حكاية الكلبة تارا والسجن المزخرف

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 733

نشرةارسل: الاثنين مايو 07, 2018 8:32 am    موضوع الرسالة: حكاية الكلبة تارا والسجن المزخرف رد مع اشارة الى الموضوع

أينما فاجأتني رؤية" كلب دنماركي" أسود يتنزّه مع صاحبته، خفق قلبي وطار شَح، كأنّ عقارب الساعة قد عادت القهقرى، وصار المكان غير المكان، وغصّت الذاكرة بوجوه أليفة دبّت فيها الحياة،
همست لي باللغة البلغارية، الّتي تذوب في فمي بحلاوة اللكّوم وليونته، تتوسّط الوجوه تارا، فأمضّني حنين جارف حارق إلى أيامي الخوالي في صوفيا.

قاسمتنا تارا، أنا وميلينا، العيش في التسعينات من القرن الماضي. جمعتنا، أول الأمر، فيللا تقوم في ضاحية مالينوفادولينا، عند أقدام جبل فيتوشا المهيب، محاطين بثغاء شياه الرعاة في المشارق
والمغارب، وترامي المَرج المعشِب حتى اتّصاله بنهايات حيّ ملادوست جيتيري، متجاوزاً قبل ذلك الطريق الدوّار" اوكولوفرسنتو شوسي". تحدّ المرج من جهة الشرق غابة للصنوبر والبتولا تتبع لقرية بيستيريتسا، تحتضن نصب الحديقة الأمميّة لأطفال العالم "راية السلام"، والّذي اختصر عامة الشعب، في حديثهم اليومي، اسمه الرسمي الطويل إلى كامبانتي (النواقيس). البناء التذكاري من ابتكار النحّاتين البلغاريين كروم داميانوف وميخائيل بينجيف، وهو عبارة عن أجسام قائمة من الخرسانة، متماثلة في كلّ شيء، رباعية الشكل، ترتفع عن سطح الأرض بسبعة وثلاثين متراً، يستقبل كلّ واحد منها اتّجاهاً من الاتّجاهات الأربعة، وهي مجوّفة القمم بحيث تجسّد في الفراغ العالي الكرة الأرضية، تتدلّى منها كالأقراط الرنّانة سبعة نواقيس تمثّل القارات السبع، تحيط بالنصب أنصاف أطواق أسمنتية، مثبتة في تجاويفها نواقيس عظيمة، يبلغ تعدادها مائة ناقوس، مهداة من شتّى أقطار العالم. ثم تنقّلنا، بعد ذلك، في العديد من أحياء صوفيا وتارا بصحبتنا كجزء عزيز من صميمنا نحن الإثنين.

بسواده اللامع كان صوفها مبهراً. وجسمها العملاق اللدن القويّ، وبطنها المشدود من المهد إلى اللحد، يبعثان العظمة والمهابة في النفوس. ألاما أجمل انطلاقاتها المرحة في نجيل الميادين وعشب المروج وأفياء الغابات!. نظيفة، تعاف كلَّ ملوَّثٍ من الأشياء والأمكنة، وإذا حُبِستْ في مكان به قذَر، تظلّ واقفة فيه وهي تدور مُصدِرة من الأصوات مايدلّ على ضيقها بالقذارة. أمّا الوحدة فلاتحتملها البتّة، بل تأخذ في الأنين المتّصل احتجاجاً حتى نعود إلى البيت إن كنّا خارجه، أو نفتح لها الباب الّذي يفصلها عن مكان جلسونا فتنضمّ إلينا.

وديعة. ومن آيات عجائبها اللطيفة أنّها كانت تعرف إن كنّا نياماً بالفعل، أم متظاهرين بالنوم، فإذا ثبت عندها الأول لزمت الصمت، ولاتحرك ساكناً إلّا إذا طرفت عيوننا. وكنت، مهما حاولت، لا أقوى على النظر طويلاً في عينيها اللتين يموج فيهما حزن أخرس يصيبني في مقتل فأشيح بوجهي بعيداً كما أفعل عندما تلتقي عيناي بعينيّ متشرّد يسألني العون، فأدسّ في يدّه بعض النقود متحاشىاً النظر في غيهب العينين الكابيتين، حيث يفغر في كليهما فوهته جبٌّ من الآلام السحيقة القرار .

عاشت تارا بقدر ما أوتيتْ، لهَتْ وصادقتنا ثم حلّت نهايتها المأساوية إثر تلقّيها لحقنة خاطئة أودت بها على عجل، وباءت بالفشل محاولات إسعافها، فتمدّدت إلى الأبد هامدة بجسمها العظيم المفعم بالحيويّة
الدفاقة والنشاط الموفور. وحين ماتت لم تكن قد تجاوزت سنّ الخامسة، فكرهت ميلينا منذ تلك الفاجعة اقتناء الكلاب لأنّها هي الّتي جاءت بها جرواً لايتجاوز الشهر، وتعلّقت بها، وازدادت بها كلفاً كلّما كبرت، وأنفقت عليها من الوقت والجهد بسخاء لتدريبها حتى جعلت منها كلبة مطيعة تحظى بالثناء: بنتٌ خلوق!، هكذا كانت ميلينا تدلّلها في كل مرّة تحسن فيها السلوك، وتارا تعي مايقال لها أمراً ونهياً
وتدليلاً، وتسري في جسمها رعشة من الفرح فتتقلّص وتتلوّى وتتقوّس بالقرب من ميلينا لتنال منها تربيتة الرضا، أمّا حين تُنتهَر جزاء خطأ ارتكبته فكانت تتمطّى بشكل مثير للضحك متظاهرة بعدم
الاكتراث، بينما عيناها ترقبان ميلينا وتدرسان ردود أفعالها حتى اذا ضحكت لها ميلينا اقتربت منها لتتشمّمها وهي تهزّ الذيل كسوط العنج. كلّ هذا كنت أتأمله بإعجاب يتنامى يوماً بعد يوم مع تنامي تلك
العلاقة الرائعة التي ألّفت بين الإثنين، لكنّ التغيّرات الهرمونية الّتي طرأت على تارا عند دخولها طور البلوغ أفقدتها التوازن بالكليّة، وجعلتها كالمجنونة، وأورثتها روح التمرّد الّذي أعانها عليه مايمتاز به نوعها من قوّة وطول. فكلّ ما تأكله تارا كان يتحوّل إلى بناء عملاق من العضلات المتينة. فما كان أسهل عليها التملّص والتحرر، بوسيلة أو بأخرى، من قبضة القيد الجلدي الملتفّ بعنقها، ثمّ الفرار بقدر المستطاع حتّى تغيب عن انظارنا، فنستسلم للفقد موقنين بأنّنا لن نراها ثانية، وتمرّ الساعات الطوال وهي تتسكّع في ميادين بعيدة تخالط فيها الكلاب الغريبة، ولايردّها إلينا إلّا الشديد القوي وهو الجوع أو
البرد القارس، فنسمع عندها ذلك نباحها المميّز الّذي هو نداء مكروبة يمتزج فيه التذمّر والأنين والتوسّل والاستعطاف، يرافقه صرير المخالب تكشط طلاء الباب الخشبي تخطّ عليه رسالة العودة الخجول إلى بيت الطفولة، ترسمها من أعلى الباب إلى أسفله بحروف كالخربشات تحفرها فنقرؤها نحن في الداخل بآذاننا، ولانستجيب لها في الحال، عقاباً لها كيلا تكرّر الهروب. وعندما يطول بها الانتظار أمام الباب الموصد تشبّ ثانية بقائميها الأماميين لتعيد على الخشب الّذي شوّهته المخالب كتابة نصّ التوسِّل والرجاء، وتظل تفعل ذلك مراراً وتكراراً حتى نملّ فنفتح لها باب السجن. وحين تتقدّم ميلينا نحوها تتراجع تارا في تردّد وهي منكّسة الرأس كأنّما تريد أن تستدير وتعاود الهرب، لكنّها تعجز عن الافلات فالجرأة تعوزها هذه المرّة، ولم يعد للجسم قدرة على المزيد من الركض وقد هدّه التعب وهزمه الجوع، فتتسمّر في موضعها حتّى تضع ميلينا يدّها عليها.

لست أدري كم مرّة فرّت تارا ثمّ عادت بمفردها لامعة العينينِ من السعادة حين يُفتَحُ لها الباب، لافظةً في الخارج غوايات الحريّة.
تلج تارا السجن المزخرف راضيةً بحياة القيدِ الّذي يشدُّ عنقها المشرئبّ إلى الفضاء الرحيب في نزهاتنا اليوميّة المبرمجة.

عثمان محمد صالح
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد سيد أحمد



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 595
المكان: الشارقة

نشرةارسل: الخميس مايو 10, 2018 4:07 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سلام عثمان
تعجبني نصوصك وصورك البديعة
قرات النص مساء الامس وتوقفت امام مشهد عودة الكلبة
وهى تجر اذيال الأسف والاعتذار بعد محاولة تمرد لم تثمر
الامس كان المشهد تفصيلا عن الخربشة على الباب الخشبي والرسالة التي تخطها
هل حذفت جزء من النص...كنت اود التعليق على المشهد
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة AIM عنوان
عثمان محمد صالح



اشترك في: 21 يناير 2006
مشاركات: 733

نشرةارسل: الخميس مايو 10, 2018 4:56 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سلامات ياصديقي محمد،
اشكرك.

لا لم احذف الخربشات، فان فعلت انهدم كل البناء، لانها حجر الزاوية فيه.
انها باقية هنا: " يرافقه صرير المخالب تكشط طلاء الباب الخشبي تخطّ عليه رسالة العودة الخجول إلى بيت الطفولة، ترسمها من أعلى الباب إلى أسفله بحروف كالخربشات تحفرها فنقرؤها نحن في الداخل بآذاننا، ولانستجيب لها في الحال، عقاباً لها كيلا تكرّر الهروب".
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد سيد أحمد



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 595
المكان: الشارقة

نشرةارسل: الجمعة مايو 11, 2018 12:43 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

مشهد عودة الكلبة.
حوى حوار بديع
الكلبة تكتب رسالتها الاعتذارية الخجولة خربشات
فى الداخل تصل الرسالة المكتوبة خربشة...بوسيط سمعى
تأتى الاجابة متثاقلة جزاء وعقوبة على فعل الهروب
حوار منتج يتخطى حواجز اللغة والكتابة وينتقل بين حاسة البصر وحاسة السمع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة AIM عنوان
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة