دائرة صلاح أحمد، الشيخ و الحورية و الخواجة و الملكة

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3198

نشرةارسل: الثلاثاء اكتوبر 09, 2018 10:16 am    موضوع الرسالة: دائرة صلاح أحمد، الشيخ و الحورية و الخواجة و الملكة رد مع اشارة الى الموضوع

[size=24]
دائرة صلاح أحمد تكتمل

صلاح أحمد ـ لمن لا يعرفونه ـ هو صلاح حسن أحمد الذي عرفته سبعينيات الثقافة في السودان موسيقيا و فتوغرافيا و كاتبا غواياته الأدبية تتعدد بين الشعر و القصة القصيرة و المقالة الصحفية و الترجمة والأدب المسرحي .و قد أذن لنا ببذل الترجمة العربية للفصل الأول من روايته " الدائرة تكتمل، الشيخ و الحورية و الخواجة و الملكة". و النص الأصلي للرواية مكتوب بالإنجليزية تحت العنوان
Full Circle,The Sheikh,the Mermaide,the Khawaja &the Queen
و صلاح من الكتاب الذين يغذون صناعتهم الأدبية بخبرة التسواح في أجناس الخلق الأدبي و اللغوي، فهو يتنقل بين اللغات العربية و الإنجليزية و الفرنسية في يسركأنه يتنقل في بيته من غرفة لأخرى. و حقيقة لم استغرب كتابته لروايته الأخيرة في الإنجليزية و أظنني أحلتها لوعيه بحدود العربية و قلة كفاءتها في الإمساك بالحالات الوجودية التي يعبرها الناطقون بالعربية.كون لغة العربان مازالت مثقلة بأحمال و عادات الأدب و الأخلاق التي تخلقت في شروط التعبير الثقافي للمجتمع الشرقي قبل الرأسمالي.مرة أسر لي صديق كاتب بتعثر مشروع رواية ظل يعمل عليها لسنين طوال لأن ظل عاجزا عن كتابة بعض المواقف الوجودية لشخصيات سرديته في لغة القرآن.و أظنني مازحته بقولة بيكاسو الشهيرة لصديق رسام " إذا لم يعد عندك أحمر فاستخدم الأزرق". قلت للصديق ـ و في خاطري قولة الكاتب الجزائري الفرانكوفوني "كاتب ياسين" :ـ " اللغة الفرنسية غنيمة حرب"، يا زول دق قلبك بالرحمن واكتب حاجتك بالعربي و لو ظهر ليك الإنجليزي في نص الحكي ، واصل الحكاية في الإنجليزي ،و بعدين قارئ العربية بطريقته، إما يشيح بوجهه عن موضع الرطانة التي لا يفهمها أو يمشي يشوف عمّك "قوقل ترانسليتر" يديهو عطيّة المترجم التي أفضل منها مريسة تام زينها.." . و دا طبعا إذا افترضنا أن قارئ العربية بيفهم كل ما يكتب في هذه اللغة المسكونة بالمحرمات الدينية و الهواجس الطبقية و الهلاويس الجندرية و أنواع العفاريت المفهومية التي ما أنزل الله بها من سلطان. و خلط اللغات في ثقافتنا المعاصرة صار ملمحا ثابتا من ملامح التعبير الأدبي الشفاهي.و هو ـ فوق كونه علامة امتياز و فرز طبقي، ينطرح أيضا كأنعكاس لواقع عولمة التعبير في الثقافة الشعبية التي تمتص من البيئة اللغوية المعولمة كل ما تحتاجه من مفردات و تعابير ترفع بها من كفاءتها التواصلية.و ليس هناك مثال افضل من ذلك الكاتب الطيب الصالح الذي يصالح بين اللغات الفصيحات في داخل إقليم العربية مثلما يتوصل لإختراع لغة غريبة على كل اللغات" ثم رد رش شب شن شربابه يد نا دا ده "[بندرشاه، ضو البيت 24]. و سيرة دم الكاتب المتفرّق بين اللغات طويلة لا سبيل لحصرها في هذه الاسطر التي غايتها تقديم مقطع من رواية صلاح أحمد، لكني عائد لفرز أمواهها المتمازجة على طموح توسيع فضاء الحرية الذي لا يستغني عنه كاتب.






الفصل الأول

الميّت جالسا


عثروا على الجثة في وضع الجلوس. وتبعا للصبية الذين كانوا يلعبون على مسافة منها، بدت لهم من بعيد رجلا يجلس مستندا إلى تجويف في جذع إحدى أشجار السنط وينظر اليهم وهم يلعبون. على ان الرجل بدا، من مسافة أقرب، مستغرقا في نومه.
قبلها بدقائق كان سلمان، وهو أكبر الصبية وعرفت عنه مهارته الفائقة في الرماية بالمقلاع، يتفاوض على ثمن غراب في أعلى الشجرة التي كان الرجل ينام تحتها. وأخيرا توصل الى بيعه بثمن باهظ مقداره صدفة ودع. كان المشتري صبيا نحيفا بدا أطول قامة من متوسط عمره يدعى بلال لكنه كان أصغر الصبية. وعندما قال إن الودعة المطلوبة ليست معه في الوقت الحالي، رد سلمان بأنه لا يمانع في الانتظار حتى يعود الجميع الى المنازل. وما ان اكتملت الصفقة حتى أخرج سلمان مقلاعه وبعد لحظة هوى الغراب من عليائه. كانت هذه هي طريقة سلمان وعلامة ثقته بنفسه: يتاجر بالطائر حيّا أينما كان، وفقط إذا توصل إلى صفقة ترضيه قتله بمقلاعه وقدمه للمشتري. ولذا لم يكن سقوط الغراب بعد بيعه هو مكمن دهشة الصبية وإنما أن الرجل النائم ظل على حاله رغم ارتضام الطائر الساقط بأذنه قبل استقراره هامدا على الأرض بجانبه. فلم يرف له جفن وبقي على سكونه مغمض العينين. ثمة شيء لم يكن في مكانه الصحيح. فراح الصبية يتشاورون في أمره الى أن قال أحدهم إن الأرجح أن يكون الرجل من أهل الكهف، فاتفق الباقون معه. وعندما سأل بلال عن أهل الكهف هؤلاء رد عليه الجميع في الوقت نفسه قائلين إنهم قوم رقدوا في كهف كالأموات ثلاثمائة سنة ثم استيقظوا.
تشاور الصبية مجددا في ما إن كان عليهم إيقاظ الرجل. فقال مصطفى، وكان مليء القامة وثاني أكبرهم عمرا، إن الرجل لو كان من أهل الكهف فعلا فهو من أولياء الله. وحذر رفاقه من عقاب الولي إذا اُزعج أو اُغضب.
وجه مصطفى إلى رفاقه سؤالا تحذيريا: "انتو ما عارفين شنو حصل للمره الزعّلت شيخ معزوق الضوّال؟"
"عارفين" أجابوا عليه بصوات واحد، وشعر مصطفى بشيء من خيبة الأمل لأن الإجابة أنزلته من منبر الخطابة. على أن بلال أعاد اليه الفرصة الضائعة عندما قال إنه لا يعرف القصة.
" المره دي كانت في حريم الشيخ معزوق..." بدأ مصطفى يحكي بحماسة عالية، لكنه فُجع مجددا عندما سرق سلمان الضوء منه: "لا أنا الحأكيها. انت ما بتعرفها كويس." فابتلع مصطفى الغصة في حلقه وصمت متظاهرا بأنه يزيح شيئا وقع في عينه ومعلنا بالتالي استسلامه أمام سطوة سلمان، أكبرهم وأقواهم بلا منازع حتى بدون مقلاعه القاتل.
"أول شي،" قال سلمان، "هي ما كانت مره. كانت خادم. كانت..." لكن بلال قاطعه: "كانت مرة مش راجل".
فرد سلمان بصبر نافد: "ايوه ايوه. لكنها كانت خادم، مش مرة متل باقي النسوان. المرة العادية ما عندها شيخ تخدمه. ممكن تكون واحدة من نسوانه. لكن المرة دي عنها كان عندها شيخ تخدمه وعشان كدا هي خادم مش مرة، وشيخها هو الشيخ معزوق. وفي يوم من الايام في نص الليل لما كان الشيخ معزوق يتعبد ويقرا كتبه، سمع صوت غُنا. الشيخ قعد يفكر: مين القاعد يغني؟ وفي نص الليل كمان؟. بعدين الشيخ سمع صوت يقول (وحاول سلمان تغليظ صوته قدر الممكن): "يا شيخ معزوق، كيف تخلي صوت الغنا أعلى من صوت الذكر في بيتك؟ عاوز دارك تبقى دار ذنوب؟ وطبعا شيخ معزوق عرف انه الخادم هي الكانت بتغني لأنه كان بيعرف انها زول دنيا مش زول آخرة... بس تقول انها مؤمنة وهي لا مؤمنة ولا شي."
"مره مش كويسة"، قال بلال.
"طبعا مش كويسة" قال سلمان ومضي يحكي: "وقام الشيخ ومشى لقطيّة الخادم. وايه يلقى؟"
وتساءل بلال بين لهفة وخوف: "شنو؟"
ورد سلمان وصوته يرتفع سبع درجات: "لقاها تشرب في المريسة".
وقال بلال بلجة المكذّب: "مريسة؟ ما ممكن. النسوان ما بشربن مريسة".
وقال الصبية بصوت واحد: "يشربن".
وواصل سلمان حكايته: "الخادم كانت بتغني لأنها كانت سكرانة. شيخ معزوق بقى مجنون من الزعل..."
وقاطعه مصطفى مصححاً: "زعلان، مش مجنون. الأوليا ما بجنّوا".
واستدرك سلمان: "زعلان جدا جدا جدا. غضبان متل الأسد".
وحبست اللهفة أنفاس بلال: "وبعدين وبعدين... شيخ معزوق عمل شنو؟"
"قلبها ككّو طبعا"
وسُمعت شهقة بلال عالية: "ككّو؟ قرد؟"
وصار الصبية يقلدون صوت القرد "ووه ووه ووه" تأكيدا على أن المرأة تحولت فعلا من إنسان إلى قرد.
فسأل بلال عن مصير هذه المرأة: "وبعدين شيخ معزوق رجعها انسان زي ما كانت؟"
ورد سلمان: "لا. قعدت قرد طول عمرها، لحدما ماتت." وأردف بعد برهة: "عشان تشوف ايه بيحصل لما تزعّل واحد من الاوليا."
حل صمت طويل وسط الصبية وهم يتدبرون الرسالة وراء هذه القصة الكالحة. وظلوا على هذا الحال حتى وجه مصطفى سؤاله: "طيب، حنعمل شنو مع الراجل القاعد تحت الشجرة دا؟ ما عايزينو يزعل ويقلبنا كلنا قرود".
ورد سلمان: "لا لا لا. دا ما حيحصل". نظر اليه الصبية متسائلين. وقال سلمان بثقة عالية: "لأنه مش ولي".
- "كيف عرفت؟"
أشار سلمان الى الرجل وقال: "ما شايف صدره عريان؟ لو كان ولي كان لبس جبّة أو شي. الولي دايما يلبس جبة أطول من أطول واحد فينا. مافيش ولي يطلع من بيته وصدره عريان. وكمان الولي لا يمكن يطلع الشارع بدون طاقية وعِمّة. وبعدين وين الابريق والمصلاية؟ وين السبحة؟ الراجل القاعد تحت الشجرة دا لا ولي ولا هم يحزنون. زول عادي متلي ومتلك."
أمام هذه الحجة القوية شعر الصبية بقدر من الاطمئنان الى سلامتهم. وكاد الأمر ينتهي هنا لولا قول بلال: "يمكن... يمكن... يمكن خلاهم في البيت. يمكن هو ولي وبس نسى يشيل معاه حاجاته. يمكن... وبعدين... يمكن طلع مستعجل من البيت وما لقى وقت يلبس الجبة والعمة ويشيل المصلاية والابريق. شن عرّفنا؟"
وأسقط في قلوب الذين اطمأنت قلوبهم. فقال سلمان غاضبا: "اسمع يا جرادة انت... طويل وضعيف زي الجرادة. اسمع وجاوب على السؤال دا: انت شفت حطاب يقطع الحطب من دون فاس؟ عمرك شفت سقّاي ما شايل قرب الموية اتنين معلقهم من عصايته على كتوفه؟ شفت صياد من دون حربة ولا قوس ونشاب؟"
وأقر بلال بأنه لم ير أيا من هؤلاء. فمضى سلمان يعزز قضيته: "طيب كيف تشوف راجل بدون جبة ومصلاية وابريق ومسبحة وتقول لازم يكون ولي؟"
وأجاب بلال: "يمكن زهج من الصلاة والعبادة وطلع من بيته يلعب شوية."
وكانت الضخامة التي صاحبت ضحك الصبية لازمة أيضا لتضخيم اطمئنانهم الى نوايا الرجل النائم على مقربة منهم. وقال سلمان بلهجة العارف الساخر: "والله عشنا وشفنا كل شي في الدنيا. لكن ما شفنا ولي طلع من بيته يلعب شوية عشان زهج من الصلاة والعبادة. يلعب شوية؟ هو ولد صغير متلك يا جرادة؟"
لكن بلال ظل على رأيه: "يمكن، يمكن ما محتاج لجبة أو مصلاية أو سبحة."
فسأله سلمان: "يعني يصلي عريان فوق التراب؟"
وقال بلال إن هذا ممكن.
ضاق سلمان ذرعا بكل ذلك وقال: "بلال... انت تسكت بالمرّة." ثم وجه حديث لبقية رفاقه وأصبعه يشير الى الرجل النائم: "الراجل دا ماهو ولي. أنا بقول ليكم."
وصمت الصبية وهم يتدبرون الأمر، إلى أن قال أحدهم: "طيب مش ولي. لكن خلينا ندّيه هدية بس عشان ما يزعل لما نصحّيه من النوم."
سألوه: أي هدية؟ فقال: "ما عارف. أي شي".
واتفق الجماعة على أن الفكرة جيدة. فقال سلمان وهو ينظر إلى بضاعته التي باعها لبلال قبل قليل: "أيوه... الغراب."
نظر الصبية بعين الرضى الى الغراب في يد بلال. لكنه أعلن على الملأ: "لا. أدّوه هدية تانية."
قالوا له إنه لا توجد هدية أخرى كتلك التي في يده، لكنه أجاب بـ"لا" حاسمة. فانتهره سلمان: "لا يعني شنو؟"
وقال بلال: "لا يعني لا."
وقال سلمان: "اسمع بلال. ادينا الغراب ووفر على نفسك تمنه يا عبيط."
- "لا."
-" اسمع ياخينا. هو أصلا مش غرابك. انا اللي قتلته."
- "كان غرابك. لكنك بعته لي وبقى غرابي مش غرابك. روح اقتل واحد غيره وحل المشكلة".
- "لا. المشكلة ما بتتحل بالطريقة دي. أول ما قتلت طيرة في شجرة، كل الطير يهرب. انت دلوقت شايف أي طيرة في أي شجرة؟"
- "برضو لا."
هنا تدخل مصطفى وقال لبلال: "طيب يا بلال. خلي الغراب معاك. دلوقت نحن نروح للراجل النايم دا ونصحيه ونقول له كنا عاوزين نقدم لك الغراب دا هدية لكن بلال أبى يتنازل عنه. اقسم بالله يزعل لما يقرّب يطرشق."
والتقط سلمان الحديث: "وعارف حيعمل فيك ايه يا بلال وهو زعلان؟ عليّ الطلاق يقلبك ككو في رمشة عين. تبقى قرد وتقعد قرد لحدما تموت. تستاهل يا جرادة. من جرادة لقرد."
وراح الصبية يؤدون واجبهم في إيصال الرسالة واضحة إلى بلال: "ووه ووه ووه!"

هكذا حل الرعب الذي زُرع في نفس بلال مشكلة الهدية، واكتسب الصبية أنفسهم ثقة جديدة. فاتفقوا على أن إيقاظ الرجل يحب أن يتم برفق متناه، وأن تقدم إليه الهدية في اللحظة التي يفتح فيها عينيه. ثم بدأوا يتقدمون نحوه ببطء وحذر في صف واحد. وعندما بلغت المسافة نحو ثلاثين ذراعا بينهم وبينه كان الصف قد تحول الى طابور: سلمان في المقدمة حاملا الغراب، وبلال في المؤخرة. وبعد عشر أذرع أخرى حدث تغير طفيف صار فيه بلال في المقدمة بينما أصبح سلمان في المؤخرة. وعندما تنبه بلال لهذا الوضع تسمّر في مكانه حتى التف الصبية حوله وصاروا يتهامسون:
- "يللا بلال... ليه وقفت؟ خد الغراب وقدمه للراجل... يللا!"
ورد بلال: "قدموه انتو. ما عندكم ايدين؟"
- "يللا.. ما حياكلك."
- "يللا انتو. انشالله ياكلكم."
- "لا. أحسن تروح انت لأنك صغير. ما حيعمل ليك حاجة لأنك صغير."
- "قبل شوية قلتو حيقلبني قرد."
- "لأنك أبيت تفك الغراب. لكن دلوقت حتقدمه هدية. إذا حتديه هدية ليه يقلبك قرد أو تمساح؟"
- "لأنه حيكون زعلان جدا. أزعل زول في الدنيا عشان صحيناه من النوم."
- "ياخي شوفه دلوقت. شكله راجل طيب وما حيعمل أي حاجة."
- "طيب انتو خايفين منه ليه؟"
- "نحن ما خايفين."
- "خايفين يا خوافين."
واستمر الجدل على هذا النحو حتى بلغ الحنق مبلغه بسلمان فقال: "الجرادة دي مجنونة. هات الغراب. أنا حأقدمه. دي شغلانة رجال مش أولاد صغار. وين الغراب؟ هاته."
فقال مصطفى: "الغراب عندك. في يدك يا سلمان."
وقال سلمان: "طيب طيب. وقت بقى مافي راجل غيري هنا، أنا حأقدمه. يللاكم."
وواصل الصبية خطاهم البطيئة المترددة نحو الجالس تحت شجرة السنط بعينين مغمضتين. صارت المسافة خمس أذرع فتوقف الجميع في ما بدا محطتهم النهائية. وسُمع صوت مصطفى: "يا عم، يا عم. جبنالك هدية."
وردت عليه همسات غاضبة: "يا عم؟ تناديه يا عم؟ انت مجنون؟ دا راجل ولي مش عمك."
وهمس الجاني: "هسع قلتوا الراجل ما ولي. انت يا سلمان قلت ما ولي."
وهمس سلمان: "متين؟ انا ما قلت ولي أو ما ولي. قلت احتمال يكون زول عادي او يمكن ولي. يعني احتمال كدا أو كدا. شن عرّفني؟"
سألوه: "طيب كيف نناديه؟"
وقال سلمان: "شيخ". ثم رفع صوته عاليا مخاطبا الرجل: "يا شيخ. جبنالك هدية يا شيخنا."
وتهيأ الصبية لكل الاحتمالات وأولها الجلاء عن المنطقة ومحيطها بالسرعة القصوى في حال هب الرجل غاضبا.
لكن شيئا لم يحدث.
- "السلام عليك يا شيخ."
على أن الشيخ بقي على حاله لا يتحرك ولا يستجيب.
- " يا شيخنا. انت هسع نايم؟"
- "أزعجناك؟"
- "نمشي بعيد منك؟ نلعب في مكان تاني؟ نغور من قدامك؟"
... والرجل لا يحرك ساكنا.
- " ولا كأنه سامعنا. كأنه ميّت مش نايم."
وقال مصطفى: "ارموله الغراب." فتقدم صبي وأخذ الغراب من يد سلمان ورمى به في اتجاه الرجل. لكن الرمية نفسها لم تكن كما قدّر لها صاحبها. فبدل أن يسقط الطائر عند قدمي الرجل، ارتضم بصدره قبل أن يستقر في حجره، وعندها اتخذ الصبية وضع التأهب للفرار. على ان الرجل ظل على ما كان عليه... لا يستجيب ولا يتحرك قيد أنملة. وانتظر الصبية لحظات بانتظار ما سيحدث. لا شيء. وفجأة سُمع صوت أحدهم يهتز بالرعب وهو يقول: "الزول دا ميّت... بالجد!"
برغم المساحة التي تمنع تصادم الخائفين الجافلين، ارتضدمت أجساد الصبيان بعضا ببعض حتى أن أحدهم سقط على الأرض قبل أن ينهض ويهرب مع الباقين في طريق النجاة. ثم ترددت أصواتهم الخائفة في أزقة القرية وبيوتها حتى قبل وصولهم أعتابها.



***


- "خليتوا بلال وراكم ياولاد؟"
- "لا. كلنا جرينا وهوجرى معانا."
- "شفتوه لما جرى معاكم؟ شفتوه ؟"
- "كلنا جرينا مع بعض."
- "لكن ما شفتوه لما جرى معاكم يا سجم الرماد."
- "لا... لكن...!"
- "جريتوا وخليتوا ولد صغير مع راجل ميت؟ وانتو عارفين انه الميت المكشوف بجيب الوحوش الجيعانة؟"
- "تسيبوه للأسود والمرافعين يا كلاب؟"
- "جنّيتوا في راسكم بالمرّة؟"
- " عقولكم دي بتشتغل كيف.. كان عندكم عقول؟"
- "جاوبوا على السؤال ياولاد الحرام... استغفر الله."
- "وليه مشيتوا تلعبوا في غابة الطلح أصلا؟ مش المفروض تكونوا في الخلوة؟"
- "شيخ مبروك قال باقي اليوم إجازة. قال هو مرضان شوية."
- "ورحتوا تلعبوا في الغابة. ومع أول علامة خطر تقوموا جارين وتسيبوا ولد صغير وراكم يا خوّافين يا جُبَنا؟."
- "كنا قايلنّه معانا طول الوقت."
- "طيب وينو؟ وين بلال؟ لو كان معاكم طول الوقت، مشى وين هسع؟"
- "احتمال لسه جاري ورانا."
- "انتو ليكم وقت هنا. لو كان جاري وللا ماشي وراكم كان زمان وصل. معناها ما جرى وراكم."
- "احتمال مشى البيت عديل."


يتواصل[/size]
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3198

نشرةارسل: الاثنين اكتوبر 15, 2018 6:48 am    موضوع الرسالة: الميت جالسا [2] رد مع اشارة الى الموضوع





نواصل نشر الجزء التاني من الفصل الأول من رواية صلاح أحمد :الدائرة تكتمل.
...................




الميت جالسا
2


فانطلق أهل القرية إلى منزل بلال، لكنه لم يكن هناك. وراحت أمه تعوي بالبكاء لدى سماعها قصة الأولاد العائدين من خطر ماحق بدون ابنها. وسرعان ما انضمت اليها جاراتها فضجت القرية بصخب عال من عويل نساء جزعات وأصوات رجال حائرين. وبعد قليل خرج الناس كلهم الى غابة الطلح يتقدمهم الصبية الشهود، وفي صف خلفهم سار والدا بلال ومعهم شيخ أرباب على ناقته العظيمة. وكان هذا الأخير منفعلا، ربما بقدر أكبر من والدي بلال. فنزل من مطيته وسلّم زمامه إلى أقرب شخص وراءه. ثم أسرع الخطى ليلحق بصف الصبية، مستهدفا سلمان بالتحديد، وخاطبه في أذنه بهمس غليظ عال فوق ضجيج الناس: "الراجل كان ميت؟ يعني ميت ميت؟"
ورد عليه سلمان: "نعم يا شيخ أرباب. ميت ميت. ميت تمام."
- "كيف عرفته ميت؟"
- "أصلو ما تحرك شبر كل الوقت. وما تحرك لما الغراب وقع من الشجرة وخبطه في أدانه. وحتى لما علي رمى الغراب الميت في صدره".
- "غراب ميت؟ دا شنو؟"
- "الغراب أنا نشته بالنبلة. كنا عاوزين نقدمه ليه هدية".
- "وليه تقدموا هدية لراجل ميت يا ولد؟"
- "ما كنا عارفين انه ميت."
- "ليه تقدموله هدية أصلا؟"
- "ظنيناه ولي. وكنا خايفين نصحّيه يقوم زعلان. عشان كدا قلنا نقدمله هدية."
- "لما تقول ميت يا سلمان، تقصد ميت ميت وللا يمكن ميت؟"
- "اقصد ميت يا شيخ أرباب. ميت جدا جدا."
- "انت شايف زول ميت قبل كدا يا ولد؟"
- "ايوه يا شيخ أرباب. كتير شفت ناس ميتين."
- "شكله كيف الزول الميت؟"
- "زي الزول العادي، لكن يبقى زي الصنم لا يتنفس ولا يتحرك."
- "والراجل في الغابة، لا تحرك لا تنفس؟"
- "ايوه، ما تحرك شبر ولا تنفس. كان متكي على الشجرة، زي أي زول عادي لكن لا يتحرك ولا يتنفس."
وقطعت آهة جماعية هذا الاستجواب فجأة، وعلى إثرها انطلق أهل القرية دفعة واحدة الى الأمام إذ لاح بلال للعيان. كان يجلس تحت الشجرة نفسها التي كان يجلس تحتها الرجل ويتفحص شيئا في يده. وعندما رأي الصبي الجمع الهائل ينطلق تجاهه كطوفان كاسح، رُوّع وجفل ناهضا ومنطلقا بعيدا عنه بأقصي سرعته.
- "وقف يا بلال."
- "وقف يا مجنون."
- "اجروا وراه الولد المطرطش دا."
- "لا حول ولا قول..."
- "لو لمّيت فيه حأقتله."
- "المجنون".
- "مسكين الولد. سيبوه في حاله."
- "ها ها..."
- "أها ها هاه...أقبضوا الولد المجنون دا!"
فقبضوه أخيرا.
وكان طريق العودة الى بيوت القرية، المسماة الميتة، خليطا من الدهشة والمرح في نفس بلال إذ كان الكل يريد احتضانه وحمله، فلم تمس قدماه الطريق. ويكفي أنه قضى ثلث المسافة الأخير محمولا على كتفي أبيه، بينما كانت أمه تقبض على ساقيه المتدليتين وكأنها تطمئن قلبها إلى أنه لن يولي الأدبار فيضيع منها مجددا. وكان الصبي نفسه يستلذ بشعورين: أن له قيمته عند الناس، وأن هذا نفسه نوع من السعادة لم يجربه من قبل... وكانت هذه مجرد البداية.
انتهى موكب العائدين بابنهم في ساحة القرية. كانت هذه فسحة في وسط البيوت صارت ناديها الاجتماعي بفضل عائلة من خمس سنطات تشابكت أغصانها في مظلة عملاقة من قرص الشمس الملتهب. وكانت هي منتصف مسافة الدرب الوحيد الذي يشق القرية نصفين شبه متساويين ويصل بين نقطتين على محيطها بدون انقطاع. أما بقية الدروب فقد كانت متاهة صغيرة قد ينتهي الضائع فيها الى داخل غرفة من حيث لا يدري ولا يقصد. وكانت الغرف نفسها أكواخا مستديرة الجدران ومسقوفة بمخاريط من العيدان والقش. وإذا كان البيت في دائرة القرية الداخلية كان سوره من القصب، أو، إذا كان في محيطها المفتوح أبدا لوحوش الخلاء صار من الشوك.
في قلب الساحة، وجد بلال نفسه مركز دائرة من أكبر تجمع بشري تقع عليه عيناه. وفورا بدأ سيل الأسئلة يجتاحه في فوضى صوتية خالية من المعنى لأن الجميع كانوا يرمون بالكلام في الوقت نفسه. وكما كان أغلب الناس يتوقعون، اتخذ أرباب – حكيم القرية – موقعه وسطهم قريبا من بلال. وراحت ذاراعاه تصعدان وتهبطان حتى أسكت الأصوات الآتية من كل صوب،
ارتفع صوت أرباب العميق يدمدم كالرعد فوق الجميع : "خلاص، خلونا نسمع الولد. احكيلنا يا بلال شن حصل."
بالنسبة لبلال فقد كانت الساحة بمثابة بيته الآخر يمضي معظم كل يوم فيها فصارت مرتعه... لا يعيره فيها أحد الاهتمام غير رفاقه. لكنه صار اليوم محط الأعين والآذان بشكل لم يعرفه من قبل، فصارت الساحة القديمة نفسها مكانا جديدا غير مألوف وليس من دنياه المعروفة. وعندما تيقن من أنه صار غريبا في ملعبه، صُعق وظل في مكانه ينظر إلى الأرض وحسب.
- "اتكلم يا ولد."
لكن الولد أضاع الكلام.
- "راح منك لسانك؟"
- "شن حصل لك يا ولد؟"
- "يللا بلال، انضم".
وبلال صامت.
- "أظنه ميّت."
ميت؟
على ذكر الأموات، أين ذلك الميت؟
وكأنما استجابة لإشارة متفق عليها اندفع الجمع مجددا نحو غابة السنط بحثا عن الرجل الذي قال الصبية إنه يتكئ على شجرة وهو ميت. وهكذا وجد بلال نفسه وحيدا مرة أخرى...
... ساعة حتى عاد الناس الى الساحة. فوجدوا بلال حيث تركوه، تحت مظلة أشجار الساحة. كان جالسا، وعندهم رآهم عائدين نهض على قدميه ووجهه يرتدي أفضل قناع غاضب ممكن. فراح يصرخ: "انتو كمان خليتوني براي".
- "كنا قايلنّك معانا."
- "خليتوني وراكم."
- "معليش. المهم، وين الزول الميت في الغابة."
- "كلمتكم. قلت ليكم ما حتلقوه هناك."
- "لا ما كلمتنا. وقفت قدامنا زي الصنم، لا بم لا بغم."
وقال بلال بشيء من الازدراء: "كلمتكم لما قمتوا جارين زي المجانين."
- "الوبد دا لسانه طويل بالحيل. طيب كلمنا تاني."
- "مشى."
وسُمع صوت أرباب العميق مستثارا: "قلت مشى؟ مشى وين يا ولد؟"
- " ما عارف. بس قام على حيله وبعدين... و بعدين مشى."
ثم سُمع رغاء ناقة أرباب التي كانت تبرك وسط الناس في صفهم الأمامي وكأن صاحبها يسلّمها منصة الكلام لحين.
سأل أرباب بلال: "كيف زول ميت يقوم على حيله ويمشي؟ حتى الناقة عايزة تعرف."
- "ما كان ميت."
- "كيف عرفت؟"
- "عشان، عشان قام... قام على حيله ومشى."
- "ليه أصحابك قالوا ميت؟"
وأجاب سلمان نيابة عن الأصحاب: "ميت. أحلف على المصحف. يا مصطفى الراجل كان حي وللا ميت؟"
وأكد مصطفى أن الرجل كان "ميت بالحيل... بالكامل."
وسُمع صوت من بطن الصفوف: "اقسم بالله دي بلد مجنونة."
- "بالراحة بالراحة" قال أرباب بصبر نافد يستبق الضوضاء. "خلّوا الولد يحكيلنا الحصل."
وقالت امرأة تشجع الصبي: "كلمنا يا بلال. انت ولد عديل وجدع."
وقال له رجل: "على مهلك. ما تستعجل."
فبدأ بلال، وقد تلاشت رهبته الأولى، يحكي ما حدث منذ أن لاذ رفاقه بالفرار: "أنا... أنا... أنا ذاتي كنت عاوز أجري معاهم. لكن بعدين، لكن بعدين حاجة حصلت في رجليْ. أبوا يجروا. بس وقفوا محل كنت واقف. وبعدين... وبعدين..."
وقال أحد الحضور ضاحكا: "قلت ليكم الولد بيخاف من ضلّه."
ورد بلال في ضيق بيّن وذراعاه تطيران في الهواء: "ما كنت خايف. أنا راجل. ما بخاف".
فاندفع أبوه نحوه بابتسامة عريضة ورفعه عاليا في الهواء وقال: "هذا الشبل من ذاك الأسد." لكن همهمات الاحتجاج كانت كافية لإجباره على إنزال ابنه والتراجع إلى مكانه هو وصدره الممتلئ فخرا.
قال أرباب: "وبعدين يا بلال، ايه الحصل؟"
وقال صوت: "أكلك الراجل وللا خّلاك؟"
- "ها ها هاه!"
وأعاد صوت أرباب النظام إلى المكان: "سكوت. ما عايز اسمع صوت غير صوت الولد دا."
واصل بلال قصته وقد بدأ يستطيب تركز الأنظار عليه: "وبعدين... وبعدين... سلمان ومصطفى والباقين ما شافوا الراجل لما قام ومشى لأنهم قالوا الراجل ميت وجروا خايفين زي النسوان."
استبق أرباب احتجاج الصبية فرفع ذراعه عالية في الهواء محذرا إياهم من مغبة الحديث. فانصاعوا لأمره وابتلعوا أصواتهم لكن لغة أجسادهم كانت تنبئ بأن لهم شأنا مؤجلا مع بلال.
- "وبعدين... وبعدين الخّوافين ديل جروا. حتى الغراب ذاته خلّوه في مكانه. وبعدين أنا كنت عايز... كنت عايز أجري معاهم لكن... لكن رجليْ أبوا يجروا. وبعدين... وبعدين ما حصل شي. وبعدين الراجل قام على حيله وبعدين، وبعدين مشى." واختتم بلال قصته بصمت طويل.
وقال رجل: "دا كل الحصل؟"
ورد بلال: "ايوه".
وقالت امرأة: "قلت ليكم الولد ما نصيح في راسه."
التقط أرباب استجوابه حيث انقطع، وهو يدور حول بلال كالصقر: "تقصد شنو لما قلت الراجل قام على حيله ومشى؟"
ورد بلال: "يعني كدا." وراح يشرح فجلس تحت شجرة برهة فقام ثم مشى بضع خطوات.
وسأله أرباب: "دا الراجل الميت؟ قام ومشى؟ وهو ميت؟"
- "ما كان ميت. كل واحد ظنّاه ميت. بس كان نايم. وبعدين وبعدين صحا وقام ومشى."
ولم يأت مزيد من الاستجواب بأي معلومات جديدة، إذ أصر بلال على روايته وهي أن الرجل كان ينام تحت الشجرة ثم استيقظ فنهض وذهب عن المكان. لكن أرباب رأي ما لم يره غيره، فقال مخاطبا الجمع: "اسمعوا... كل واحد... اسمعوا كويّس: بلال يقول الراجل والغراب كانوا حيين لأن كل واحد قام ومشى في دربه. وبقية الأولاد يقولوا لا، كانوا ميتين وشبعانين موت. وانا اقول ليكم أنا، أرباب ود أرباب الكبير، انا ما شايف انه قصة بلال تتعارض مع قصة الأولاد؟"
ودوت همهة استغراب في المكان وصارت ضوضاء تصم الآذان حتى أعاد أرباب الهدوء بذراع عالية في الهواء، حتى إذا خيم الصمت التام قال: "مافيش تعارض."
وسأله سائل: "طيب فهمنا يا شيخ. كانوا حيين وللا ميتين؟"
ورد أرباب: "حنشوف!"
كانت الشمس تميل الى مغربها، ولذا بدت الظلال الطويلة التي كانت تلقيها وكأنها تعير مصداقية للطلاسم التي ألقى بها الشيخ الى سامعيه.
سأل أرباب الصبي الصغير: "قال شنو الراجل لما صحى وقام يمشي؟"
- "ولا شي."
- "ولا شي؟ ولا شي صغير أو كبير؟ ما قال أي حاجة؟"
- "زي ما كلمتك. قال رطانة."
- "نعم؟! زي ما كلمتني ? انت ما كلمتني بأي شي. دي أول مرة اسمعك تقول الراجل قعد يرطن. في حاجة تانية كلمتني بيها؟... حاجة من النوع دا؟"
- "لا كلمتك بكل شي. هسه ماشي تجلدني بسوط الجمال دا؟ أنا ولد نجيض. كل الناس عارفنّي ولد نجيض. حتى أسأل شيخ مبروك يقول ليك بلال ولد نجيض لأنه بيتعلم بسرعة. وشيخ مبروك بيجلد كل الطلاب خمسة وستة مرات في اليوم لكن أنا بيجلدني مرة وللا مرتين بس في اليوم. أسأله كان ما مصدقني. هسه انت ماشي تجلدني لمن أبكي وأبكي؟"
- "بجلدك كان ما وقّفت الكلام الفارغ دا. قلت الراجل قال شي قبالما يمشي. قال شنو؟"
- "ما بعرف. ما فهمت منه شي."
- "لكن سمعته. بالراحة بالراحة. حاول تتذكر... بالراحة."
- "ما عارف. ما سمعته كويس."
- " يا ولد. لازم تكون سمعته. اتكلم. علي الايمان أجلدك بالسوط دا لما اكسر عضامك واحد ورا التاني." ورفع أرباب سوطه عاليا في الهواء حتى يؤكد نواياه، ثم أرعد بصوته الغليظ أصلا: "اتكلم يا ولد. قال شنو الراجل؟"
- "اووبوب الوبوب اووب بام بوم!"
- "شنو؟!"
- "اظنه قال كدي. وبعدين... أنا ما متأكد لكن اظنه قال كدي..."
- "ما تضيّع وقتي يا ولد".
- "لا. ايوه. هو قال.".
- "قال شنو؟"
- "اووبوب الوبوب اووب بام بوم!"
- "يا بلال. الراجل قال كدا وللا لسان السحلية بتاعك دا عايز يقول شي لكن ما قادر؟"
- " أنا سمعته بيقول كدا. احتمال رطانة واحتمال ما رطانة. أنا ما سمعته كويس لأنه هو ما اتكلم بصوت عالي."
- "كدا قول تاني."
- "اووبوب الوبوب اووب بام بوم!"
- "اووب...!"
- "اووبوب الوبوب اووب بام بوم! أنا حفظتها لأن الراجل قالها زي كأنه بيغنّي."
- "يغنّي؟!"
- "لا. مش غنا. زي كان بيغني لكن ما كان بيغني. وبعدين... هو زي الكان بيغني..."
و قال أرباب وهو يلخص الواقعة للجميع من حوله: "طيب، القصتين الجابوهم الأولاد يخبّرونا انه كان عندنا راجل قاعد تحت شجرة. راجل ميت. ميت زيه وزي أي زول ميت ومدفون في قبره. وفجأة يصحى. مش من النوم. يصحى من الموت. يقوم على حيله ويقول، او يغني "اووبومبا..." او شي زي دا، الله بيعلم." ثم وجه سؤالا مجددا إلى بلال: "تمام بلال؟ دا الحصل؟"
- "ايوه. بس بعدين، بعدين أنا ما متأكد الراجل كان بيغني وللا لا. وهو... وهو ما كان ميت."
- "اسمع يا فنيطيط انت، قصة الموت دي خليها لي. انت فيلسوف؟"
- "فلسفوف يعني شنو؟"
ضحك القوم، وقال أرباب: "فيلسوف مش فلسفوف يا مطرطش. فيلسوف يعني عالم. زول علم. زول عنده جواب لكل سؤال. زي ناس الله المرضي عليهم. انت يا بلال فيلسوف عندك جواب لكل سؤال؟"
- "لا."
- "طيب ما تقول لينا دا كدا وداك كدي. فهمان؟"
- "ايوه فهمان. انت فلـ...ففوس يا شيخ أرباب؟"
- "لا. أنا ما فيلسوف"، رد أرباب وانضم الى الضاحكين. "لكن انا بعرف شوية حاجات انت ما بتعرفها. ودلوقت كلمنا يا بلال. لما الراجل قال اووبامبون... لما رطن، كان بيكلمك؟ الكلام دا قاله ليك انت؟ كان بيتكلم معاك انت وللا مع زول تاني؟
- "ما عارف. يمكن كان بيتكلم معاي. يمكن كان بيتكلم مع نفسه. لكن... لكن... لكن يمكن كان بيتكلم معاي لأنه ما كان في زول تاني عشان الباقين شردوا زي النسوان."
- "خليهم الباقين خلاص. الراجل كان بيعاين ليك لما قال ووبوبوم؟"
- "لا، ما كان بيعاين لي. وبعدين وبعدين... ما ظنيته شافني. اظن، اظن كان بيتكلم مع نفسه. هو اتكلم مع نفسه وبعدين وبعدين..."
- "وبعدين شن حصل؟"
- "وبعدين مشى."
- "مشي وين؟ نحن فتشنا الغابة شبر شبر. االدنيا كلها فتشت وما عترناله على اتر. وين مشى؟"
- "ما بعرف. بس مشى. وأنا.. وأنا ما مشيت وراه. أنا اتبسطت وقتين مشى."
- "مشى على ياتو جهة؟"
- "مشى جوّة الغابة وسط الشجر وبعد شوية... بعد شوية ما شفته."
- "بس كدا؟ بعد شوية اختفى؟"
- "ايوه. الشجر كتير. وهو راح وسط الشجر. وأنا ما شفته عشان الشجر كتير."
وقف أرباب صامتا. العصا التي كان يتكئ عليها بلغت حافة الانكسار تحت ثقل جسده. وساد السكون إلى أن أطاحه بلال: "وبعدين الغراب كمان. لمن الراجل كان ماشي بعيد، الغراب كمان صحا ونفض جناحينه وطار."
أطلق الناس "ووه" جماعية وتحطمت عصا أرباب. ولولا أن صاحبها كان قويا رشيقا لتكوّم دفعة واحدة على الأرض. لكنه استعاد توازنه وأوقف سقطته في نصف المسافة إلى الأرض.
- "نعم؟! قلت شنو يا بلال؟"
- "تقصد الغراب؟"
- "ايوه الغراب. عمل شنو؟"
- "زي ما كلمتك. بس فرفر وطار."
- "الغراب الميّت؟!"
- "ما كان ميت".
- "كيف عرفــــــــــــ... اسمع يا ولد. ما تتكلم في حاجات ما بتفهمها. بس احكيلنا الحصل زي ما شفته وخلي الباقي علي. سامع؟ عمل شنو الغراب؟"
- "بس... بس صحا وطار."
- "دا ياهو الغراب ذاته الكان ميت؟"
- "كان راقد في حجر الراجل. وبعدين، بعدين لما الراجل صحا وقام، بعدين قام الغراب وقع في الواطة. وقعد كدا زي الميت. وبعدين، وبعدين صحا وبعدين، بعدين طار."
- "وانت متأكد انه دا الغراب ذاته الكان ميت. مش غراب تاني."
- " هو ذاته. ياهو ذاته الغراب الناشه سلمان بالنبلة وباعه لي. وبعدين غيّر رايه ورجعه مني. لما، لما رجعه مني وقالوا يقدموه هدية للراجل عشان ما يقلبهم ككوات او ياكلهم."
- "كيف يا بلال عرفت انه دا ياهو الغراب الميت؟ كيف عرفت انه هو نفس الغراب الناشه سلمان بالنبلة؟"
- "عشان... عشان لمن الراجل صحا وقام ماشي، وقعن منه ودعات واتشتتن جنب الغراب. وبعدين، وبعدين أنا مشيت لميت الودعات وختيتهم في جيبي. وبعدين وبعدين لمن كنت بلم فيهم قام الغراب صحا وطار. ياهو ذاته الغراب، مش واحد تاني. وبعدين... وبعدينن"
أوقفت هذه المعلومات الجديدة أرباب فجأة عن دورانه حول الصبي.
- "ودعات؟! ياتو ودعات يا ولد؟"
راح أرباب يقبض كفّه ويبسطها يريد أن يرى ذلك الودع بنفسه. "سلمني الودعات ديل يا ولد. حالا، حالا."
- "انا ختيتهم هنا في جيبي." ثم أدخل بلال ذراعه في جيبه وأخرج منه مجموعة من الحصى، وثمرات صغيرة جافة، وبعض الريش ومزمارا صغيرا صنعه من القصب، إضافة إلى مجموعة أخرى متنوعة من أشياء يدهش المرء أن جيبه الصغير كان يحتويها كلها. لكنها كانت تحوي ست صدفات صغيرة بدا أن أرباب في عجلته يختطفها من يد الصغير كنسر يصطاد أرنبا صغيرا، وترنح عندما قبض الودع في يده. ثم أمر الذين حوله: "جيبوا لي بنبر." فأسرعت أقدام الى داخل البيوت وعادت بخمسة، أخذ منها أرباب واحدا وجلس عليه، وراح يتفحص الأصداف واحدة بعد أخرى زمنا طويلا ثم خلع عمامته ليكشف رأسا أكله الصلع إلى آخر شعرة. ثم وضع كنزه الجديد في طرف العمامة وجعله في صرة صغيرة أحكم وثاقها.

قفز أرباب فجأة من مقعده الوطيء. وبصوت اكسبه الانفعال رنة لم يسمعها منه أحد من قبل سأل مَن حوله: "ما شايفين يا ناس؟"
صمت ولا إجابة.
- "طبعا ما شايفين. كيف تشوفوا وانتو عمايا؟"
- "أنا ماني عميان." أتى الصوت الحاد من رجل عجوز وسط الجمع. "شايفك يالحيل. وكمان شايف الشافع الضعيف وطويل متل الجرادة دا. شن سمّوه؟"
التفت أرباب إلى الرجل وقال: "آه، شيخ رمضان. ما شاء الله شباب ونظرك قوي زي نظر الجرادة البتتكلم عنها. لكن، اسمعوا يا ناس. أنا ما بتكلم عن الشوف بالعيون. دا اسمه البصر. أنا بتكلم عن البصيرة. عن الحاجات البتشوفوها بعقولكم الصغيرة. بتكلم عن المعنى. ممكن أي واحد منكم يقول لنا معنى الكلام السمعناه من الولد الصغير دا؟"
وانتظر أرباب قدوم متطوع بإجابة. لا أحد. فقال: "طبعا. خلوني أبسّط ليكم الأمور. دحين اسمعوني واسمعوني كويس."
صمت أرباب وقتا قدّر أنه كاف لأن يشحذ اهتمام الناس. وعندما هم بالكلام تنحنح وردت عليه ناقته برغاء قصير. ثم دار فجأة وقال: "كل الأولاد الكانوا مع بلال... تعالوا هنا." فلما أتوا قال لهم: "عايزكم تنسوا كل الحكاه بلال. انسوه. انتو ياولاد قلتوا انكم لما شفتوا الراجل القاعد تحت الشجرة ظنيتوه نايم. انت يا سلمان، بحجر كبير في نبلتك، نشت غراب كان راكّي في نفس الشجرة دي. الغراب وقع ولطش الراجل في أدانه. لكن الراجل ما صحى ولا اتحرك شبر رغم انه غراب كبير وقع وضربه في أدانه. لحد هنا الكلام دا صاح؟"
وأومأ سلمان برأسه متفقا.
- "وبعد شوية، انتو ياولاد مشيتوا قريب من الراجل. واحد منكم – أظنه علي – شال الغراب وجدعه للراجل. لكن الزول دا برضو ما اتحرك شبر. لو كان الزول دا نايم وخبطه غراب بالشكل دا أكيد حيصحى. صاح ياولاد؟"
- "صاح."
- "أها قمتوا عرفتوا انه الزول دا ما كان نايم. عرفتوا انه ميت." وتفحص أرباب الصبية مليا قبل أن يواصل: "عشان كدا خفتوا وقمتوا جارين... لأنه ميت."
واختلطت أصوات الصبية المحرجين وهم يقسمون أن الرجل كان ميتا بالفعل.
- "تقولوا ميت مافي شك. ميت زيه وزي اي زول ميت في قبره. ميت متل حبوبتي المدفونة في حوش بيتي. ميت ميت ميت."
وهم بلال بالكلام لكن أرباب أسكته فورا: "ششش!" ومضى يقول وهو يشير إلى بلال: "لكن الولد دا بيقول ان الراجل صحا ورطن كلام ما مفهوم ومشى. صاح يا بلال؟"
- "ايوه. هو ....وبعدين، وبعدين هو..."
- "ششش! طيب. خلونا نتكلم عن الغراب. انت متأكد انك قتلته يا سلمان؟"
- "متأكد بالكامل يا عم أرباب".
- " يا ولد، أنا مش عمك. دايما لما تتكلم معاي تقول شيخ أرباب."
- "متأكد بالكامل يا شيخ أرباب."
- "الغراب بعد ما نشته ووقع، ممكن يكون لسه حي؟ احتمال كان حي؟"
- "الغراب وقع ميت يا شيخ أرباب."
- "وانتو ياولاد، الغراب دا وقع حي وللا ميت؟"
واختلطت أصوات الصبية تشدد على أن الغراب أسلم الروح قبل أن يقع. ثم سألهم أرباب: "لو كان الغراب حي بعدما وقع. كان يعمل شنو؟"
- "يطير."
- "لكنه ما طار. وقع وقعد في مكانه بدون حركة. وانت يا سلمان رفعته من الأرض واديته لبلال. وانت يا بلال مسكته في ايدك. وبعدين رجعته لسلمان. وبعد داك شاله علي ورماه للراجل تحت الشجرة. والوقت دا كله والغراب ساكن. ليه؟" وتفرس أرباب في وجوه الحاضرين قبل أن يقول: "الأولاد ديل يقولوا لأنه كان ميت. ميت زي كل شي ميت. ميت ميت ميت! صاح ياولاد؟"
وقال الأولاد: "صاح."
- "لكن يا بلال انت شفته قام يفرفر بجناحيه وبعدين طار. يبقى حي. زيي وزيكم وزي الناقة دي. صاح وللا غلط يا بلال؟"
- صاح."

"أسمعوا يا خلق..." خاطب أرباب الناس. "أنا ما حأضيع صوتي معاكم وحأقول الكلام مختصر: اليوم الضهر شيخ مبروك قال لطلابه يروحوا بقية اليوم إجازة. ليه؟ لأنه هو ونايبه، شيخ الهادي،الليلة الصباح أكلوا فطير باللبن ولخبط عليهم شوية. الأولاد طلعوا من الخلوة وكان ممكن يروحوا أي مكان. لكنهم مشوا غابة الطلح. دا كله حصل بالصدفة؟ لا. في شي خلّى شيخ مبروك وشيخ الهادي ياكلوا فطير يلخبط عليهم عشان يقفلوا الخلوة. ولما الأولاد أخدوا باقي اليوم إجازة، في شي خلاهم يمشوا يلعبوا في غابة الطلح في مكان محدد. في المكان ليه الكلام دا كله؟ لأن كان في راجل منتظرهم. وكان في غراب منتظرهم. أيوه. راجل وغراب منتظرين الأولاد يجوا يلعبوا. ولسّه نشوف. لما بلال قال يجري مع باقي رفقانه ما قدر. ما تظنوا انه ما قدر يجري من شدة الخوف. بلال ما قدر يجري لأنه في شي ثبته في مكانه... عشان يشوف بعينه ويجي يكلمنا."
نظر أرباب إلى بلال وسأله: "كنت خايف يا بلال؟"
وقال بلال بأعلى صوته: "أنا ما كنت خايف. أنا أصلو ما بخاف. أنا... أنا أكتر من أي أشجع زول. كان ما مصدقني أسأل أبوي."
ومط الأب ابتسامة كادت أن تتجاوز عرض وجهه وتهيأ لإجابة طويلة مفصّلة، لكن أرباب قال: "ما في داعي نسأل أبوك. أنا مصدقك وعارفك أشجع زول." ثم التفت الى الجمهور وقال: "الكلام دا كله عشان الراجل الكان قاعد تحت الشجرة مش زي أي راجل تاني والغراب الجالس فوقها مش زي أي غراب تاني. الاتنين، الراجل والغراب... كانوا ميتين."
وخرج صوت الجماعة: "وووهوووه!"
وقال أرباب: "الراجل كان ميت والغراب كان ميت. الغراب دا بس كان راجي سلمان ينيشه بالنبلة ويوقعه على الأرض. يعني سلمان ما قتله بنبلته. هو أصلا ميت."
"وووه!"
"اليوم دا يوم مبارك. ما شفنا فيه كرامة واحدة بس... شفنا كرامتين مع بعض. راجل وغراب ميتين. الراجل يقوم من الموت، وبعده الغراب يقوم من الموت. الاتنين يقوموا من الموت. وعندنا شاهد. ومش شاهد نص نص. عندنا شاهد عيان. عندنا وليد صغير شجاع شاف دا كله بعينه. صاح يا بلال؟"
" صاح!" رد بلال وجسده يرتج برعشة فخر وفرح لم يجرب مثلهما من قبل.

"شايفكم مستغربين... كيف راجل ميت وغراب ميت يقوموا من الموت؟" خاطب أرباب الجماعة. "كتيرين فيكم ما مصدقين. لكن أنا لما كنت ولد صغير – أصغر من بلال دا حتى – جدي قال لي الأموات كانوا يصحوا ويزوروا الناس بانتظام. ما كان في شي غريب في المسألة دي. احتمال الشباب فيكم ما سمع بالكلام دا. لكن أسألوا الكبار. أسألوا شيخ رمضان... شيخ مبروك، حاجة مستورة، حاجة عشمانة وغيرهم. أسألوهم وحيقولوا نفس الشي."
وتلفت الناس بحثا عن المذكورة أسماؤهم ورؤية ما لديهم من رد. فأمأوا هؤلاء برؤوسهم موافقين. وأعلن رمضان على الملأ بصوته المعمّر الراجف: "شفتهم أنا بعيوني الاتنين ديل. جوا راكبين جيادهم بي طول البحر. شي منهم فوق القيفة وشي فوق البحر ذاته. ديل كانوا أولاد زول معروف إلا نسيت اسمه. الوليدات ديل وأبوهم اشتهروا وقتين أبوهم مرق بيهم عشان يصطاد الشمس. أظنه لما هو نفسه كان وليد صغير ووقعت سنه شالها وجدعها للشمس، وبدل يقول ليها أديتك سن الحار أديني سن الغزال، قال ليها أديتك سن الغزال أديني سن الحمار. أها قامت مرقت ليه سن حمار محل سنه الواقعة، زي ما طلب. وبعدين لمان كبر بقى عنده مية ولد. يمكن ميتين. وناس يقولوا ألف ولد. كلهم مرقوا ورا الشمس عشان يرجعوا منها سن الغزال. وناس يقولوا فعلا رجعوها وناس يقولوا لا. كلهم ماتوا واندفنوا في البحر. لكن أنا شفتهم مرقوا من البحر راكبين جيادهم فوق الموية."
وقال أرباب يخاطب رمضان: "الاسم النسيته هو داوود. لكن أنا سمعت أنه أولاده رجعوا وركبوا جيادهم فوق البحر قبل أكتر من مية سنة يا شيخ رمضان. انت عجوز قدر دا يابا؟"
فاحتج رمضان بحدة: "أنا؟ عجوز؟ حاشا. جدي كلمني بأولاد داوود. هو شافهم بعيونه الاتنين. إلا أكيد حاجة مستورة هنا شافتهم بعيونها كمان. ما هي عجوز بالحيل."
وانبرت مستورة لرمضان بصوت أعلى من اللازم قصدت به أن يعلم الناس أنه ثقيل السمع: "اسكت يا راجل يا خرفان يا سجمان. أنا أصغر من أصغر حفيداتك. سامعني وللا الأدان طرشانة؟"
وتعالت ضحكات على هذا التراشق بين العجوزين.
ورد رمضان على مستورة: "والله أنا سامع انه أبوي كان بالأوال عايز يعرسك، بعدين غير رايه لما عرف انك أكبر منه يجي بمية هلال."
وقالت مستورة: "دا ما أبوك يا مرمد. الكان جاري وراي حفيدك الا انا ابيته. زول يكلم المطرطش دا يديه راسه."
وتراجع رمضان عن مواجهة مستورة لكنه فتح جبهة جديدة: "يمكن أنا ناسي. يمكن مش مستورة. يمكن عشمانة."
وأطلقت عشمانة صيحة استنكار مدوية: "هوي يا راجل. أخير ليك تلم لسانك الزفر جوة خشمك الما فيه سن واحدة دا. بالله واحد يشيل الراجل دي يوديه بيته. أنا أكبر من أبوك؟ عشنا وشفنا." ثم مطت ابتسامة واسعة: "خليني اللحدثك يا شيخ رمضان. في ناس هنا كان سألتهم يقولوا ليك البت دي أصغر من الولد الجرادة دا. وللا شنو يا بلال؟"
"ها هاه!"
وأدلى مبروك بدلوه: "بلال ما بفيدك يا عشمانة. علي الايمان إنت ولدوك سنة حفروا البحر."
فاستدارت اليه عشمانة وألقت اليه بردّها: "اسمعوا منو بيتكلم... العولاق. انت يا مبروك لا هنا لا هناك. لا تودي ولا تجيب. ودا كله بسببك. لو ما قفلت الخلوة وطردت الولاد الشياطين ديل ما كان حصل شي."
وقال مبروك وهو يعض أصبع الندم لأن لسانه أودى به الى فقد شيء من هيبته أمام الناس وخاصة تلاميذه: " يا مره يا غبيانة انت عارفة انا منو؟ أقلبك ناقة في التو واللحظة؟ عشان تقعدي جنب الناقة ديك؟ قسما عظما أقلبك ناقة بسنامين بدل واحد. سامعة؟"
وردت عشمانة: "سامعين العولاق بيقول في شنو؟ انت كان بتقلب امشي بالاوال على حمارك الكحيان اقلبه جمل وغنمايتك الضعفانة اقلبها بقرة بي ضريعات. خليني انا. "
وتدخلت مستورة: "يا شيخ مبروك، ليه تعمل فيها معروف وتقلبها ناقة؟ خليها زي ما هي في قباحتها دي."
وردت عشمانة: "وكمان اسمعوا المسترجلة دي. كل زول يشوفها يقول راجل، بس مكسور شوية."
واندفعت مستورة أماما وهي تصيح: "امسكوني قبل ما اقتل المره ام لسانن زفر دي."
...
كانت جبهات المعارك التي فتحت فجأة بين عواجيز الميتة مصدرا مطلوبا لفكاهة ما تخفف على الناس وطأة ما ألقى به أرباب من أن رجلا وطائرا عادا من الموت إلى الحياة على أعتاب بيوتهم. كان الظلام قد حل. فذهبت أقدام الى داخل البيوت ليرتوي أصحابها من العطش ثم عادت بالمشاعل. واُعدت خشبة المسرج لنوع من الدراما لم يشهده أحد من قبل.

أجلسوا بلال في الصف الأول في مكان بعيد عن بقية الصبية الستة وليس معهم، بعدما وصفهم علنا بأنهم "نسوان" لهروبهم من موقع الرجل "الميت" وردة فعلهم الصامتة التي أنبأت الجميع بأنهم يضمرون له حسابا عسيرا.

مرة أخرى توسط أرباب الحلقة بقامته الطويلة وجسده الصلد. وبفضل الظلال التي ألقتها المشاعل على فروة رأسه الصلعاء، تعمق الأخدودان على جانبي وجهه من عظم الخد الى الذقن، وبان وكأن له محجرين بلا عينين، ولذا بدا كرجل حي يسعى بجمجمةٍ عظمٍ مكان الرأس. لا غرو إذن أن قدرا من الرعب حل في قلوب معظم الصغار فتشبثوا بتلابيب أمهاتهم وآبائهم.

"نحن والله مبسوطين فِشان الريدة والحنيّة الرموها كبارنا فوق بعض،" قال أرباب مدرّا همهمات ضاحكة من سامعيه. "ما ظنيت في زول يصدق أنهم قصدوا السمعناه منهم. واسمعوني أحدثكم: علي الايمان لو واحد منهم طعنته شوكة كل واحد من الباقين يحس بيها في لحمه ويجي جاري يطّمن على السلامة. ديل نحن يا ناس. كلنا زول واحد."
"نعم نعم."
وواصل أرباب: "الا أنا حتى التو ماني متأكد منو الأكبر في كبارنا. كل الأعرفه أني أصغر منهم كلهم، واليغالطني منهم يجي يصارعني هسع قدامكم كلكم."
"وووه ووه ها هاه!
"أهذر فقط. أنا ماني مجنون وما عايز انضرب لمّن ابقى عجين. واسمعوني يا ناس: ما يهمنا أنهم كبار في السن. وكلنا نقول ليهم: انتو شباب وعافية وجوه قلوبنا. مبسوطين انكم معانا لكن ما ننسى أنه في كبار ما معانا شان ما قادرين يحضروا اجتماعنا المبارك دا. ونقول ليهم برضو انتو كمان جوه قلوبنا. صاح يا ناس؟"
"صدقت والله."
"طيب يا اخوان ويا اخوات ويا أولاد ويا بنات: قبال شوية سمعتوا شيخ رمضان يحكي عن أولاد داوود راكبين جيادهم يجقلبوا بيها فوق البحر. أولاد داوود ديل ماتوا سنين وسنين قبال يقوموا من الموت والناس يشوفوهم بعيونهم. وأنا هسع بكلمكم: القصة دي صحيحة بالكامل وما فيها غلاط. عيسى بن مريم عليه السلام أحيا الموتى. ما مصدقين؟ اقروا القرآن. المسيح أحيا الموتى يا شيخ مبروك؟"
وتلا مبروك من الذاكرة: "وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله"، صدق الله العظيم."
وقال أرباب: "دا القرآن. وكمان أخد عندك جدي أرباب الكبير الله يرحمه حدثني وقال لي لمّن كان ولد صغير كان شي عادي الميتين يقوموا من الموت. وفي كتب كتيرة نقلت لينا الكرامات والمعجزات الحصلت وما فيها غلاط، زي كتب الشيخ النويري والشيخ ود ضيف الله. الكتب دي كلمتنا عن حاجات الناس يظنوها أحاجي، إلا هي حصلت فعلا: ناس يكلموك عن الحيحصل قبال ما يحصل، وناس يعالجوا المرضان المستعصي الواقف رِجل في الدنيا ورجل في الآخرة، وناس يجرّوا الميت من موته ويرجعوه للدنيا دي تاني. وكان الكتب قالت دا كله حصل ما نصدق ليه؟ والليلة، في اليوم المبارك دا شفنا، بدل ضيف واحد، ضيفين رجعوا من الموت. تقعد عمرك كله منتظر كرامة واحدة ولما تيأس يجوك اتنين. أولا خلوني أكلمكم عن الغراب. الناس البيعرفوا ما بستغربوا أنه في غراب جا مع زول ميت ورجع معاه. يا شيخ مبروك أدينا شي من علمك الغزير. ورّينا القرآن قال شنو في أول مرة إنسان يقتل إنسان في الدنيا. لما قابيل قتل أخوه هابيل وما عرف شن يسوي بالجثة".
وتلا مبروك الذاكرة مجددا: " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين."
وقال أرباب: "تسلم ايدك يا شيخ مبروك. انت ماك بحر علوم."
ورد مبروك: "كلّم الهبل ديل." يقصد بهم أطراف الحرب الكلامية التي اندلعت وسط العواجيز قبل قليل. وأضاف وهو يشير إلى عشمانة: "خاصة دي." أما المقصودة فقد اكتفت بأن أخرجت له لسانها طويلا.
ومضى أرباب يقول وتفاحة آدم في عنقه تعلو وتهبط كسنام ناقته: "طيب طيب، نرجع لموضوعنا. كلنا يا جماعة نعرف أنه لما غراب يموت كل الغربان رفقانه يتلموا حوله ويقعدوا يسكلبوا. ما في حيوان تاني بيعمل كدا. بس الغربان. ليه؟ إنا أوريكم. لأنه لما الله خلق الحيوانات خص الغربان بأنها تكون حرس الباب بين الأحياء والأموات. ولما واحد منهم ينقتل في الدنيا ويجي داخل بالباب، رفقانه يعرفوا فورا أنه مات مغدور قبل ما يجهز نفسه عشان يلاقي خالقه. طيب، في شي مهم لازم نلاحظه في حالة غرابنا، وهو انه لما سلمان قتله بالنبلة، بقية الغربان ما اتلموا فوقه وناحوا زي العادة. الكلام دا صحيح ياولاد؟"
وقال الأولاد إنه صحيح. فمضي أرباب يقول: "ليه؟ لأنه ما مات الليلة وإنما هو ميت من زمن، يمكن سنة يمكن سنتين يمكن ألف، الله يعلم متين. انتو معاي يا ناس؟"
- "معاك."
_ "والراجل الميت... الزول دا ما ممكن يرجع من الموت لدنيانا دي الا اذا غراب فتح ليه الباب. والسؤال دلوقت: ليه الغراب نفسه جا مع الراجل. المفروض انه يفتح الباب وبس. لكنه جا مع الراجل. ليه؟ الغراب دا متعود يشوف الأحياء داخلين، مش الأموات مارقين. احتمال قال: أنا لازم اباري الزول دا أشوفه ماشي وين. احتمال استلم أوامر تقول ليه أمشي مع الزول المارق دا ووريّه السكة وهو ماشي وهو راجع عشان ما يتوه. واحتمال كمان الراجل نفسه هو أصلا غراب وبقى في شكل انسان عشان يقدر يتفاهم مع البشر من دون ما يخوفهم. يحصل ايه لو لقيت غراب بيتكلم معاك؟ كان ما مت من الخوف ما حتلاقي زول يصدقك لو قلت ليه لاقيت غراب وقال لي كدي وكدي. مافي طير بيتكلم."
هنا دخل والد بلال مقاطعا: "الطير اتكلم مع الملك سليمان."
فرد أرباب: "مامون بيذكّرنا أنه الملك سليمان كان بيكلم الطير. دلوقت عرفنا من وين بلال جاب الشطارة دي كلها."
وأحس بلال بأنه فخور بنفسه ولكن أولا بكون والده ذا حديث حري بالناس أن يسمعوه. على أن الوالد نفسه أحس بشيء من الندم على دخوله ساحة النقاش العام في هذا الظرف. كان يعلم أنه - الأمّي - ليس في قامة أرباب القارئ الكاتب، ناهيك عن أن هذا الأخير - كما قال بنفسه - فيلسوف لديه جواب لكل سؤال.
- "لو شيخ مامون قرا القرآن،" قال أرباب ولم تفت مسألة "القراءة" على مامون، "حيلقى أنه الملك سليمان فعلا اتكلم مع الطير ومع حيوانات تانية. لكن قبال ما أجي للموضوع دا خليني أسألكم: هل تقدر انت يا شيخ مامون - أو اي واحد تاني – تموت وانت واقف، وتظل واقف على رجليك سنة كاملة؟" ولم يعط أرباب مامون الوقت للرد بل مضى يقول: "الملك سليمان مات واقف. الناس ظنوه بيصلي عشان كده ما أزعجوه مع انه ظل واقف وهو ميت سنة كاملة. دي كانت كرامة الغرض منها أنه الجن ما بيقدر يتنبأ بالغيب، لكن دا موضوع تاني وقصة طويلة ممكن نتكلم فيها في وقتن آخر. لكن الاجابة على كلامك يا شيخ مامون هي أنه الملك سليمان اتكلم مع الطير لأنه كان نبي. مش زول عادي زيي وزيك. وعشان كده وقف على رجلينه حول كامل وهو ميت، وعشان كدة كان يقدر يكلم الطير والحيوانات. اما انت وانا ما بنقدر نتكلم مع الطير وعشان كده لما غراب يقوم من الموت ويرجع لدنيانا لازم ياخد شكل تاني يساعده في مهمته. وفي حالة الكرامتين الشفناهم الليلة كان لازم الغراب ياخد شكل انسان نايم تحت شجرة."
وأدلى مبروك بدلو من القرآن: " وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين – صدق الله العظيم."
وأشارت امرأة في الصف الأول إلى مبروك وقالت: "الراجل دا حافظ القرآن صم"، فنفخت في صدره فخرا مدده حتى لامس لحيته.
- "ايوه ايوه." قال أرباب مستعجلا مواصلة حديثه: "كفانا سيرة الملك سليمان والهدهد. زي ما قلت دا قصة طويلة وممكن نعمل بيها جلسة ونسة في يومن آخر. لكن بمناسبة البيموتوا واقفين، مافي زول هنا لاحظ أنه في راجل واقف ومات بالعطش من كتر النضم؟ ممكن تجيبوا ليه موية وتقوّموه من الموت؟"
"ها ها" انطلقت الضحكات ومعها أقدام الى البيوت المجاورة لتعود بالماء لأرباب، فشرب بنهم حتى ارتوى ومضي يقول: "طيب، السؤال دلوقت يا ناس مش أنه راجل وغراب قاموا من الموت. دا شي مؤكد وما فيه غلاط. السؤال المهم هو: ليه؟ دايرين شنو؟"
وصمت أرباب طويلا ليضيف الوزن للازم لسؤاله.
- "ليه الراجل والغراب قاموا من الموت عندنا؟ في غابتنا دي، ومش في أي بكان تاني؟"
صمت طويل آخر.
- "لأنه عندهم رسالة لينا. جابوا لينا رسالة لينا كلنا، رجال ونسوان وأولاد وبنات."
فارتفع صوت يسأله: "رسالة شنو؟"
وارتفع صوت آخر: "رسالة من منو؟"
ورد أرباب بصوت زادت العاطفة الجياشة في عمقه: "رسالة من الميتين الله يرحمهم. عشان يقولوا لينا أنهم جايين... جايين عندنا".
ذهب أرباب الى بنبره باسما وجلس عليه ورأسه يلتصق بصدره وكأنه قد أفرغ ما عنده من كلام وترك للناس إدراك المعنى العظيم. ووسط الصمت الذي أطبق على المكان تضخمت الأصوات البعيدة التي يأتي بها الليل: الرياح تشدو بأغانيها المظلمة بين الأشجار والأغصان والعيدان... الضباع تضحك في طريقها إلى العَشاء، البوم ينعق في صلاته من أجل صيد وفير. وتضخمت الأصوات القريبة: آخر الطيور المستيقظة يتقاتل على المخادع... الكلاب تنبح متوسلة الطير شيئا من الهدوء... القطط المستوطنة تموء محذرة الغائرة... غراب يحتفل بتعرّف الإنسان على دوره في العالم السفلي، وناقة أرباب تملأ الفراغ الذي تركه سيدها بالرغاء.

أخيرا ارتفع صوت عال: "والميتين جايين يسووا شنو عندنا؟"
ام يجبه أرباب على الفور، بل قام إلى قربة الماء، رأسه ما يزال على صدره، فصب منها ملء قرعة جعل يرتشف منها ببطء متعمد، رشفة متمهلة وراء أخرى أكثر تمهلا. وعندما هم بالكلام مرة أخرى، رفع رأسه وإذا بوجهه قد اكتسب بريقا لو سئل أي من للحاضرين عنه لقال إنه نوع الضياء الذي يخص الله به الأولياء دون غيرهم.
"اسمعوا كويس يا أهل الميتة..." بدأ أرباب حديثه. "مافي طريقة نتجاهل الحصل الليلة عندنا. مافي طريقة نقول حصل لكن ما خصّانا. لأنه بيخصنا وبيخصنا بالحيل، ونحن نحمد الله أنه حصل. نحن محظوظين حظ يعلم بيه الله. والله بيعلم متين آخر مرّة كانوا الناس من شدة حظهم زاروهم الميتين. وخلوني أقول ليكم ليه نحن نحمد الله ونشكره على النعمة دي. كلما الزمن يبقى صعب والدنيا ما بتنطاق والدروب تنقفل والناس تغلب حيلة في البيتسويه وتفقد الأمل بالمرّة، الله يفتح باب للميتين يدخلوا بيه علي الدنيا شان يغيّروا الحال. يدخلوا ويرجعوا بالباب دا زي ما هم عاوزين. ووقت الميتين يرجعوا ياخدوا الشكل العايزينه. شي منهم يبين لينا في شكل انسان عادي... راجل، مره، ولد بنت... شي في شكل حيوان، شي في شكل شجرة... على كيفهم. يجوا ويقعدوا مع الناس شان يسهلوا عليهم ويحلوا مشاكلهم ويوسعوا عليهم الضيق. والناس زمان حكوا بالمرضان البقى طيب من دون علاج، وحكوا بالحُمّل يلدن من دون ألم، وبالنخلات تتعبا بالرطب طول الحول، وبالضروع ما تنشف من اللبن، وبالجمال تمشي درب الأربعين كله من دون ما تشرب البحر كله فوق سنامها، وبالأكل البقعد ايام وما يخسر، والفقرا يبقوا اغنيا، والاغنيا يزيدوا غني..."
خارج الحلقة البشرية التي كانت تستمع الى الحديث عن عودة الأموات، وقعت عينا أرباب على امرأة تحاول السيطرة على حمارها وإعادة التوازن الى ابنتها الصغيرة على ظهره. نظر إليها مليا ثم واصل حيث قطع كلامه: "سألتوني الميتين جايين عندنا عايزين شنو وأنا اجاوبكم: الميتين، الله يرحمهم، عايزين يساعدونا ويسعدونا. دا العايزينه الميتين. لو عندك حمار عنيد يدوك جمل مطيع. لو عندك غنماية نحيفة يدوك بقرة سمينة. أي شي تتمناه تاخده. الميتين عايزين يشوفوا منو الشقيان فينا ويسعدوه. عايزين يشوفوا منو المحتاج ويدوه المحتاج ليه. منو المرضان يدوه العافية. منو الضايع يوروه الدرب. الخايف يطمنوه. العايش في الضلام يمرقوه للنور. القلبه خالي من الايمان يختوا ليه الرحمن فيه. الميتين جايين عشان يسعدونا. وانتو يا أهل الميتة الله اختاركم عشان حيقق احلامكم وامانيكم مهما كانت. احلموا واتمنوا وافرحوا. الكلام دا كله أنا شفته بي عيني ديل. شفته في رؤيا... واضح زي ضو الشمس عز النهار، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!"
صمت.
مزيد من الصمت.
ثم...
"جايين متين الميتين ديل؟"



....................
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1690

نشرةارسل: الثلاثاء اكتوبر 16, 2018 7:12 am    موضوع الرسالة: هذا ما قاله المترجم الضليع عادل بابكر عن الرواية رد مع اشارة الى الموضوع

[align=left]A gripping narrative ya Mustapha! Seamlessly knitted.

The dialogue is superb, making the best use of Salah's playwriting skills.

The intense dialogue, particularly in the first few chapters, comfortably launchpads the reader onto a richly-textured, breathtaking narrative.

Employment of dreams helped keep the narrative intact, coherent, and engaging, thanks also to the superb sense of humour (which came as no surprise to me!), which lent the story an air of gaiety. Salah skillfully employed sarcasm quite positively to expose deeply embedded paradoxes. Symbolic references came across quite neatly.

The last chapters did much more than just wrapping up the story and joining the dots. They eloquently capsuled centuries of discourse over questions of cultural identity and colonialism. More importantly, It ended on a positive note- a gesture badly needed in a strife-torn country like ours. A brilliant contribution ya Salah.

The language is just great. Glory be to Allah!

I have made a few comments in track changes. Very minor.

The slang expressions like wanna and gonna: are they not originally US? Were they commonly used at the time of the novel?
I would italicize local references such as ibrik, kakko, etc.

Hope these help. Look forward to see it on the shelves.

To close, I am inclined to quote the Alemita guys exclamation@ Glory be to Allah. I would add it to it my own:
لا حولاااااااااا



انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
مصطفى آدم



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1690

نشرةارسل: الخميس اكتوبر 18, 2018 7:39 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

"ينطرح أيضا كأنعكاس لواقع عولمة التعبير في الثقافة الشعبية التي تمتص من البيئة اللغوية المعولمة كل ما تحتاجه من مفردات و تعابير ترفع بها من كفاءتها التواصلية."
يا الحسن عند الشدايد: أظن كلامك هذا يحتاج إلى ثلاثة أشياء:
1. لايك كبيرة جدًا (like)
2. تشيير ( من share) على الملأ
3. متاقا للكثير من الأصدقاء (Tag)
شايف كيف؟
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
محمد عثمان ابو الريش



اشترك في: 13 مايو 2005
مشاركات: 1005

نشرةارسل: الجمعة اكتوبر 19, 2018 3:40 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

ذا نقد بناء يا حسن
بالنسبة الأعراب ولغتهم التى يوئدونها حية كما كانوا يفعلون ببناتهم, ورغم انهم اشد كفرا ونفاق إلا أنهم ليسوا المنافقين الوحيدين.. الفرنج الذين نلجأ إليهم للمعيشة الوجودية ايضا فيهم الكثير من النفاق الممنهج. مثال:
n Word
f Word
bs
Mr
وهلم جرا على قول الصادق المهدى.
هذه طبعا فى المطبوعات (المحترمة) اما كتب الشرامة فتجد الكلمات والتعابير كلها عارية كما وجدتها امها. ولكنا أيضا نجد ذات الطبقة من الادب عندنا فى كتير من المطبوعات العربية مثل موسم الهجرة.. فإذا الحال من بعضه يا صديقى
تحياتى
_________________
Freedom for us and for all others
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة