Story Lesson أو الحِصَّة قِصَّة
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 239

نشرةارسل: الخميس فبراير 09, 2017 12:11 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

فما نُريدُ عمله، يا عزيزي الصّادق، ليس مجرد توضيحِ رؤى الكاتبِ داخل النَّص، وإنَّما تنصيبُه شخصيَّةً قائمةَ الذَّات، تماماً مثلما أن الرَّاوي في "موسم الهجرة" هو أيضاً شخصيَّةٌ قائمةُ الذاتِ، إلى جانبِ وظيفتِه السَّرديَّةِ المعهودة.




سلام يا خلف

شكراً للتوضيح، وربما كان تنصيبك للكاتب كشخصية قائمة بذاتها في هذه الرواية
توضح لي جزء منها استشكل علي فهمه، وهو الجزء الذي يبدأ بـ(وأنتهت الحرب فجأة بالنصر) ويستمر من ص 137 الى ص 140
في النسخة التي أمتلكها.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
الصادق إسماعيل



اشترك في: 27 اغسطس 2006
مشاركات: 239

نشرةارسل: الجمعة فبراير 24, 2017 5:45 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

This is Charing Cross


It is one o'clock


There is still a great cloud, and very little light


Immense shafts of shadows over the black crowd


That hardly whispers aloud


And now! . . That is another dead mother,


And there is another and another and another. . .


And little children, all in black,


All with dead faces, waiting in all the waiting-places,


Wandering from the doors of the waiting-room


In the dim gloom.


These are the women of Flanders.


They await the lost.


They await the lost that shall never leave the dock;


They await the lost that shall never again come by the train


To the embraces of all these women with dead faces


They await the lost who lie dead in trench and barrier and foss

In the dark of the night


This is Charing Cross; it is past one of the clock


There is very little ligh



There is so much pain
[/align]
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 976

نشرةارسل: الاحد فبراير 26, 2017 10:14 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في هذه المساهمة، يتوغَّلُ محمد خلف داخل "موسم الهجرة إلى الشمال"، حاملاً مصباحه النقدي، ينثر به ضوءاً على بعض جوانب المحتوى والشكل في هذه الرواية، وعلاقة ذلك بالكاتب وموقعه:




هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق

-1-


كشفنا في الحلقةِ السَّابقة، عبر ما وصفناه بقناديلِ الطَّريق، الخطوطَ العريضة لشخصيَّةِ الكاتب المُراد إنشاؤها داخل النَّص، وقلنا إننا سنُجسِّدُ في هذه الحلقةِ تلك الشَّخصيَّة المنسيَّة من خلالِ أمثلةٍ تُحدِّدُ – بشكلٍ مُركَّز – النُّورَ السَّاطعَ من تلك القناديل؛ فهدفُنا من ذلك، ليس مجرد توضيحِ رؤى الكاتبِ داخل النَّص، وإنَّما تنصيبُه شخصيَّةً قائمةَ الذَّات، تماماً مثلما أن الرَّاوي في "موسم الهجرة" هو أيضاً شخصيَّةٌ قائمةُ الذاتِ، إلى جانبِ وظيفتِه السَّرديَّةِ المعهودة.
ولتذكيرِ القارئ بتلك القناديل، فإننا قلنا إن هناك منها، أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه؛ ومنها، ثانياً: ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن؛ ومنها، ثالثاً: ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. وفي كلِّ تلك المواقع الثَّلاثة، يجيءُ صوتُ الكاتبِ واضحاً، فلم يترك لنا لبساً، أو يُلهِنا بتشويشٍ، أنَّه صاحبُ القول.
وإذا كانت تلك القناديل، التي سنتعرَّض لها بالتَّفصيلِ في هذه الحلقة، قد غطَّت جانبَ المحتوى، فإن هناك ضوءً أشدَّ سطوعاً قد لَمِسَ جانبَ الشَّكل؛ وهو هذا المنحى الذي سنتعرَّضُ له أولاً، قبل فلفلةِ الحِزَمِ الضَّوئية القادمة من تلك القناديل. ففي الأسطرِ الأولى من الفصلِ الأول، الذي اعتلى فيه الرَّاوي مِنصَّة القول، جاء ما يلي:

الجُملة الأولى:
"عُدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويلة، سبعةُ أعوامٍ على وجهِ التَّحديد، كنتُ خلالها أتعلَّمُ في أوروبا".
الجملة الثَّانية:
"تعلَّمتُ الكثير، وغابَ عنٍّي الكثير، لكن تلك قصَّة أخرى".
الجملة الثَّالثة:
"المهمُّ أنني عُدتُ وبي شوقٌ عظيم إلى أهلي في تلك القريةِ الصَّغيرة عند منحنى النِّيل".

يُلاحَظُ أن بين الجملةِ الأولى التي تبدأ بعبارة "عُدتُ إلى أهلي" والجملة الثَّالثة التي تبدأ بعبارة "المهمُّ أنني عُدتُ"، تُوجدُ جملةٌ متوازِنة، تتحدَّثُ عن شَّيءٍ إيجابي ("تعلَّمتُ الكثير")، وتُقابلُه بضدِّه السَّلبي ("غاب عنِّي الكثير")؛ ثمَّ تستدركُ بأن "تلك قصَّة أخرى"، ليعودَ الرَّاوي لاستئنافِ قصَّتِه الأساسية.
وفي الأسطرِ الأولى من الفصلِ الثَّاني، الذي اعتلى فيه مصطفى سعيد مِنصَّة القول، بعد أن انتهى الفصلُ الأول بعلامةِ "نقطتَيْنِ رأسيتَيْن" ’:‘، جاء ما يلي:

الجُملة الأولى:
"إنَّها قصَّةٌ طويلة، لكنني لن أقول لكَ كلَّ شيء".
الجملة الثَّانية:
"وبعضُ التَّفاصيلِ لن تهمَّكَ كثيراً، وبعضُها ..
الجملة الثَّالثة:
"المهمُّ أنَّني كما ترى من الخُرطوم".

ويُلاحَظُ أيضاً أن بين الجملةِ الأولى التي تبدأ بعبارة "إنَّها قصَّةٌ طويلة" والجملةِ الثَّالثة التي تبدأ هي أيضاً، كما في الفصلِ الأول، بعبارة "المهمُّ أنَّني"، تُوجدُ كذلك جملةٌ متوازِنة، تتحدَّثُ عن شيءٍ سَلبيٍّ ("وبعضُ التَّفاصيلِ لن تهمَّكَ كثيراً")، وتُقابلُه بضدِّه الإيجابيِّ المفتوح، الذي تمَّ التَّعبيرُ عنه بعبارةٍ غير مكتملة ("وبعضُها .. "؛ التي تنتهي بنقطتَيْنِ أفقيتَيْن)، إلَّا أنَّها مفهومة، وتقديرُها متروكٌ للرَّاوي، الذي ستقعُ عليه لاحقاً مهمَّة الاختيار. فهذه الجملة الثَّانية المتوازِنة، الموجودة في كلا الفصلين، والقائمة بين البَدءِ الفعليِّ للقصِّ واستئنافِه بما هو "المهمُّ" فيه، بَدءاً من الجملة الثَّالثة في كليهما، هي المكانُ الإستراتيجي – من حيثُ الشَّكل – الذي تختبئُ فيه شخصيَّةُ الكاتب، التي ستفاجئنا لاحقاً ضمن محتوى القصِّ بإحداثِ التَّوازنِ تارةً، وتعليقِ الحُكمِ تارةً أخرى، ورؤيةِ الأشياءِ من كلا طرفيها في كلٍّ؛ فتلك باختصارٍ شديد هي فلسفةُ الكاتب، التي جاء التَّعبيرُ عنها بشكلٍ سردي، مثلما جاء التَّعبيرُ عنها ضمن كتاباتِ الطَّيِّب صالح النَّثرية الأخرى، إضافةً إلى مقابلاتِه المطبوعة، والمسموعة، والمرئية؛ إلَّا أننا سنُركِّزُ الآنَ على المحتوى السَّردي، وفقاً للقناديلِ التي تحدَّثنا عنها في الفقرةِ الأولى من هذه الحلقة.

أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه
قبل أن يُقابِلَ مصطفى سعيد السَّيِّدة المسكينة إيزابيلا سيمور أولَ مرَّةٍ في ركنِ الخطباء في هايد بارك، قال للرَّاوي (الذي نسمعُ من خلالِه قصَّتَه): "وقفتُ عن بُعدٍ أستمعُ إلى خطيبٍ من جزرِ الهندِ الغربية يتحدَّثُ عن مشكلةِ الملوَّنين". وقد تُوحي عبارة "الوقوف عن بُعد" نوعاً من الإيحاءِ بأن المشكلة لا تعنيه في الأصل، إلا أنَّنا نعلمُ بأن الأفريقيَّ الأسود الذي جاء إلى الحديقةِ الشَّهيرة، بحثاً عن "صيدٍ عظيم"، لم يكن بمنأًى عن مشكلةِ الملَّونين التي تُصادفُه في كلِّ منحًّى من مناحي حياته؛ فرغم إيمانِ الفتاةِ القروية شيلا غرينوود بأنه "سيجيءُ يومٌ تنعدمُ فيه الفروق"، إلَّا أنَّها تقولُ له "إن أُمِّي ستجنُّ وأبي سيقتلني إذا عَلِم أنني أُحبُّ رجلاً أسود"؛ كما يقولُ مصطفى عن المحلِّفينَ في قاعةِ المحكمة "لو أنني طلبتُ استئجارَ غرفةٍ في بيتِ أحدِهم فأغلبُ الظَّنِّ أنه سيرفض، وإذا جاءتِ ابنةُ أحدِهم تقولُ له إنَّني سأتزوَّجُ هذا الأفريقي، فيحسُّ حتماً بأن العالمَ ينهارُ تحت رجليه". لذلك، فإن العبارة ليس لها من معنًى مطابقٍ لواقعِ الحال، إلَّا إذا ربطناها بشخصيَّةِ الكاتب التي تتخفَّى في طيَّاتِ التَّعبير وبين شُقوقِ الكلام.
فخلافاً لشخصيَّة مصطفى سعيد المُصادِمة، خصوصاً إبَّان إقامته الطَّويلة بالبندرِ الكولونيالي، نجدُ أنَّ شخصيَّة الكاتب تقفُ دائماً بمنأًى عن اتِّخاذِ موقفٍ يُوحي بانحيازِها لجانبٍ من جوانبِ الصِّراع؛ كما نجدُها مُهتمَّةً أبداً بالتَّريُّثِ وإقامةِ التَّوازن – غيرِ المرئيِّ من منظورِ الأشخاصِ الذين يرَونَ الأشياءَ بعينٍ واحدة – تماماً مثلما جاء في الجملتينِ الثَّانيتين، في ذينكِ الفصلين؛ وهو السُّلوكُ الذي يتعارضُ تعارضاً تامَّاً مع ما جاء في تصوُّرِ مصطفى، الذي تمَّ التَّعبيرُ عنه في شكلِ إهداءٍ في كُرَّاسةٍ احتوت على صفحاتٍ من "سيرةِ حياته"، التي نقرأُ فيها ما يلي: "إلى الذين يرَونَ بعينٍ واحدة ويتكلَّمونَ بلسانٍ واحد ويرَونَ الأشياءَ إمَّا سوداءَ أو بيضاء، إمَّا شرقيةً أو غربية". لذلك، فإننا نُرجِّحُ دائماً وجودَ شخصيَّةِ الكاتب مُختبِئةً في أقوالِ البطلين، إذا لم يُرجِّح حديثُهما أيَّاً من كفَّتَي الميزان. وعلى سبيل المثال، قد دُهِشَ المستقبلون، عندما أجابَ الرَّاوي على أسئلتهم عن الأوروبيينَ قائلاً هم "إذا استثنينا فوارقَ ضئيلة، مثلُنا تماماً، يتزوَّجون ويربُّون أولادَهم حسب التَّقاليدِ والأصول، ولهم أخلاقٌ حسنة، وهم عموماً قومٌ طيِّبون".
فهذا الرَّأيُ المتوازِن، الذي دفع الكاتبَ نفسَه إلى تحديدِ موقفٍ حياتيٍّ من قضيةِ الصِّراعِ اللَّونِّيِّ والعرقي، يقفُ (بالنَّظرِ إلى موقفِ الشَّخصِ المُستعمَرِ) على مسافةٍ من طرحِ المفكِّر المارتنيكي، فرانز فانون، الذي يضعُ أولويةً قصوى لقضيَّةِ التَّمييز اللَّوني، التي ترتبطُ بالهوية الكولونيالية، أو الصِّراع بين المُستعمِرِ والمُستعمَر، ويرى أنها سابقةٌ لقضيَّةِ الصِّراع الطَّبقي، ولا يُمكِنُ تخفيضُها إليه أو اختزالُها فيه؛ كما يقفُ (بالنَّظرِ إلى رؤيةِ المُستعمِرِ) على مسافةٍ من تمجيدِ رسالةِ الرَّجلِ الأبيض أو إعادةِ تدويرِ استيهاماتِه الاستشراقية. بل يُمكِنُ القولُ بأن شخصيَّة مصطفى سعيد الرَّئيسية قد تمَّ بناؤها – أصلاً – وفقاً لنَسَقٍ قائمٍ على الاشتطاطِ في السُّلوك والمبالغةِ في تقديرِ المواقف، حتَّى يتسنَّى للكاتب إبراز الخللِ والتَّلفيقِ في عملية تكوين الأفكار والجنوحِ إلى التَّطرُّفِ في الممارسة، وهما العيبانِ الأساسيانِ اللَّذانِ يكتنفانِ طرفي المعادلة في حلبةِ الصِّراعِ الدُّولي (الذي يتمُّ التَّعبيرُ عنه في النَّصِّ الرِّوائيِّ، جغرافياً واقتصادياً، بجنوب-شمال؛ وتاريخياً وحضارياً، بشرق-غرب؛ وعرقياً ولونياً، بأسود-أبيض؛ وسياسياً وعنصرياً، بأفريقي-أوروبي).
وما يُلفت الانتباه في بناء شخصيَّة مصطفى سعيد هو أنَّه إضافةً إلى نبوغها المبكِّر، وجموحها في التَّفكير، وتفحُّشها في القولِ والفعل (إبَّان إقامتها الطَّويلة في البندرِ الكولونيالي)، ومفارقتها لمراعاةِ التقيُّد بالأطرِ الأخلاقيةِ المعروفة، قد شُحِنت بطاقةٍ شعرية عالية، نُثِرت في ثنايا حديثِه، ومتونِ دفاترِه، وبعضِ "قصاصاتٍ وشذورٍ متفرِّقة"، وُجِدت بين محتوياتِ غرفتِه. ولا نعني بذلك محاولتَه كتابةَ الشِّعرِ أو فشلَه في إكمالِ بيتٍ من قصيدة (فذاك ميدانُ الرَّاوي الذي تخصَّصَ في الشِّعر، واتَّخذه وسيلةً لكسبِ العيش، بعد أن أنجز بصددِه رسالةَ دكتوراة، تعقَّب فيها أثرَ شاعرٍ إنجليزي مغمور)، وإنما نقصد به ذلك الزَّخمَ النَّغمي الذي يُحيطُ بعبارتِه، فيُحرِّرُها من ربقةِ العاديِّ، ويجنحُ بها هارباً إلى مشارفِ لحظةِ الدَّهشةِ، وانبثاقِ وقتِ الجِدَّةِ؛ متألِّقاً بتفتُّقِ أكمامِ الحروفِ، وانبلاجِ نورِ الكلم.
أمَّا الكاتبُ، فقد أفرد لنا مختاراتٍ مما يروقُ له من أشعارٍ كلاسيكية وشعبية، من غيرِ مراعاةٍ أحياناً إلى أهميةِ سياقِ ورودِها في النَّص؛ ونستثني، من ذلكَ، شاعراً واحداً وقصيدةً واحدةً مترجمةً يتيمة. فالشاعرُ المُستثنى من هذا العيب النَّصي هو أبو نواس، إذ إن اتِّفاقَ الشَّخصيتَيْن الرَّئيسيتَيْن على أهميةِ شعرِه وتنبيهَهُما إلى جماليَّتِه، يُعدُّ علامةً أخرى، على مستوى الشَّكل، لانبثاقِ شخصيَّةِ الكاتبِ في النَّص. فمن جانبِه، يُشيرُ الرَّاوي، قبيل إقامتِهم "في قلبِ الصحراءِ فرحاً للَّاشيء"، إلى أبي نواس، ويقول: "هذه أرضُ اليأسِ والشِّعرِ ولا أحدَ يُغنِّي"؛ وفي عبارةٍ أخرى تُذكِّرُنا بأسلوب مصطفى سعيد، يقول الرَّاوي في نفسِ اللَّيلة: "هذه أرضُ الشِّعرِ والممكن وابنتي اسمها آمال". وفي الجانبِ الأخر، لا يكتفي مصطفى سعيد بقراءةِ عددٍ كبيرٍ من أبياتِ شعرٍ لإبي نواس، حتَّى لتكادُ تُخِلُّ بتوازنِ النَّصِّ الرِّوائي، بل يستخدِمُه في محاضرةٍ ألقاها على محفلٍ استشراقي للتَّدليلِ على "أن أبا نواس كان متصوِّفاً، وأنه جعل من الخمرِ رمزاً حمَّله جميع أشواقه الرُّوحية". وإذا كان مصطفى قد وصف كلامَه بأنه "كلامٌ مُلفَّق لا أساسَ له من الصِّحَّة"، فإن الرَّاوي قد وصف ذلك الحفلَ في الصَّحراءِ بأنه "عرسٌ بلا معنًى، مجردُ عملٍ يائس نبع ارتجالاً كالأعاصيرِ التي تنبعُ في الصَّحراءِ ثمَّ تموت". وفي كلا الوصفَيْنِ الانتقاديَيْن، تشرئبُّ شخصيَّة الكاتب القادرة على نقدِ المكتوب، والتي يجمعُها أبو نواسٍ بالشخصيَّتَيْن الرئيسيتَيْن الأُخريَيْن عبر الاتِّفاقِ على قوَّة شاعريته.
وقد استثنينا أيضاً قصيدة "أنتويرب" المترجمة، التي استُخدِمَ مقطعٌ من قسمِها السَّادس، ليس للإشارةِ فقط إلى زمنِ وقوعِ أحداثِ الرِّواية، وهي فترةُ ما بين الحربين، وإنما للنَّظرِ إليها أيضاً كأساسٍ لتوزيعِ أنصبةِ المعلومات، وتقييمِ الشَّخصياتِ، وفقاً لمقدارِ المعرفة بالقصيدة، واستكناهِ دلالاتِها العميقة. ووفقاً لهذا المعيار، لا يُمكِنُ لنا الجزمُ حتَّى الآن بما قدَّمناه من دلائلَ نصيَّة بأن شخصيَّة الكاتب هي أهمُّ الشَّخصيات؛ وربَّما إذا تسنَّى لنا لاحقاً تقديمُ مزيدٍ من الدَّلائل، أن نخلُصَ إلى الزَّعمِ بأن شخصيَّة الكاتب أقدرُ من غيرِها على تقييمِ دلالاتِ القصيدة؛ وعندها فقط، سنلجأُ إلى الكاتبِ نفسِه، عبر كتاباتِه الأخرى، للتَّدليلِ على صِحَّة هذا الزَّعم.

سنُكمِلُ هذه الحلقة بمشاركةٍ أخرى تتعرَّض لبقية القناديل؛ ومنها، ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن؛ وما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 976

نشرةارسل: الاربعاء مارس 15, 2017 12:12 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

في المساهمة السابقة، أو الحلقة الأولى، وفي المفصل الأول الذي جاء تحت عنوان: "أولاً: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه"، سعى محمد خلف إلى البحث في طيَّات "موسم الهجرة إلى الشمال" عن دلائل تساعده على إنشاء الكاتب كـ"شخصية قائمة الذات". وفي هذه الحلقة، يشرعُ، بعد أن يُذكِّرَ القارئ/االقارئة بالمحاور الثلاثة التي تنهض عليها أطروحته، في إلقاء ضوء على شخصية محجوب، الراوي ومصطفي سعيد، كشخصيات منفردة ومتعالقة، أو متكاملة ومتناقضة، في نفس الوقت:



هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق
-2-



قبل المُضي قُدُماً في صياغةِ فقراتِ هذه الحلقةِ الخاصَّة باستكمالِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب من خلال تتبُّعِ خيوطِ الضَّوء الصَّادرة من قناديلِ الطَّريق، نودُّ أن نُذَكِّرَ القارئ بالمحاورِ الرَّئيسية الثَّلاثة لمجملِ هذه المشاركاتِ حول كتاباتِ الطَّيِّب صالح؛ وهي، كما يُدرِكُ المتابعون ذوو الذَّاكرةِ النَّشِطة: أولاً، محورُ البندرِ الكولونيالي، ويُمثِّله خيرَ تمثيلٍ شخصيَّة مصطفى سعيد، رغم وجودِ الرَّاوي لسنينَ عدداً في نفسِ المكان؛ وثانياً، محورُ الوطنِ الأم، ويُمثِّله شخصيَّة الرَّاوي، رغم وجودِ شخصياتٍ أخرى تُضارِعُه، وربَّما تُصارِعُه أيضاً - مجازياً وحرفياً - مثل شخصيَّة محجوب؛ وثالثاً، محور العُمق الحضاري، الذي يُمثِّله شخصيَّة الكاتب، التي نحاول ضمن هذه المشاركاتِ الأخيرة أن نُنشئها إنشاءً داخل النَّص، حتَّى يتسنَّى لنا بسطُ الحيثياتِ الأساسية المتعلِّقة بتلك المحاور.
بمعنًى آخر، إننا لم نبدأ بعدُ في الدُّخول في صُلبِ الموضوع، ولم نُفلِح حتَّى الآن في الاقترابِ الحميمِ من المحاور الثَّلاثة، على الرَّغم ممَّا نثرناه من معلومات، وما أبديناه من ملاحظات، وما بنيناه من خططٍ أوليَّةٍ بشأنِ إستراتيجيَّةِ القراءة وبدءِ التَّحليل. وإنْ قالَ قائلٌ أو سألَ سائلٌ لماذا لا نختصر الطَّريق، ونذهب إلى الكاتب مباشرةً، بدلاً عن التَّكهُّن بوجودِه داخل النَّص، فأفكارُه منثورةٌ في أكثرَ من نوعٍ أدبي؛ فهناك الأعمالُ النَّثرية، والبرامجُ الإذاعية والتِّلفزيونية، والمقابلاتُ العديدة في الصُّحف والمجلَّات؛ هذا بالطَّبع إلى جانبِ أعمالِه السَّردية الشَّهيرة، التي تشمل الرِّواية (مثل "موسم الهجرة إلى الشَّمال")، والقصَّة الطَّويلة (مثل "دومة ود حامد")، والقصَّة القصيرة (مثل "نخلة على الجدول")، والمقدِّمات الأكثر قِصَرَاً (مثل "خطوة إلى الأمام" أو "لكَ حتَّى المَمَات").
نُجيبُ على هذا السَّائلِ الافتراضيِّ بالقول: بالطَّبع، من الممكن أن نذهبَ مباشرةً إلى الكاتبِ نفسِه، فنُنازعُه القول؛ ونقعدَ له كلَّ مرصد، فنُمسِكُه من لسانِه أو يدِه التي تُوجِعُه، ونتتبَّعَ خُطواتِه، ونتصيَّدَ هفواتِه؛ إلَّا أنَّ هذا، بعبارةِ معاوية محمَّد نور، لا يؤدِّي. بل إنَّ الشَّكلَ الأثيرَ الذي اختاره الكاتبُ منذ وقتٍ مبكِّرٍ للتَّعبيرِ عن أفكارِه، هو الجهةُ التي يكونُ الرُّجوعُ إليها "أنورَ وأبهر"، بعبارةِ الجَرجاني المُنيرة. ومن أجلِ هذا، سنُحاولُ أولاً أن نُنشئَ شخصيَّة الكاتب داخل النَّص، للتَّعرُّفِ على آرائه الفكرية العميقة من خلال وسيطٍ سردي، وعبر ما يجيءُ على ألسِنةِ شخصيَّاتٍ رئيسية، من ضمنها شخصيَّة الكاتب الواقعة قيد الإنشاء؛ ثم يُمكنُ لنا، من بعدُ، أن نرجعَ للكاتبِ الواقعيِّ نفسِه، للتيقُّنِ من صحَّة ما نزعمُ به من أقوالٍ معقولة أو آراءَ تتبدَّى لنا وجاهتُها ضمن هذه المشاركات المُخصَّصة لاستكشافِ عالم الطَّيب صالح من خلالِ محاورَ رئيسيةٍ ثلاثة.


ثانياً: ما يستقِرُّ في الخاطر، وما لم يُقلِ اعتباراً لآخَرِين، وما انقطعَ بغتةً واستؤنفَ توَّاً في الذِّهن
(كان القنديلُ الأول الذي تعرَّضنا لقبسٍ من نورِه في المُشاركةِ السَّابقة، هو: ما يُنصَبُ على مسافةٍ من حدثٍ رئيسي أو قبل وقوعِه)


يُتيحُ لنا الضَّوءُ السَّاطعُ من هذا القنديل أن نتعرَّضَ أيضاً لشخصيَّة محجوب، الذي أنشأ الكاتبُ بينها وبين شخصيَّة الرَّاوي توأمةً، مثلما أنشأها بين الأخيرِ ومصطفى سعيد، حتَّى لكأنَّ الثَّلاثةَ يُشكِّلونَ فيما بينهم مجموعةً مكوَّنةً من ثلاثةِ توائم، مع الفارقِ الجوهريِّ في عملية بناء وتكوُّنِ الشَّخصيَّة الرِّوائية لدى ثلاثتهم؛ فإذا أخذنا الرَّاوي كأساسٍ للمقارنة، فإن شخصيَّة مصطفى سعيد تُمثِّلُ، في بعضٍ من جوانبها الإيجابية، توقَ الرَّاوي الرُّوحي، كما تُمثِّلُ في ذاتِ الوقتِ انعكاساً لفشلِه الفكريَّ والعاطفي، رغم نجاحِه الأكاديمي، الذي يتمُّ التَّأكيدُ عليه بـِ"انتصاره" في نَيلِ شهادة الدُّكتوراة؛ وهي نفسُ الشَّهادة التي تتراءى للرَّاوي في بعضِ حالاتِ ضعفِه المعنويِّ رمزاً لخيبته، خصوصاً إذا ما قورن ذلك بالنَّجاح الاجتماعي والسِّياسي الذي لقيه محجوبٌ في مجتمعِ القرية، وفي البلدِ برُمَّتِه، من خلالِ مشاركتِه الفاعلة في الأحزابِ السِّياسية، والجمعياتِ التَّعاونية (التي توطَّدت من خلالها في المَقامِ الأوَّلِ علاقتُه بمصطفى سعيد)، والمناسباتِ الاجتماعيةِ الرَّئيسية (زواج - طلاق- سماية – ختان – كرامة – غسل ميِّت – دفن جنازة – إقامة مأتم – إكرام ضيف – استقبال وفد – أو استضافة عابر سبيل).
لو لم يواصلِ الرَّاوي تعليمَه، لصارَ مثل محجوبٍ تماماً؛ ولو لم يخُض مصطفى سعيد معاركَه الكيشوتية (نسبةً إلى دون كيخوتة دي لا مانتشا في رواية سيرفانتيس، الذي اشتُهر باستخدامِ مَلَكَةِ الخيال لتحويلِ الواقع المُحيط به إلى استيهاماتٍ مُقنِعةٍ لِمَن حولِه) لرَجَعَ إلى الوطنِ مثل الرَّاوي، ولأصبحَ موظَّفاً "لا يقدِّم ولا يؤخِّر". إلَّا أن محور البندر الكولونيالي، مع ذلك، لا يُمكِنُ له أن يعملَ داخل الرِّواية من غير التَّفاعل الضَّروري بين شخصيَّتَيْ الرَّاوي ومصطفى سعيد؛ كما لا يُمكِنُ لمحورِ الوطنِ الأمِّ أن يكتسبَ قيمةً من غير تفاعلِ هاتين الشَّخصيتين مع محجوب؛ أمَّا محور العُمق الحضاري، فلا سبيلَ إلى إقامتِه في الأساس من غيرِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب، التي تتبدَّى من خلال كلِّ تلك الشَّخصيَّات، والتي نستبصرُ من خلالها أيضاً رؤية الكاتب ذاتِه، عبر بعضِ المواقف الفكرية المُعلنة أو المُواربة، حسب كلِّ حالةٍ على حِدَة؛ وهو ما سيتمُّ التَّنبيه عليه في حينه.
للرَّاوي – كما لمصطفى سعيد – تقديرٌ عميق لمحجوب، صديقِ صباه ورفيق مدرسته الأولية؛ وكان يحبُّه حبَّاً جمَّاً (يُقاربُ حبِّي لأخي محجوب، الذي سمَّيتُ عليه ابني محجوباً، تيمُّناً به؛ وربَّما جاءتِ التّسميَّةُ – لا شعورياً – بتأثيرٍ من شخصيَّة محجوب الآسِرة)؛ ومع ذلك، فقد كان انقطاعُ تعليمِ أحدِهما ومواصلةُ آخر (وهي عينُ المشكلة التي برزت إلى الوجود مع انبثاقِ المدارس التي كان النَّاسُ "يظنونها شرَّاً عظيماً جاءهم مع جيوش الاحتلال"، والتي واكبتِ "الخلاوي" حيناً، ثمَّ حلَّت محلَّها في نهاية المطاف) سبباً في أن أصبح الرَّاوي لا يستطيعُ أن يُطلِعَ محجوباً على ما أحاطنا عِلماً به نحنُ معشرَ القراء، فنراه يُنصِبُ لنا على التَّخصيصِ كلاماً يُخفِضُه تحت رادارِ محجوبٍ؛ فيقول، بعد أن أجابَ محجوباً بإجابةٍ مُقتضَبة بشأنِ سؤالِه عن الأوروبيين "هل بينهم مزارعون": "وآثرتُ ألا أقولُ بقيَّة ما خطرَ على بالي"، ثم يستدركُ بالقول: "لم أقلْ لمحجوبٍ هذا، وليتني قلت، فقد كان ذكياً. خِفتُ، من غروري، ألَّا يفهم".
عندما نُحلِّل محتوى الكلام الذي باحَ به الرَّاوي لنا، وأخفاه عن محجوب، نلاحظُ نفسَ السِّمةِ التي تحدَّثنا عنها من قبل، وهي إحداثُ التَّوازنِ عن طريق المقابلة الضِّدية، التي تظهرُ في عباراتٍ مثل: "يولدون ويموتون"؛ "من المهدِ إلى اللَّحد"؛ "بعضُها يصدق وبعضُها يخيب"؛ "فيهم أقوياء وبينهم مُستضعفون"؛ "بعضُهم أعطته الحياة ..، وبعضُهم حرمته الحياة"؛ إلى أن يخلُص في حديثه عن الأوروبيين بالقول: "لكن الفروقَ تضيقُ وأغلبُ الفقراءِ لم يعودوا فقراء". وهذا النَّوعُ من الموازناتِ هو سمةٌ فكرية لدى جمهرةِ المتعلِّمينَ تعليماً عالياً؛ يتَّخذ عند البعضِ منحًى إيجابياً، فيساعدُ على التَّريُّثِ والبعدِ عن التَّهورِ أو التَّطرُّفِ الطَّائش؛ ويتَّخذُ عند البعضِ الآخرِ منحًى سلبياً، فيقودُ إلى التَّردُّدِ والحَيرةِ شبهِ الدَّائمة، كما في حالة "هاملت" أميرِ الدَّنمارك في مسرحية وليام شكسبير الشَّهيرة (التي تتلخَّص في "مونولوجه" الأشهر، الذي يناجي فيه نفسه قائلاً: "أنْ أكونَ أو ألَّا أكون، تلك هي المسألة" أو بلغةِ شكسبير نفسِها: "تو بي أور نوت تو بي، زات إز زا كويسشن").
نلمسُ هذا التَّردُّد الطَّويل بين القطبين عند مصطفى سعيد، الذي يقول للرَّاوي: "إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله، الأمر الذي جرَّبته في هذه القرية، مع هؤلاء القوم السُّعداء. ولكن أشياءَ مُبهمة في روحي وفي دمي تدفعُني إلى مناطقَ بعيدةٍ تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها". كما نلمسه بشكلٍ أحَدَّ عند الرَّاوي نفسِه، خصوصاً على مشارفِ انتهاءِ الرِّواية عند منتصفِ النَّهر، حيث يقول: "كانتِ الأشياءُ على الشَّاطئينِ نصفَ واضحة، تبينُ وتختفي، بين النُّورِ والظَّلام"؛ أصبحتُ بين العمى والبصر. كنتُ أعي ولا أعي. هل أنا نائمٌ أم يقظان؟ هل أنا حيُّ أم ميِّت؟؛ ثمَّ يقول: "تلفَّتُّ يُمنةً ويُسرة، فإذا أنا في منتصفِ الطَّريق بين الشَّمالِ والجنوب"؛ وفي تلخيصٍ كاملٍ لمجمل حياته، يقول: "طول حياتي لم أختر، ولم أقرِّر. إنني أُقرِّرُ الآنَ إنني أختارُ الحياة". لكن أيَّ نوعٍ من الحياة، وضمن أيٍّ من الشُّروط؟ ويُجيبُ الرَّاوي بإجابةٍ لا تحملُ في طيَّاتها حلَّاً لحَيرته الطَّويلة، فيقول: "لا يعنيني إنْ كان للحياةِ معنًى أو لم يكن لها معنًى"؛ ثمَّ لا يلبثُ أنْ يصرخَ في نهايةِ الرِّواية: "النَّجدة. النَّجدة".

سنُكمِلُ هذه الحلقة بمشاركةٍ ختامية، نستعرضُ فيها ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. وربَّما شرعنا بعدها في تناولِ المحاور الثَّلاثة، كلَّاً على حِدَة.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 976

نشرةارسل: الثلاثاء مارس 21, 2017 10:17 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

تعرَّفت مؤخراً - عبر الفِيسبُكْ - على شابٍّ سوداني يافع، ذي علاقة ليست عابرة بالثقافة والإبداع، كما أكَّدت لي بعض انتقاءاته وتعليقاته النقدية؛ ذلكم هو الشاب عاطف جمال، الذي تعرَّفت إليه - بشكل أكثر دِقَّة - عبر بوست له في صفحته بالفِيسبُكْ، قدَّم من خلاله مقالاً نقدياً لصديقٍ مجايل له، يتمتَّعُ بكتابةٍ نقدية ذكية وبصيرة، هو مأمون الجاك. ثم لم تلبث تداعيات الحوار الذي تفجَّر بمناسبة مقال مأمون (الذي كان عنوانه: "قراءة لقراءات: القراءة كحدث") أن قاد إلى ورود اسمي في ذلك البوست. فذهبت لأفاجأ وأسعد بهذين الشابين (وكنت قبلهما قد سعدت بمعرفة ثالثهما، خالد عمر، الذي ربطني بكلا الاثنين). أتطلَّعُ إلى، بل أتوقَّعُ، أن نسمع عن الثلاثة قريباً ما يغبِطُ ويشرِّفُ، في حقلَيْ الكتابة الإبداعية والنقدية.

وفيما يخص جمال، فقد تفتَّحت بيننا مراسلة حميمة عبر الفِيسبُكْ، قادت إلى أن يطالع بوست "الحِصَّة قِصَّة"، ويكتب - عبر رسالةٍ خاصة - التعليق التالي عن "رسالة محمد خلف" والمساهمات التالية له:


أجمل ما حدث لي في العام الجاري هو معرفة التواصل معك، وثانيهما على الترتيب دلُّك واقتراحُك لي بقراءة ما ورد في "سودانفورول" من طرف صديقك محمد خلف؛ وربما لم أقرأ يوماً في منتدًى سوداني أو أيَّاً كان نوعه من المنتديات مثل هذا التدفُّق المعرفي، والإبداع اللامتناهي من أستاذ محمد خلف. رسائله تنهض وتحرِّض على القراءة الحُرَّة في شتَّى المعارف؛ بدأت بالسرد وتفرَّعت إلى الفلسفة، العلوم الطبيعية، التأريخ والأدب - ولا ننسى الدين، لكنَّها ما زالت تحافظ على مضمون السرد الذي بدأ به رسالته. قراءة واحدة لا تكفي .. وقراءة ثانية ربَّما تقرِّبني لفهم الحق والحقيقة بمفهومَيْهما العلميِّ والديني؛ والقراءة الثالثة والعاشرة لتذوُّق هذا الكمَّ المعرفيَّ الممزوج بالذاتيِّ السِّيَرِي. الرسالة التي افتتح بها أستاذ محمد خلف عصفَه المعرفي، أجملُ رسالةٍ أقرأها على الإطلاق، لا تشبه رسائل كازانتزاكي، كافكا، ولا حتَّى رسائل دوستويفسكي التي قرأتها. هي مزيجٌ من السرد والمعرفة المرتبطة بالذاتي. لن أَجِدَ وصفاً أفضل من وصفِ الأستاذ عبدالواحد ورَّاق في رسالته إلى الأستاذ المثقَّف - بكلِّ ما تحمله الكلمة من معانٍ - محمد خلف: "ذكروا أنَّ في الصحراء واحةً لا يعثر عليها إلا المُوشِك على الهلاك. في كلِّ مرَّة يا خلف تأتي مقالتك بمثابة الواحة الظليلة والتي يتوفَّر فيها الماء العذب والتمر المُشْبِع والفاكهة الدانية والظلال الرحيبة الممتدَّة...ونحن في هذا العالم نسير في أكثر من صحراء؛ وقبل أن يتلقَّفنا الهلاك، نظفر بإبداعك. ..الذروة، ثم القلب". أنا ممتنٌّ جدَّاً لك، ومحظوظٌ جدَّاً بقراءةِ مثل هذا الكمِّ من المعرفة، التي هي حصيلة تراكم سنين من القراءة منك وأستاذ محمد خلف والمتداخلين من شتَّى بقاع الأرض. شكراً لك مرَّةً أخرى يا دكتور، وسعادتي لا تحدُّها حدود بالتواصل معك؛ وبالتأكيد ستكون لي زيارة لملبورن في القريب العاجل. تحيَّاتي لأسرتك الكريمة وإلى الأستاذ محمد خلف، وبلِّغه شكرنا الخاص نيابةً عن أصدقائي للدفقِ العلميِّ الرحيب، والذي بالتأكيد سنستفيد منه أنا وجيلي والأجيال التي تلينا.

عاطف جمال
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 976

نشرةارسل: الاثنين مارس 27, 2017 6:24 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

وهذه هي الحلقة الثالثة، والأخيرة، من التمهيد الذي أراد به محمد خلف تعبيد الطريق إلى مقاربةٍ أعمق لرواية "موْسِم الهِجرة إلى الشَّمال"؛ وهي مقاربةٌ سوف تنهض على محاورَ رئيسةٍ ثلاثة: البندر الكولونيالي، الوطن الأم، والعُمق الحضاري الشَّامل؛ فيستهلُّ خلف هذه الحلقة بتأمُّلٍ في بُعدٍ من أبعاد الشكل لهذه الرواية، وهو الزمن السردي، كشرطٍ من شروط "إنشاء الكاتب كذاتٍ مستقلَّة داخل النَّص"؛ ثم يدلف إلى تأمُّلٍ في عباراتٍ، يراها مفاتيحَ، تنتمي لمحتوى الرواية، لتدلَّ، أيضاً، على "إنشاء الكاتب كذاتٍ مستقلَّة داخل النَّص":



هذه محطَّة تشارنغ كروس:
ثمَّة ضَوءٌ خافتٌ في الرَّدهةِ وقناديلُ منثورةً على طولِ الطَّريق

-3-




قلنا في المُشاركةِ السَّابقة إنَّنا سنُكمِلُ هذه الحلقة بمُشاركةٍ أخرى ختامية، نستعرضُ فيها ما انكشفَ لنا تحت ضوءِ آخرِ قناديلِ الطَّريق، والذي سيجيءُ هنا في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. إلَّا أنَّه قبل المُضي قُدُماً في استكمالِ فقراتِ هذه الحلقةِ الختامية، التي تمهِّد إلى تناولِ المحاور الثَّلاثة، كلَّاً على حِدَة، نودُّ أن نقفَ لوهلةٍ قصيرة أمام عنصرٍ آخرَ من عناصرِ الشَّكل، وهو الزَّمنُ السَّردي، حتَّى نطمئنَ قليلاً إلى استيفاءِ شروطِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب، من جهةِ الشَّكل؛ قبل أن نستيقنَ تماماً من استيفائها، بعونٍ من قبسِ هذا القنديل الأخير، من جهةِ المحتوى.
سبق أن أشرنا في بدايةِ هذه الحلقاتِ إلى أنَّ الغرضَ الخفيَّ من إلقاءِ مصطفى سعيد لأبياتٍ من مقطع "هذه محطَّة تشارنغ كروس"، من قصيدة "أنتويرب" للشَّاعر والرِّوائي الإنجليزي، فورد مادوكس هيفر، التي تناولَ فيها أوضاعاً إنسانية تسبَّبت فيها الحربُ العالمية الأولى، هو رسمُ تحديدٍ دقيق، إلَّا أنَّه غيرُ مألوفٍ، للزَّمن الرِّوائي في "موسم الهجرة"؛ وهو فترة ما بين الحربين في أوروبا، وهي الفترةُ التي يتحدَّثُ عنها مصطفى سعيد بقولِه: "ثلاثون عاماً. كان شجرُ الصَّفصافِ يبيَضُّ ويخضَرُّ ويصفَرُّ في الحدائق، وطيرُ الوقواقِ يُغنِّي للرَّبيعِ كلَّ عام. ثلاثون عاماً وقاعة ألبرت تغصُّ كلَّ ليلةٍ بعشَّاقِ بيتهوفنَ وباخ، والمطابعُ تُخرِجُ آلافَ الكتبِ في الفنِ والفكر". وإذا كان هذا التَّحديدُ هو في الأساسِ تأطيرٌ زمنيٌّ لفعاليَّةِ شخصيَّة مصطفى داخل البندر الكولونيالي، فإنَّ زمنَ السَّردِ في الرِّواية - الذي يبدأ من أولِ جملةٍ مُكتمِلةٍ فيها: "عُدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويلة، سبعةِ أعوامٍ على وجهِ التَّحديد، كنتُ خلالها أتعلَّمُ في أوروبا"، وينتهي بالاستنجاد - هو تأطيرٌ زمنيٌّ لفعاليَّةِ الرَّاوي، حيثُ يتقاطعُ آخرُ سنواتِه في القرية مع آخرِ عهدِ مصطفي سعيد فيها.
إذا كان الأمرُ كذلك، ونحنُ بصددِ إنشاءِ شخصيَّةِ الكاتب، كيف يتسنَّى لنا إذاً تحديدُ زمنِه السَّردي، الذي ينبثقُ منه تأطيرٌ لفعاليَّته النَّصِّيَّةِ قائمةِ الذَّات؟ من الواضح أنَّنا لا نستطيعُ أن نجترحَ له زمناً يتطابقُ مع زمنِ شخصيَّة مصطفى سعيد أو الرَّاوي، وإلَّا لكانَ هو أحدُهما أو كلاهُما، إذ إنَّنا نعتمدُ على فرقٍ ناتجٍ عن تميُّزِهما، لإبرازِ وجودِه كشخصيَّةٍ مستقِلَّةٍ عن كليهما؛ كما لا يُمكِنُ، لنفسِ السَّببِ، أن نستخلِصه من سياقِ أقوالِهما، من ناحيةِ الشَّكل، كما استخلصناه تحت ضوء القناديل، وكما سنستخلصه في الفقرة "ثالثاً" أدناه، من ناحية المحتوى. إلَّا أنَّنا سننظرُ إلى حديثٍ صدر عن الرَّاوي في وقتٍ مبكِّرٍ من زمنه السَّردي، باعتباره مؤشِّراً على وجودِ زمنٍ سرديٍّ آخرَ، هو في رأينا زمنٌ خاصٌّ بشخصيَّة الكاتب قيد الإنشاء. ومن اللَّافت في ذلك الحديث، الذي سنستعرضُ طرفاً منه في الفقرةِ التَّالية، أنَّ الرَّاوي أوصله لنا معشرَ القراء بعد أن فَرَغَ من الإجابةِ على أسئلةِ الأهلِ والزُّوار، وبدأ يعتادُ على إقامتِه بينهم، ولمَّا تمضي سوى أيَّامٍ قليلة عُقبَ عودتِه إلى القرية؛ إضافةً إلى أنَّه قد رواه لنا من مكانِه الأثير، "عند جذعِ شجرةِ طلحٍ على ضفَّةِ النَّهر"، حيث كان يقضي عندها ساعاتٍ طويلة إبَّانَ طفولته.
فبعدَ أن جابَ الرَّاوي القريةَ "طولاً وعرضاً، معزِّياً ومهنِّئاً"، استجابةً لرغباتِ أمِّه التي كانت تقفُ له "بالمرصاد"، ذهب ذاتَ يومٍ إلى مكانِه الأثير، ليُحدِّثنا من عند تلك الشَّجرةِ على ضفَّةِ النَّهر، قائلاً: "ورأيتُ الضَّفَّةَ تتقهقرُ عاماً بعد عام أمام لطماتِ المياه، وفي جانبٍ آخرَ يتقهقرُ الماء أمامها. وكانت تخطرُ في ذهني أحياناً أفكارٌ غريبة. كنتُ أُفكِّرُ، وأنا أرى الشَّاطئَ يضيقُ في مكان، ويتَّسِعُ في مكان، أن ذلك شأن الحياة، تعطي بيدٍ وتأخذُ باليدِ الأخرى. لكن لعلني أدرَكتُ ذلك فيما بعد. أنا الآن، على أيِّ حال، أُدرِكُ هذه الحكمة، لكن بذهني فقط". قد قال الرَّاوي ذلك، بعد أن استرجَعَ – أولاً - طرفاً من ذكرياتِ طفولتِه في ذلك المكان، وبعد أن لاحَظَ – ثانياً – تغيُّراً بطيئاً طرأ على البلد؛ الأمر الذي يعني أنَّ ما أكَّدناه من قولِه بالخطِّ الدَّاكنِ العريض قد حَدَثَ في زمنٍ مُتميِّزٍ تالٍ، نزعمُ أنَّه زمنٌ سرديٌّ مُخصَّصٌ لشَّخصيَّةِ الكاتب.
وما يُقوِّي الاعتقادَ بهذا الزَّعم، أنَّنا نجدُ في طيَّاتِ حديثِ الرَّاوي عند جذعِ الشَّجرةِ على ضفَّةِ النَّهر نفسَ خاصِّية الكلام المُتوازن، عبر استخدامِ سلسلةٍ من المُتقابِلاتِ الضِّدِّيَّة: "ضفَّةٌ تتقهقرُ أمام المياه، وماءٌ يتقهقرُ أمامها"؛ شاطئٌ "يضيقُ" و"يتَّسعُ"؛ وحياةٌ "تعطي بيدٍ وتأخذُ باليدِ الأخرى". إلَّا أنَّ ما يُعَضِّدُ الزَّعمَ ويسندُه بدفعةٍ أقوى، هو اشتمالُ حديثِ الرَّاوي في هذا الموضِعِ بالذَّاتِ على عباراتٍ تُذَكِّرُنا أو بالأحرى تُوهمُنا بأنَّ قائلها هو مصطفى سعيد، صاحبُ الدِّيباجَةِ القويَّة والعبارةِ الشِّعريةِ المُميَّزة التي لا تُخطئُها الأُذُنُ أو العين: "ثمَّةُ آفاقٌ كثيرة لا بُدَّ أنْ تُزار، ثمَّةُ ثمارٌ يجبُ أنْ تُقطف، كتبٌ كثيرة تُقرأ، وصفحاتٌ بيضاءُ في سِجِلِّ العُمُرِ، سأكتبُ فيها جُمَلاً واضحة بخطٍّ جريء".

ثالثاً: ما جاء في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلات

في بيتِ شابٍّ سوداني، زميلِ دراسةٍ للرَّاوي، دَارَ نقاشٌ طويل بين المُضيف "منصور" ورجلٍ إنكليزي اسمه "رتشارد"، كان يعملُ في وزارةِ المالية. لم يشتركِ الرَّاوي في الحوار، لكنه تدخَّلَ فقط "دون وعيٍ" لتصحيحِ معلوماتٍ وردت في الحديثِ عن مصطفى سعيد؛ ثم قال فيما يُشبِهُ التَّلخيصَ لآراءِ المتحاورَيْن: "وبينما منصور يُفنِّدُ آراءَ رتشارد، أخلَدتُ أنا إلى أفكاري؛ ما جدوى النِّقاش؟ هذا الرَّجل – رتشارد – هو الآخَرُ متعصِّب. كلُّ أحدٍ متعصِّب بطريقةٍ أو بأخرى". وبعد وصفِ الرَّاوي لإحساسِ الرَّجلِ الأبيض "بإحساسِ الاحتقار الذي يحِسُّه القويُّ تجاه الضَّعيف"، أشار إلى عبارةٍ قالها مصطفى سعيد لهم (أي الرَّجل الأبيض، بوصفِه اسمَ جنس): "إنَّني جئتُكم غازياً"؛ ويقول عنها الرَّاوي معلِّقاً: "عبارةٌ ميلودراميةٌ ولا شك. لكن مجيئهم، هم أيضاً، لم يكن مأساةً كما نُصوِّرُ نحن، ولا نعمةً كما يُصوِّرون هم". ونُلاحظُ هنا أنَّ الرَّاوي يُعبِّر، عموماً، في وصفِه للرَّجلِ الأبيض عن رأيٍّ لا يختلفُ كثيراً عن الفطرةِ السَّليمة التي ترصِدُ الحقائقَ النَّفسيَّة المتعلِّقة بسايكلوجيَّةِ الشَّخصِ القويِّ إزاءَ تعاملِه في الغالبِ الأعمِّ مع الشَّخصِ الضَّعيف؛ إلَّا أنه عندما يسعى إلى تلخيصِ الآراء أو يلجأ إلى الاعتمادِ على التَّعليق، فإنه يصدُر عن عقلٍ جُبِلَ على إقامةِ الموازناتِ الدَّقيقة، والنَّظرِ إلى جانبَيْ المسألة، دونَ تحيُّزٍ لطرفٍ على آخر، مهما مالت قناعاتُه الرَّاسخة إلى أيٍّ منهما؛ الأمر الذي يُوشِي بأنَّ شخصيَّة الكاتب هي التي تتحدَّثُ في موضِعَيْ التَّلخيص والتَّعليقِ المذكورَيْنِ أعلاه.
ويُعلِّقُ الرَّاوي على تعلُّقِ إيزابيلا سيمور المَرَضِيِّ بمصطفى سعيد بقوله: "ياللغرابة. يا للسُّخرية. الإنسان لمجرد أنَّه خُلِقَ عند خطِّ الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبداً، وبعضهم يعتبرونه إلهاً. أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟". ويُوظِّفُ الرَّاوي استعارةَ "خطِّ الاستواء" أيضاً في ختامِ تعليقِه على النِّقاشِ الطَّويل الذي دَارَ بين "منصور" و"رتشارد": "كانا يقولانِ كلاماً مثل هذا، ويضحكانِ على مرمى حجرٍ من خطِّ الاستواء، تفصِلُ بينهما هُوَّةٌ تاريخية ليس لها قرار". وتلك هي النُّقطة العميقة التي تُشيرُ إليها شخصيَّة الكاتب باستمرار، سواءً جاءت في طيَّاتِ أحاديثِ الرَّاوي أو تعاريجِ عباراتِ مصطفى سعيد؛ ففيها دائماً محاولةٌ للتَّقريبِ بين الآراءِ المتقابلة أو التَّنبيهِ إلى نقاطِ تلاقيها، سعياً للاعتدال، على الرَّغمِ من مقتضياتِ الواقعِ التاريخي، الذي يُطيلُ أمدَ الانقسام. وعندما يخلُصُ الرَّاوي إلى القول: "لا يُوجدُ في الدُّنيا عدلٌ ولا اعتدال" أو يستشهدُ بعد هذه العبارةِ مباشرةً بقولِ مصطفى سعيد: "إنَّما أنا لا أطلبُ المجدَ، فمثلي لا يطلبُ المجد"، فإننا نستشفُّ لدى شخصيَّة الكاتب قيد الإنشاء حنيناً جارفاً إلى إقامةِ العدل وتحقيقِ الاعتدال، تماماً مثلما يصرخُ طفلٌ بشكلٍ عفوي: "هذا ظلم" ("إتس أنفير")، طالباً من والدَيْه أو أقرب الأقربين لديه تحقيقَ إنصافٍ أو عدلٍ فوري، إنْ لم نقل تحقيقَ اعتدالٍ يدرأ عنه في مُقبلِ أيامِه مغبَّةِ الجُنُوحِ والتَّطرُّف.
أثناء عودة الرَّاوي للخرطوم، عبر الطَّريق الصَّحراوي، بعد احتفالِهم بختانِ ولدَيْ مصطفى سعيد (سعيد ومحمود)، "وفي حالةٍ تقرُبُ من الحُمَّى"، طافت برأسِه، حسب قولِه "نُتَفٌ من أفكار"؛ إلَّا أنَّ فكرةً رئيسيةً ظلَّت تتخلَّلُ هذه "النُّتف"، وهي الحربُ الدَّائرة بين الشَّمسِ والصَّحراء، والتي يروحُ ضحيَّةً لها أفرادٌ قلائلُ تجلبُهم ظروفٌ قاهرة إلى أَتُونِها؛ وهي ’الحربُ‘ التي تنتهي يومياً "فجأةً بالنَّصر"، بقدومِ اللَّيل؛ وعنده، يُصبِحُ "شفقُ المغيبِ ليس دماً، ولكنه حناءٌ في قدمِ المرأة، والنَّسيمُ الذي يُلاحقُنا من وادي النِّيل يحملُ عطراً لن ينضُبَ في خيالي ما دُمتُ حيَّاً". وما يُكسِبُ هذه الفكرة "الواضحة وضوحَ الشَّمس" غموضاً، هو أنَّ الرَّاوي (ومن حقِّنا الآنَ أن نقولَ شخصيَّة الكاتب التي تتكلَّم من خلالِه) يُحاولُ أن يعتمدَ السَّرد أساساً للتَّحاورِ مع نصٍّ آخرَ (هو نصُّ "الغريب" للكاتب الفرنسي ألبير كامو) وفلسفةٍ أُخرى (هي الفلسفةُ الوجودية، التي كانت رائجةً إبَّانَ صدورِ رواية "الموسم")؛ سنُرجئُ مناقشتها إلى حين تناولِ محور البندر الكولونيالي؛ ولكنَّنا سنُشيرُ في الفقرةِ التَّالية إلى كيف قادنا الكاتب، عبارةً على إثرِ أخرى، لتوضيحِ تداخُلِ نصِّه، أو تحاورِه الذَّكي، مع نصٍّ أوروبيٍّ أيقونيٍّ شهير.
بدأ الرَّاوي بالقول إن السيَّارة في رحلةِ عودتِه إلى الخرطوم قد تحرَّكت "في أولِ الصَّباح"، ثم سارت شرقاً ساعتَيْن، إلى أن "ضربت في الصحراء". وعندها يقول الرَّاوي مباشرةً: "لا يُوجدُ مأوًى من الشَّمسِ التي تصعُدُ في السَّماءِ بخطواتٍ بطيئة، وتصبُّ أشِعَّتَها على الأرضِ كأنَّ بينها وبين أهلِ الأرضِ ثأراً قديماً"؛ ويعزِّز الرَّاوي هذه القول بتأكيدٍ آخر، وهو أنَّه: "لا تُوجدُ سحابةٌ واحدة تُبشِّرُ بالأملِ في هذه السَّماءِ الحارقة، كأنَّها غطاءُ الجحيم"؛ ثمَّ يردفُ بالقول: "عقلُ الإنسانِ ليس محفوظاً في ثلَّاجة. إنَّها هذه الشَّمسُ التي لا تُطاق. تُذوِّبُ المخ. تَشِلُّ التَّفكير". ولا يَملُّ الرَّاوي من الرُّجوعِ إلى هذا الموضوع: "لا شيء. الشَّمسُ والصَّحراءُ ونباتاتٌ يابسة وحيواناتٌ عجفاء"؛ كما يُضيفُ قائلاً: "الطَّريقُ لا ينتهي عند حد، والشَّمسُ لا تكلُّ. لا غروَ أنَّ مصطفى سعيد هَرَبَ إلى زمهرير الشَّمال".
وفي منتصفِ الرِّحلةِ عبر الصَّحراء، يتساءلُ الرَّاوي: "أين الظِّلُّ يا إلهي؟ ويستأنفُ الرَّاوي فكرتَه الرَّئيسية، إذ إنَّ تساؤلَه البلاغيَّ لا ينتظرُ إجابة: "مثل هذه الأرضِ لا تُنبِتُ إلَّا الأنبياء. هذا القحطُ لا تُداويه إلَّا السَّماء. والطَّريقُ لا ينتهي والشَّمسُ لا ترحم". وهنا ينشأ فجأةً سؤالٌ واقعي، وليس بلاغياً، فقد "قالوا إن امرأةً من قبيلة الميرصاب قتلت زوجها، والحكومةُ ذاهبةً لتقبضَ عليها؛ فـ"لماذا قتلته؟"، في المقامِ الأول، "في هذه الأرضِ التي لم تتركِ الشَّمسُ فيها قتلاً لقاتل"؛ فهُم "لا يعلمون". وهنا قال الرَّاوي: "خطرت لي فكرة، قلَّبتُها في ذهني، ثمَّ قرَّرتُ أن أُعبِّرَ عنها وأرَى ما يحدُث (لكنَّنا نعلمُ، من خلالِ تتبُّعِنا للحربِ الدَّائرة بين الشَّمسِ والصَّحراء، أن الكاتبَ قد مهَّد لها بكلِّ تلك العباراتِ التي ذكرناها هنا وفي الفقرتين السَّابقتين، وأنَّها لم تخطُرِ الآنَ للرَّاوي، وإنَّما قلَّبَها الكاتبُ في ذهنِه مِراراً). قلتُ لهم إنَّها لم تقتله، بل هو ماتَ من ضربةِ الشَّمس، كما ماتت إيزابيلا سيمور، وشيلا غرينوود، وآن همند، وجين موريس". ولم يكنِ الرَّاوي مُنتظِراً تفاعُلاً إيجابياً من رفاقِ الطَّريق: "لا فائدة. لا دهشة".
إلَّا أنَّ الكاتبَ (بخلافِ الرَّاوي) كان يهدُفُ إلى مزيدٍ من التَّوضيحِ لتحاورِه السَّرديِّ مع رواية "الغريب"، التي أقرَّ فيها بطلُها "ميرسو" للقاضي همساً بأنه لم يقتل أحدَ العربِ في الجزائرِ عن قصد، بل إنَّ ذلك قد حَدَثَ بسببِ ضربةِ الشَّمس؛ لذلك، فقد استرسلَ في نثرِ مزيدٍ من التَّعبيراتِ الدَّالَّة: "الشَّمسُ هي العدو. إنَّها الآنَ في كَبِدِ السَّماءِ تماماً، كما يقولُ العرب". ثمَّ تتداخلُ تشبيهاتُ الشَّمسِ واِعوِجاجُ مَسِيرِ السَّيَّارةِ في الطَّريقِ الصَّحراويِّ بسِيرةِ مصطفى سعيد ومحاكمتِه لقتلِ زوجته: "عجلاتُ السَّيَّارة تصدمُ الحصى بحقد. طريقُه المُعوَجُّ سُرعانَ ما يؤدِّي به إلى الكارثة. وفي الغالب، تكونُ الكارثة واضحةً وضوحَ الشَّمس"؛ بل إنَّ الشَّمسَ نفسَها تُصبِحُ واضحةً وضوحَ نفسِها: "والطَّريقُ لا ينتهي، والشَّمسُ واضحةٌ وضوحَ الشَّمس". ولم يلجأِ الكاتبُ إلى هذا التَّشبيهِ الأجوف، لاقترابِه من تحصيلِ الحاصل، إلَّا ليأسِه من حدوثِ التقاطٍ فوريٍّ لتحاورِ نصِّه السَّرديِّ مع نصِّ كامو ذائعِ الصِّيت، أو مع ما نُثِرَ في أعطافِه من فكرٍ وجوديٍّ، انتشرَ في فترةِ ما بعد الحربين في أوروبا، ثمَّ وَصَلَ إلى المنطقةِ العربيةِ لاحقاً في فترةِ السِّتينات وأوائلِ السَّبعينات.
لن نشرعَ هنا في التَّطرُّقِ إلى علاقةِ رواية "موسم الهجرة" بفكرةِ ’العبث‘ التي تخلَّلت رواية كامو أو فكرة ’الاختيار‘ التي تُضمِّنت في فكرِ جان-بول سارتر الوجودي، لكننا نُشيرُ فقط إلى أنَّها قد تُفسِّرُ قولَ الرَّاوي في نهايةِ الرِّواية: "لا يَعنيني إنْ كان للحياةِ معنًى أو لم يكن لها معنًى"؛ كما قد تُضيءُ مقارنةً بين قولِه: "طولَ حياتي لم أخترْ ولم أُقرِّر. إنَّني أُقرِّر الآنَ إنَّني أختارُ الحياة"، وبين قولِ مصطفى سعيد في الفصلِ الثَّاني من الرِّوايه، بعد دخولِه الفصلَ بالمدرسة: "وكانت تلك نقطةُ تحوُّلٍ في حياتي. كان ذلك أولُ قرارٍ اتَّخذتُه، بمحضِ إرادتي". وعِوضاً عن ذلك، سنمضي في طقسِ تسمِّيةِ شخصيَّةِ الكاتب، بعد أن قدَّمنا حتَّى الآنَ ما يكفي من الحيثيات، على مستويَيْ الشَّكلِ والمحتوي، حتَّى نتمكَّنَ من تقييمِ دورِه في النَّصِّ من خلال معرفتِه بقصيدةِ "أنتويرب"، التي ألقى مصطفى سعيد أبياتاً من مقطعٍ منها، وهو في مجلسِ شُربٍ، في أوائلِ عهدِ تعرُّفِ الرًّاوي بشخصيَّته الفذَّة.

سنُفرِدُ حلقةً كاملة لطقسِ التَّسمية، وما يطرحه من مشكلاتٍ تتعلَّقُ بالإسنادِ عموماً إلى مرجع؛ وخصوصاً، المرجعِ النَّصي؛ إضافةً إلى الانخراطِ في عملية تقييمِ الشَّخصيات، تمهيداً للدُّخولِ في المحاورِ الرَّئيسيةِ لهذه المشاركات، وهي محورُ البندرِ الكولونيالي، والوطنِ الأم، والعُمقِ الحضاريِّ الشَّامل.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10
صفحة 10 من 10

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة