Story Lesson أو الحِصَّة قِصَّة
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3 ... 9, 10, 11
 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1299

نشرةارسل: الثلاثاء يونيو 04, 2019 5:11 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


كلُّ قطرةِ دمٍ أحمرَ قانٍ وأنتم بخيرٍ، وأحسنُ ممَّا كنتم عليهِ قبل بدءِ الحَراك


زمانُ الثَّوراتِ زمنٌ نوعيٌّ، لا "يُقاسُ فيه الوقتُ بملاعقِ القهوةِ" الصَّغيرة (في إشارةٍ إلى قصيدة "أغنية حبِّ جي ألفريد بروفروك" للشَّاعرِ الأمريكيِّ-البريطاني، تي إس إليوت)؛ ولا تَرَدُّدَ فيه يُقعِدُ بأميرٍ عن تنفيذِ واجبِه المقدَّس (في إشارةٍ إلى تَرَدُّدِ "هاملت" أميرِ الدنمارك في الأخذِ بثأرِ أبيه). وكذلك مكانُ الثَّوراتِ، فهو أيضاً نوعيٌّ، يزدحمُ فضاؤه بألقٍ نوراني، ولا تتشابهُ شوارعُهُ أو تتابعُ في جدلٍ مُمِل؛ ففي ساحةِ الاعتصام، يُبَشِّرُ "شَفَّاتَةٌ" بالوعي بشكلٍ غير منقطع، ولا تُعَكِّرُ أيُّ كنداكةٍ" أجواءَ السَّاحةِ بـ"القطيعةِ" (أو النَّميمةِ) أو الحديثِ المتهافتِ عن مايكل أنجلو.

كان الزَّمانُ عند أرسطو، مثل زمنِ الحبُّوبات، نسبيَّاً وحميميَّاً، يُقاسُ بالفعلِ الإنسانيِّ وتتابعِ الأحداثِ الجِسام، ولا يُذكَرُ منه إلَّا "سنةْ حفروا البحرْ"، وعام الفيضان، وعرس السُّرَّة بت حاج أحمد، ويومْ كتلوا التِّمساحْ، وسنةْ ستَّةْ الشَّهيرة؛ إلى أن جاء نيوتن، فأقصى الزَّمانَ خارجَ نسبيَّتِه وحميميَّتِه المُحبَّبة، وأقامَهُ على قاعدةٍ رياضيةٍ صلبة، تتمَدَّدُ خارجَ حدودِ حركةِ الأشياء وأنشطةِ الفعلِ الإنساني؛ فأصبح الوقتُ يُضبَطُ بالسَّاعاتِ السِّويسريَّة وتُقاسُ به حركةُ الأجرامِ السَّماويَّة، بعد أن كان يُحَدَّدُ بالمآتمِ والأعراسِ والأحداثِ الاجتماعيَّةِ الجسيمة. إلَّا أنَّ قدرَ آينشتاين كان هو أن يُعيدَ للزَّمانِ نسبيَّتَه، من غيرِ أن يُهدِرَ دورَهُ في قياسِ الحركةِ على المستوى المحلِّي، الذي يتحَدَّدُ بمعدَّلاتِ سرعتِها، قياساً على سرعةِ الضَّوء.

وكذلك كان المكانُ عند أرسطو مُعَطَّراً بأريجِهِ وعبقِ رائحته أو مُحَمَّلاً ومُترَعاً، كما يرى غاستون باشلار، بجماليَّاتِهِ، فيستقرُّ في ذاكرتِنا بيتُ الطُّفولة، وساحةُ الرَّوضة، وملعبُ المدرسة، ورائحةُ "مسز روبنسون" (في إشارةٍ إلى "قاهرةِ المُعِزِّ" في ذاكرةِ مصطفى سعيد، وهو واحدٌ من أبطالِ رواية "موسم الهجرة إلى الشَّمال")؛ إلى أن جاء نيوتن، فأقصى المكانَ خارجَ نسبيَّته وحميميَّته المُحَبَّبة، وأقامَهُ على قاعدةٍ رياضيَّةٍ صلبة، تسمحُ بهندستِهِ وقياسِهِ خارج حدود حركةِ الأشياء وأنشطةِ الفعلِ الإنساني؛ فأصبح المكانُ يُقاسُ بالأمتارِ والسِّنتمتراتِ والملِّمترات، وتُحدَّدُ زواياه بحسابِ المثَّلثات، وتتجلَّى حركيَّةُ رقعتِه بحسابِ التَّفاضلِ والتَّكامل، بعد أن كان يُحَدَّدُ بانبساطِ السَّهلِ وارتفاعِ الجبل، وبتلوِّي النَّهرِ كالثُّعبانِ، وبظلالِ النَّخلِ على الجدول. إلَّا أنَّ قدرَ آينشتاين كان هو أن يُعيدَ للمكانِ نسبيَّتَه، من غيرِ أن يُهدِرَ دورَه في قياسِ أبعادِ الكواكب والنُّجوم والمجرَّاتِ أو يُسقِطَ إمكانيَّة التَّنبؤ لاحقاً بتمَدُّدِ الكون أو اكتشافِ ثقوبِهِ السَّوداء.

على أنَّ قدرَنا، منذ أوَّلِ أيَّامِ هذا العيدِ "الحزينِ" بشكلٍ استثنائي، وفي أعقابِ هذا الشَّهرِ الفضيلِ على الدَّوام، ألَّا ننسى على الإطلاق زمانَ هذا الاعتصام أو مكانَه؛ فقد تعلَّمنا فيه بأضعافٍ مُضاعَفَة، وبوتيرةٍ تفوقُ سرعةَ الضَّوء؛ وانكشف لنا الغطاءُ، وأُزيحَ عنَّا الغموضُ بشأنِ الظِّلال؛ وتسارعَ بيننا انتشارُ الوعي، وتعمَّقت لدينا وشائجُ وارتباطاتٌ لم تكن أوَّلَ مرَّةٍ مرئيَّة. فمن ينسى عباراتٍ مثل "أرفعْ يدَّكْ فوقْ التَّفتيش بالذُّوقْ"، أو "لو عندك، خُتْ؛ لو ما عندك، شِيلْ"؛ وأيُّ ثِقَلٍ دَلاليًّ تحمله عبارة "يا عنصري ومغرورْ؛ كلَّ البلدْ دارفورْ"؛ وأيُّ مجدٍ سماويٍّ يُشيرُ إليهِ رفعُ الأقباطِ المسيحيين للسُّرادق، حتَّى يؤدِّي المسلمون على الأرضِ صلواتِهم في سلام". وفي ساحةِ الاعتصام، مارسنا الدِّيمقراطيَّة بأصلِها الإغريقيِّ القديم، قبل أن تتحوَّلَ في بعضِ النَّماذجِ المعاصرة إلى مَسخٍ نيابيٍّ مُشوَّه؛ وأحيينا فكرةَ المولدِ النَّبويِّ الشَّريف، وأعِدنا إنتاجَ خِيَمِهِ، وعمرنا ساحتَه بالحوارِ والمخاطباتِ المتلاحقة؛ وأقَمنا صلواتِنا وأكملنا صيامَنا وقيامَنا؛ كما ارتفعت عقيرتُنا بالغناءِ والأناشيدِ الحماسيَّة؛ وكلَّلنا السَّاحةَ بالجلالاتِ، وزغاريدِ الكنداكاتِ، واللَّايفاتِ المنقولةِ والمحضورة؛ وزيَّنَّا الجدرانَ بالرُّسوماتِ؛ وأمَّنَّا المداخلَ بالمتاريسِ والحُرَّاسِ الظُّرفاء.

ملأنا السَّاحةَ شيباً وشباباً، نساءً ورجالاً؛ وعندما امتدَّت إلينا خِلسةً يدُ الغدرِ فجراً وفجوراً، تساقطنا موتًى وجرحى؛ لكنَّنا لن ننسى طيلةَ العُمُرِ فضاءَ السَّاحةِ أو فيضَ أوانِها، فقد تعلَّمنا فيها قيمةَ التَّكاتف، ونبذنا لديها سياساتِ التَّشتُّت؛ وحفرنا فيها على جباهِنا شعاراتِ الحُكمِ المدنيِّ المُقبِل، وهتفنا ملءَ صدورِنا وحناجرِنا: "مدنيَّاااااااااو".

"ستظلُّ وقفتُنا"، كما كانت منذ ثورة أكتوبر المجيدة، "بخطِّ النَّارِ رائعةً طويلة"؛ إلَّا أنَّ كلَّ قطرةِ دمٍ تُسفَكُ، فهي غاليةٌ علينا، لكنَّها مع ذلك إشارةٌ دالَّة على أنَّنا بخير، وأحسنُ ممَّا كنَّا عليه قبل بَدءِ الحَراك؛ فكلُّ عامٍ وأنتم بخير، وتُصبِحونَ على وطن؛ فبالفعلِ الآنَ، "الحصَّة وطن"، وإنْ سَرَدنا تفاصيلَها للأجيالِ المُتعاقِبة في شكلِ قصَّةٍ، يُستحصَلُ منها الدُّروسُ ويُؤخَذُ منها العِبَر.

محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
منصور المفتاح



اشترك في: 07 مايو 2006
مشاركات: 198

نشرةارسل: السبت يونيو 08, 2019 1:04 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

نعم، إنّ الدرس والقص والفن والتراث والتشكيل والقيم والعادات الحميدة ما هى غير الوطن الذى يسكننا ونسكنه ولا فكاك لنا منه ولا
فكاك له منا، بل الحجل فى والرجل ويا حبيبى سوقنى معاك. إنه ذات ما قاله إليوت عن الزمان فيه وفى أوقات ثوراته وقياسها وقياس
الحراك الثورى والمد الشعبى بما أبدى من بداعةٍ وما وهب من جمالٍ وما أعطى من نوادرٍ وما قرب من المتباعد وأبعد كل مختلف
عليه وعمق إستغراق الكل فى صناعة الحلم المستحيل، والكنداكات فيه أكثر حزماَ وعزماً وإراده قتلنا الفراغ وأسقطنا كل فارغ مبغض من
ثرثرة وقطيعه وقطعن العهد بأن الوقت للنضال وبناء الوطن الحلم بلا نواقص ولا مثالب وما قاله أرسطو وقربته يا خلف بقول الحبوبات
فى نسبية الزمان والمكان وما أرسخ قولهن!! وما أروع تواريخهن المرتبطه بالأحداث الكبيرة كزمن الكتله والفيضان والترماج إلى أن
جاء نيوتن وأزاح النسبيه وأسس الثوابت الرياضية تلك والأساليب الهندسيه الدقيقه وأسس للعمران الذى نراه
وما رأيناه فى مكان الإعتصام الذى تهندست فيه المآوى خياماً وغيرها وتوزعت سوح الخدمات والطبيخ والصلاة وتعمقت فيه الصلات الإنسانيه
الراقيه بين ألوان الطيف السودانى الحضرى والريفى والبدوى، المحلى والأقاليمى وأفرز كل ذلك أنواعاُ من الأدب البديع والفن الأصيل رسماً
وتصميما وخطوط وكان للغناء نكهةً وللموسيقى مكاناً فى القلب تسليه حتى تفجرت حمم القهر والظلم وفاضت حمامات الدماء أنهراً وجدائل،
ستبقى منحوتةً فى الذاكرة ما بقينا أبداً فلا الزمان زمان قتل ولا المكان مكان إباده والناس محتمية بالقيادة العامة للقوات المسلحه حامية الحمى
وحاقنة الدماء وحافظة الأمن ولكنه أصبح المكان الغلط والزمان الذى هو خواتيم رمضان وفجر العيد بدلاً أن يتسربل بالفرح لبس الناس الأسود حداداً
على الفقد العظيم فقط ليتسيد بعض البلهاء سدة الحكم الذى ما
كان لهم أن يحلمون به لولا ذلك الحراك المشهود.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1299

نشرةارسل: السبت يونيو 15, 2019 4:06 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


موظِّفاً "سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة" لفرويد، محمد خلف يتأمَّل في المُصرَّح وغير المُصرَّح به كما ورد في المؤتمر الصحفي الأخير للمجلس العسكري الانتقالي:






سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة للمُتشبِّثينَ بالحُكم: جرجرةٌ وهفواتٌ وزلَّاتُ لسانٍ مُجَلجِلة:

إذا اعترفتم بالجُرمِ أمام القضاء، حسبما يُمليه ضميرٌ اِستيقظَ بغتةً، فبِها؛ وإلَّا، فسوف يُلاحِقكم العقلُ اللَّاواعي، بإملاءاتِه اللَّاإراديَّة، على رؤوسِ الأشهاد






بدأ القرنُ العشرون بدايةً مُبشِّرةً بتطويرٍ حاسمٍ لعلمِ الفيزياء؛ ففي عام ١٩٠٥ - "عام المعجزات" (أنَس ميرابيلِس) - نشرت مجلَّة "حوليَّات الفيزياء" أربعَ أوراقٍ من إعداد عالم الفيزياء الألمانيِّ الأشهر، ألبرت آينشتاين؛ من بينها الورقة التي صاغ ضمنها ما بات يُعرَفُ بـِ"النَّظريَّة النِّسبيَّة الخاصَّة"، التي لم تشمل تناولَ الجاذبيَّة. وفي عام ١٩١٥، تمكَّن آينشتاين من وضعِ "النَّظريَّة النِّسبيَّة العامَّة"، وصياغتِها رياضيَّاً في عام ١٩١٦، لِتشملَ الجاذبيَّة، وتتجاوزَ بذلك ما رَسَخَ في الأذهانِ بشأنِها على يدِ إسحق نيوتن؛ غير أنَّ إثباتَ تلك النَّظريَّة لم يتم إلَّا في عام ١٩١٩، في أعقاب الحرب العالميَّة الأولى، تحت إشراف ثلاثةِ علماءَ فلكيين، أشهرهم الفلكيُّ البريطاني آرثر إستانلي إدنجتون.
كان نيوتن يعلمُ أنَّ الضَّوءَ ينحني وينعطفُ عن مسارِه بالقرب من الأجرام السَّماويَّة الضَّخمة، كالنُّجوم على سبيل المثال، (ومن ضمنها شمسُنا المعروفة). إلَّا أنَّ آينشتاين قد تنبأَ بانحناءٍ مُضاعَفٍ للضَّوء، وأنَّ ذلك يحدُثُ - حسب نظريَّته - ليس بسبب الأجسام الضَّخمة، كما يبدو من أوَّلِ وهلة، وإنَّما بسبب انحناءِ البنيةِ المُدمَجةِ للزَّمانِ والمكانِ ذاتِها أو ما باتَ يُعرَفُ بالزَّمكان. ولم يكن من سبيلٍ إلى إثباتِ ذلك، إلَّا بحدوثِ كسوفٍ كُلِّيٍّ للشَّمس وفقَ ترتيبٍ فلكيٍّ مؤاتٍ؛ وهو ما تنبَّه له الفلكيُّ البريطانيُّ، فرانك واتسون دايسون، في حينه في عام ١٩١٦؛ وهو ما حدث بالفعل في عام ١٩١٩، وفق مسارٍ فلكيٍّ تمَّ رصدُه عبر كلٍّ من سوبرال، في شمال البرازيل؛ وبرنشيبي، قبالة ساحل غرب أفريقيا.
ففي ذلك العام، وأثناء ذلك الكسوف الكُلِّيِّ الشَّهير، كانتِ الشَّمسُ رابضةً في قُبالةِ القلائص “هايديز" (وهي عنقودٌ نجميٌّ مفتوح في كوكبةِ الثَّور، يقعُ على مسافةٍ قصيرة بالحسابِ الفلكي من الشَّمس، تبلغُ 153 سنةً ضوئيَّة)؛ وهو عنقودٌ يمتليءُ بالنُّجومِ المتباعِدةِ والشَّديدةِ اللَّمعانِ والبريق، ممَّا يُسَهِّلُ عمليَّة تصويرِ اِنحناءِ ضوئها وتسجيلِها في شرائحَ فوتوغرافيَّة، تمهيداً لحسابِ درجةِ الانحناء؛ وكلُّما كثُرت النُّجوم الشَّديدةُ اللَّمعان، كلُّما زادتِ العيناتُ، وارتفعت نسبة الدِّقة في الرَّصد والتَّسجيل، ومن ثمَّ الدِّقة في تقدير حجم الانحناء. وقد تبيَّن ممَّا تمَّ رصدُه في أفريقيا، وهو ما تمَّ تأكيده في كسوفاتٍ كليَّةٍ لاحقة، أنَّ درجة الانحناء هي ضِعفُ ما ذكره نيوتن، الأمر الذي أثبت صِحَّة تنبؤ آينشتاين؛ علاوةً على أنَّه رَسَّخَ شُهرتَه، بينما رأى فيها البعضُ فألاً حسناً، جاء في أعقابِ حربٍ مدمِّرة، لِيشهدَ على عهدِ تصالحٍ بين خصمينِ لدودين؛ فصاحبُ النَّظريَّةِ عالِمٌ ألماني، ومُثبِتُ النَّظريةِ فلكيٌّ بريطاني، كانت تدورُ بين بلديهما رُحى حربٍ لا تُبقِي ولا تذَر.
في عام ١٩٠١، كتب عالمٌ ذو صلةٍ بألمانيا كتابه الأكثر رَواجاً وشعبيَّةً؛ وهو كتاب "سايكوباثولوجيا الحياة اليوميَّة"، لمؤلِّفِه مؤسِّسِ التحليلِ النَّفسي، الطَّبيبِ النَّفسيِّ النِّمساوي، سيجموند فرويد. وتتلخَّص فكرة الكتاب في أنَّ نسيان الأسماء المعروفة، والكلماتِ الأجنبية، وترتيبِ المفردات في الجملة الواحدة؛ وهفوات التَّعبير الشَّفهي، وزلَّات اللِّسانِ والقلم، لا تتمُّ كلُّها بمحضِ الصُّدفة، وإنَّما يتحكَّمُ فيها منطقٌ صارم، يلعبُ فيه العقلُ اللَّاواعي دوراً حاسماً في إظهارِ ما ظلَّ مكبوتاً رَدَحاً من الوقت أو تمَّ إخفاؤه حديثاً خَشيةً من اِفتضاحِ أمرٍ جلل. إلَّا أنَّ نظريَّة فرويد في هذا الشأن لم تحظَّ بقبولٍ كاملٍ في أوساط المُشتغِلين بعلمِ النَّفس، واعتبرها البعضُ مجرد تكهُّناتٍ تفتقرُ إلى إثباتٍ علميٍّ - في تجربةٍ حاسمة - شبيهٍ بذلك التي لقيه تكهُّن آينشتاين بشأنِ اِنحناء الضَّوء، وإنْ لم يرقَ إلى مستواه في الأهميَّة العلميَّة.
نحنُ هنا لا نُقدِّمُ إثباتاً حاسماً لرأيِّ فرويد، ولكنَّنا نطرحُ سانحةً للتَّأمُّل؛ ففي المؤتمرِ الصَّحفيِّ، الذي عقده النَّاطقُ الرَّسميُّ باسمِ المجلسِ العسكريِّ الانتقالي، محاولةٌ افتراضيَّة للتَّستُّرِ على جريمةٍ نكراء، وسعيٌ مظنونٌ لتشتيتِ الأذهانِ بالجرجرةِ والمماطلةِ وإنفاق السَّاعاتِ الطِّوال في الحديث المُمِلِّ لإحباطِ الثُّوَّار وكسرِ عزيمتهم، والتَّشكيكِ في وحدتِهم، بغرضِ النَّيلِ من قيادتِهم والتفافِهم حولها، لتمهيدِ الطَّريقِ لبقائهم في السُّلطة، وتشبُّثِهم بالحُكم. كما أنَّ المؤتمرَ الصَّحفيَّ يُوفِّرُ فرصةً نادرة للحُكمِ على مرتكبي الجريمة، في ضوءِ ما أدلى به النَّاطقُ الرَّسمي، على مرأًى ومسمعٍ من الصَّحفيين ووكالاتِ الأنباء، وشاشاتِ التِّلفزيون المحلِّيَّة والإقليميَّة والعالمية؛ وعلى خلفيَّةِ ما طرحناه حول نظريَّة فرويد بشأنِ الأخطاءِ المُرتكَبة وزلَّاتِ اللِّسان.
لم يكن في الأمرِ زلَّةٌ واحدة، بل مهرجانٌ محضورٌ من الهفواتِ المُرتكَبة عن طريقِ اللِّسانِ والعلاماتِ غيرِ اللُّغوية؛ لكنَّنا سنُركِّزُ هنا على الأخطاء وزلَّاتِ اللِّسان، باعتبارِها ذاتَ صلةٍ بما أوردناه بشأنِ فرويد. ذكر النَّاطقُ الرَّسميُّ أنَّ المجلسَ العسكريَّ اجتمع وقرَّر فضَّ الاعتصام (بالرَّغم من أنَّه كان يرمي إلى إقناع المشاهدين والمستمعين بأنَّ المقصودَ من الفضِّ هو "منطقة كولمبيا"، مع ملاحظة أنَّه لجأ إلى ما يُسمَّى بلٌطفِ التعبير "يوفيميزم"، باستخدامِ كلمة "تنظيف"، التي لم تُفلِح في إزالةِ اللُّؤم عن فحوى كلامِه)؛ ولم يرعوِ النَّاطقُ في توريطِ كلِّ المتواطئين في ارتكابِ الجُرمِ المشهود، من رئيسِ المجلسِ إلى رئيسِ القضاء (الأمر الذي أسقط عنه أحقيَّة الاضطلاعِ بالتَّحقيقِ المطلوب مع المتَّهمينَ بارتكابِ الجريمةِ النَّكراء). كما أشار النَّاطقُ الرَّسميُّ إلى الضبَّاط الذين ساندوا الثَّوار ودافعَ عنهم، بالقولِ إنَّهم "تجاوزوا" (بالرَّغم من أنَّه كان يرمي إلى القول بأنَّهم "انحازوا").
من جانبٍ آخر، حَفِلَ كلامُ عضوٍ آخرَ بالمجلسِ العسكريِّ بالتَّهديد الصَّريح والمبطَّن، ولم يخلُ حديثُه أيضاً من الهفوات؛ وقال إنَّ السُّودان ليس هو فقط "قوى الحرِّيَّة والتَّغيير"، وليس هو "تجمُّع المِهننِّين"؛ فحزبُ الأمَّة والمؤتمر السُّوداني لديهم كوادرُ يُمكِنها تشكيل حكومةٍ انتقاليَّة؛ وبما أنَّ هذَيْنِ الحزبَيْن هما من ضمن "قوي الحرِّية والتَّغيير"، فهل يكشفُ هذا الخطأ دافعاً مُبَيَّتاً لشقِّ الصَّفِّ أم يُنبئُ عن مغازلةٍ لِخَصمِيْنِ معروفَيْن؛ أمِ الاثنينِ معاً. أمَّا إذا تركنا زلَّاتِ اللِّسان جانباً، واعتمدنا رواية النَّاطق الرَّسمي بالقولِ إنَّ المقصود من الفضِّ كان "منطقة كولومبيا" وإنَّ الغارةَ العسكرية تحوَّلت عن طريق الخطأ في تنفيذ التَّعليمات إلى حملةٍ غادرة على ساحة الاعتصام - إذا اعتمدنا هذه الرِّواية المهزوزة، فإنَّ ذلك لا يُخلِّصهم من الشَّرك الفرويدي الذي التفَّ حول أعناقهم بإحكامٍ شديد؛ فمؤسِّسُ التَّحليل النَّفسي، سيجموند فرويد، يري في نفسِ الكتاب المذكور أنَّ زلَّاتِ اللِّسانِ والقلم، إضافةً إلى الهفوات، والأعمال التي يتمُّ تنفيذُها عن طريق الخطأ، كلُّها توشي عن رغبةٍ دفينة في إخفاء الدَّوافع ووضعها تحت رادار العقل الواعي، إلَّا أنَّ العقل اللَّاواعي يكشف على الدَّوام عن الرَّغباتِ المكبوتة.
في الختام، يُمكِنُ القول: بما أنَّ عدداً من الزَّلَّاتِ والهفواتِ قد حدثت في مؤتمرٍ واحد، وأنَّ قفاها المُدَّعاةَ كان هو الآخرُ خطأً فظيعاً، ومراميه الدَّفينةُ أسوأ وأفظع، فلا مناصَ لهم من تحمُّلِ تبعاتِ ذلك الفعلِ الشَّنيع، ولا مكانَ هنا للمتشكِّكينَ في قولِ فرويد، فهُم مُدانونَ برأسِ قولِه وقفاه؛ فإذا اعترفتم بالجُرمِ أمام القضاء، حسبما يُمليه ضميرٌ اِستيقظَ بغتةً، فبِها؛ وإلَّا، فسوف يُلاحِقكم العقلُ اللَّاواعي، بإملاءاتِه اللَّاإراديَّة، على رؤوسِ الأشهاد.


محمد خلف
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
انتقل الى صفحة السابق  1, 2, 3 ... 9, 10, 11
صفحة 11 من 11

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة