سلمى المـُــذَكـَّــــرَة ..

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عبد الله الشقليني



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1178

نشرةارسل: الثلاثاء فبراير 26, 2019 6:30 am    موضوع الرسالة: سلمى المـُــذَكـَّــــرَة .. رد مع اشارة الى الموضوع

سلمى المـُــذَكـَّــــرَة ..


أول ما سمعت خبرها كان همساً ، رأى صويحباته أني بعيدٌ ولن أسمع الأخبار. ملخص القصة أن معركة نشبت بين " سلمى" و " محاسن " بنت الجيران وانتهت بالضربة القاضية!. بدأ الخبر حين رأتها "محاسن" تتمشى في الطريق المجاور وكانت كالغريبة وحدها ، فطمِعت في استدراجها للحديث بالمشاغبة. وتخيرت الألفاظ الشائعة التي تستدرج الرد .لامستْ السخرية كهرباء الغضب ،ولم تتصور " محاسن " أنها اقتربت من اللهب . لم تصبر " سلمى" على المنازعة الكلامية والجدال الدائري ، بل عالجتها بلكمة من قبضة يدها عند الفك ، وحسمت المعركة قبل أن تبدأ . كانت المفاجأة مذهلةً لمن حضرنّ ، فقد أُصبنَّ بالرعب وهربنَّ .
ليس لدى " سلمى" مصطلح لغوي ينتمي إلى الطفولة النسائية دون الرابعة عشر . كان صراعها مع " محاسن " صراع جسدين أو لغتين أو ثقافتين. هو صراع "جندري "ختمته النهاية المُحزنة . تفوهت " سلمى" عند نهاية المطاف بألفاظ الغضب والاستهجان التي يلفظها الذكور عادة ، شكلاً ومحتوى ، في النطق ومخارج الكلمات وفي النبر أيضاً .نهض التراث الثقافي للذكور في مواجهة ثقافة الإناث المميزة في مجتمعنا . صراع "جندري" دون شك ، الذكورة فيه هي الغائبة والحاضرة في هذا الصراع .

(2)

" سلمى" في الثالثة عشر ، طويلة القامة نسبياً ، مقارنة بمنْ هُنَّ في عمرها . جسدٌ أسمر ممتلئ ومصلوب ، قوي البنية. وإن تركَتكَ تتأمل ملامحها لحظة ،لبَدتْ لك مظاهر جمال تتخفى ،تنتظر موعد النضج.
رأيتها للمرة الأولى عندما زرت بيت خالي ، عند زوجته الثانية ،ذات مساء . يقع البيت على طرفٍ من أطراف بيت الأسرة الكبير . مدتْ "سلمى" يدها للمصافحة . وتعرفتْ يدي على ملمس يدها متوسط الخشونة ، كأني أمام طفل ، يكبرني ثلاث سنوات . ارتدت" سلمى " فستاناً مزخرفاً برسوم باهتة تشبه أوراق الشجر الخضراء الناعمة. فستان بتصميم متكرر ومبسط بلا رتوش، يغطى بعض الجسد ، ويترك الذراعين والعضدين واليدين مكشوفين ، وينتهي في الأسفل عند أعلى الساقين وتنتعل قدماها حذاء من البلاستيك الرمادي. الشَّعر منسوج كله بلا عناية ، يرتمي على الكتف .ضفيرتان من الأمام تتراقصان عند أي انفعال .الصوت عميق من أثر الجينات المختبئة .تسمعها ، فتعتقد أن طفلاً يزحف إلى مرحلة البلوغ و بدأ صوته يخشوشن ،هو أقرب إلى " الألطو" النسائي. إن أغمضت عينيك وأنت تستمع لها ، فلن تحسب أنها امرأة تتشكل أو أنثى تتكون ، بل طفل يشتاق أن يكون رجلاً. وجدتني قريبٌ من هذا التكوين الغريب بمشاعر محتشدة لم استطع أن أتبين حقيقتها . تبدت الأُلفة بيننا منذ لقائنا الأول . ودٌ جاء من وقع النظرة الأولى ، من حيث لا يحتسب المرء.
غابت زوجة خالي دقائق ، لتُعد لنا أكواب الشاي الأحمر . برّاد نحاسي وأكواب زجاجية شفافة صغيرة تجلس جميعاً على إناء مفلطح من الألمنيوم . صبّت لنا صاحبة البيت الشاي ، في زمان كانوا لا يسألونك عن مستوى الحلاوة التي ترغب لطعم الشاي ، لأنك دون شك تحب الطعم حلواً ، و ستحرق السُعرات ، لأن طبيعة الحياة نشاط مُفرِط ، يبذل فيه الجميع جهداً كبيراً خلال النهار وإلى الليل. " لطيفة " هي زوجة خالي ، تعرف كيف تصنع خميرة الأحاديث الجاذبة . تُلقي بالحديث على عواهنه وتتبسم تنتظر رد الفعل . هي سيدة تكبرني بست سنوات ، لم يكن بيننا فروق تُذكر إن قرنت ذلك بتكويننا النفسي ، فكلنا شركاء مشاعر طفولة متقاربة . فهي سيدة دخلت حياة النساء عبر بوابة الزواج ، ولم تزل طفولتها ممتدة . ودودة ، تستأنس الأضياف بمحبة .

(3)

لرواية "سلمى" لقصة معركتها مع " محاسن " طعم آخر ، حين جلستُ مستمتعاً بطريقة سردها الأخاذ. ضمير الفاعل غير ضمير المشاهد . هناك أكثر من زاوية لرؤية الموضوع . ذات الألفاظ التي يسرد بها الواحد منا فلماً أميركياً لرعاة البقر، تجدها تحفزكَ بأسلوب درامي جاذب . تنفصل برهة عن شخصيتها وهي تحكي بلذة حقيقية كيف نالت النصر أخيراً ، في الحادثة التي أتينا على ذكرها وسردت قصصاً أخرى، لم نكن نعرفها من قبل ، وهي ترتدي شخصية البطولة التي لا تُقهر . تُرضي رغبة جامحة داخل نفسها الغامضة لتلحق الهزيمة بالأنثى ، أياً كانت !.

وجدت نفسي أحاول أن أتقبل هذا الكائن الجديد بلا تحفظ . من البعيد ، بدت " سلمى" أقرب للمرأة ، لو لا سيرتها الجسورة عن قُرب. تدخل هي إلى الصالة الشعبية المخصصة للذكور في " سينما الجيش ببانت" ، لوحدها أو مع شقيقاها الأصغرين" أحمد " و " محمد ". فهما يستظلان بها ويحتميان . تقضي مساء السينما وسط الصخب والضجيج . وتستريح أمام الصياح واللعنات المتلاحقة كلما عكر صفو التسلسل السينمائي طارئ .القاعة الشعبية المكشوفة على الهواء الطلق ،تحتمل الكثير من التناقضات ، فعلى طرفٍ من أطراف القاعة الشعبية ، تجد موقداً هادئاً ،عليه طاجن فيه طبيخ اللّحم ، يغلي ببطء ، وعلى غطائه حجرٌ ، وشراب " العَرَق" البلدي تدور كؤوسه الصغيرة بين الكبار .

لا أحد يستغرب أو يُدهش ، إلا الغرباء . يسألون بهمس عن قصة " سلمى المـُــذَكـَّــــرَة " .أما هي فلها أذان بحساسية لاقطة تميز الأحاديث عنها من غيرها ، وتواجه بالعنف من يأتون بسيرتها خيراً أو شراً. حتى الذين يفكرون بصوتٍ عالٍ تجدها ترقبهم وتحمحم . فأي بادرة تعليق أو استغراب إلا ويجد صاحبها لكمة ترسلها موجعة . العنف جزء أصيل من حياتها اليومية ، ولكنها أمامي فهي كائن هادئ مختَلِف . نبعٌ صافٍ ، تحاول هي قدر ما تستطيع أن تكسر هذا الكساء اللطيف من الضعف أمامي، وتختلق موضوعات أخرى بلا سبب ، حتى لا تترك لنفسها أسئلة بلا إجابة :لِمَ ينتهِ هذا الصخب وهذا العنف أمامي ؟!. لم أكن أعرف السبب .

(4)

شقيقها الأكبر" عصام " هو الذي استأجر لهم المنزل في أطراف حيِّنا ، والدها قد توفى منذ سنوات حسبما ذكرتْ لي ، وتسكن في البيت مع أمها وإخوتها الذكور . أم درمان في ستينات القرن الماضي كانت تستعص أن تكون شبه مدينة مثل الخرطوم . جرّدها المستعمرون من روح المدينة وأبقوها على ريفيتها ، وتبعهم الذين جاءوا بعدهم بذات النهج . أم درمان قرية ريفية الشكل والمحتوى . البيوت عندنا في ذلك الزمان مساحات واسعة ، تحفظ في باطنها غرفاً متعددة ، وأسوار مبنية من اللّبِن لا ترتفع أكثر من مترين ، تفصل المتزوجين عن غيرهم . على طرف قصي توجد في كل بيت " زريبة " للماعز وأقفاص الصفيح متراصة أبراجها للحمام . والضجيج اليومي يحدثه الأطفال والدجاج والقطط والكلاب . وهي صورة متماثلة للحياة في البيوت في تلك الأيام . تقوم سيارات البلدية كبيرة الحجم ،ملحق بها خزانات المياه برش الطرقات الترابية لتلطيف حرارة الطقس في موسم التهاب السحائي .تزرع البلدية فسائل أشجار الظل أمام البيوت على الطريق العام . يطوقونها بسياج يمنع غزو الماعز ، فتنهض الأشجار ، وتحت ظل أحدها ، كنت أنتظر " سلمى " وإخوتها مساء كل يوم .
في الجهة الغربية من الحي ، من بعد المقابر ، أرضٌ فسيحة خضراء ، تتناثر فيها على مد البصر غرباً أشجار السَلَم والحناء والأراك و الكِتِر . تشاهد من البعيد أسراب النسور واللقالق والقمري أو الجراد في زمن البؤس . أرضٌ تفسح لمغطيات التربة العشوائية الخضراء أن تكون غذاءً يصلح للأغنام في مسيرها الطبيعي اليومي مع الرّاعي منذ الصباح وإلى الغروب . فالأسر السودانية كانت تعيش شبه اكتفاء اقتصادي . يوجد البيض و لحم الحمام عند الحاجة والحليب توفره الأغنام. هذا هو أنموذج حياة كل البيوت أوائل ستينات القرن الماضي.

(5)

في أيام الجُمع نذهب جميعاً أنا و" سلمى " و شقيقاها " محمد " و " أحمد " مع أربع من الماعز التي تملكها أسرتها ، إلى المراعي الطبيعية غرب أم درمان منذ الواحدة بعد الظهر إلى وقت غروب الشمس. نصطاد الخنافس الملونة من على شجر الحناء ونحفظها في عُلب لبيعها لأبناء الحي . ندلف في طريقنا إلى التلال الاصطناعية المخصصة لتدريب العسكريين على إطلاق النار ،لنجمع المتبقي من مادة الرصاص من حولها ، ونعود آخر المطاف عند الغروب بكمية وفيرة ، تقوم " سلمى" بصهرها في قالب ، وتذهب عصر اليوم التالي لبيعها في سوق "الموردة " مادة للحام الأواني .
علاقتي بسلمى غريبة و غامضة . تنطفئ العواطف في قمة وضوحها ورونقها ، وسط عقلانية كانت تميزها في السلوك وفي الرؤى وفي التفكير وفي الحديث . نعيش حياة الجندر ، بكل التواءاتها والتفافها على القيم الاجتماعية . لم أختلف معها في قضية أبداً ، بل نتفق دائماً . كانت " سلمى" تتطلع للقيادة . وكنتُ أُرضي كبرياءها عن طيب خاطر لأروي ظمأ لديها لا حدود له ، وأقلل في ذات الوقت مخاطر مواجهتها . الأنثى في داخلها مسجونة ومكتومة الأنفاس ، فهي الوحيدة في أسرتها ، وسط عُصبة يحيا فيها الذكور ، يستمتعون بكل شيء وما يتبقى هو للإناث ، وهو ظلم اجتماعي غير مُبرر ،يعيشه الجميع دون استغراب!. حياة قد ترضاها الأنثى ذات النفس السوية المتوازنة ، وفق مفاهيم علم النفس في القبول بثقافة المجتمع والتعايش معها. وقد ترفضها منْ تتطلع للعدالة ، لتخرج من سجن الأنثى وتعيش كائناً في المقدمة كما هو حال "سلمى" التي اختارت الطريق الأصعب والأخطر ، أما بقية الإناث المقهورات ،فيعشنَّ عيشة الرضا النفسي الذي لا يرى غرابة في القهر الاجتماعي ، ويستسلمنَّ للمصائر .

(6)

" سلمى" ذكرٌ كاذب ، أغْمضتُ عينيّ وذاكرتي وذهني عن هذه الحقيقة ، كأنني ارتضيتها أو ارتضيته صديقاً بلا تحفظ. فأنت قبل سن البلوغ ، لا تنتبه للمشاعر أو فتنة الهرمونات عندما تُحرك الماء الراكد . فجاذبية الجنسين المُدمجين في برنامج واحد يحفز في نفسي العوالم الغريبة التي كانت تجتذبني أيام طفولتي ، وكانت هي شغلي الشاغل .
في يوم عادي مثل سائر الأيام ، سمعت بأن أسرتها سترحل وتغادر الحي . لم أعرف الأسباب ، وأظنه محض قرار . لم أجد الوقت ولم تجد هي الوقت لتودعني كما يجب .
قالت فجأة : سنرحل غداً .
قلت : إلى أين ؟
قالت : إلى بانت شرق
قلت مكرراً : إلى أين ؟
قالت : لا أعراف.

كان الختام هادئاً . لم تكن هناك عواطف جامحة ولا تراجيديا للفراق . نظرتني طويلاً ، كأنها تستعرض العُمر الذي قضيناه عاماً ونصف العام . حملتْ تلك النظرة المتفكرة الطويلة مشاعر تختلط بالأسى والحزن والرأفة والحسرة والغضب ، وكانت المحبة ضمن سلسلة هذه المشاعر ولكنها أضعف الحلقات جميعاً. قالت بهدوء وبمقلتين التمعتا :
" سوف أعود للحي وأخبركم ."
كان "الضمير الجمعي" يشملني ضمن منْ يشمل ، رغم أننا كنا وحدنا !.مضى اليوم الأول والثاني والرابع من بعد الرحيل ،ومضى شهرٌ ولم تعُد ، بل سنتان وبضع سنين ، وكدتُ أنساها ...

(7)

خلال سهرة مسائية يقيمها " الختمية " في ذكرى مولد السيد " محمد عثمان الختم " في إحدى الأيام الرمضانية في الحي المجاور، يجتمع الناس من كل صوب ليشاهدوا المسرح الارتجالي المفتوح . الإنشاد والمدائح والغناء والرقص وغرائب عنفوان الراقصين على نغم الأذكار وقد أخذ بعضهم " الجذب " الصوفي ، بملابسهم الملونة والطبول والدفوف والإيقاعات المتنوعة بتنوع الطرق الصوفية المُشاركة، في مساء متلألئ بأنوار النيون ، وبائعي الحلوى التي تُصنَع للمناسبة . وسط هذا الزحام من الممثلين والمشاهدين والنسوة والأطفال وكبار السن ، لمحتُ منْ تشبه " سلمى" . أنثى مُكتملة الأنوثة ، تتوهج وتضيء منْ حولها ، تحمل طفلاً نائماً على كتفها برضا وطمأنينة . لم أكن أصدق أنها هي ،إلا عندما نطقت اسمي . اقتربتُ ،وهالني ما رأيت : سمراء رائعة الجمال ، دقيقة الملامح ، مُخضبة اليدين ، ملفوفة الجسد، تشهد التقاطيع من تحت الثوب السوداني الشفاف وتلمح الجسد المفصص . في عينيها صفاء استرجع الأنثى المفقودة وقد تصالحت مع نفسها . وجدتُها واسطة عقد متراصٍ من النسوة ، ومن حولهُنّ الأطفال في شغبهم الدائم . حياة تتحدث بصوت مسموع . ها هي " سلمى " ، صارت الآن امرأة تحتفي بالدنيا من حولها ، وتحتفي بها الدُنيا. مشرقة الابتسام . أول مرة أشهدها بتلك التقاطيع الأنثوية الوضاحة. قامتي قاربت قامتها في الطول . تبسمتْ وما كنت أعرف عنها ابتساماً من قبل . الآن ما عادت طفلة ،بل امرأة أخرى، يرِف لها القلب وتنحني لها الهامات .في تلك اللحظة ارتجت نفسي وشُلَّ تفكيري وأنا أصافحها وقد انفتح العُمر كله نحوي : الماضي كله والحاضر الماثل أمامي ،بعواطف محمومة تركض متزاحمة و متلاحقة...
أمسكتْ يدي بملمس بض وخاطبتني بتلقائية الفرح :
" والله مُشتهياك " ....

عبد الله الشقليني
24/02/2014م
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة