كتاباتِه الأخرى، للتَّدليلِ على صِحَّة هذا الزَّعم.

سنُكمِلُ هذه الحلقة بمشاركةٍ أخرى تتعرَّض لبقية القناديل؛ ومنها، ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن؛ وما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:12 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في المساهمة السابقة، أو الحلقة الأولى، وفي المفصل الأول الذي جاء تحت عنوان: "أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه"، سعى محمد خلف إلى البحث في طيَّات "موسم الهجرة إلى الشمال" عن دلائل تساعده على إنشاء الكاتب كـ"شخصية قائمة الذات". وفي هذه الحلقة، يشرعُ، بعد أن يُذكِّرَ القارئ/االقارئة بالمحاور الثلاثة التي تنهض عليها أطروحته، في إلقاء ضوء على شخصية محجوب، الراوي ومصطفي سعيد، كشخصيات منفردة ومتعالقة، أو متكاملة ومتناقضة، في نفس الوقت:



هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق
-2-



قبل المُضي قُدُماً في صياغةِ فقراتِ هذه الحلقةِ الخاصَّة باستكمالِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب من خلال تتبُّعِ خيوطِ الضَّوء الصَّادرة من قناديلِ الطَّريق، نودُّ أن نُذَكِّرَ القارئ بالمحاورِ الرَّئيسية الثَّلاثة لمجملِ هذه المشاركاتِ حول كتاباتِ الطَّيِّب صالح؛ وهي، كما يُدرِكُ المتابعون ذوو الذَّاكرةِ النَّشِطة: أولاً، محورُ البندرِ الكولونيالي، ويُمثِّله خيرَ تمثيلٍ شخصيَّة مصطفى سعيد، رغم وجودِ الرَّاوي لسنينَ عدداً في نفسِ المكان؛ وثانياً، محورُ الوطنِ الأم، ويُمثِّله شخصيَّة الرَّاوي، رغم وجودِ شخصياتٍ أخرى تُضارِعُه، وربَّما تُصارِعُه أيضاً - مجازياً وحرفياً - مثل شخصيَّة محجوب؛ وثالثاً، محور العُمق الحضاري، الذي يُمثِّله شخصيَّة الكاتب، التي نحاول ضمن هذه المشاركاتِ الأخيرة أن نُنشئها إنشاءً داخل النَّص، حتَّى يتسنَّى لنا بسطُ الحيثياتِ الأساسية المتعلِّقة بتلك المحاور.
بمعنًى آخر، إننا لم نبدأ بعدُ في الدُّخول في صُلبِ الموضوع، ولم نُفلِح حتَّى الآن في الاقترابِ الحميمِ من المحاور الثَّلاثة، على الرَّغم ممَّا نثرناه من معلومات، وما أبديناه من ملاحظات، وما بنيناه من خططٍ أوليَّةٍ بشأنِ إستراتيجيَّةِ القراءة وبدءِ التَّحليل. وإنْ قالَ قائلٌ أو سألَ سائلٌ لماذا لا نختصر الطَّريق، ونذهب إلى الكاتب مباشرةً، بدلاً عن التَّكهُّن بوجودِه داخل النَّص، فأفكارُه منثورةٌ في أكثرَ من نوعٍ أدبي؛ فهناك الأعمالُ النَّثرية، والبرامجُ الإذاعية والتِّلفزيونية، والمقابلاتُ العديدة في الصُّحف والمجلَّات؛ هذا بالطَّبع إلى جانبِ أعمالِه السَّردية الشَّهيرة، التي تشمل الرِّواية (مثل "موسم الهجرة إلى الشَّمال")، والقصَّة الطَّويلة (مثل "دومة ود حامد")، والقصَّة القصيرة (مثل "نخلة على الجدول")، والمقدِّمات الأكثر قِصَرَاً (مثل "خطوة إلى الأمام" أو "لكَ حتَّى المَمَات").
نُجيبُ على هذا السَّائلِ الافتراضيِّ بالقول: بالطَّبع، من الممكن أن نذهبَ مباشرةً إلى الكاتبِ نفسِه، فنُنازعُه القول؛ ونقعدَ له كلَّ مرصد، فنُمسِكُه من لسانِه أو يدِه التي تُوجِعُه، ونتتبَّعَ خُطواتِه، ونتصيَّدَ هفواتِه؛ إلَّا أنَّ هذا، بعبارةِ معاوية محمَّد نور، لا يؤدِّي. بل إنَّ الشَّكلَ الأثيرَ الذي اختاره الكاتبُ منذ وقتٍ مبكِّرٍ للتَّعبيرِ عن أفكارِه، هو الجهةُ التي يكونُ الرُّجوعُ إليها "أنورَ وأبهر"، بعبارةِ الجَرجاني المُنيرة. ومن أجلِ هذا، سنُحاولُ أولاً أن نُنشئَ شخصيَّة الكاتب داخل النَّص، للتَّعرُّفِ على آرائه الفكرية العميقة من خلال وسيطٍ سردي، وعبر ما يجيءُ على ألسِنةِ شخصيَّاتٍ رئيسية، من ضمنها شخصيَّة الكاتب الواقعة قيد الإنشاء؛ ثم يُمكنُ لنا، من بعدُ، أن نرجعَ للكاتبِ الواقعيِّ نفسِه، للتيقُّنِ من صحَّة ما نزعمُ به من أقوالٍ معقولة أو آراءَ تتبدَّى لنا وجاهتُها ضمن هذه المشاركات المُخصَّصة لاستكشافِ عالم الطَّيب صالح من خلالِ محاورَ رئيسيةٍ ثلاثة.


ثانياً: ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن
(كان القنديلُ الأول الذي تعرَّضنا لقبسٍ من نورِه في المُشاركةِ السَّابقة، هو: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه)


يُتيحُ لنا الضَّوءُ السَّاطعُ من هذا القنديل أن نتعرَّضَ أيضاً لشخصيَّة محجوب، الذي أنشأ الكاتبُ بينها وبين شخصيَّة الرَّاوي توأمةً، مثلما أنشأها بين الأخيرِ ومصطفى سعيد، حتَّى لكأنَّ الثَّلاثةَ يُشكِّلونَ فيما بينهم مجموعةً مكوَّنةً من ثلاثةِ توائم، مع الفارقِ الجوهريِّ في عملية بناء وتكوُّنِ الشَّخصيَّة الرِّوائية لدى ثلاثتهم؛ فإذا أخذنا الرَّاوي كأساسٍ للمقارنة، فإن شخصيَّة مصطفى سعيد تُمثِّلُ، في بعضٍ من جوانبها الإيجابية، توقَ الرَّاوي الرُّوحي، كما تُمثِّلُ في ذاتِ الوقتِ انعكاساً لفشلِه الفكريَّ والعاطفي، رغم نجاحِه الأكاديمي، الذي يتمُّ التَّأكيدُ عليه بـِ"انتصاره" في نَيلِ شهادة الدُّكتوراة؛ وهي نفسُ الشَّهادة التي تتراءى للرَّاوي في بعضِ حالاتِ ضعفِه المعنويِّ رمزاً لخيبته، خصوصاً إذا ما قورن ذلك بالنَّجاح الاجتماعي والسِّياسي الذي لقيه محجوبٌ في مجتمعِ القرية، وفي البلدِ برُمَّتِه، من خلالِ مشاركتِه الفاعلة في الأحزابِ السِّياسية، والجمعياتِ التَّعاونية (التي توطَّدت من خلالها في المَقامِ الأوَّلِ علاقتُه بمصطفى سعيد)، والمناسباتِ الاجتماعيةِ الرَّئيسية (زواج - طلاق- سماية – ختان – كرامة – غسل ميِّت – دفن جنازة – إقامة مأتم – إكرام ضيف – استقبال وفد – أو استضافة عابر سبيل).
لو لم يواصلِ الرَّاوي تعليمَه، لصارَ مثل محجوبٍ تماماً؛ ولو لم يخُض مصطفى سعيد معاركَه الكيشوتية (نسبةً إلى دون كيخوتة دي لا مانتشا في رواية سيرفانتيس، الذي اشتُهر باستخدامِ مَلَكَةِ الخيال لتحويلِ الواقع المُحيط به إلى استيهاماتٍ مُقنِعةٍ لِمَن حولِه) لرَجَعَ إلى الوطنِ مثل الرَّاوي، ولأصبحَ موظَّفاً "لا يقدِّم ولا يؤخِّر". إلَّا أن محور البندر الكولونيالي، مع ذلك، لا يُمكِنُ له أن يعملَ داخل الرِّواية من غير التَّفاعل الضَّروري بين شخصيَّتَيْ الرَّاوي ومصطفى سعيد؛ كما لا يُمكِنُ لمحورِ الوطنِ الأمِّ أن يكتسبَ قيمةً من غير تفاعلِ هاتين الشَّخصيتين مع محجوب؛ أمَّا محور العُمق الحضاري، فلا سبيلَ إلى إقامتِه في الأساس من غيرِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب، التي تتبدَّى من خلال كلِّ تلك الشَّخصيَّات، والتي نستبصرُ من خلالها أيضاً رؤية الكاتب ذاتِه، عبر بعضِ المواقف الفكرية المُعلنة أو المُواربة، حسب كلِّ حالةٍ على حِدَة؛ وهو ما سيتمُّ التَّنبيه عليه في حينه.
للرَّاوي – كما لمصطفى سعيد – تقديرٌ عميق لمحجوب، صديقِ صباه ورفيق مدرسته الأولية؛ وكان يحبُّه حبَّاً جمَّاً (يُقاربُ حبِّي لأخي محجوب، الذي سمَّيتُ عليه ابني محجوباً، تيمُّناً به؛ وربَّما جاءتِ التّسميَّةُ – لا شعورياً – بتأثيرٍ من شخصيَّة محجوب الآسِرة)؛ ومع ذلك، فقد كان انقطاعُ تعليمِ أحدِهما ومواصلةُ آخر (وهي عينُ المشكلة التي برزت إلى الوجود مع انبثاقِ المدارس التي كان النَّاسُ "يظنونها شرَّاً عظيماً جاءهم مع جيوش الاحتلال"، والتي واكبتِ "الخلاوي" حيناً، ثمَّ حلَّت محلَّها في نهاية المطاف) سبباً في أن أصبح الرَّاوي لا يستطيعُ أن يُطلِعَ محجوباً على ما أحاطنا عِلماً به نحنُ معشرَ القراء، فنراه يُنصِبُ لنا على التَّخصيصِ كلاماً يُخفِضُه تحت رادارِ محجوبٍ؛ فيقول، بعد أن أجابَ محجوباً بإجابةٍ مُقتضَبة بشأنِ سؤالِه عن الأوروبيين "هل بينهم مزارعون": "وآثرتُ ألا أقولُ بقيَّة ما خطرَ على بالي"، ثم يستدركُ بالقول: "لم أقلْ لمحجوبٍ هذا، وليتني قلت، فقد كان ذكياً. خِفتُ، من غروري، ألَّا يفهم".
عندما نُحلِّل محتوى الكلام الذي باحَ به الرَّاوي لنا، وأخفاه عن محجوب، نلاحظُ نفسَ السِّمةِ التي تحدَّثنا عنها من قبل، وهي إحداثُ التَّوازنِ عن طريق المقابلة الضِّدية، التي تظهرُ في عباراتٍ مثل: "يولدون ويموتون"؛ "من المهدِ إلى اللَّحد"؛ "بعضُها يصدق وبعضُها يخيب"؛ "فيهم أقوياء وبينهم مُستضعفون"؛ "بعضُهم أعطته الحياة ..، وبعضُهم حرمته الحياة"؛ إلى أن يخلُص في حديثه عن الأوروبيين بالقول: "لكن الفروقَ تضيقُ وأغلبُ الفقراءِ لم يعودوا فقراء". وهذا النَّوعُ من الموازناتِ هو سمةٌ فكرية لدى جمهرةِ المتعلِّمينَ تعليماً عالياً؛ يتَّخذ عند البعضِ منحًى إيجابياً، فيساعدُ على التَّريُّثِ والبعدِ عن التَّهورِ أو التَّطرُّفِ الطَّائش؛ ويتَّخذُ عند البعضِ الآخرِ منحًى سلبياً، فيقودُ إلى التَّردُّدِ والحَيرةِ شبهِ الدَّائمة، كما في حالة "هاملت" أميرِ الدَّنمارك في مسرحية وليام شكسبير الشَّهيرة (التي تتلخَّص في "مونولوجه" الأشهر، الذي يناجي فيه نفسه قائلاً: "أنْ أكونَ أو ألَّا أكون، تلك هي المسألة" أو بلغةِ شكسبير نفسِها: "تو بي أور نوت تو بي، زات إز زا كويسشن").
نلمسُ هذا التَّردُّد الطَّويل بين القطبين عند مصطفى سعيد، الذي يقول للرَّاوي: "إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله، الأمر الذي جرَّبته في هذه القرية، مع هؤلاء القوم السُّعداء. ولكن أشياءَ مُبهمة في روحي وفي دمي تدفعُني إلى مناطقَ بعيدةٍ تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها". كما نلمسه بشكلٍ أحَدَّ عند الرَّاوي نفسِه، خصوصاً على مشارفِ انتهاءِ الرِّواية عند منتصفِ النَّهر، حيث يقول: "كانتِ الأشياءُ على الشَّاطئينِ نصفَ واضحة، تبينُ وتختفي، بين النُّورِ والظَّلام"؛ أصبحتُ بين العمى والبصر. كنتُ أعي ولا أعي. هل أنا نائمٌ أم يقظان؟ هل أنا حيُّ أم ميِّت؟؛ ثمَّ يقول: "تلفَّتُّ يُمنةً ويُسرة، فإذا أنا في منتصفِ الطَّريق بين الشَّمالِ والجنوب"؛ وفي تلخيصٍ كاملٍ لمجمل حياته، يقول: "طول حياتي لم أختر، ولم أقرِّر. إنني أُقرِّرُ الآنَ إنني أختارُ الحياة". لكن أيَّ نوعٍ من الحياة، وضمن أيٍّ من الشُّروط؟ ويُجيبُ الرَّاوي بإجابةٍ لا تحملُ في طيَّاتها حلَّاً لحَيرته الطَّويلة، فيقول: "لا يعنيني إنْ كان للحياةِ معنًى أو لم يكن لها معنًى"؛ ثمَّ لا يلبثُ أنْ يصرخَ في نهايةِ الرِّواية: "النَّجدة. النَّجدة".

سنُكمِلُ هذه الحلقة بمشاركةٍ ختامية، نستعرضُ فيها ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. وربَّما شرعنا بعدها في تناولِ المحاور الثَّلاثة، كلَّاً على حِدَة.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الثلاثاء مارس 21, 2017 10:17 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

تعرَّفت مؤخراً - عبر الفِيسبُكْ - على شابٍّ سوداني يافع، ذي علاقة ليست عابرة بالثقافة والإبداع، كما أكَّدت لي بعض انتقاءاته وتعليقاته النقدية؛ ذلكم هو الشاب عاطف جمال، الذي تعرَّفت إليه - بشكل أكثر دِقَّة - عبر بوست له في صفحته بالفِيسبُكْ، قدَّم من خلاله مقالاً نقدياً لصديقٍ مجايل له، يتمتَّعُ بكتابةٍ نقدية ذكية وبصيرة، هو مأمون الجاك. ثم لم تلبث تداعيات الحوار الذي تفجَّر بمناسبة مقال مأمون (الذي كان عنوانه: "قراءة لقراءات: القراءة كحدث") أن قاد إلى ورود اسمي في ذلك البوست. فذهبت لأفاجأ وأسعد بهذين الشابين (وكنت قبلهما قد سعدت بمعرفة ثالثهما، خالد عمر، الذي ربطني بكلا الاثنين). أتطلَّعُ إلى، بل أتوقَّعُ، أن نسمع عن الثلاثة قريباً ما يغبِطُ ويشرِّفُ، في حقلَيْ الكتابة الإبداعية والنقدية.

وفيما يخص جمال، فقد تفتَّحت بيننا مراسلة حميمة عبر الفِيسبُكْ، قادت إلى أن يطالع بوست "الحِصَّة قِصَّة"، ويكتب - عبر رسالةٍ خاصة - التعليق التالي عن "رسالة محمد خلف" والمساهمات التالية له:


أجمل ما حدث لي في العام الجاري هو معرفة التواصل معك، وثانيهما على الترتيب دلُّك واقتراحُك لي بقراءة ما ورد في "سودانفورول" من طرف صديقك محمد خلف؛ وربما لم أقرأ يوماً في منتدًى سوداني أو أيَّاً كان نوعه من المنتديات مثل هذا التدفُّق المعرفي، والإبداع اللامتناهي من أستاذ محمد خلف. رسائله تنهض وتحرِّض على القراءة الحُرَّة في شتَّى المعارف؛ بدأت بالسرد وتفرَّعت إلى الفلسفة، العلوم الطبيعية، التأريخ والأدب - ولا ننسى الدين، لكنَّها ما زالت تحافظ على مضمون السرد الذي بدأ به رسالته. قراءة واحدة لا تكفي .. وقراءة ثانية ربَّما تقرِّبني لفهم الحق والحقيقة بمفهومَيْهما العلميِّ والديني؛ والقراءة الثالثة والعاشرة لتذوُّق هذا الكمَّ المعرفيَّ الممزوج بالذاتيِّ السِّيَرِي. الرسالة التي افتتح بها أستاذ محمد خلف عصفَه المعرفي، أجملُ رسالةٍ أقرأها على الإطلاق، لا تشبه رسائل كازانتزاكي، كافكا، ولا حتَّى رسائل دوستويفسكي التي قرأتها. هي مزيجٌ من السرد والمعرفة المرتبطة بالذاتي. لن أَجِدَ وصفاً أفضل من وصفِ الأستاذ عبدالواحد ورَّاق في رسالته إلى الأستاذ المثقَّف - بكلِّ ما تحمله الكلمة من معانٍ - محمد خلف: "ذكروا أنَّ في الصحراء واحةً لا يعثر عليها إلا المُوشِك على الهلاك. في كلِّ مرَّة يا خلف تأتي مقالتك بمثابة الواحة الظليلة والتي يتوفَّر فيها الماء العذب والتمر المُشْبِع والفاكهة الدانية والظلال الرحيبة الممتدَّة...ونحن في هذا العالم نسير في أكثر من صحراء؛ وقبل أن يتلقَّفنا الهلاك، نظفر بإبداعك. ..الذروة، ثم القلب". أنا ممتنٌّ جدَّاً لك، ومحظوظٌ جدَّاً بقراءةِ مثل هذا الكمِّ من المعرفة، التي هي حصيلة تراكم سنين من القراءة منك وأستاذ محمد خلف والمتداخلين من شتَّى بقاع الأرض. شكراً لك مرَّةً أخرى يا دكتور، وسعادتي لا تحدُّها حدود بالتواصل معك؛ وبالتأكيد ستكون لي زيارة لملبورن في القريب العاجل. تحيَّاتي لأسرتك الكريمة وإلى الأستاذ محمد خلف، وبلِّغه شكرنا الخاص نيابةً عن أصدقائي للدفقِ العلميِّ الرحيب، والذي بالتأكيد سنستفيد منه أنا وجيلي والأجيال التي تلينا.

عاطف جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاثنين مارس 27, 2017 6:24 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وهذه هي الحلقة الثالثة، والأخيرة، من التمهيد الذي أراد به محمد خلف تعبيد الطريق إلى مقاربةٍ أعمق لرواية "موْسِم الهِجرة إلى الشَّمال"؛ وهي مقاربةٌ سوف تنهض على محاورَ رئيسةٍ ثلاثة: البندر الكولونيالي، الوطن الأم، والعُمق الحضاري الشَّامل؛ فيستهلُّ خلف هذه الحلقة بتأمُّلٍ في بُعدٍ من أبعاد الشكل لهذه الرواية، وهو الزمن السردي، كشرطٍ من شروط "إنشاء الكاتب كذاتٍ مستقلَّة داخل النَّص"؛ ثم يدلف إلى تأمُّلٍ في عباراتٍ، يراها مفاتيحَ، تنتمي لمحتوى الرواية، لتدلَّ، أيضاً، على "إنشاء الكاتب كذاتٍ مستقلَّة داخل النَّص":



هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق

-3-




قلنا في المُشاركةِ السَّابقة إنَّنا سنُكمِلُ هذه الحلقة بمُشاركةٍ أخرى ختامية، نستعرضُ فيها ما انكشفَ لنا تحت ضوءِ آخرِ قناديلِ الطَّريق، والذي سيجيءُ هنا في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. إلَّا أنَّه قبل المُضي قُدُماً في استكمالِ فقراتِ هذه الحلقةِ الختامية، التي تمهِّد إلى تناولِ المحاور الثَّلاثة، كلَّاً على حِدَة، نودُّ أن نقفَ لوهلةٍ قصيرة أمام عنصرٍ آخرَ من عناصرِ الشَّكل، وهو الزَّمنُ السَّردي، حتَّى نطمئنَ قليلاً إلى استيفاءِ شروطِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب، من جهةِ الشَّكل؛ قبل أن نستيقنَ تماماً من استيفائها، بعونٍ من قبسِ هذا القنديل الأخير، من جهةِ المحتوى.
سبق أن أشرنا في بدايةِ هذه الحلقاتِ إلى أنَّ الغرضَ الخفيَّ من إلقاءِ مصطفى سعيد لأبياتٍ من مقطع "هذه محطَّة تشارنغ كروس"، من قصيدة "أنتويرب" للشَّاعر والرِّوائي الإنجليزي، فورد مادوكس هيفر، التي تناولَ فيها أوضاعاً إنسانية تسبَّبت فيها الحربُ العالمية الأولى، هو رسمُ تحديدٍ دقيق، إلَّا أنَّه غيرُ مألوفٍ، للزَّمن الرِّوائي في "موسم الهجرة"؛ وهو فترة ما بين الحربين في أوروبا، وهي الفترةُ التي يتحدَّثُ عنها مصطفى سعيد بقولِه: "ثلاثون عاماً. كان شجرُ الصَّفصافِ يبيَضُّ ويخضَرُّ ويصفَرُّ في الحدائق، وطيرُ الوقواقِ يُغنِّي للرَّبيعِ كلَّ عام. ثلاثون عاماً وقاعة ألبرت تغصُّ كلَّ ليلةٍ بعشَّاقِ بيتهوفنَ وباخ، والمطابعُ تُخرِجُ آلافَ الكتبِ في الفنِ والفكر". وإذا كان هذا التَّحديدُ هو في الأساسِ تأطيرٌ زمنيٌّ لفعاليَّةِ شخصيَّة مصطفى داخل البندر الكولونيالي، فإنَّ زمنَ السَّردِ في الرِّواية - الذي يبدأ من أولِ جملةٍ مُكتمِلةٍ فيها: "عُدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويلة، سبعةِ أعوامٍ على وجهِ التَّحديد، كنتُ خلالها أتعلَّمُ في أوروبا"، وينتهي بالاستنجاد - هو تأطيرٌ زمنيٌّ لفعاليَّةِ الرَّاوي، حيثُ يتقاطعُ آخرُ سنواتِه في القرية مع آخرِ عهدِ مصطفي سعيد فيها.
إذا كان الأمرُ كذلك، ونحنُ بصددِ إنشاءِ شخصيَّةِ الكاتب، كيف يتسنَّى لنا إذاً تحديدُ زمنِه السَّردي، الذي ينبثقُ منه تأطيرٌ لفعاليَّته النَّصِّيَّةِ قائمةِ الذَّات؟ من الواضح أنَّنا لا نستطيعُ أن نجترحَ له زمناً يتطابقُ مع زمنِ شخصيَّة مصطفى سعيد أو الرَّاوي، وإلَّا لكانَ هو أحدُهما أو كلاهُما، إذ إنَّنا نعتمدُ على فرقٍ ناتجٍ عن تميُّزِهما، لإبرازِ وجودِه كشخصيَّةٍ مستقِلَّةٍ عن كليهما؛ كما لا يُمكِنُ، لنفسِ السَّببِ، أن نستخلِصه من سياقِ أقوالِهما، من ناحيةِ الشَّكل، كما استخلصناه تحت ضوء القناديل، وكما سنستخلصه في الفقرة "ثالثاً" أدناه، من ناحية المحتوى. إلَّا أنَّنا سننظرُ إلى حديثٍ صدر عن الرَّاوي في وقتٍ مبكِّرٍ من زمنه السَّردي، باعتباره مؤشِّراً على وجودِ زمنٍ سرديٍّ آخرَ، هو في رأينا زمنٌ خاصٌّ بشخصيَّة الكاتب قيد الإنشاء. ومن اللَّافت في ذلك الحديث، الذي سنستعرضُ طرفاً منه في الفقرةِ التَّالية، أنَّ الرَّاوي أوصله لنا معشرَ القراء بعد أن فَرَغَ من الإجابةِ على أسئلةِ الأهلِ والزُّوار، وبدأ يعتادُ على إقامتِه بينهم، ولمَّا تمضي سوى أيَّامٍ قليلة عُقبَ عودتِه إلى القرية؛ إضافةً إلى أنَّه قد رواه لنا من مكانِه الأثير، "عند جذعِ شجرةِ طلحٍ على ضفَّةِ النَّهر"، حيث كان يقضي عندها ساعاتٍ طويلة إبَّانَ طفولته.
فبعدَ أن جابَ الرَّاوي القريةَ "طولاً وعرضاً، معزِّياً ومهنِّئاً"، استجابةً لرغباتِ أمِّه التي كانت تقفُ له "بالمرصاد"، ذهب ذاتَ يومٍ إلى مكانِه الأثير، ليُحدِّثنا من عند تلك الشَّجرةِ على ضفَّةِ النَّهر، قائلاً: "ورأيتُ الضَّفَّةَ تتقهقرُ عاماً بعد عام أمام لطماتِ المياه، وفي جانبٍ آخرَ يتقهقرُ الماء أمامها. وكانت تخطرُ في ذهني أحياناً أفكارٌ غريبة. كنتُ أُفكِّرُ، وأنا أرى الشَّاطئَ يضيقُ في مكان، ويتَّسِعُ في مكان، أن ذلك شأن الحياة، تعطي بيدٍ وتأخذُ باليدِ الأخرى. لكن لعلني أدرَكتُ ذلك فيما بعد. أنا الآن، على أيِّ حال، أُدرِكُ هذه الحكمة، لكن بذهني فقط". قد قال الرَّاوي ذلك، بعد أن استرجَعَ – أولاً - طرفاً من ذكرياتِ طفولتِه في ذلك المكان، وبعد أن لاحَظَ – ثانياً – تغيُّراً بطيئاً طرأ على البلد؛ الأمر الذي يعني أنَّ ما أكَّدناه من قولِه بالخطِّ الدَّاكنِ العريض قد حَدَثَ في زمنٍ مُتميِّزٍ تالٍ، نزعمُ أنَّه زمنٌ سرديٌّ مُخصَّصٌ لشَّخصيَّةِ الكاتب.
وما يُقوِّي الاعتقادَ بهذا الزَّعم، أنَّنا نجدُ في طيَّاتِ حديثِ الرَّاوي عند جذعِ الشَّجرةِ على ضفَّةِ النَّهر نفسَ خاصِّية الكلام المُتوازن، عبر استخدامِ سلسلةٍ من المُتقابِلاتِ الضِّدِّيَّة: "ضفَّةٌ تتقهقرُ أمام المياه، وماءٌ يتقهقرُ أمامها"؛ شاطئٌ "يضيقُ" و"يتَّسعُ"؛ وحياةٌ "تعطي بيدٍ وتأخذُ باليدِ الأخرى". إلَّا أنَّ ما يُعَضِّدُ الزَّعمَ ويسندُه بدفعةٍ أقوى، هو اشتمالُ حديثِ الرَّاوي في هذا الموضِعِ بالذَّاتِ على عباراتٍ تُذَكِّرُنا أو بالأحرى تُوهمُنا بأنَّ قائلها هو مصطفى سعيد، صاحبُ الدِّيباجَةِ القويَّة والعبارةِ الشِّعريةِ المُميَّزة التي لا تُخطئُها الأُذُنُ أو العين: "ثمَّةُ آفاقٌ كثيرة لا بُدَّ أنْ تُزار، ثمَّةُ ثمارٌ يجبُ أنْ تُقطف، كتبٌ كثيرة تُقرأ، وصفحاتٌ بيضاءُ في سِجِلِّ العُمُرِ، سأكتبُ فيها جُمَلاً واضحة بخطٍّ جريء".

ثالثاً: ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلات

في بيتِ شابٍّ سوداني، زميلِ دراسةٍ للرَّاوي، دَارَ نقاشٌ طويل بين المُضيف "منصور" ورجلٍ إنكليزي اسمه "رتشارد"، كان يعملُ في وزارةِ المالية. لم يشتركِ الرَّاوي في الحوار، لكنه تدخَّلَ فقط "دون وعيٍ" لتصحيحِ معلوماتٍ وردت في الحديثِ عن مصطفى سعيد؛ ثم قال فيما يُشبِهُ التَّلخيصَ لآراءِ المتحاورَيْن: "وبينما منصور يُفنِّدُ آراءَ رتشارد، أخلَدتُ أنا إلى أفكاري؛ ما جدوى النِّقاش؟ هذا الرَّجل – رتشارد – هو الآخَرُ متعصِّب. كلُّ أحدٍ متعصِّب بطريقةٍ أو بأخرى". وبعد وصفِ الرَّاوي لإحساسِ الرَّجلِ الأبيض "بإحساسِ الاحتقار الذي يحِسُّه القويُّ تجاه الضَّعيف"، أشار إلى عبارةٍ قالها مصطفى سعيد لهم (أي الرَّجل الأبيض، بوصفِه اسمَ جنس): "إنَّني جئتُكم غازياً"؛ ويقول عنها الرَّاوي معلِّقاً: "عبارةٌ ميلودراميةٌ ولا شك. لكن مجيئهم، هم أيضاً، لم يكن مأساةً كما نُصوِّرُ نحن، ولا نعمةً كما يُصوِّرون هم". ونُلاحظُ هنا أنَّ الرَّاوي يُعبِّر، عموماً، في وصفِه للرَّجلِ الأبيض عن رأيٍّ لا يختلفُ كثيراً عن الفطرةِ السَّليمة التي ترصِدُ الحقائقَ النَّفسيَّة المتعلِّقة بسايكلوجيَّةِ الشَّخصِ القويِّ إزاءَ تعاملِه في الغالبِ الأعمِّ مع الشَّخصِ الضَّعيف؛ إلَّا أنه عندما يسعى إلى تلخيصِ الآراء أو يلجأ إلى الاعتمادِ على التَّعليق، فإنه يصدُر عن عقلٍ جُبِلَ على إقامةِ الموازناتِ الدَّقيقة، والنَّظرِ إلى جانبَيْ المسألة، دونَ تحيُّزٍ لطرفٍ على آخر، مهما مالت قناعاتُه الرَّاسخة إلى أيٍّ منهما؛ الأمر الذي يُوشِي بأنَّ شخصيَّة الكاتب هي التي تتحدَّثُ في موضِعَيْ التَّلخيص والتَّعليقِ المذكورَيْنِ أعلاه.
ويُعلِّقُ الرَّاوي على تعلُّقِ إيزابيلا سيمور المَرَضِيِّ بمصطفى سعيد بقوله: "ياللغرابة. يا للسُّخرية. الإنسان لمجرد أنَّه خُلِقَ عند خطِّ الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبداً، وبعضهم يعتبرونه إلهاً. أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟". ويُوظِّفُ الرَّاوي استعارةَ "خطِّ الاستواء" أيضاً في ختامِ تعليقِه على النِّقاشِ الطَّويل الذي دَارَ بين "منصور" و"رتشارد": "كانا يقولانِ كلاماً مثل هذا، ويضحكانِ على مرمى حجرٍ من خطِّ الاستواء، تفصِلُ بينهما هُوَّةٌ تاريخية ليس لها قرار". وتلك هي النُّقطة العميقة التي تُشيرُ إليها شخصيَّة الكاتب باستمرار، سواءً جاءت في طيَّاتِ أحاديثِ الرَّاوي أو تعاريجِ عباراتِ مصطفى سعيد؛ ففيها دائماً محاولةٌ للتَّقريبِ بين الآراءِ المتقابلة أو التَّنبيهِ إلى نقاطِ تلاقيها، سعياً للاعتدال، على الرَّغمِ من مقتضياتِ الواقعِ التاريخي، الذي يُطيلُ أمدَ الانقسام. وعندما يخلُصُ الرَّاوي إلى القول: "لا يُوجدُ في الدُّنيا عدلٌ ولا اعتدال" أو يستشهدُ بعد هذه العبارةِ مباشرةً بقولِ مصطفى سعيد: "إنَّما أنا لا أطلبُ المجدَ، فمثلي لا يطلبُ المجد"، فإننا نستشفُّ لدى شخصيَّة الكاتب قيد الإنشاء حنيناً جارفاً إلى إقامةِ العدل وتحقيقِ الاعتدال، تماماً مثلما يصرخُ طفلٌ بشكلٍ عفوي: "هذا ظلم" ("إتس أنفير")، طالباً من والدَيْه أو أقرب الأقربين لديه تحقيقَ إنصافٍ أو عدلٍ فوري، إنْ لم نقل تحقيقَ اعتدالٍ يدرأ عنه في مُقبلِ أيامِه مغبَّةِ الجُنُوحِ والتَّطرُّف.
أثناء عودة الرَّاوي للخرطوم، عبر الطَّريق الصَّحراوي، بعد احتفالِهم بختانِ ولدَيْ مصطفى سعيد (سعيد ومحمود)، "وفي حالةٍ تقرُبُ من الحُمَّى"، طافت برأسِه، حسب قولِه "نُتَفٌ من أفكار"؛ إلَّا أنَّ فكرةً رئيسيةً ظلَّت تتخلَّلُ هذه "النُّتف"، وهي الحربُ الدَّائرة بين الشَّمسِ والصَّحراء، والتي يروحُ ضحيَّةً لها أفرادٌ قلائلُ تجلبُهم ظروفٌ قاهرة إلى أَتُونِها؛ وهي ’الحربُ‘ التي تنتهي يومياً "فجأةً بالنَّصر"، بقدومِ اللَّيل؛ وعنده، يُصبِحُ "شفقُ المغيبِ ليس دماً، ولكنه حناءٌ في قدمِ المرأة، والنَّسيمُ الذي يُلاحقُنا من وادي النِّيل يحملُ عطراً لن ينضُبَ في خيالي ما دُمتُ حيَّاً". وما يُكسِبُ هذه الفكرة "الواضحة وضوحَ الشَّمس" غموضاً، هو أنَّ الرَّاوي (ومن حقِّنا الآنَ أن نقولَ شخصيَّة الكاتب التي تتكلَّم من خلالِه) يُحاولُ أن يعتمدَ السَّرد أساساً للتَّحاورِ مع نصٍّ آخرَ (هو نصُّ "الغريب" للكاتب الفرنسي ألبير كامو) وفلسفةٍ أُخرى (هي الفلسفةُ الوجودية، التي كانت رائجةً إبَّانَ صدورِ رواية "الموسم")؛ سنُرجئُ مناقشتها إلى حين تناولِ محور البندر الكولونيالي؛ ولكنَّنا سنُشيرُ في الفقرةِ التَّالية إلى كيف قادنا الكاتب، عبارةً على إثرِ أخرى، لتوضيحِ تداخُلِ نصِّه، أو تحاورِه الذَّكي، مع نصٍّ أوروبيٍّ أيقونيٍّ شهير.
بدأ الرَّاوي بالقول إن السيَّارة في رحلةِ عودتِه إلى الخرطوم قد تحرَّكت "في أولِ الصَّباح"، ثم سارت شرقاً ساعتَيْن، إلى أن "ضربت في الصحراء". وعندها يقول الرَّاوي مباشرةً: "لا يُوجدُ مأوًى من الشَّمسِ التي تصعُدُ في السَّماءِ بخطواتٍ بطيئة، وتصبُّ أشِعَّتَها على الأرضِ كأنَّ بينها وبين أهلِ الأرضِ ثأراً قديماً"؛ ويعزِّز الرَّاوي هذه القول بتأكيدٍ آخر، وهو أنَّه: "لا تُوجدُ سحابةٌ واحدة تُبشِّرُ بالأملِ في هذه السَّماءِ الحارقة، كأنَّها غطاءُ الجحيم"؛ ثمَّ يردفُ بالقول: "عقلُ الإنسانِ ليس محفوظاً في ثلَّاجة. إنَّها هذه الشَّمسُ التي لا تُطاق. تُذوِّبُ المخ. تَشِلُّ التَّفكير". ولا يَملُّ الرَّاوي من الرُّجوعِ إلى هذا الموضوع: "لا شيء. الشَّمسُ والصَّحراءُ ونباتاتٌ يابسة وحيواناتٌ عجفاء"؛ كما يُضيفُ قائلاً: "الطَّريقُ لا ينتهي عند حد، والشَّمسُ لا تكلُّ. لا غروَ أنَّ مصطفى سعيد هَرَبَ إلى زمهرير الشَّمال".
وفي منتصفِ الرِّحلةِ عبر الصَّحراء، يتساءلُ الرَّاوي: "أين الظِّلُّ يا إلهي؟ ويستأنفُ الرَّاوي فكرتَه الرَّئيسية، إذ إنَّ تساؤلَه البلاغيَّ لا ينتظرُ إجابة: "مثل هذه الأرضِ لا تُنبِتُ إلَّا الأنبياء. هذا القحطُ لا تُداويه إلَّا السَّماء. والطَّريقُ لا ينتهي والشَّمسُ لا ترحم". وهنا ينشأ فجأةً سؤالٌ واقعي، وليس بلاغياً، فقد "قالوا إن امرأةً من قبيلة الميرصاب قتلت زوجها، والحكومةُ ذاهبةً لتقبضَ عليها؛ فـ"لماذا قتلته؟"، في المقامِ الأول، "في هذه الأرضِ التي لم تتركِ الشَّمسُ فيها قتلاً لقاتل"؛ فهُم "لا يعلمون". وهنا قال الرَّاوي: "خطرت لي فكرة، قلَّبتُها في ذهني، ثمَّ قرَّرتُ أن أُعبِّرَ عنها وأرَى ما يحدُث (لكنَّنا نعلمُ، من خلالِ تتبُّعِنا للحربِ الدَّائرة بين الشَّمسِ والصَّحراء، أن الكاتبَ قد مهَّد لها بكلِّ تلك العباراتِ التي ذكرناها هنا وفي الفقرتين السَّابقتين، وأنَّها لم تخطُرِ الآنَ للرَّاوي، وإنَّما قلَّبَها الكاتبُ في ذهنِه مِراراً). قلتُ لهم إنَّها لم تقتله، بل هو ماتَ من ضربةِ الشَّمس، كما ماتت إيزابيلا سيمور، وشيلا غرينوود، وآن همند، وجين موريس". ولم يكنِ الرَّاوي مُنتظِراً تفاعُلاً إيجابياً من رفاقِ الطَّريق: "لا فائدة. لا دهشة".
إلَّا أنَّ الكاتبَ (بخلافِ الرَّاوي) كان يهدُفُ إلى مزيدٍ من التَّوضيحِ لتحاورِه السَّرديِّ مع رواية "الغريب"، التي أقرَّ فيها بطلُها "ميرسو" للقاضي همساً بأنه لم يقتل أحدَ العربِ في الجزائرِ عن قصد، بل إنَّ ذلك قد حَدَثَ بسببِ ضربةِ الشَّمس؛ لذلك، فقد استرسلَ في نثرِ مزيدٍ من التَّعبيراتِ الدَّالَّة: "الشَّمسُ هي العدو. إنَّها الآنَ في كَبِدِ السَّماءِ تماماً، كما يقولُ العرب". ثمَّ تتداخلُ تشبيهاتُ الشَّمسِ واِعوِجاجُ مَسِيرِ السَّيَّارةِ في الطَّريقِ الصَّحراويِّ بسِيرةِ مصطفى سعيد ومحاكمتِه لقتلِ زوجته: "عجلاتُ السَّيَّارة تصدمُ الحصى بحقد. طريقُه المُعوَجُّ سُرعانَ ما يؤدِّي به إلى الكارثة. وفي الغالب، تكونُ الكارثة واضحةً وضوحَ الشَّمس"؛ بل إنَّ الشَّمسَ نفسَها تُصبِحُ واضحةً وضوحَ نفسِها: "والطَّريقُ لا ينتهي، والشَّمسُ واضحةٌ وضوحَ الشَّمس". ولم يلجأِ الكاتبُ إلى هذا التَّشبيهِ الأجوف، لاقترابِه من تحصيلِ الحاصل، إلَّا ليأسِه من حدوثِ التقاطٍ فوريٍّ لتحاورِ نصِّه السَّرديِّ مع نصِّ كامو ذائعِ الصِّيت، أو مع ما نُثِرَ في أعطافِه من فكرٍ وجوديٍّ، انتشرَ في فترةِ ما بعد الحربين في أوروبا، ثمَّ وَصَلَ إلى المنطقةِ العربيةِ لاحقاً في فترةِ السِّتينات وأوائلِ السَّبعينات.
لن نشرعَ هنا في التَّطرُّقِ إلى علاقةِ رواية "موسم الهجرة" بفكرةِ ’العبث‘ التي تخلَّلت رواية كامو أو فكرة ’الاختيار‘ التي تُضمِّنت في فكرِ جان-بول سارتر الوجودي، لكننا نُشيرُ فقط إلى أنَّها قد تُفسِّرُ قولَ الرَّاوي في نهايةِ الرِّواية: "لا يَعنيني إنْ كان للحياةِ معنًى أو لم يكن لها معنًى"؛ كما قد تُضيءُ مقارنةً بين قولِه: "طولَ حياتي لم أخترْ ولم أُقرِّر. إنَّني أُقرِّر الآنَ إنَّني أختارُ الحياة"، وبين قولِ مصطفى سعيد في الفصلِ الثَّاني من الرِّوايه، بعد دخولِه الفصلَ بالمدرسة: "وكانت تلك نقطةُ تحوُّلٍ في حياتي. كان ذلك أولُ قرارٍ اتَّخذتُه، بمحضِ إرادتي". وعِوضاً عن ذلك، سنمضي في طقسِ تسمِّيةِ شخصيَّةِ الكاتب، بعد أن قدَّمنا حتَّى الآنَ ما يكفي من الحيثيات، على مستويَيْ الشَّكلِ والمحتوي، حتَّى نتمكَّنَ من تقييمِ دورِه في النَّصِّ من خلال معرفتِه بقصيدةِ "أنتويرب"، التي ألقى مصطفى سعيد أبياتاً من مقطعٍ منها، وهو في مجلسِ شُربٍ، في أوائلِ عهدِ تعرُّفِ الرًّاوي بشخصيَّته الفذَّة.

سنُفرِدُ حلقةً كاملة لطقسِ التَّسمية، وما يطرحه من مشكلاتٍ تتعلَّقُ بالإسنادِ عموماً إلى مرجع؛ وخصوصاً، المرجعِ النَّصي؛ إضافةً إلى الانخراطِ في عملية تقييمِ الشَّخصيات، تمهيداً للدُّخولِ في المحاورِ الرَّئيسيةِ لهذه المشاركات، وهي محورُ البندرِ الكولونيالي، والوطنِ الأم، والعُمقِ الحضاريِّ الشَّامل.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 179

نشرةارسل: الاربعاء مايو 24, 2017 2:02 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

ليس من الميسور أن تتوفر كتابة فى هذا الزمان بجودة هذه الكتابه ومتعة مطالعتها والإطلاع على ما تمور به من معارف وأراء فى شتى مناحى المعرفه أداباً كانت أم فنوناَ وفكر فهى مجوده فى ذاتها راعى فيها أستاذنا الكاتب الناقد محمد خلف الله عبدالله أدق دقائق خصائص اللغه لا بل ظل مصححا لكل أناتها وهناتها بصبرٍ وجلد بعد أن عكف على تحريرها فى البدء والآن شارف الحديث عن كاتب ضخم ألا وهو الطيب صالح والذى ذاع سيطه فى المشرقين والمغربين لا بل المشارق والمغارب ككاتب لافتٍ ومؤثر ومثل ذلك الرجل الأمه والذى فجر ينابيعاً من الأدب سقت حقول العقول والقلوب إبداعاَ متميزاَ صور فيه بقدرته تلك حقيقة مجتمعه محدثاُ بعداَ معياريا لذلك بدربته وموسوعية إطلاعه وإلمامه بخصائص القص والسرد وإبتداع عناصر التشويق والإثاره ناقلاَ لقارئه من دهشة لدهشه بسهولة ويسر كما يفعل السحرة والحواة لما يجيدون فحقاً قد أجاد ذلك الطيب إجادةً بانت حقيقتها بحمى الإقبال والإهتمام الكبير وحقاَ أجاد الأخ خلف فى تقريب صور الإبداع تلك فى ما كتبه الطيب صالح وأحسب أن لخلف قدرات ليست بالسهله ولا الميسوره للتحقق وأتمنى أن ننجح فى إبراز عبقريته هو الآخر ذلكم المفكر والمثقف الموسوعى والناقد الإدبى والفكرى العجيب.


منصور
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الجمعة يونيو 02, 2017 7:30 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

بعد غيبة مؤقتة، اقتضها ملابسات متباينة، يعود محمد خلف للحديث عن الطَّيِّب صالح، لا كاستمرار لأُطروحته عن "المتن الروائي المفتوح" لكاتبنا، وإنما ليتناول نقدياً مقالاً قديماً له، ساهمت ثلاثة عوامل في وصوله إلى خلف، وبالتالي تحفيزه على هذا التناول. العامل الأول يتمثل في أن الفنان التشكيلي السوداني معتز بدوي كان قد بعث بنسخة من المقال القديم للطَّيِّب صالح إلى خلف في مستهل شهر رمضان. العامل الثاني يتمثَّل في موضوع المقال نفسه، الذي هو تداعيات للطَّيِّب صالح عن رمضان. العامل الثالث يتمثَّل في اهتمام خلف نفسه بروائينا الكبير.

وتعميماً للفائدة ونشداناً لإنصاف مركَّب، سنقوم في المساحة التالية بإعادة نشر مقال الطَّيِّب صالح أولاً، يليه مقال محمد خلف:





مقال الطيب صالح -طيب الله ثراه- عن رمضان



لا أظن أحداً ينسى الأماكن التي صام فيها، وهل كان الفصل صيفاً أم شتاء. وبماذا أفطر ومع من أفطر. وهو قد ينسى بقية أيام العام باستثناء أيام قليلة تباغته فيها الحياة، كما تفعل بإحدى مفاجآتها السارة أو المحزنة.
الأيام العادية تمضي تباعاً طوال العام. لا يكاد الإنسان يحس بمرورها. كأن الزمن نهر سرمدي. ولكن يوم الصائم – وهذه عندي من حكم الصوم- يتفلت قطرة قطرة الدقائق تمر كأنك تسمع وقع خطاها.
الصائم يحس بالزمن لأول مرة خلال العام أنه (كم) يمكن أن يوزن بميزان ويقاس بمقياس. يختلط جوعه وظمأه - خاصة إذا كان الوقت صيفاً حاراً - مع كل دقيقة تمر. يكونان عجينة من المكابدة والسعادة.
فإذا انقضى اليوم، يحس الصائم أنه قد قطع شوطاً مهماً في رحلة حياته. وإذا انقضى الشهر بطوله، يشعر حقاً أنه يودع ضيفاً عزيزاً طيب الصحبة، ولكنه عسير المراس.
إنني أذكر بوضوح رمضانات صمتها عند أهلي في صباي الباكر، أول عهدي بالصيام. كنا قبيلة أفرادها كلهم أحياء: الجدود والآباء والأعمام والأخوال وأبناء العمومة والخؤولة. لم يكن الدهر قد بدأ بعد يقضم من جسمها كما يقضم الفأر من كسرة الخبز. كـانت دورنا تقوم على هيئة مربع، وفي الوسط باحة واسعة فيها رقعة رملية. كنا نجتمع للإفطار في تلك الرقعة.
نتولى نحن الصبية أمر تنظيفها وفرش الحصر عليها، وقبيل المغيب نجئ بسفر الطعام من البيوت، ونجلس مع كبارنا ننتظر تلك اللحظة الرائعة حين يؤذن مؤذن البلدة – غير بعيد منا- (الله أكبر) معلناً نهاية اليوم.
وكنت في تلك الأيام قبل - أن يقسو القلب ويتبلد الشعور - أحس أن ذلك النداء موجه لي وحدي، كأنه يبلغني تحية من آفاق عليا، إنني انتصرت على نفسي. أذكر جيداً طعم التمر الرطب، وهو أول ما نفطر به، حين يوافق رمضان موسم طلوع الرطب. وكانت لنا نخلات نميزها ونعني بها، لها ثمر شديد الحلاوة، تخرجه باكراً. كانوا لا يبيعون ثمارها. ولكنهم يدخرونه لمثل تلك المواسم. وقد زرعت أصلاً من أجل ذلك.
وأذكر مذاق الماء الذي يصفى ويبرد في الأزيار أو في القرب، خاصة ماء القرب، الذي يخالطه شيء من طعم الجلد المدبوغ. وشراب (الابري) وهو يصنع من خبز يكون رقيقاً جداً: أرق من الورق. تضاف إليه توابل، وينقع في الماء ويحلى بالسكر. ومذاق (الحلو مر) وهو أيضاً من عجين مخلوط بتوابل خاصة. وحين ينقع في الماء يكون ذا لون أحمر داكن الحمرة. هذان الشرابان لا يوجدان إلا في السـودان، وهما مرتبطان برمضان. ولهما رائحة عبقة فواحة. تلك وروائح أخرى، كان خيالي الصبي يصورها في ذلك الزمان، كأنها تأتي من المصدر الغامض نفسه الذي يأتي منه شهر رمضان.
كان طعم الزمان في تلك الأيام حلواً مخلوطاً بمرارة لها مذاق العسل.
لم نكن نأكل كثيراً في إفطارنا. لا توجد لحوم أو أشياء مطبوخة، كل واحد يتعشى بعد ذلك في داره على هواه، وغالباً ما ينتظر السحور من دون عشاء.
نصلي ونفطر على مهل، ونقوم نحن الصبية فنحضر الشاي والقهوة (الجبنة). وكان يسمح لنا بشرب القهوة فقط في شهر رمضان، فالقهوة عدا ذلك للكبار وحدهم.
ولم يكن ذلك نوعاً من الحظر، ولكن من قبيل الاقتصاد في النفقة، فقد كان البن أغلى من الشاي.
يساوونا بأنفسهم لأننا نصوم مثلهم. ثم يأخذون في الحديث ونحن نسمع ولا نتكلم، ويا له من حديث، كان رمضان يخرج منهم كنوزاً دفينة. كنت أستمع إليهم وكأني أشرب ماء القرب البارد وآكل التمر الرطب.
لا أعلم كم كان (معدل الدخل) عندنا تلك الأيام. ولم أكن أعلم شيئاً عن الحالة الاقتصادية في القطر. ولم يكن يهمني من الذي يحكم البلد. كنت أعلم أن الإنجليز موجودون في الخرطوم، وأحياناً يمر بنا واحد منهم، كما يمر طائر غريب في السماء.
لكننا كنا بمعزل عن كل ذلك، نحس بالعزة والمنعة والطمأنينة والثراء.
كنـت أعلم أن ذلك الإحساس حق، من الطريقة التي يمشي بها آبائي وأجدادي.
لا يمشون مختالين، ولكنهم يمشون على وجه الأرض ثابتي الخطى مرفوعي الرؤوس، لا يخامرهم شك أن الأرض أرضهم والزمان زمانهم.
ولعـل الإنجليز خرجوا آخر الأمر لأنهم ضاقـوا بإحساس الحرية ذاك لدى السودانيين، كأنهم لم يفهموا، أو رفضوا أن يفهموا أنهم أمة مهزومة مستعمرة.
الإحساس بالمذلة والهوان حدث لهم بعد ذلك على أيدي بعض أبنائهم الذين انتزعوا الحكم من الذين ورثوه عن الإنجليز، ومنهم من كان صبياً مثلي في ذلك الزمان الأغـر، وجلس على بقعة رمل كما جلست، مع آبائه وأجداده في إفطار شهر رمضان.
كنا حقاً سواسية كأسـنان المشط. ولا بد أنه ذاق المذاقات نفسها وشم الروائح نفسها، واستمع مثلي إلى أحاديث آبائه وأجداده، حديثاً مليئاً بالمحبة والحكمة والطمأنينة.
فماذا أصابنا بعد ذلك، أم ماذا أصاب الزمان؟




والآن إلى مقال محمد خلف:



رمضان وفنُّ الصَّرفِ النِّسويِّ لدى كريماتِ أمدرمان




قُبيلَ شهرِ رمضانَ بيومٍ واحد، أرسل لي الصَّديق الفنَّان التَّشكيلي معتز بدوي مقالاً كتبه الأستاذ الطَّيِّب صالح عن الشَّهرِ الكريم. وصديقي المُبدِع المُشار إليه هو ذاتُ المعتز، الذي أرسل لي من قبلُ (بالتَّزامنِ مع ورَّاقٍ) نسخةً رقمية تشتمل على مؤلَّفاتٍ شبهِ كاملةٍ للأستاذ الكبير، والتي كانت بدورها حافزاً لي لكتابةِ عددٍ من المشاركاتِ عن الرَّجلِ الطَّيِّب؛ وقد أوصل لي معتزٌّ النُّسخةَ الرَّقمية، مدفوعاً بحبٍّ غامرٍ لرجلٍ خَبِرَ معدنه عن قُربٍ لصيق، عندما كان يعملُ مصمِّماً بمجلَّة "سيِّدتي"، وكان الطَّيِّب صالح يكتبُ عموداً أسبوعياً بمجلَّةِ "المجلَّة"؛ وكانتِ المجلَّتانِ المملوكتانِ لمؤسَّسةٍ واحدة تُحرَّرانِ من نفسِ المبنى في هولبورن بوسط لندن؛ كما أوصل لي معتزٌّ هذا المقال، قُبيلَ رمضانَ، مدفوعاً بذاتِ الحبِّ الجارفِ لهذا المُبدِع، الذي لم يكن متعالياً على ناشئةِ المُبدِعين، بل كان أباً رؤوفاً لهم، وعوناً لأكثرِهم على مصاعبِ العمل، وقدوةً يندرُ لها مثيلٌ في هذا البندر الأوروبيِّ العتيق، الذي ظللنا نحيا كلانا رَدَحَاً بين ظهرانيه.
ومع استمتاعي الكامل بالمقال، وتقديري العالي لكاتبِه، وشكري الموصول لمرسلِه، الصَّديق معتز بدوي؛ فقد لمِستُ في المقال خفايا وخبايا، تقتضي الأمانةُ في هذا الشهر المبارك التَّنبيهَ عليها بحذرٍ شديد، إذ ربَّما يكونُ التَّوقيتُ غَيْرَ ملائم؛ وربَّما تأتي إلينا، من منظورٍ آخر، لعنةُ اللَّاعنين في مُقبِلِ أيَّامِنا، إن نحنُ فرَّطنا في هذه المناسبة، وتركنا الشهرَ يمضي دون الإشارةِ إلى موطنِ الداءِ المجتمعيِّ المُختبئ في ثنايا ذلك المقال. ولكن قبل التَّنبيهِ اللَّازم، يلزمُنا أوَّلاً أن نوضِّحَ ماذا نقصدُ بفنِّ الصَّرفِ النِّسوي، المُشار إليه في عنوانِ هذه المشاركة. فالمعروف أنَّ الصرفَ هو عِلمٌ لغوي، ساهم في تطويرِه نُحاةٌ عرب، وبَلَغَ فيه منهم علماءُ صرفٍ أفذاذٌ شأواً عظيماً، من بينهم أبو الفتح عثمان بن جنِّي، الذي أشرنا إليه كثيراً، ضمن رسالتي إلى عادل القصَّاص. ويُبنى الصَّرفُ العربيُّ في جوهره على ميزانٍ، أساسُه الفعلُ الثُّلاثي "فاء عين لام" [ف ع ل]. وبناءً عليه يُمكِنُ، على سبيل المثال، الإشارة إلى تلك الرِّسالة بأنَّها مُرسلةٌ في الأصل إلى "فاعِل الفعَّال" (أي عادِل القصَّاص).
في المقابل، يُبنى فنُّ الصَّرفِ النِّسوي (وسنُوضِّحُ لاحقاً لماذا هو فنٌّ، وليس بعِلم) على فعلٍ ثلاثيٍّ مُغاير، هو: "قاف شين راء" [ق ش ر]؛ وعليه، يُمكِنُ الإشارة إلى ذاتِ الرِّسالة بأنَّها مُرسلةٌ في الأصل إلى "قاشِر القشَّار"؛ فما الفرقُ الذي جعل من الميزانِ الصَّرفيِّ القائم على الحروف الثَّلاثة [ف ع ل] عِلماً، بينما صار آخرُ قائماً على الحروفِ الثَّلاثة [ق ش ر] فنَّاً، حسب زعمنا، الذي سنشرعُ توَّاً في توضيحه؟ يُشيرُ الميزانُ الصَّرفيُّ عموماً، حسب اصطلاحِ الأوائل، إلى حقيقةٍ لسانية تتعلَّق بضبط الصِّيغ الصَّرفية المقبولة ضمن اللِّسان العربي السَّائد داخل مجموعةٍ لغويةٍ محدَّدة؛ أمَّا الميزانُ الآخرُ، فهو مجازٌ يُشيرُ إلى شيئينِ في ذاتِ الآن؛ فهو، من جهةٍ أولى، يُشيرُ إلى نفسِ حقيقةِ الدَّوالِ التي يحاولُ الميزانُ الصَّرفيُّ التَّقليديُّ ضبطَها؛ وهو، من جهةٍ ثانية، ينتقلُ - بوصفه مجازاً - إلى الإشارةِ إلى شيءٍ آخر؛ وهو، في هذه الحالة، ازدواجيةٌ صميمية فيما يتعلَّقُ بالموقف العاطفي تجاه الدَّال المُشار إليه؛ فهو، من جانب، شخصٌ أو شيءٌ يحسُّ المرءُ تجاهَه بحُبٍّ جارف؛ وهو، من جانبٍ آخرَ وفي نفسِ الوقت، شخصٌ أو شيءٌ يلقى المرءُ منه الأمَرَّين.
فلنأتِ بمثالٍ حتَّى يتَّضحَ الأمر. كان صديقي نصر الدِّين عبد الجليل - وأعتقدُ أنَّه مازالَ - محبوباً لدى أُمِّه وأخَواته وجيرانه ورفاقه؛ وكان اسمُه المحبَّب هو "نصُر"؛ ولكن قلَّما يُسمعُ في بيته هذا اللَّقبُ الأليف؛ وعوضاً عن ذلك، كانوا يُنادونه باسمٍ آخر، وهو "قشُر"؛ وذلك، للتَّعبيرِ عن محبَّةٍ لا حدودَ لها؛ وفي نفسِ الوقت، عن ضيقٍ لما يلقَونه منه من متاعب، لكثرةِ غيابِه عن البيت سعياً لأصدقائه العديدين، ولملئه بالضُّيوف المُتعِبين حين عودته لِماماً إلى البيتِ الرَّحيب، في الختمية شمال (كرش الفيل) ببحري. وسرعان ما أخذ أصدقاؤه وجيرانه العديدون ينادونه بلقب "قشُر"، للتعبير عن ذاتِ الحب، وإنْ لم يخلُ إحساسُهم أحياناً من ذاتِ الضِّيق. وفي أمدرمان، كانت كريماتُ حَيِّنا ببيتِ المال، حينما يقتربُ شهرُ رمضان، لا يرغبن في تذكيرهن بمَقدِمِه؛ وعندما يفعلُ أحدُنا ذلك عفوَ الخاطر، كُنَّ يقلنَ له بلغتهنَّ الدَّارجية المُحبَّبة: "عَلِيْكَ الرَّسولْ ما تذكِّرنا بِقَشَران"؛ وهُنَّ يقلنَ ذلك للتَّعبير عن نفسِ الازدواجية العاطفية تجاه الشَّهرِ الكريم؛ فهو الشَّهرُ الذي يملأ أفئدتهن بمذاقٍ روحيٍّ لا مثيلَ له، وهو – في نفسِ الوقت - الشَّهرُ الذي تُعاني فيه أجسادُهن التَّعِبَةُ عَنَتَاً مُضاعَفاً؛ فعليهن، غيرُ الجوعِ والعطشِ مع جمهرةِ الصَّائمين، تجهيزُ الطَّعام، وتحضيرُ "المويات"، وصناعةُ الشَّاي والقهوة، ثمَّ غسلُ الصُّحونِ وبقيَّةِ أدواتِ الأكلِ بعد الإفطار، وتوضيبُ قَدْرٍ من المُتبقِّي للعشاءِ أو السَّحور.
فلننظر كيف تناول الطَّيِّب صالح هذا الجانب من عملِ النِّساء في مقالِه عن شهرِ رمضان؛ أو بالأحرى كيف أخفى هذا الجانبَ عن غيرِ عمدٍ أو سكت عنه عن قصد، لإلقاءِ مزيدٍ من الضَّوء على ملامحَ من رمضانَ في شمالِ السُّودان، تغيبُ تماماً عن القرَّاءِ الذين كانت تتوجَّه إليهم الصَّفحةُ الأخيرة لمجلَّةِ "المجلَّة"، ساعةَ كتابةِ المقال. أولُ الجوانب التي أخفاها الكاتب عن غير عمد أو سكت عنها قاصِداً تنويراً مُخصَّصاً لقرَّاءِ "المجلَّة"، هو الخارطةُ المعمارية للعقارِ السَّكني؛ فهو يقول: "كانت دُورُنا تقومُ على هيئة مربَّع، وفي الوسطِ باحةٌ واسعة فيها رُقعةٌ رملية"؛ وتوضِّح الجملة التي تليها الغرضَ من إيرادِ هذا الوصف: "كنَّا نجتمعُ للإفطارِ في تلك الرُّقعة". فالهدف الواضح إذاً هو وصفُ المسرح الذي يُقامُ فيه الطَّقسُ الجماعيُّ للإفطارِ الرَّمضاني. وسعياً لإبرازِ ذلك الهدف، توارى في خلفية المسرح الخارطة النَّموذجية للبيوت الفردية التي يأتي منها ذلك الإفطار. وهي تنقسمُ في العادة، سواءً في شمال البلاد أم وسطه بأمدرمان، إلى جزئين، يفصِلُ بينهما جدارٌ صَلْد، يلينُ صلابتُه ليلاً لتصريف شؤون البقاء والتَّهدئة النَّفسية، وتزدادُ نهاراً لتصريفِ الشُّؤون الاقتصادية والاجتماعية للأُسَر، ومن ثمَّ المجتمعُ بأَسرِه.
ثمَّ يقول: "قبيل المغيب، نجيءُ بسُفَرِ الطَّعام من البيوت"؛ وكلُّنا يعرفُ أنَّها لا تأتي هكذا من البيوتِ على وجه التَّعميم، وإنَّما تأتي من القسم المُخصَّص للنِّسوةِ في تلك البيوت، التي يقضين فيها سحابة يومهنَّ الرَّمضانيِّ المُتعِب في صناعةِ وتجهيزِ تلك السُّفر، التي ينحصرُ دَورُ الصَّبي المُطيع في حَملِها طازجةً من يدِ أُمَّهاته وجَدَّاته إلى حضرةِ آبائه وأجداده، ليشاركهم الإفطارَ في تلك البقعةِ الرَّملية من الباحةِ الواسعة التي تتوسَّط البيوت. ويُضيف: "ونقومُ نحنُ الصِّبية، فنُحضِرُ الشَّايَ والقهوة (الجبنة)"؛ وهي بالطَّبع، تكونُ مُحضَرَةً من نفسِ تلك "البيوت"، فيُجازى الصِّبيةُ بتناولها مع الكبار، فقط في شهرِ رمضان، بعيداً عن ضجيجِ النِّسوةِ في تلك "البيوت" التي تنزوي في خلفية المسرح القرويِّ الكبير. وفي هذا المسرحِ المفتوح، على وجهِ التَّحديد، يتمُّ تلقينُ الصِّبيةِ –حَصْرَاً، وعلى تلك الحُصُرِ التي قاموا بفرشِها قبل الإفطار- أصولَ السلوك وأفضلَ ما توارثه الآباءُ عن الأجدادِ من عاداتٍ وتقاليدَ وثقافات؛ وكلُّ ذلك يتمُّ عن طريق التَّوصيلِ الشِّفاهي، الذي يخرُجُ مُرتَجَلاً من الذَّاكرةِ الحافظةِ لتراثِ المجتمع: "ثمَّ يأخذون في الحديث؛ ونحنُ نسمعُ، ولا نتكلَّم؛ ويا له من حديث. كان رمضانُ يُخرِجُ منهم كنوزاً دفينة. كنتُ أستمعُ إليهم، وكأنِّي أشربُ ماءَ القِرَبِ البارد، وآكلُ التَّمرَ الرَّطِب".
لا سبيلَ إلى إنكارِ أنَّ ما كان يستمعُ إليه الصَّبيُّ، في تلك الجلساتِ الطَّويلةِ بعد الإفطارِ الرَّمضاني، على الحُصُرِ المفروشةِ على رقعةٍ رمليةٍ بباحةٍ واسعةٍ في وسطِ القرية، كان "حديثاً مليئاً بالمحبَّة، والحكمة، والطُّمأنينة"؛ فليس الغرضُ هو التَّبخيسُ من ذكرياتِ الصِّبا أو تسفيهُ قيمِ المجتمع؛ حاشا وكلَّا، إنَّما الغرضُ هو التَّنبيه إلى الفصلِ القائم بين النِّساءِ والرِّجال، وكأنَّهما مملكتانِ مُتباعدتانِ لا يُوجدُ رابطٌ بينهما إلَّا مشاويرَ يقومُ بها صبيٌّ لنقلِ الأطعمةِ والمشروباتِ من مملكةِ إنتاجِها خلف جدرانِ البيوت، إلى مملكةِ استهلاكِها وسط الباحةِ أمام تلك البيوت. والهدفُ الأكبرُ من وراءِ ذلك التَّنبيه هو تحميلُ ذلك الصَّبيَّ أمانةً في عُنُقِه، نرجو أن يكونَ قيِّماً عليها، فهو لا غيره الشَّاهدُ الأوحد، منذ انهيار مؤسَّسة الرِّق غير المأسوفِ عليها، بما يدورُ خلف تلك الجدران؛ لذلك، نُريدُ منه أن يأتيَ لنا بقبسٍ من نارِ مواقدِها، أو فوحٍ طيِّبٍ من عطرِ أنفاسِها، أو عاطفةٍ خارجةً للتَّوِ من بين ضلوعها.
وقد يُفسِّرُ لنا ذلك الصَّبيُّ، من إرشيف ذاكرته المُستديمة، لماذا فشلت – على سبيل المثال، لا الحصر - حملة عبد الرَّحمن النِّجومي إلى مصر، في أعقابِ انتصارِ الثَّورةِ المهدية، وتأسيسِ دولتِها النَّاشئة؛ إذ لم تكن لجيوشِها قسمٌ مخصَّصٌ لصناعةِ الأطعمة والمشروبات، فاُحتيجَ إلى مصاحبةِ النِّساء للحملة؛ وبما أنَّ النِّسوة هنَّ المسؤولاتُ، بشكلٍ أكبر، عن رعاية الأطفال والصِّبية وكبار السِّن، فكان لا بدَّ من اصطحاب هؤلاء أيضاً؛ فترهَّل الجيشُ، وبطأت حركته؛ فكان هذا، ضمن عواملَ أخرى، واحداً من الأسباب المنسيَّة التي أدَّت إلى فشلِ الحملة. وقد نحتاجُ إلى جهدٍ خارق لتنشيطِ ذاكرةِ ذلك الصَّبي، حتَّى يكشِفَ لنا سلسلةً من الإخفاقاتِ المجتمعية النَّاتجة عن العزلةِ المفتعلةِ لجمهرةِ النِّساء، صانعاتِ "الآبري" و"الحلومر"، وهُما، كما نوَّه الطَّيِّب صالح في خاتمةِ ذلك المقال، "شرابانِ لا يُوجدانِ إلَّا في السُّودان"؛ و"حين يُنقعُ ’الحلومر‘ في الماء، يكونُ ذا لونٍ أحمرَ، داكنِ الحُمرة". وإذا قيل لنا - في حديثٍ ضعيف – "خُذوا نصفَ دينكم من هذه الحُميراء"، في إشارةٍ إلى السيِّدة عائشة، رضي الله عنها، فإنَّه يتعيَّن علينا أيضاً – بإيمانٍ قوي - أخذُ نصفِ ثقافتنا وتراثنا الشِّفاهي من صانعاتِ ذلك المشروب ("الحلومر")، الدَّاكنِ الحُمرة.

محمد خلف


عدل من قبل عادل القصاص في الاحد يونيو 04, 2017 1:51 am, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 266

نشرةارسل: الجمعة يونيو 02, 2017 8:59 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

رمضان كريم يا خلف
ومن علامات كرمه مقالك أعلاه.

وجملة أو تعبير (من علامات كرمه) هي اقتباسٌ من رد
من مسعود، فقد تمنيت له -فيسبُكِّياً- رمضاناً كريماً
فرد عليّ (بأن تهنئتي هذه من علامات كرمُ رمضان)

اعتقدت وما زلت أؤمن بأن النساء "عبقريات"، واحدى
علامات تلك العبقرية هي صناعة الحلو مر، وصناعة "الخُمرَة"

لطالما شغل تفكيري كيفية التوصل لتلك التراكيب المعقدة، خصوصاً
إذا أضفنا إليها فنون الطبيخ، والتطريز.
وقد قادني هذا الإعتقاد بعبقرية النساء الي التصديق أن "خدوم"
جارتنا هي أحسن من (يصنع) أعمدة الكهرباء والتلفونات. حينما أخرجت كلمة
(عمود) من سياقها "الكسائي الجلاليبي الخياطي" الى رحاب الأعمدة التى كنا
نتسكع تحتها حينذاك.

وتساؤل فقط:
هل هناك علاقة بين (قَشَرَ) بمعنى (تهندم) أو (تفاخر) بما يملك؟ وميزان فن الصرف
النسوي عاليه؟
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاحد يونيو 04, 2017 1:41 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

درج محمد خلف على ارسال نسخة من بعض كتاباته الجديدة إلى دائرة محدودة من الأصدقاء للمشاورة والنقاش وابداء الملاحظات في هذا النص أو ذاك قبل نشره. وكان من نتيجة إرساله لمقاله الأخير عن الطيب صالح ورمضان، قبل نشره، إلى معتز بدوي أن قام الأخير بإرسال نسخته من نفس المقال - ولم يكن إسم خلف موجوداً فيها - إلى الصادق الرضي. فكان أن تعرَّف الصادق على صاحب المقال، وانثال من قلبه هذا التداعي، الذي بعث به إلى معتز:


في المنتدى الأدبي جامعة القاهرة فرع الخرطوم، في المنتدى الأدبي الاسبوعي- ذات خميس؛ اثر فراغي من قراءاتي الشعرية، اقترب مني شاب لطيف وهمس في أذني باسمه: بابكر الوسيلة؛ ذكر إسمه فقط كان كافياً لأن أعانقه؛ وقتها كنت طالباً في المرحلة الثانوية وكذلك كان بابكر؛ كنت انشر قصائدي في الملفات الثقافية في الصحف اليومية؛ لكن الملف الثقافي لصحيفة "الهدف" وكان يشرف عليه مجذوب عيدروس جمعني ببابكر الوسيلة دون أن نلتقي على المستوى الشخصي؛ مجذوب كان ينشر نصوصي ونصوص بابكر تحت عنوان "أصوات جديدة". حين عانقت بابكر أول مرة؛ في ذلك اللقاء، دعاني لكوب شاي في بيتهم العامر، في الثورة أمدرمان- الحارة 11، منذ اللقاء الأول في صالون البيت، ونحن نتناوب كاسات الشاي، ونتبادل قراءة النصوص الجديدة من كراساتنا؛ ونتبادل الحوار حولها؛ بدأت صداقة العمر؛ وكانت هناك مكتبة ثرية في صالون البيت؛ لم نك وحدنا، كان هناك النور عثمان أبَّكر في صحو كلماته المنسية- الطبعة الأولى شخصياً؛ وثروة من صنوف المعارف المختلفة. لاحقاً عرفت أن هذه المكتبة المنزلية المترفة التي نعمت بها صحبة بابكر الوسيلة، في صالون البيت الحميم، مع "سرامس الشاي" الفارهة، كانت- في الأصل- من مآثر صديقنا الجميل والأخ الأكبر محمد خلف. أعرف بالفطرة أن هذا النص البديع الذي وصلني منك من إبداع حبيبنا محمد خلف- وإن لم تصرح بذلك.
محبتي التي تعرف، لك وله، ولما بيننا من أصدقاء.

الصادق الرضي
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 179

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 06, 2017 5:12 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

هذه باقة ورد فرائحية صباحيه وسلطة فواكه كل ما فيها أجمل من الاخر، كريز معتز مشمس بابكر
وعنب الصادق مع صفاء حضور خلف إنها إشارات وبواعث للفرح تؤكد عظمة الله فى تدوير الأشياء
لالتقاء النوادر كفاحا وعبر الوسائط لصناعة الفرح للناس كقدر اجتماع رواد مدرسة الغابة والصحراء
وجماعة الجو الرطب واساطين المنتدى الأدبى بجامعة القاهره وجماعة نمارق وعقد الجلاد
وغيرها من السوانح


منصور
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الخميس يونيو 15, 2017 3:18 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عبر هذا الجزء، الأول، من مساهمةٍ جديدة، يرتاد محمد خلف آفاقاً مختلفة، أو مستقلة، ولكن متصلة بمساهمته السابقة، كان تأمُّله في مقال الطيِّب صالح سبباً رئيساً في نموها باتجاه الاحتفاء بالمرأة ككائن يقف على قدم المساوة مع الرجل وككائن منتج ومتميز في أكثر من حقل:



روزا لوكسمبرج وفوحُ الورداتِ الثَّلاث




أشرنا في مشاركةٍ سابقة إلى واقعِ انفصالٍ قائمٍ بين الجنسين، متمثِّلاً في وصفِ الطَّيِّب صالح لممارسةِ شعيرةٍ دينية، في قريةٍ بشمال السُّودان؛ وسنحاولُ في هذه المشاركة تسليطَ بعضٍ من الضَّوء على نماذجَ نسائيةٍ ثلاثة، حاولَ كلٌّ منها، في أزمنةٍ متباعدة، وأماكنَ متباينة، أن يخطو خطوةً حاسمة نحو تقريبِ الشُّقة القائمة بين الجنسين أو ردم الهوَّة التَّاريخية التي تفصل بينهما. وتكثُر الأمثلة لرائداتٍ عمِلن ضمن حركةٍ سياسية واسعة، وحقَّقن نتائجَ باهرة باتِّجاه الوصول إلى الهدف، وهو المساواةُ في الحقوقِ بين الجنسين؛ إلَّا أنَّ هناك مَنْ عمِلن ضد التَّيار السَّائد، ولم يلقين عوناً يُذكر سوى عزيمةٍ نابعةٍ من أعماقِ أرواحهن، وإصرارٍ صادرٍ عن قوَّة تكوينهن الفكري؛ وسنسعى في هذه المشاركة إلى أن نُبرِزَ ملمحاً من مساهمتهن في تغييرِ الأوضاع، آملينَ أن ننثرَ بين ثنايا الوقائعِ عبقاً من سيرتهن العطِرة.
ما يلفتُ الانتباه في سيرة روزا لوكسمبرج، أنَّها انتبهت باكراً إلى فكرة الهوِّيات الاجتماعية المتقاطعة (أو الإنترسيكشنالتي)، وأنَّها دافعت بشراسة عن حقوق هذه الفئات عبر "رابطة إسبارتاكوس"، ولاحقاً من خلال الأحزاب السياسية اليسارية الكبيرة في بولندا وليتوانيا وألمانيا؛ كما أنَّها وقفت ضد اندفاعِ بلدانِ أوروبا الرَّئيسية نحو الحرب (العالمية الأولى)، وانتقدت مساندة بعضِ الأحزابِ اليسارية لحكومة بلدانها التي كانت تمضي معصوبةَ الأعينِ نحو أتونِ حربٍ لا تذر، أولُ ضحاياها همُ الفئاتُ الاجتماعية التي يجمعُها الفقرُ والاضطهادُ العرقيُّ والجنسيُّ في بوتقةٍ واحدة أو مصيرٍ اجتماعيٍّ مشترك. كما أنَّها خِلافاً لقادةٍ كبار في الحركةِ اليسارية العالمية، قد شكَّكت في إمكانية نجاح الثَّورة في بلدٍ أوروبيٍّ منفرد؛ فلا غرابةَ إذاً أن حمَّلها جوزيف ستالين مسؤولية رواج فكرة الثَّورة الدَّائمة. إلَّا أنَّ وقوفها ضد الحرب العالمية هو الذي قاد حكومة فريدريش إيبرت في ألمانيا إلى اغتيالها، ورميِّ جثَّتها في قناة لاندفير.
لعلَّ ما تحمله روزا من أفكارٍ راسخة وقوية، موجَّهةً في معظمها ضد التيَّارات السَّائدة أو المهيمنة، قد أكسبها سمعةً يمكن وصفها بالشَّراسة وحِدَّة الطَّبع، حتَّى أنَّ أقرب أصدقائها كان يخشى من التَّقدُّم إليها أو إسماعها كلماتٍ يُمكن تفسيرها بالإطراء الذُّكوريِّ المتعالي أو الغزل البريء. ويحكي أوغست بيبل أنَّه اُضطُرَّ إلى أن يدُسَّ في جيبِ معطفها كلماتِ تشبيبٍ وتغزُّل، حينما تلاقت أكتافُهُما وهُما يدخلانِ عبر ممرٍّ مزدحم إلى اجتماع الكمنتيرن. إلَّا أنَّ كلَّ ذلك لم يكن إلَّا مجردَ مظهرٍ خادع، واستيهامٍ ذكوري، يسعى لتصوير المرأة وفقَ معاييرِ نمذجةٍ سائدةً في مجتمعٍ بعينه؛ فعندما ينكسرُ القالبُ المألوف، يميلُ المرءُ عادةً إلى تصويرِ الوقائعِ المُشاهدة وفقَ ما تهوى مُخيَّلته أو يُصادفُ هواه. ففي حقيقةِ الأمر، كانت روزا امرأةً مشبوبة المشاعر، كرَّست قدراً من عواطفها للعمل العام، إلَّا أنَّ حياتها الخاصَّة كانت مبذولةٌ لأصدقائها من النِّساء (كلارا زيتكن) والرِّجال (كارل ليبنخت)، وزوجها (ليو لوغيخس)؛ كما تشهد رسائلُها التي نُشرت بعد موتها بنزاهتها ودماثة خلقها، مقارنةً مع تدافعها اليوميِّ مع رجالِ عصرِها لانتراعِ الاعترافِ بها كمُنظِّرةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ لا يُشقُّ لها غبار؛ فالحريَّةُ عندها هي دائماً "حريَّة من يفكِّر بشكلٍ مختلف".
وفي لندن، إبَّان فترة ما بعد الحرب العالمية الثَّانية، في بداية الخمسينات، كانت روزاليند فرانكلين تعملُ باحثةً بكلية كينغ، حيث عُهِدَ إليها بإماطةِ اللِّثام عن تركيبِ الحامضِ النَّوويِّ الرِّيبي منقوصِ الأكسجين (الذي عُرِفَ لاحقاً بمختصر "دي إن إيه"؛ ويُعرفُ اختصاراً بالعربية بالحامض النَّووي، ولو أنَّ ذلك يجعله متماهياً مع مختصر "آر إن إيه"، فهو أيضاً حامضٌ نووي، لكنه غيرُ منقوصِ الأكسجين؛ الأوَّل حاملٌ للرِّسالة الجينية، والثَّاني مترجِمٌ لها)، وقد كانت تتشاركُ حلَّ المسألة المعقَّدة مع موريس ويلكينس، إلَّا أنَّ التَّواصلَ اليوميَّ بينهما كان شبه معدوم. ويُفسَّرُ ذلك من جانبٍ بحرصها على استقلالها المهني، وعضِّها بالنَّواجذ على حريَّتها الأكاديمية؛ ويُفسَّرُ نفسُ الأمرِ، من جانبٍ آخر، بشراستها وحدَّة طبعها وضعف أنوثتها (على حدِّ زعم جيمس واتسون). وكانت التَّقنية التي يستخدِمانِها في الوصولِ إلى حل، هي تقنية تصوير ودراسة البلُّورات بالأشِعَّة السِّينية، بغرضِ الكشف عن ترتيبها البنيوي، فاختراقُ الأشِعَّة للبلُّوراتِ يؤدِّي إلى انكسارِها أو ميلِها بزوايةٍ محدَّدة، فتتكوَّن عنها صورةٌ ثلاثيةُ الأبعاد، تُمَكِّنُ من التَّنبؤ بكثافةِ الإلكترونات داخل البلُّورة، إضافةً إلى التَّرابط الكيميائي للذَّرَّات.
وفي كيمبردج، كان باحثانِ آخرانِ، هُما فرانسيس كريك وواتسون، يهتمَّانِ بنفسِ الموضوعِ البحثي؛ لذلك كان محتَّماً عليهما أن يدخلا في تنافسٍ أو سباقٍ مع كلية كينغ بلندن (هذا إضافةً إلى سباقٍ آخرَ عبر الأطلنطي مع باحثٍ كيميائيٍّ ضليع هو لاينس باولينغ، الذي سبق أن تحدَّثنا عنه في إحدى المشاركاتِ التي خصَّصناها لأسماءٍ بارزةٍ بولاية كاليفورنيا). وبما أنَّ التنافسَ كان يجري في إطار العلوم الطَّبيعية، وليس الأسواق التِّجارية، فكان لا بدَّ أن يتمَّ حوارٌ بين الجهتين، وأن تسعى كلُّ مجموعةِ بحثٍ إلى أن تُطلِعَ الأخرى بما تجري من تجاربَ، وبما تُحقِّقُ من نتائجَ، في كلتا حالتَيْ النَّجاحِ والإخفاق. وعبر هذه اللِّقاءاتِ التَّحاورية، الماكوكيَّةِ بين لندن وكيمبردج، بدأت تلوحُ في الأفق ملامحُ خلافٍ، وسوءُ فهمٍ مُتبادلٍ، وتصوُّراتٌ خاطئة، راح ضحيُّتها امرأةٌ باسلة، سعت لأن تحفظ لنفسِها، ولبناتِ جنسِها (أو جندرها)، مكاناً تحت الشَّمس؛ إلَّا أنَّها ظُلِمت في حياتها، مثلما أنَّها تُجوهِلت بعد مماتِها؛ فعسى، إنْ لم نُفلِحْ في رفعِ بعضِ المظالمِ عنها، أن نُزيلَ عن سيرتِها قدراً يسيراً من مرارةِ التَّجاهل.
كان كريك وواتسون يشتغلانِ في مختبر كافِندِش بكيمبردج تحت إشراف السِّير ويليام براغ، الذي لم يكن يُحبِّذُ تدخُّلهما في أبحاثِ الـ"دي إن إيه"، بعد فشلِ نموذجِهما الأوَّل؛ ولأنَّه كان يرى، من جانبٍ آخر، أنَّ هذا البحث متروكٌ برُمَّته إلى كلية كنغ بلندن، التي يعمل بها ويلكينس وروزا، تحت إشراف السِّير جون راندول. إلَّا أنَّ الحامض النَّووي الرِّيبي منقوصَ الأكسجين كان أجَلَّ شأناً وأثمنَ قيمةً من أن يُتركَ إلى جهةٍ واحدة، مهما أملى الأوتوكيتُ بغيرِ ذلك. ولكي يبني كريك وواتسون نموذجَهما الثَّاني، الذي كُلِّلَ في نهاية الأمر بالنَّجاح، كان لا بدَّ من الاستعانة بمعلوماتٍ حيوية، تتوفَّر فقط عند مصدرَيْن منافسَيْن لهما أشدَّ التَّنافس. فمن جهةٍ كانا يحتاجانِ إلى معلوماتٍ حول التَّركيب والتَّرابط الذَّرِّيِّ للعناصر الكيمائية؛ وكانا يحصُلانِ على ذلك من كتاب باولينغ المدرسيِّ الأساسيِّ: "طبيعة التَّرابط الكيمائي" (وكانا يحتفظان بنسخةٍ بالية، يضعها واتسون أحياناً تحت وسادته)؛ وكانا يتابعان في نفسِ الوقت سيرَ أبحاثِه وتقدُّمِه عن طريق الرَّسائل التي تصِلُ لابنه بيتر، الذي كان يعملُ معهما في كافِندِش.
أمَّا المعلومات الحيوية التي تقودُ إلى بناء نموذجٍ أقرب إلى واقعِ الحال، فقد كان لا بدَّ من وصولِها لهما من لدى روزالِند، التي كانت تعكفُ بنفسِها على تصويرِ مركَّب (أو جزيء) "دي إن إيه" عن طريق اختراق البلُّورات بالأشِعَّة السِّينية. وقد نجحت روزالِند أخيراً في تصويرِ نُسخةٍ، عُرفت بالصُّورة "باء" (فورم بي)؛ وهي قابلةٌ للتَّعرُّفِ من خلالها على بنية الحامض، وذلك خلافاً للصُّورة "ألف" (فورم إيه)، التي لم تكن واضحةً بدرجةٍ كافية. ولكن كيف السَّبيل إلى هذه المعلومة، خصوصاً وأنَّ روزالِند لا تتكلَّم حتَّى مع زميلها ويلكنس؟ ولحداثةِ سِنِّه ولموطنِه غير البريطاني (فهو أمريكيُّ الأصل)، عُهِد لواتسون بهذه المهمَّة العسيرة، ولكن التَّحيُّز السِّلبيَّ الجلي الذي ظهر في كتابه "اللَّولب المزدوج"، هو الذي دفعنا لمناصرة روزاليند، التي كانا (كريك وواتسون) يشبِّهانها بروزا لوكسمبرج؛ إلَّا أنَّ واتسون كان يُكنِّيها بلقب "روزي"، حتَّى يعلِّق على إهاب الاسم المُختلق ما يطفحُ بصدرِه من مشاعرَ سلبيةٍ تجاه امرأةٍ نجحت في أوائلِ الخمسيناتِ من القرن الماضي في أن تجِدَ لها موقعاً للتَّنافسِ الشَّريفِ مع "شقائقها الرِّجال"؛ فما كان هو موقف أحدُهما، مُتمثَّلاً في جيمس واتسون، الذي ألَّف كتاباً – من منظورٍ شخصي - عن اكتشافِ بنية الحامض النَّووي الرِّيبي منقوصِ الأكسجين؟
يقولُ واتسون إنَّ "روزي" كانت تعمل تحت إشراف ويلكينس؛ وفي حقيقة الأمر، إنَّ روزالِند وويلكنس كانا يعملانِ سوياً، وعلى قدمِ المساواةِ، تحت إشراف السِّير راندول، مثلما أنَّ كريك وواتسون كانا يعملانِ سوياً تحت إشراف السِّير براغ. ويزعم واتسون بأنَّ "روزي" لم تكن تعتقد بأنَّ مركَّب "دي إن إيه" يُمكِنُ أن يُوجَدَ في شكلِ لولب، مع إنَّ روزالِند تقول في مذكرةٍ تُعلِّق فيها على الصُّورة "باء" (فورم بي) إنَّ سلاسلَ ثنائيةً أو ثلاثيةً أو رباعيةً للحامضِ النَّووي مُشترَكةِ المحور يُمكِنُ أن تُوجَدَ في كلِّ وحدةٍ لولبيةٍ للحامض. ويزعم واتسون بأنَّ "روزي" لا تحفل بأنوثتها وترتدي نظَّاراتٍ بعدساتٍ مُكبِّرة مُنفِّرة؛ وفي الواقع، إنَّ روزالِند كانت مليئةً بالحيوية وسط أصدقائها ومعارفها، خارج دائرة العمل في كليَّة كنغ؛ وما النَّظارةُ ذاتُ العدساتِ المكبِّرة، إلَّا لدواعي التَّصوير بالأشِعَّةِ السِّينية. كما يدَّعي واتسون بأنَّ "روزي" هاجمته ذات مرَّةٍ، حتَّى احتمى بويلكنس؛ غير أنَّ من الممكن تصوُّر دوافعِ اِمرءٍ يُمكِنُه التَّجرؤ بالقول عن روزالِند: "إنَّ المرءَ لا يجِدُ مناصاً من الزَّعم أنَّ أفضلَ مكانٍ لامرأةٍ عالِمة هو جلوسها في حضنِ رجلٍ عالم (بالتَّلاعب بكلمة "لاب"، إذ ينوسُ بين "الباء" المجهورة والمهموسة، إذ تعني إحداهما "حِضناً"، بينما تعني الأخرى "مختبرا").
في عام 1951، نجح فريق كيمبردج في الكشفِ عن تركيبِ الحامضِ المعروف بـ"دي إن إيه؛ وفي عام 1962، مُنحت جائزة نوبل لعلم وظائف الأعضاء أو الطِّب لكلٍّ من فرانسيس كريك، وجيمس واتسون، وموريس ويلكنس؛ وبما أنَّ الجائزة الشَّهيرة لا تُمنح إلَّا لأحياء، وكانت روزالِند قد انتقلت إلى بارئها في عام 1958، فقد رحلت عن 37 عاماً، من غيرِ أن ترى جانباً من التَّقدير الذي تستحِقُّه، لِما بذلت من جهدٍ علميٍّ خارق، فات ملاحظتُه في وقتِه على أقربِ الدَّائرين في محيطِها العلمي والعملي. وإنُ فاتتها الجائزةُ المُقدَّرة، فإنَّ أفضلَ جائزةٍ يُمكِنُ أن تنالَها بعد رحيلِها هو إحياءُ سيرتِها وإعادةُ الاعتبارِ لسمعتِها، التي نالت رشاشاً من عالِمٍ أعمته ضلالاتُ الوقتِ عن رؤيةِ الحقيقة العلمية في أجملِ إهابٍ لها، كانت قد ارتدته روزالِند فرانكلين بشجاعةٍ واستقامةٍ عديمتي النَّظير، حتَّى آخرِ رَمَقٍ من حياتها (أو حتَّى قبيل أسبوعينِ من مماتها، بتعبيرِ جيمس واتسون، في ذيلِ كتابه الموسوم "اللَّولب المزدوج").
ولإعطاء واتسون ما يستحقُّ، فالحقُّ يُقال إنَّه اعترفَ في ذيلِ كتابِه بدورِها، بعد أن تحاملَ عليها غاية التَّحامل في صدرِ الكتاب، على المستويَيْن العلميِّ والشَّخصي؛ فقد اتَّضحَ، حسب اعترافه، أنَّ عملها في مجال الأشِعَّة السِّينية كان عملاً مقدَّراً، وتزدادُ أهميَّته بشكلٍ مطَّرد؛ كما أنَّ فرزها للصُّورتين "ألف" و"باء" (فورم إيه و بي) كان كافياً لنيلِها سمعةً علميةً طيِّبة؛ هذا إضافةً إلى برهنتها على أنَّ مجموعة الفوسفات يجب أن تكون محيطةً بتركيبِ الـ"دي إن إيه" من الخارج. وكلُّها إنجازاتٌ علمية كانت كافيةً لأن تؤهِّلها للتَّرشُّح للجائزة العلمية الكبرى، وتُجِبرُ القائمين عليها بمنحِها لها؛ مثلما أجبرت واتسون على القولِ إنَّه "بعد سنواتٍ من المشاحناتِ، قد أقررنا باستقامتِها الشَّخصية وكرمِها، بعد أن أدركنا (أنا وكريك) بشكلٍ متأخِّر، بأنَّها كانت امرأةً ذكيَّة تطلبُ اعترافاً من محيطٍ عِلميٍّ يعتبرُ النِّساءَ في الغالبِ الأعمِّ مجرَّد مشاغلَ تصرِفُ المرءَ عن التَّفكيرِ الجاد".

في حلقةٍ تكميلية لهذه المشاركة، سنستنشقُ مع القرَّاءِ الأفاضل فوحَ وردةٍ ثالثة؛ ولحسنِ حظِّنا، أو ربَّما لشوفينيةٍ، خبيئةً بين ضلوعنا، فإنَّها وردةٌ ناميةٌ في حقلٍ سوداني.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاربعاء يونيو 21, 2017 1:33 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

كان الشاعر بابكر الوسيلة، والذي هو الأخ الأصغر لمحمد خلف، قد نقل المساهمة السابقة للأخير إلى "قروب الممر"، الذي أسَّسه الشاعر مامون التلب في الواتساب. فتسبَّبت مقالة خلف في انثيال ذكرى من د. ناهد محمد الحسن. على إثر فراغي من قراءة تعليق ناهد، الموازي والمتواشج، تذكرت تعليقي الأولي الذي قلته عبر الهاتف لمحمد خلف على مقالته. قلت لناهد، عبر الواتساب، نفس التعليق تقريباً، الذي فحواه: "إن هذه مقالة مُعَلِّمة، بمعني أنها - بخلاف الرؤية النافذة للكاتب/الكاتبة - فإنها توفر معلومات جديدة وملهِمة للقارئ/القارئة". وناهد، لمن لا يعرفها، هي طبيبة نفسية، شاعرة، ناشطة ثقافية في أكثر من حقل، مثال ذلك أنها كانت عضوة في اللجنة التنفيذية لاتحاد الكتاب السودانيين. استأذنتها في أن أنقل تداعيها، تأملها النقدي المضغوط، إلى هنا:



كانت السوربون من الأماكن التي طلبت من مضيفي أن يأخذني إليها..قال لي المرشد السياحي، "لا يمكن أن نكمل تاريخ السوربون في يوم. عليك أن تختاري أن تدخلي من باب الآداب أم باب العلوم..فقلت الآداب طبعاً، وفي نفسي قلت يكفي أنني أهدرت دهراً في العلوم..في نهاية الرحلة الساحرة، حدثني عن أن هيئة الجامعة لم تضم امرأة كرئيسة..استغربت من هذا الكلام..وكانت مناسبة لأن أعرف شيئاً عن المرأة في فرنسا..وتطرق في توضيحه لتعليم النساء الجامعي حتى وصل إلى مدام كوري، وكيف أن الجامعة لم تسمح لها بتدريس الكيمياء إلا بعد وفاة زوجها وعدم وجود شخص آخر مؤهل غيرها للمنصب..وقد اعترض كثيرون على ذلك بادىء الأمر..وفي أول محاضرة لها في السوربون، كانت النساء يجلسن في نهاية الصف والرجال في الأمام.. لكن اليوم الذي درَّست فيه كوري كان هو اليوم الذي جلست فيه النساء في المقدمة..ومن يومها والنساء يجلسن في المقدمة في الصف..حين دُرِّسنا مدام كوري، لم يقل لنا أحد إنها تسبَّبت في اختراق أساسي في الذكورية القابضة في السوربون..وإنها اختصرت بعبقريتها تطور سنوات..ومع ذلك، لا نجد اسمها في صحائف النسويات كغيرها من العظيمات.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1216

نشرةارسل: الاربعاء يونيو 28, 2017 1:24 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

عبر هذه الحلقة الثانية، ووسط باقة من الوردات، يقدِّم لنا محمد خلف وردته الثالثة، التي هي وردتنا السودانية، بكلِّ فخرٍ:



روزا لوكسمبرج وفوحُ الورداتِ الثَّلاث

-2-


أُدرِجَتْ أمِّي، مُنى مكِّي، معهنَّ منذ منتصفِ الخمسيناتِ في برنامجٍ لمحوِ الأمِّية عن كريماتِ أمدرمان؛ وكنتُ أسمعُ منها، منذُ عهدٍ زاهٍ ومبكِّر، أسماءً محبَّبة لرائداتٍ للحركة النِّسوية السُّودانية، تجري على لسانِها في سهولةٍ ويُسر: خالدة زاهر، فاطمة طالب، عزيزة مكِّي، حاجَّة كاشف، نفيسة المليك، ثريا الدِّرديري؛ ثم عرفتُ عن طريقِ الاطِّلاعِ أسماءً لا تقلُّ عنهنَّ شُهرةً وسَبقاً؛ منهنَّ مَن شاركن لاحقاً في تأسيس "الجبهة النِّسائية الوطنية"، مثل ثريا أمبابي، وسعاد الفاتح؛ ومَنْ شاركن بعد ذلك بفترةٍ في تأسيسِ "اتِّحاد نساء السُّودان"، مثل محاسن عبد العال، وأم سلمى سعيد، وفاطمة عبدالمحمود (التي أصبحت أولَ وزيرةٍ إبَّان حكم المشير جعفر محمَّد نميري). وفِي مرَّاتٍ عديدة، ذهبتُ معها بإلحاحٍ باكٍ منِّي - وأنا طفلٌ صغير - إلى دارِ المُرشِدات، وفصولِ محوِ الأمِّية، وتدريس الخياطة والتَّطريز؛ وصحِبَتني معها عن طِيبِ خاطرٍ، وفي أكثرِ من مرَّةٍ، إلى احتفالاتِ "أسبوع المرأة"؛ كما سَمِعتُ منها مراراً باسمِ "الاتِّحادِ النِّسائي". ولم يُفلِحُ ذلك كلُّه في محوِ أمِّيتها، لانقطاعِ البرنامجِ بسببِ الأوضاعِ السِّياسية غير المستقِرَّة، وبسببٍ من تعسُّفِ بعضِ الحكوماتِ الوطنية؛ إلَّا أنَّه رسَّبَ في داخلِها – بشكلٍ حاسم - محبَّةً للعلم، وقوَّةً في الشَّخصية، ونُبلاً في المقصد، واعتزازاً بقيمتِها كامرأةٍ متفرِّدة، لها قدرُها وكرامتُها.
كما سمعتُ منها بمجلة "صوت المرأة"، التي كانت تُشرِفُ على تحريرِها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، منذ عام ١٩55. وعندما تمَّ، في عام 1965، انتخابُها أولَ امرأةٍ في البرلمانِ السُّوداني عن دوائرِ الخرِّيجين، وانتخابُها في نفسِ العامِ رئيسةً للاتِّحادِ النِّسائي (التي لا زالت ترأسُه إلى الآن)، ترسَّخَ اسمُها بلا منازعَ كأشهرِ رائدةٍ تطأ قدماها أرضَ البلاد. إلَّا أنَّنا ننتخبُ في هذه المشاركةِ وردةً أخرى، لِتنضافَ إلى باقةِ الورداتِ الثَّلاث؛ ألَا وهي الأستاذة فاطمة بابكر، لا لِشيءٍ إلَّا لأنَّها كافحت ضد التَّيارِ السَّائد، ولم تلقَ عوناً إلَّا من فئةٍ من المثقَّفاتِ الطَّليعيات، وحَفنَةٍ قليلةٍ من طالباتِ الجامعة، اللَّائي تلقَّينَ العلمَ والتَّنظيرَ النِّسويَّ المتقدِّمَ على يدِها؛ فإن ظللنَ إلى الآنَ حَفنَةً من الرَّائدات، فإنَّ مؤشِّرَ الزَّمنِ الآتي يتَّجهُ بقوَّةٍ صوبَ الأفقِ الذي انفتحَ أمامَهنَّ، بفضلِ مجهوداتِ الأستاذة فاطمةِ الأخرى. ففي بدايةِ التِّسعينات، حضرتُ حفلاً أُقيمَ تكريماً لها بمرفأ برايتون بجنوب إنجلترا، حيث تحدَّثَ في الحفلِ طائفةٌ من طالباتِها ومعارفِها، من بينهن منال الإحيمر، وأمينة الرَّشيد، وربَّما هالة الأحمدي (هذا إنْ لم تخُنِّيَ الذَّاكرة، وتكونُ قد قدِمتْ لاحقاً إلى المملكة المتَّحدة)؛ وعندما جاء دوري لحديثٍ لم يكُن مُعدَّاً له مُسبقاً، لم يكن عندي ما أقولُه؛ وربَّما استحييتُ بوجودِ نسوةٍ خبِرنَها جيِّداً، داخل الفصلِ وخارجه؛ فأرجو أن تأتيَ هذه المشاركةُ تعويضاً عمَّا سلف.
ليس في مِشيتها صلفٌ ولا غرور، ولكنَّها كانت عندما تمشي في مِشوارِها اليوميِّ من شعبةِ العلوم السِّياسية إلى كلِّية الاقتصاد، عبر مقهى النَّشاط، تنتصِبُ دوماً ممشوقةَ القوام، بثوبِها الأبيضِ النَّاصع، وشعرِها "الآفرو" الكثيف، من غير التفاتٍ، يُمنةً أو يسارا؛ غير أنَّ الجالسين على جانبَيْ الطَّريق يكادون أن ينزووا لمجردِ رؤيتها، وهي تنصَبُّ كأنَّها "جلمودُ صخرٍ حطَّه السَّيلُ من علٍ"؛ إذ كانوا يخشَون تعليقاتِها وتأنيبَها المؤكَّد، وانتقادَها المُحِقَّ لعاداتِ التَّسكُّع، من غيرِ طائلٍ، في مقهى النَّشاط. وكان صديقي الأستاذ محمَّد عبد المنعم (فوكس) من أنجبِ تلاميذِها ومناصريها. وفي حفلِ اقترانِها بالدُّكتور محمَّد سليمان بدارِ الأساتذة، انبرى (فوكس) بخطبةٍ لا تُنسى، طوَّع فيها مقاطعَ من قصائدَ للشَّاعر محمود درويش، لِتتلاءَمَ مع المناسبة، وكان المبدعُ الفلسطينيُّ قد أحدَثَ لتوِّهِ نقلةً في القصيدةِ العربية بانبثاقِ "الرَّماديِّ"، و"أحمد الزَّعتر"، و"أعراس":

"عاشقٌ يأتي من الحربِ إلى يومِ الزَّفاف
يرتدي بدلته الأولى
.....
وعلى حبلِ الزَّغاريدِ يُلاقي فاطمة
.....
وتُغنِّي الفتيات:
قد تزوَّجتَ
تزوَّجتَ جميعَ الفتيات
يا مُحمَّد!
.....
وتزوَّجتَ البلاد
يا مُحمَّد!
يا مُحمَّد!".
ومن "تلك صورتُها وهذا انتحارُ العاشق"، يأتي صوتُه هادِراً بين أزيزِ الطَّائرات:
"الصَّخرُ يهتفُ لاسمكِ الوحشيِّ كُمَّثرَى؛وأسألُ هل تزوَّجتَ الجبال ...؟"


من النَّادر جدَّاً، أن يحتشدَ زواجٌ بقوَّةِ الرَّمز والدَّلالة، مثلما هو الحال مع زفافِ الفاطمتين؛ فالأولى اقترنت بالمناضل الشَّفيع أحمد الشِّيخ، رئيس اتِّحاد نقابات عمَّال السُّودان، فكان زواجُهما، في جانبٍ منه، تعبيراً عن التحام القضايا النِّسائية بقضايا العمَّال، وارتباطِ مصيرِها بمآلاتِ الطَّبقة العاملة؛ بينما اقترنتِ الثَّانية بصاحب "حرب الموارد"، فكان زواجُهما، في جانبٍ منه، تعبيراً عن تجاوزِ التَّأطيرِ الطَّبقي، والتحام قضايا النِّساء، كجنسٍ، بقضايا البيئة التي تهمُّ كلَّ البشر، كبشرٍ، بصرفِ النَّظرِ عن منشأهم الطَّبقي. إلَّا أنَّ الزَّواجَ الأوَّل قد ارتبط كذلك بالمنظَّمات الجماهيرية في أماكنِ العملِ والأحياء، بينما ارتبط الزَّواج الثَّاني بما يحلو للبعضِ بتسميته بالأبراجِ العاجية، في الجامعاتِ والمعاهدِ العليا. كتبتِ الأستاذة فاطمة بابكر في مستهلِّ حياتها الأكاديمية كتاباً تحت عنوان: "البرجوازية السُّودانية: أطليعةٌ للتَّنمية؟"، لكنَّ كتابَها الذي يهمُّنا في هذه المشاركة، هو كتابٌ تحت عنوان: "المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة"، الذي صدر عن "دار كيمبردج للنَّشر"، في عام 1995.
وفي منتصف الثَّمانينات، قدَّمت لنا الأستاذة فاطمة بدارِ اتِّحادِ الكتَّاب السودانيين بالمقرن، والتي كانت عضوةً مؤسِّسةً فيه، مذاقاً باكراً من ذلك الكتاب، في شكلِ محاضرةٍ عن "الفكر النِّسوي الغربي"، والتي ضمَّنتها بالفصلِ الأوَّلِ منه. وإنِّي لأذكرُ أنَّ الحاضرينَ قد اندهشوا لمتابعتها المُتقصِّية للحركة النِّسوية في العالم، وكان أفقُ معظمِ الحاضرين، في ذلك الوقت، لا يتجاوزُ فيما يختصُّ بقضيَّةِ المرأة ما يطرحُه الاتِّحادُ النِّسائيُّ عبر مجلَّتِه "صوت المرأة" أو ندواتِه العامَّة التي لا تُقامُ إلَّا لِماماً. وإنِّي لأذكرُ أيضاً أنَّني قد قلتُ لها: "إنكِ قد قدَّمتِ لنا عرضاً ضافياً عن الفكرِ النِّسويِّ الغربي، وأقمتِ لنا تفرقةً مضيئة بين الحركاتِ النِّسائية التي نشأت في أحضان الحركات الوطنية أو ارتبطت بنضالاتِ الطَّبقةِ العاملة، وبين الفكرِ النِّسويِّ الغربي، الذي نشأ مستقِلَّا عنها نوعاً من الاستقلال؛ إلَّا أنَّ المرءَ يلمسُ في ثنايا ما قدَّمتينه لنا محاولةً لتجاوزِ واقع دونيَّة المرأة بتقمُّصِ صورةِ قامعها، وهو الرَّجل". فتفضَّلتِ الأستاذة بالإجابةِ قائلةً: "من أين لي بقدوةٍ أخرى لِأتقمَّصَها، فالرَّجلُ هو الذي ظلَّ رَدَحاً سيِّد الملعب؛ وباستمرارِه في لَعِبِ هذا الدَّور، سيكونُ هو القدوة المطروحة للتَّشبُّهِ والمُحاكاة (كلُّ الصِّياغةِ من عندي، إلَّا أنَّ الإجابة هي ما أزعمُ بأنَّها أقربُ إلى ما قُمتُ هنا بصياغتِه، ولكن هيهاتَ من مطابقةِ ذلك لِما أورَدَتْه الأستاذة الفاضلة في تلك المحاضرة القيِّمة).
وهذا هو المزلق؛ أو هذا هو النَّقصُ الذي يعتري التَّاريخَ المكتوبَ بصددِ النَّماذجِ النِّسائيَّةِ المتفرِّدة، التي تصلُحُ قدوةً للنِّساء والرِّجالِ معاً. ومن أجلِ هذا، خصَّصنا الحلقة السَّابقة للحديث عن قدوتين نيِّرتين، هما روزا لوكسمبرج وروزالِند فرانكلين؛ على أملِ أن تُصبِحَ فاطمةُ بنت العافية بعد هذه الحلقةِ قدوةً يُشارُ لها بالبنان، عوِضاً عن التَّمسُّكِ بأهدابِ الرَّجل أو التَّشبُّه بأيٍّ من مخازيه؛ فهي بصلابةِ منشأِها، واستقامةِ خُلقِها، وقوَّة فكرِها، جديرةٌ بأن تكونَ قدوةً لغيرِها، نساءً كنَّ أم رجالا؛ ودونكم كتابها، ولسانُ حالِها يقول: "فهاؤم اِقرأوا كتابيه"؛ فهي ليست من النَّائحاتِ أو مَن يلطُمنَ الخدودَ أو يشُقَّنَّ الجيوب. ففي عام 1998، تُوفيت والدتُها العافية موسى إبراهيم، فحزِنت عليها حُزناً عميقاً، إلَّا أنَّها قرَّرت - في جسارةٍ غيرِ مسبوقةٍ وسط نساءِ عصرِها - تجاوُزَ الحزنِ عليها بالكتابةِ عن قضايا المرأة السُّودانية والشُّروعِ في صياغةِ كتابِها الثَّاني: "المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة"؛ فنرجو أن تمتدَّ إليه يدُ البناتِ كلَّما فقدنا عزيزاً أو فارقنا رفيقَ عُمُرٍ أو صديق. وإن نَشَدنَ من بعدِ ذلكَ قدوةً من رجل، فهذا عينُ ما قام به البروفيسور التِّجاني الماحي؛ فحينما فقد ابنَه، امتدَّت يداه إلى "رسالة" أبي حامد الغزالي الموسومة "أيُّها الولدُ المحب"، فـ"العلمُ بلا عملٍ جنون، والعملُ بلا علمٍ لا يكون".

سننتقلُ في الحلقةِ الثَّالثةِ والأخيرةِ من هذه المشاركاتِ الثَّلاث من "حرب المواردِ" إلى "حربِ الورود"، حينما نعالجُ اللُّغةَ المهيمنة في مسرحية: "من يخافُ فرجينيا وولف؟".

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10
صفحة 10 من 10

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة