إذْ يدعوك الغد

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الخميس مارس 28, 2019 2:22 am    موضوع الرسالة: إذْ يدعوك الغد رد مع اشارة الى الموضوع

في المساحة التالية، أنقلُ إليكم/إليكن نقاشاً، ما يزال محدوداً، دار بيني وبين د. حيدر بدوي صادق على إثر مقال كتبه الأخير، بالتعاون مع قاسم يوسف أحمد المصطفى، حيث نُشِرَت نسخةً منه في قروب "بيت الحكمة ١". يلي ذلك تعقيب مني على مقالهما (وقد أجريت تعديلات قليلة على مقالي بغية التصحيح، التوضيح والضبط)، ثم يلي تعقيبي تعقيبٌ من حيدر:





لماذا "ندوسو دوس؟" أليست ثورتنا سلمية؟

د. حيدر بدوي صادق
قاسم يوسف أحمد المصطفى






محمد يوسف! يا له من إنسان!

قصة قصيرة أولى: زارته أسرته في السجن خلال اليومين الماضيين مرتين. فعرفت منه أن السجان وضعه مع ثلاثة دواعش، مصري، وتونسي وسوري، وستة من تجار العملة! هواجس محمد في الأيام الأولى كانت أن الدواعش لن يتركوه لحاله، وقد يعنفوا به. ولكن بعد أيام قلائل، وبعد أن تفاعل الدواعش وتجار العملة مع إنسانيته وفكره الثاقب، طلبوا منه أن يكون هو رئيسهم في الغرفة. وترجوه ألا يغسل الأواني وألا ينظف الغرفة. كل ما عليه فعله هو أن يقبل بقيادتهم! انتهت القصة الأولى!!

هكذا تكون الإنسانية. وهكذا نستطيع أن ندير خلافاتنا. فإذا كان محمد قادراً على أن يحيل دواعش غير سودانيين إلى أحباب، فما يمنعنا من أن نحيل دواعشنا السودانيين إلى أحباب. أليست هي سلمية ضد الحرامية فحسب؟

قصة قصيرة ثانية: بعد الزيارتين، توافق أن قابل أحد كاتبي هذا المقال، ومعه عدد من الشباب الثائرين، البروفيسور قاسم بدري في حنايا جامعة الخرطوم. ودار نقاش بين قاسم بدري وهؤلاء الشباب. وبعد أخذ وردٍ حامٍ، انتقد فيه الشباب بعض مواقف قاسم بدري، خلص النقاش إلى أن جامعة الأحفاد وهبت السودان بعض أقوى كنداكاتها في الثورة الراهنة. وخلص أيضاً إلى أننا لا يمكن أن ننادي بالسلمية والديمقراطية وبالإقصاء في نفس الآن. انتهت القصة الثانية!

هذه دعوة للنقاش حول مصير الإسلامويين أثناء وبعد الثورة. هي دعوة للنقاش حول التوافق على مفهوم العدالة الانتقالية. وهي دعوة للانتقال من مربع "أي كوز ندوسو دوس" إلى مربع "أي زول نناقشو بس!" هذا هو السبيل الوحيد لاقتلاع نظام الهوس الديني من الجذور. ولنجعل إخوتنا الإسلامويين عوناً لنا في الخروج من المأزق الذي وضعونا هم فيه منذ ظهورهم على المسرح السياسي السوداني، بخاصة خلال الثلاثين سنة الماضية.

ندوسو دوس و"سلمية سلمية" لا يلتقيان! ندوسو دوس والحرية لا يلتقيان! ندوسو دوس والديمقراطية لا يلتقيان! ندوسو دوس والعدالة لا يلتقان! فإلى الحوار حول العدالة الانتقالية، وهي شرط من شروط التأسيس لدولة ديمقراطية حرة، يتعايش فيها الجميع بسلام ومحبة، بمن فيهم الإسلامويين السابقين. فالسلمية والحرية والعدالة حق للجميع، وليست للثوار فحسب!

يتسق الانسان الذي يدعو لترسيخ الديمقراطية مع ذاته حينما يبتغي ممارسة الحرية لنفسه مثلما يبتغيها لغيره. وإن كنا مؤمنين بذلك علينا الا نقصي أيا كان. فالإسلامويون، وإن اختلفنا معهم في طريقة حكم السودان، فلهم الحق في الممارسة الديمقراطية مثلنا مثلهم لمجرد كونهم سودانيين. ولا فيصل بيننا في الحق العام في هذه المرحلة من تاريخنا غير وضع وتطبيق قانون العدالة الانتقالية. والمتهم بجريمة، أياً كان، لا يبريء نفسه إلا في سوح القضاء المستقل. فإذا برأ أي متهم نفسه أمام العدالة، فلنكن نحن عوناً له في الانخراط في البناء والتعمير. وهذا أبسط ماتقضيه قواعد بسط العدالة الانتقالية.

كثير من أفرادا وجماعات الإسلام السياسي من المنخرطين بدرجات متفاوتة في الحراك الثوري يتوجسون خيفة من الشعار أي "أي كوز ندوسو دوس." وهذا التوجس يضعف عطاءهم. وهذا لا يضعف الثورة فحسب، بل سيضعف بناء سودان المستقبل، المرجو أن ينشأ على أسس الحرية والسلام والعدالة. فلا حرية ولا سلام ولا عدالة في مجتمع يعشعش الخوف في أي واحدة من مكوناته.

باختصار، لا حرية ولا سلام ولا عدالة مع ندوسو دوس! ولا يملك أي سوداني أن يدوس أي سوداني الا بمقتضيات العدالة.

الهوس الديني لوثة جماعية، أدت لجنون جماعي، أدى بدوره لخلق الواقع الراهن. وهناك هوس في اليسار مثلما هناك هوس في اليمين، وإن اختلفت طرائق وأدوات التفكير هوناً ما. وسبيلنا الوحيد للخروج من الهوس ومن عقابيله هو منهج محمد يوسف، الذي يشاركه فيه قاسم بدري، والذي سبقهما، وسبق الجميع، عليه الأستاذ محمود محمد طه!


عدل من قبل عادل القصاص في الخميس مارس 28, 2019 10:59 pm, عدل 1 مرة
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الخميس مارس 28, 2019 2:23 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

العزيزان حيدر وقاسم،

لكما الشكر والامتنان مرةً أخرى.

من جهتي، أتقبَّلُ شعار "أي كوز ندوسو دوس" أولاً، لأنه من إبداع شارع يعاني من غبن موضوعي لم يشهد له مثيلاً من قبل. وأتقبَّله، ثانياً، باعتباره سلاحاً معنوياً، له بُعدين. فهو، من جهة، يدل على أن ثمة فهماً موضوعياً، للشارع المغبون، بأن الكوز، أي الانتهازي الذي يوظف الدين للاستغلال المُرَكَّب، هو غير الإنسان "المسلم العادي"، أي المسلم السائد موضوعياً. وهو - الشعار - من جهة ثانية، يلعب، كأداة حربٍ معنوية، دوراً فاعلاً في بث الخوف والارتباك في صفوف قيادة وقواعد الكيزان.

بالنسبة للقيادة، كل خوف وارتباك يحدث لها يقرِّبنا من النصر. بالنسبة للقاعدة - وهي ليست كياناً بالغ الانسجام - فإن مثل هذا الشعار، المرعب لها، لا يشتتها فحسب، وإنما يضع مُكوِِّناتها بين ثلاث خيارات:
١- أن يُكرِِّس مُكوِِّن منها طاقته لحماية القيادة (النظام).
٢- أن يتخذ مُكوِِّن منها موقفاً ضد النظام.
٣- أن ينزوي مُكوِِّن منها، أي لا يتخذ أي موقف.

وجميع هذه المواقف هي، من وجهة نظري، في صالح الحراك الثوري، بدرجات متباينة، وأوقات مختلفة.

في الحالة الأولى، لن يضيف المدافعون عن النظام الكثير لجبهته. سيساهمون في تقويةٍ ما له. لكن نقطة ضعفها انها ليست تقوية نوعية، بل كمية، في مواجهة قوة كمية ونوعية.
في الحالة الثانية، فإن الانسلاخ، لا سيَّما الانتهازي، من جبهة دعم النظام، سينصب في خانة اضعافه في حالة تم استيعاب المُكوِِّن المنسلخ في الكيان التنظيمي التمثيلي (ذي الرؤى السياسية المُتباينة، إن لم تكن المتناقضة)، للمعارضة. لكن هذا الاستيعاب، فيما سيكون ذا فائدة تاكتيكية لهزيمة "النظام"، فإنه لن يكون ذا فائدة إستراتيجية في عملية (بُرُسِّس) هزيمة "المنظومة"، التي يشكل هذا النظام، مثلما تشكل أُطر تنظيمية في المعارضة الراهنة (بما في ذلك تلك التي لم نتبَيَّنها بعد) أحد أوجهها.

إذن، ما هو الأكثر كلفة في الحالتين؟

في اعتقادي، ان الأكثر كلفة هو استيعاب هذا المُكوِِّن (متبني الموقف الثاني) في الجبهة الماثلة للمعارضة. وذلك لأن هذا من شأنه أن يعيق ليس أحلام الشارع الثائر موضوعياً، فحسب، وإنما سيغدو إحدى المصادر، الإستراتيجية، لتقوية المنظومة الرجعية، ومن ثم ضمان إعادة إنتاجها، بمعني هيمنتها، بصور أو أُطر مختلفة.

غير أنه، في تقديري، أن المعارضة، النوعية، وهي حاضرة (التي لا أعتقد انها جامعة مانعة، لأسباب متعددة، جُلها بديهي، من الأفضل التعرض لها في مناسبة أخرى) ستكسب الجولة في النهاية، على نحو يضع الطموحات العامة في طريق ذي عقبات أقل. على أنه من المهم التحسُّب إلى أن كسب مثل هذه الجولة لن يكون أمراً سهلاً. بل هو بالغ الصعوبة، ومن المستبعد أن يحدث، في تقديري، بضربة واحدة، ذلك أن الجولة المعنية (هزيمة النظام) تتضمَّن جولات، هي الأهم عقب الانتصار.

أما فيما يخص موقف المكون الثالث (وهذا ليس ترتيباً رياضياً صارماً) فإنني سأتناوله من وجهة أخرى، تتفق وتختلف مع ما طرحتماه.
أولاً، أرى ان الحياد، هنا، ليس في صالح النظام (وإنْ في صالح المنظومة). الشارع المغبون، الثائر، ذو قوة كمية نوعية. الأهم هنا، على تفاوت الكم، أن النوع (وهو متفاوت أيضاً في "نوعيته" هذه) يتمتع بقوة ملموسة (على ما اعتراها ويعتريها، من احتمالات، بما في ذلك أقصى درجات التراجع) هو ما سيسود في نهاية هذه - بالأحرى تلك - المعركة.

ما أقصد بتوصيف "النوع"، هنا، لا يمت للمفهوم الدارج ل"الفئوية" بصلة دارجة. غير أنه يستوعب ما هو تصنيف دارج، لكن كأحد العناصر فقط، للقوى النوعية، تلك التي تشمل الكيان الاجتماعي-الثقافي، العريض، وهو عريض جداً، بما يصيَّره قوة، الذي ابتكر تيار عام، فاعل فيه، شعار "أي كوز ندوسو دوس".

مقابل فاتحتي، "أتقبَّلُ"، ليس هناك "لا أتقبَّلُ". لا أعني، بهذا، انني أتطلع إلى، أو أشتهي أن يحدث، أو أحض على"انتقام أهوج". إنما أقترح الحث نحو تعويض منهجي للمصادر المركبة لغبننا الموضوعي. هنا أتفق معكما، لكن دون أن أساهم في تجريد هذا الشارعنا من أحد أمَضِّ أسلحته. وهذا الشارع، الذي بعضٌ من لسان حاله يقول ذلك، هو نفس الشارع الذي لم يفعل هذا "الدوس" حينما كان، وما يزال، بإمكانه أن يفعل، وتشهد على هذا حوادث موثقة، بصرياً وصوتياً، في العباسية وبري، كمثالين فاقعين.

وفي هذا نموذج، ليس نادراً، لما يتطلع إليه اقتراحكما.

الأهم، من جهة واقعية، أن نضع في حسباننا أنه ليس من المرجح أن يحظى هذا الشعار الرادكالي بتطبيق عملي له في واقع ما بعد سقوط النظام، على الأقل ليس بسبب تلك-هذه الروح الثورية النموذجية، وإنما بسبب أنه ليس من الممكن تطبيقه، من قبل السلطة، المركبة، المتوقَّعة، في حالة سقوط النظام.

ما أعني: إذا نجحت الإستراتيجية الحالية، ممثلة سواء في "تجمع المهنيين"، أو في "قوى إعلان الحرية والتغيير"، أو في الصيغة التمثيلية الانتقالية المرتقَبة، في تسنُّم السلطة، بعد أن يسقط هذا النظام، فإنه لن يكون بوسعها، لطبيعة تكونها (التي ستساهم، بنسبة تقل أو تكثر، في عدم تقويض المنظومة)، ممارسة ما يعرف في تجارب ملموسة على المستوى الأعرض، ب"الشرعية الثورية"، الكفيلة، وحدها، بتحويل مثل ذلك-هذا الشعار الى ممارسة. والسبب ظاهر:

الكيان التنظيمي الذي يمارس الشرعية الثورية، هو كيان يتمتع بأعلى درجة من درجات الانسجام والرادكالية، على المستوى الهيكلي-القيادي: الثورة الفرنسية، الثورة الروسية، الثورة الصينية، الثورة الكوبية، الثورة الإيرانية، على سبيل الأمثلة الأكثر حضوراً في الذاكرة العالمية.

القيادة الأكثر فاعلية عندنا، حالياً، هي عبارة عن تجمع المهنيين، لكن مستوى انسجامها الداخلى - أتصور هذا - يتمحور في مهمة اسقاط النظام. بهذا المعنى، فإنه، و"القوى الخارجية" (ليس بمعنى غير السودانية، بل بمعنى المُخْضَعَة إقليمياً ودولياً) المتحالفة معها، لن يكون بوسعها ممارسة الشرعية الثورية، تلك التي يمكن أن تدوس أي كوز.

ما أقترح أن ندفع بإتجاهه يتمثَّل في أن نحُضَّ تجمعنا هذا بإتجاه وضع إستراتيجيات، للغد، من شأنها أن تساهم، بصورة فاعلة، في تحويل الإسلامي - أيِّ إسلامي - وليس الكوز وحده، لاسيَّما القاعدي، إلى مسلم، إلى شخص معافىً بقدر الإمكان، ينحصر معنى كونه مسلم، في واحدة - واحدة فقط - من أجَلِّ الإستراتيجيات الروحية الإنسانية، التي تجعل معتنقها - الفرد - يقول: "أنا أتمتَّع بطاقة روحية، بسببٍ من كوني مسلم، تميزُّني أفقياً، لكن ليس رأسياً". وهي - الطاقة، البطاقة الخاصة - مهما تكن نسبة عموميتها، تضع كل مواطن، بهذا المغزى، في الموضع الذي تستأهله الإنسانية.

لهذا، فإنني أقترح نسخةً أفضل، من العلمانية، اليسارية، غير الرجراجة، غير المخادعة، غير الدوغمائية، غير، وغير، هي، وحدها، فيما أرى، التي بوسعها فعل هذا، ليس كمحصِّلةٍ، نهائية مغلقة، وإنما كإطارٍ، أقرب لبُرُسِّس، لعمليةٍ، نحو تطور تُحمَد عواقبه.


عدل من قبل عادل القصاص في الاحد مارس 31, 2019 5:43 am, عدل 2 مرة/مرات
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الخميس مارس 28, 2019 2:25 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

تعقيب من د. حيدر بدوي صادق على مداخلة عادل القصاص:





شكراً عزيزنا عادل على هذا الرأي الضافي المكتوب بتفكر وصدق عميقين.

وأكثر ما شدني فيه هو قتراحك بأن ندفع التجمع في اتجاه وضع استراتيجيات للغد تساهم بصورة فاعلة في أن تجعل المسلم المهووس مسلماً، مسالماً، صحيح البنية النفسية، ممدود بطاقة روحية تميزه أفقياً، لا رأسياً.

وهذا في ظننا لن يتحقق والخوف والتوجس يعشعشان في النفوس. "ندوسو دوس...." على الرغم من أنها عبارة صادقة، تولّدت من رحم القمع، إلا أنها قد تؤخر مسير المسلم المهووس نحو أن يصبح مسلماً "مروحناً،" مسالماً، يتميز "أفقياً" بروحانية تجعله يضيف لرصيد الثورة، ولا يخصم منها.

على أية حال، نحن نعوّل على أن الثورة سوف تنقح خطابها بمرور الوقت مثلما هذبت سلوكها.

أشكرك مجدداً!
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: السبت مارس 30, 2019 2:50 pm    موضوع الرسالة: منو البدوس منو؟ رد مع اشارة الى الموضوع



منو البدوس منو؟

سلام يا عادل و شكرا لك على جلب هذه المناقشة المهمة لفضاء المنازعة الفكرية المبذول للجميع، ذلك أننا لمسنا ، في السنوات الأخيرة أن تعدد المنابر الخصوصية الـ " مُقَرْبـَنـَة" [ من الإنضواء في " قُروب" منغلق على أعضائه]، صار يحرم الكثيرين من متابعة المناقشات المقربنة بذريعة كونهم ليسوا اعضاء في القروب الذي يتم فيه النقاش.و ربما كانت للقروبات المنغلقة على اعضائها حسنة مُتخيّلة في حمايتهم من بطش السلطات المتحالفات مع نظام الرجوع المتسربل بسرابيل الإسلام .و في مشهد التقية هاك «  هيهات » كبيرة من طرف أخواننا الذين اعترضتهم سلطات ممالك و أمارات و تشاشات الشرق الأوسط بسبب معارضتهم للنظام السوداني و فيهم من تم اعتقاله و طرده[ وليد الحسين الدود محرر «  الراكوبة الإلكترونية"،مارس 2016 ]ـ مثلما فيهم من أعتُقل وسُلّم لأجهزة أمن نظام البشير [هشام علي ود قلبا ، نوفمبر 2017] بينما ملايين السودانيين المعارضين في مهاجر النفط صامتون عن أي «  بغم » قد تجر عليهم قطع الأرزاق و "الخواف ـ كما في حكمة الأهالي ـ ربّى عياله" [ و هيهات و ستين هيهات ، كون الخوف رحّال لا يعرف الإستقرار ، و ترجمتها في لغة الكردفانيين "الفولة أبتنملي و المستثمرين بجوا »و ذاكرة الشعب طويلة].المهم يا زول، أنت أدرى بأن أعداد كبيرة من معارضي نظام الإسلاميين السودانيين يقيم و يقتات من عمله بين ظهراني حلفاء النظام السوداني الدموي الذي " أكل خريفه" لكنه ما زال واقفا بجاه حلفاء إقليميين و دوليين يتوسمون فيه منافع سياسية و ستراتيجية زائفة مثل ضمان استقرار البلاد ضد مخاطر "الصوملة" و "اللبينة" أو التعاون مع الإرهابيين العلمانيين على"محاربة الإرهاب الإسلامي" أو " إيقاف سيل المهاجرين الأفارقة إلى شمالي المتوسط" و غيرها من إلتباسات جيوبوليتيك الشرق الأوسط الإرادية و غير الإرادية.
لو كان لجيوبوليتيك الشرق الأوسط [إقرأ : "جيوبوليتيك النفط »] حسنة واحدة فهي في كونه لا يستقر على حال، و ذلك لأن حساباته مبنية على مصالح جملة من التحالفات السياسية و الإقتصادية بين انظمة إقليمية بالغة الهشاشة في الجنوب و أنظمة دولية ، في الشمال، هي قوية ماديا و منحطة أخلاقيا لا تطيق رؤية العالم خارج مشهد الإفتراس، إفتراس الموارد و الثروات المادية و الرمزية للمجتمعات التي كانت مستعمراتهم حتى منتصف القرن العشرين.
في العالم الذي يهيمن عليه المجرمون و القتلة و قطاعي الطرق يبدو " حرامية" السودان مثل ترس صغير في الآلة الحربية البالغة التعقيد التي اطلقتها دوائر راس المال المعولم على مجتمعات الفقراء في الجنوب. و قد قرأت مقالة مهمة لصديقنا الدكتور عبد الله علي ابراهيم يشير فيها لزيف خطاب الإسلاميين السودانيين الذي يصورهم في حال مواجهة مع الغرب بينما هم في الواقع مجرد عملاء محليون ممتثلون يحرسون مصالح دوائر رأس المال المعولم في السودان. كتب عبد الله :




"
لعب علينا البشير كرت استعلاء نظامه على الخضوع للمستكبرين لعزته بدينه مما أوقعه في هذه المشقة على المواطنين. وما كان ليلعب علينا بالكرت لو عرفنا أن هذه المشقة هي ما أملاه عليه وفد من صندوق النقد الدولي لم يجف حبر أوراق أوامره للإنقاذ برفع الدعم بعد. فلو عرفنا أن نظام البشير مفطوم على هذا الخضوع عند مولده لما حرقنا له هذا الكرت وحسب بل لعرفنا عن نظام الإنقاذ بأفضل مما عرفنا. لقد حاسبناه لعقود كنظام خالف مطوطو في محليته و"داعشيته" بينما هو غارق حتى أذنيه في حداثة مركز المال العالمي وتدبيره.
.."

رابط كلمة عبد الله في منبر سودان الجميع

http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=9723&highlight=&sid=641a5764df187d3d8e5be6a55ccf655d

خلاصة قولي هي أن معركة المتظاهرين السلمية ضد نظام الحرامية في الخرطوم هي في حقيقتها معركة بالغة التركيب لأن نظام اسلاميي الخرطوم يحارب الشعب و ظهره مسنود بسلسلة من الحلفاء المحليين الشغالين بمنطق "عصاية قايمة" في المعارضة و "عصاية نايمة" في دهاليز النظام. بينما عينهم على الإنتخابات الديموقراطية القادمة بعد سقوط نظام البشير.و لا تستغرب لو جلبت لنا الإنتخابات القادمة " أولاد سيدي" فلان و سيدي فلتكان ليحكموننا باسم الديموقراطية التي يموت الشباب المتظاهرون من أجلها اليوم في شوارع الخرطوم.طبعا هذا الإحتمال ليس سببا للكفر بالديموقراطية لأننا نعرف ان القشرانية ليست سوى بداية المسار نحو الحرية و السلام و العدالة التي يصبو إليها هذا الشعب الصابر على المكاره. طبعا " الجماعة الطيبين" من حلفاء نظام الإسلاميين السودانيين يعرفون ايضا أن الديموقراطية ما هي إلا مرحلة جديدة من مراحل الصراع بين السادة و المسودين في بلادنا [ و في بلادهم أيضا]. و في هذا المشهد كتب علينا أن نرهقهم صعودا حتى يرتقوا لقدر الإنسان فيهم و يقبلوا طوعا منطق الشراكة العادلة و السلام و الحرية للجميع. الديموقراطية هي ساحة المنازعة الجديدة مع حراس الرجوع و وكلاء دوائر رأس المال المعولم و من لف لفهم من القتلة و الحرامية و أراذل الطفيليين المتسربلين بسرابيل الإسلام.

في هذا المنظور المحلي /المعولم في آن، أعود لمناقشتكم أنت و حيدر و قاسم. و هي مناقشة جليلة كونها تفتح باب التفاكير في عواقب سقوط نظام الإسلاميين و ما ينبغي على السودانيين إتخاذه من مواقف بغاية تجنب التشظي و الفرقة داخل مجتمع السودانيين. أول ما أثار انتباهي في المناقشة هو اتفاقكم على حتمية سقوط نظام الإسلاميين لمجرد أن الشعب خرج في تظاهر سلمي و قدم عشرات الشهداء في سبيل الحرية و العدالة و السلام.و أسقاط النظام الإسلامي في السودان حلم عزيز على كافة الديموقراطيين السودانيين و غير السودانيين، لكن الحلم العزيز الذي يحمّس الناس على الخروج ضد النظام مخاطرين بارواحهم لا يؤدّي في منظور إسقاط النظام ، حتى و لو سقطت دولة عمر البشير في الأسابيع القادمة.ذلك أنكم تعرفون ، بحكم خبراتكم السياسية الطويلة أن تدبير أمور السياسة في فترة ما بعد سقوط دولة الإسلاميين الراهنة يتطلب إجراء فرز سياسي دقيق على أساسه يتم تنظيم التحالفات السياسية القادمة. هذا الفرز السياسي غائب عن أدب الحراك السياسي الراهن الذي يمكن تلخيص أولوياته في الشعار الشعبي العريض : »تسقط بس" و بعدين الله كريم.و هو شعار ذكي كونه يوحد جبهة المعارضين على هدف واحد هو الحد الأدنى للإتفاق السياسي الشعبي الراهن.ضمن هذا الإتفاق الأدنى ساغ لتجمع المهنيين ان يكون و أن يفعل فعله في الفضاء العام بكفاءة سياسية عالية.و ضمن هذا الإتفاق ساغ لنفر من الإسلاميين الذين "انسلخوا "عن إنتماء آيديولوجي اسلامي سالف، ساغ لهم أن يقفوا في صف المعارضين لنظام كانوا من سدنته قبل الثورة، مثلما ساغ لسياسي في وزن الصادق المهدي أن يواصل " كفاحه" الغميس مع المتظاهرين و عياله مواصلين " كفاحهم" مع النظام، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.ضمن هذا الإتفاق ساغ لنا أن نتساءل عن مصير الإسلاميين في المشهد السياسي السوداني القادم، فماذا نحن صانعون بهؤلاء الناس؟ هل "ندوسهم دوس" حسب منطق الشعار الإنتقامي المطروح بين الشباب الغاضبين الذين يعرضون صدورهم للرصاص ؟ أم نغفر لهم خطاياهم و كافة تجاوزاتهم على منطق "عفا الله عما سلف" و "نناقشهم و نقنعهم بإتباع سبيل الديموقراطية؟
يقول الأخوان حيدر و قاسم ان دعوتهم " هي دعوة للانتقال من مربع "أي كوز ندوسو دوس" إلى مربع "أي زول نناقشو بس!" هذا هو السبيل الوحيد لاقتلاع نظام الهوس الديني من الجذور".أنا شخصيا افضل مبدأ المناقشة الديموقراطية، لكني ،في نفس الوقت ،لا أملك أن أحظر مبدأ " السن بالسن و العين بالعين"على الأشخاص الذين ظلوا ، عبر سنين التمكين الإسلاموي ، ظلوا يراكمون غبائن الإذلال المادي و الرمزي لمجرد كونهم لا يفكرون مثل الإسلاميين. لست في موقع يؤهلني لأن أعفو عن من أجرم في حق الآخرين ، إذ وحده الضحية يملك حق العفو عن المعتدي [ "و هيهات" تاني].
أما منطق الإقناع بالتي هي احسن، فهو سليم مبدئيا لولا أن خلله يكمن في كونه يفترض فضاءا موضوعيا للحوار مع اسلاميين افترض كاتبا المقال انهم زهدوا في قهر الخصوم بالقوة و جنحوا للحوار السلمي. و هو امر فيه قولان، وربما ثلاثة بالنظر لعدد الإسلاميين الذين اعلنوا على الملأ أنهم هجروا منطق قهر الخصوم بالقوة لمنطق محاورتهم بالطريقة الديموقراطية. و هذه الوضعية تجرنالضرورة الفرز النقدي في خصوص نوعية الأطراف المؤهلة لعملية الحوار السلمي من اجل الديموقراطية.يعني بالعربي كدا ، أي زول جاي يتحاور ديموقراطيا مفروض يجاوب على سؤال الطيب صالح الشهير" من أين أتى هؤلاء الناس؟" و يقول : "يا جماعة انا فلان و جيت من الحتة الفلانية و عاوز أحاوركم من الموقع الفلاني". و بالمناسبة دي يا عادل ، ياخي كمّل جميلك و قدّم لينا ضيوفك الكرام ديل، هم منم ؟و من أين أتوا؟و ماشين لي وين؟ إلى آخر كلام الشعراء.

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الاثنين ابريل 01, 2019 5:17 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

شكرا يا حسن على هذه المداخلة المحفِّزة، ربما المقدمة، التي لها أكثر من بعد جدير بمناقشات أوسع (لا سيما ظاهرة القرْبَنة). وأعد بالمشاركة والمتابعة، غالباً بعد عودتك.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 02, 2019 5:25 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع


السطور التالية تضم نبذة عن كل من حيدر وقاسم، الذين يعود إليهما المقال الذي تسبب في هذا الخيط:



د. حيدر بدوي صادق:

—جمهوري، من تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، منذ ١٩٧٧.
—عضو في الحركة الشعبية.
—من مؤسسي "حق".
—أستاذ جامعي وباحث في الإعلام والشؤون الدولية (عمل في عدة جامعات أمريكية، وعدة جامعات خليجية. حالياً في قسم الإعلام بجامعة قطر). قبلها عمل معيداً في جامعة الخرطوم، قسم علم الاجتماع.
—دبلوماسي سابق في الخارجية السودانية.



----------------


قاسم يوسف أحمد المصطفى:

—من المهمومين بقضايا التحوُّل الديموقراطي والعدالة الاجتماعية في السودان.
—يشتغل الآن على بحث لنيل درجة الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة الخرطوم بإشراف بروفيسور عبد الغفار محمد أحمد.

(قاسم هو الشقيق الأصغر لدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى، أحد الناشطين البارزين في تجمُّع المهنيين. والإشارة الأخيرة لم يقتضيها سوى التنويه إلى مناسبة كتابة المقال الذي أُفتُتِحَ به هذا الخيط، حيث كان قاسم قد سرد بعض وقائع زيارة بعضٍ من أفراد أسرته لمحمد يوسف في معتقله الراهن بسجن كوبر على حيدر، مما أدى بالأخير ليقترح على قاسم هذه الكتابة المشتركة).
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 02, 2019 9:03 am    موضوع الرسالة: شكرا يا عادل رد مع اشارة الى الموضوع

شاكرا يا عادل و سأعود بمجرد رجوعي للدار
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 228

نشرةارسل: الثلاثاء ابريل 02, 2019 6:52 pm    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سلام يا عادل وحسن

اثار شعار " اى كوز ، ندوسو دوس "مخاوف بل رعب الكيزان . فتفوه بؤسهم المقيم متناولا له بالشكوى . فتكلم حسين خوجلى ومصطفى البطل وخال الرئيس الخ . وعلق عليه السر السيد قائلا انه مستورد من ممارسة العنف فى تجربة الحزب اﻻسلامى وحكومته القائمة ( او كما قال) . فرد عليهم زميلهم اﻻيديولوجى البارع دكتور الطيب زين العابدين كاتبا :
"بحصوص شعار كوز ندوسو دوس تحديداً يجب أن اوضح ما اعتقد ان الكثيرين يعلمونه مسبقاً بالذات اولئك الذين جعلوا من هذا الشعار حجة و مآخذ علي الثورة و كانه احد بنود ميثاق الحرية و التغيير او كانه احد اهداف الثورة و هم في الحقيقة يعلمون انه ليس كذلك و يعلمون انه شعار مقاومة و شعار تحدي للالة القمعية و شعار تحدي للرصاص و شعار يحث به المتظاهرين السلميين بعضهم البعض علي الثبات في وجه الرصاص مرددين معه الطلقة ما بتكتل و ما بنخاف ما بنخاف من رصاصكم و من ارهابكم و من الموت الذي توزعون باسم الدين في الشوارع علي متظاهرين سلميين مطالبين بمطالب مشروعة و عادلة و مستحقة ..اقولها لهؤلاء بكل وشوح ما تخشونه ليس دوس جسدي و انما دوس قانوني و محاسبة و دوس للفساد و ليس للاجساد و ما تحاولون إقناع جماهير الحركة الإسلامية به هو ان هذه ثورة انتقامية موجهة لتطهير أشبه بالعرقي مع اختلاف انه فكري و قواعدكم ليست بالغباء الذي تتصورون و ان كان فيها قطاع كبير من المخدوعين من قبل قلة من المخادعين انتم جزء منهم ..اما عن الاقصاء و ما ادراك ما الاقصاء فالحركة الإسلامية هي وحدها من يمكنها اقصاء نفسها و عزلها عن المستقبل و عن هذا الحراك الذي يسع الجميع و الذي هو ليس ضد فكر و انما ضد فساد فالاجماع هو أننا حركة تغيير شعبية تضم كل مكونات المجتمع السياسية و الفكرية و يغلب علي هذا الحراك الاستقلالية و هذا دافع آخر للاسلاميين ان لا يعزلوا انفسهم عنه لانهم بذلك يتركون هؤلاء المستقلين الشباب الذين هم دينمو هذه الثورة كداعم مرتقب للمنافسة السياسية التي سوف تحدث في ظل الممارسة الديمقراطية القادمة "

الطيب زين العابدين

https://www.facebook.com/altayar.sd/posts/1592732904194374


اتابع
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
Isam Ali



اشترك في: 04 مارس 2007
مشاركات: 228

نشرةارسل: الخميس ابريل 04, 2019 9:14 am    موضوع الرسالة: الإقصاء والعزل السياسي رد مع اشارة الى الموضوع

وهذه كتابة منشورة فى الجرايد السيارة




الإقصاء والعزل السياسي
محمد خطاب
---------------
أصبحت كلمة *الإقصاء* تُشكِّل هاجسآ للإسلامويين، و شغلهم الشاغل في صحوهم ومنامهم، و لا تغادر مخيلتهم و منطوقهم و مكتوبهم للحظة.
فقد وردت كلمة *إقصاء* ثلاث مرات في خطاب رئيس النظام في 22 فبراير، كما تكررت مرادفة لها *"الخيار الصفري"*، كإشارة لمدلولات *تسقط بس* ، أيضآ ثلاث مرات.
كما توجس منها و أستنكرها علي الحاج في مذكرته لرئيس النظام، مرورآ بإستهجان الفكرة من حسين خوجلي و الطاهر التوم.
و الهاجس ليس بقاصر علي من هم في السلطة اليوم، بل يمتد لقياداتهم التي غادرت صفوفهم مؤخرآ، متوجسة من مترتبات احداث سبتمبر 2013 بدءآ و أحداث ديسمبر 2018 مؤخرآ، سعيآ منهم لتجاوز دفع مستحقات التغيير القادم لا ريب. فبعض الجرائم لا تسقط بالتقادم.
*و من هنا سعيهم الحثيث للتواصل مع بعض اطراف المعارضة، "ليتحاووا" بها لحفظ مكانة لهم في الخرطة السياسية القادمة، دون دفع مستحقات التغيير.*
فالإقصاء، يستتبعه وضعهم في قفص الإتهام إلي أن تتم التحقيقات في دور كل منهم في السجِل الإجرامي لنظامهم، ليتبين جرم أو براءة كل منهم.
فهاجس الإقصاء يأتي من ما قد يترتب علي كل من ثبت جرمه، من تجريد من أموال الشعب المنهوبة و كل مكتسبات التمكين. أما من ولغوا في الدماء و التعذيب و الجرائم الكبري، فهذا شأن آخر، تتكفل به العدالة الجنائية و الإنتقالية، وفقآ لطبيعته، في الشأن الخاص و العام.
إذ تتفاوت أدوارهم في سجل الجرائم المرتكبة منذ فجر 30 يونيو 1989، بدءآ بتقويض الدستور والإنقلاب علي سلطة منتخبة، لتستشري جرائمهم مابين القتل و التعذيب و الإغتصاب و إجتثاث الآخر بمصادرة مقومات الحياة، من نزع الأراضي و الفصل من الخدمة، و سرقة و نهب المال العام و التفريط في سيادة الدولة و وحدة أراضيها و مواردها من أراضٍ و مؤسسات و مُقدرات. و ما أثاروا من نعرات العنصرية و القبلية و التفرقة الدينية، فهددوا النسيج و السلام الإجتماعي. ومحاولات محو المكون الثقافي بإجتثاث فكر الآخر، لإعادة صياغة الإنسان السوداني، مرورآ بمن استحوزوا المناصب و الإمتيازات بالتمكين، و من دعموا الإرهاب و أستضافوا الإرهابيين و تواطئوا علي زعزعة وتهديد أمن وسلامة دول الجوار، بالتورط في جرائم القتل و الإرتزاق، إنتهاءآ بمن تواطؤا بالصمت عن جريمة يعلمون ميقاتها لتقويض الدستور.
فليتم التغيير، سنحتاج لإجراءت تكفل توفر أجواء صحية تتيح التعامل مع جرائمهم و تصفية آثارها خلال الفترة الإنتقالية، مما يتطلب أن تُغل فيها أيديهم لنتمكن من تصفية دولتهم العميقة التي يمكن أن يوظفوها لهزيمة الثورة.
بسن القوانين و إنشاء المحاكم المتخصصة للتعامل معهم *وفقآ للقانون.* ، من تشريعات محلية و دولية، مستعينين بالقانون الدولي و آلياته من عدالة إنتقالية و عزل سياسي، (إقصاء).
إذ عرفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها: “… *كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع، لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة، وتحقيق المصالحة[i].”*
وهذا يتطلب بعض الإجراءات و العزل السياسي خلال المرحلة الإنتقالية:
- بدءآ بمنع تأسيس أي حزب علي أساس ديني، وهو ما سبق ان توافقت عليه المعارضة السياسية و المدنية والعسكرية، وفقما ورد في البند 3-ب، مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، يونيو 1995. و أيضآ توافقهم علي فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم إستغلال الدين في السياسة، كما في البند 3. الدين والدولة، ميثاق الفجر الجديد، يناير 2013.
- والحجز علي أموالهم وثرواتهم المنهوبة من أموال وموارد الشعب، و مواردهم و إمكانياتهم المالية الأخري كالشركات الإنتاجية والتجارية و الخدمية و المؤسسات المالية و البنوك،(قياسآ علي تجربة بنوك العيش خلال اليمقراطية الثالثة)، كي لا يسيطروا و يؤثروا علي مفاتيح الإقتصاد عبر خلق الندرة والتلاعب بسعر الصرف، ... الخ.
- السيطرة علي و تصفية ماكينتهم الثقافية الإعلامية، من قنوات تلفزيونية و إذاعية و صحافة، و التي يمكن ان تلعب دورآ معاديآ للثورة. (دور جريدتي الراية و ألوان في إجهاض الديمقراطية الثالثة، و المركز الإسلامي الذي سُجل به بيان إنقلابهم).
- منع و تجريم أي صلة بالمؤسسات العسكرية و النظامية، (كزيارات علي عثمان المكوكية لمعسكرات الجيش تمهيدآ لإنقلابهم علي الديمقراطية الثالثة).
و كافة إمكانياتهم التي يمكن أن يو ظفوها سياسيآ و إقتصاديآ و إعلاميآ .... الخ.
*و أيضآ العمل علي سن قانون ، يُقصي و يُعزل سياسيآ، و يُمنع كل من شارك في تقويض دستورنا و الإنقلاب علي نظامنا الديمقراطي وحكومتنا المنتخبة من تسنم مناصب لأي سلطة سيادية أو تشريعية أو تنفيذية أو قضائية و عزل قياداتهم في هذه الأجهزة التي وصلوها بالتمكين. و عدم ممارسة أي عمل سياسي، طوال الفترة الإنتقالية كي لايعيق تنفيذ برنامج ثورتنا أو يؤثر علي مخرجات عدالتنا الإنتقالية، حتي تثبت براءته من دمنا ومالنا وعرضنا.*
ولا مغالاة في ذلك، فأبسط موظف محدود المسئولية يُطعن في أدائه، يتم إيقافه عن العمل بموجب قانون العمل لحين إكتمال التحري والتحقيق معه، ولايُعاد للخدمة إلا إذا ثبتت براءته.
فما بالك بمن خرق الدستور و وفرّط في وحدة و سيادة البلاد و نهب الثروات و عذب العباد و وهتك الأعراض و ولغ في دماء الشهداء.
إقصاء و عزل سياسي ومنع من المنصب العام و المتاجرة بإسم الدين خلال الفترة الإنتقالية.
لأربعة أعوام فقط، في مقابل ثلاث عقوذ نصبوا فيها أنفسهم وكلاء لله علي الأرضي.
لحين إنجاز مهامها وعقد مؤتمرها الدستوري الذي سينظم أسس عمل الأحزاب ضمنآ.
وكل ذلك في إطار القانون،
إذ يأتي العزل السياسي،(الإقصاء) ضمن و كشرط مكمل للعدالة الانتقالية، في القانون الدولي، و بنود ملحق: *مبادئ شيكاغو لعدالة ما بعد النزاعات* :
والذي ينص علي:
*مبدأ ١: تحاكم الدول، المرتكبين المشتبه بهم للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.*
*مبدأ ٤: يجب على الدول أن تنفذ سياسات للتنحية، والعقوبات، والإجراءات الإدارية.*
في هذين المبدأين نرى تداخل وتكامل بين العدالة الانتقالية، و الإقصاء والعزل السياسي، بما يخدم العدالة في عملية الانتقال.
*فعلي قوي المعارضة و قياداتها ان تعي ذلك، و تعمل وفقآ له ليتحقق الإنتقال وكي لا تسهم في إعادة إنتاج الأزمة.*
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: الاحد ابريل 07, 2019 6:55 pm    موضوع الرسالة: محمد محمود في الرد على الطيب زين العابدين رد مع اشارة الى الموضوع



اشار علي بعض الأصدقاء بإعادة نشر مقال الصديق محمد محمود في هذا الخيط كونه يسهم في استكمال اللوحة الكبيرة للمنازعة الجارية في الموقف من الإسلاميين في المرحلة القادمة التي تلي سقوط نظامهم الذي دام عقودا ثلاثة. و أرجو ان نسعى لتجميع المساهمات المختلفة بسبيل تنوير المناقشة بالتفاكير المتنوعة في هذا الأمر البالغ التركيب,









في الرد على بروفيسر الطيب زين العابدين


محمد محمود
1
تستحق مقالة البروفيسر الطيب زين العابدين المعنونة «بخصوص المخاوف الموضوعية والمصطنعة وبخصوص توجسات الإسلاميين وبخصوص شعار أي كوز ندوسو» (والمنشورة في الراكوبة بتاريخ 29 مارس 2019 )،الوقفة والردّ لأربعة أسباب: لثقل بروفيسر الطيب ومكانته في حركة الإخوان المسلمين (أو الحركة الإسلامية، وسنستخدم التعبيرين كمترادفين في هذه المقالة)، وللموقف الذي اختاره، وللرسالة الصريحة التي يوّجهها للإسلاميين،وللرسالةالضمنيةالتي يوجهها لباقي السودانيين.
وبروفيسر الطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، من الممكن أن يعتبر بمثابة الأب الروحي لذلك التيار المحدود العدد من المثقفين الإسلاميين الذين استطاعوا ومنذ بدء انفجار أزمة «الخلافة» وسط الحركة الإسلامية (ما أسموه المفاصلة) أن يلمسوا ويكتبوا عن فشل النظام العسكري الإسلامي الذي فرضته حركتهم بقيادة حسن الترابي على السودان. ولعل مما ساعد بروفيسر الطيب على ذلك أنه لم يكن أصلا متحمّسا لفكرة الانقلاب التي كان قد أبدى معارضته لها إبّان فترة التداول والتحضير للانقلاب الذي سانده بعد نجاحه. ولقد كتب مقالة بعنوان «الإنقاذ وأزمة الحكم في السودان» في عدد خاص من مجلة قضايا دولية (وهي إحدى مطبوعات حركة الإخوان المسلمين العالمية وتصدر من الباكستان) صدر بمناسبة مرور أربعة أعوام على انقلاب العميد عمر البشير. وفي تبرير الانقلاب على الشرعية الديمقراطية يقول: «وجاءت حكومة الإنقاذ الوطني والبلاد تعاني من تمرد زاحف في جنوب السودان، وانفراط في عقد الأمن في غرب السودان، وأزمة اقتصادية، وفوضى سياسية، وما كان غريب افي تلك الأوضاع أن يتقّدم الجيش لاستلام السلطة إذ أن الجيش نفسه تعرض إلى مهانة شديدة بسبب الهزائم المتكررة التي لحقته على يد المتمردين.»
(قضايا
دولية، العدد 187، أغسطس 1993، ص 68).
وبعد تقديم هذه التبريرات المألوفة التي ظلت آلة الإسلاميين الإعلامية تكررها منذاليوم الأول للانقلاب شرع في تعداد ماحّققه النظام،وقد لخّصه في خمس نقاط مألوفة لكل من تابع مادة النظام الدعائية في تلك الفترة المبكّرة من فترات ثقة النظام ومنّظريه بقدراته.وهذه النقاط هي:
1.«رفع كفاءة القوات المسلحة ودعمها بقوات الدفاع الشعبي مما أدى إلى كسر شوكة التمرد العسكر ية ... إن الوضع في جنوب السودان يختلف كثيرا عما كان عليه في حزيران / يونيو 89 بالرغم من سيطرة المتمردين على بعض المواقع في أعالي النيل وفي الاستوائية وانتشار المجاعة في
المناطق التي يسيطر عليها التمرد. كما أن التمرد كاد أن ينتهي تماما في جنوب كردفان.»؛
2. «استتب الأمن في ولاية دارفور التي كانت تعاني من صراع مسلح بين القبائل ومن نهب مسلح بسبب انتشار السلاح في المنطقة وتوقف العمل الزراعي ... »؛
3. «اتخذت الحكومة برنامجا اقتصاديا واضحا يقوم على الاعتماد على النفس وتشجيع الانتاج الزراعي وتحرير الاقتصاد والتخلص من مللكية الدولة للمشروعات الاقتصادية. ونجح البرنامج في رفع نسبة النمو الاقتصادي، وفي الاكتفاء من الحبوب الغذائية ... وحدث اكتفاء في إنتاج السكر. ويظل النجاح الاقتصادي نسبيا إلى حد كبير لأن الحكومة تواجه شبه مقاطعة اقتصادية غير معلنة من الدول الغربية ومؤسسات التمويل العالمية ... »؛
4. «استطاعت حكومة الإنقاذ أن توسع قاعدة التعليم العالي بصورةكبيرة إذ فتحت سبع جامعات جديدة في الأقاليم وضاعفت القبول في الجامعات ... »؛
5. «في المجال السياسي والفكري تبنت الدولة المنهج الإسلامي كفلسفة للحكم في مجالات الحياة المختلفة ... كما قبلت بالنظام الفدرالي لحل مشكلة الجنوب واستثنائه من تطبيق القوانين ذات الصبغة الدينية. وتسعى الدولة إلى تطوير الحكم العسكري القائم إلى نظام مدني لا يسمح بقيام الأحزاب السياسية وللكنه يتيح المجال لانتخابات النواب عن طريق مباشر من دوائر جغرافية، وغير مباشر عن طريق مؤتمرات فئوية واجتماعية. ولقد قامت حتى الآن انتخابات للنقابات والاتحادات ولّلجان الشعبية ولمجالس المدن. وقد وضع النظام خطة استراتيجية قومية شارك فيها عدد كبير من الخبراء وأهل الرأى لتطوير قطاعات الحياة المختلفة لمدة عشر سنوات بدأت في عام 1992 وتنتهي في عام 2002.» ويضيف للنقاط أعلاه أن الحكومة «قد أشاعت ... روح الجدية والعمل بين الناس. وحاربت مظاهر التفسخ والانحطاط الخلقي وشجعت التحصن والعفة عن طريق الزواج الجماعي، وبعثت روح التضحية والجهاد عند كثير من الشباب.»
دعونا نعود الآن لحديث بروفيسر الطيب عن مبررات الانقلاب والتي يختمها بقوله:«وماكان غريبافي تلك الأوضاع أن يتقّدم الجيش لاستلام السلطة إذ أن الجيش نفسه تعرض إلى مهانة شديدة بسبب الهزائم المتكررة التي لحقته على يد المتمردين»، ودعونا نقارن قوله هذا بما قاله في مقابلة صحفية معه بعد ستة عشر عاما وهويتحّدث عن تنفيذ الانقلاب:«وللكن هذاالانقلاب انقلاب كان فيه بعض الاختلاف عن الانقلابات السابقة بالسودان. فالعسكر يون منفذون وهم من يستولون على السلطة ويمكنهم بعدها التحالف مع الاحزاب مثلما حدث في انقلاب مايو 1969 حينما تحالف الرئيس نميري مع القوميين العرب والحزب الشيوعي، وللكن في نهاية الامر كانت السلطة في ايدي اولئك العسكريين. وللكن في انقلاب الانقاذ في يونيو 1989 كان الوضع مختلفا ً — فالسلطة كانت عمليا ً لدى المدنيين الذين لم يظهروا في واجهة السلطة والمتمثلة في قيادة الجبهة الإسلامية وأمينها العام د. حسن الترابي، كما أن الانقلاب قامت به الجبهة الإسلامية من الألف إلى الياء والعسكريون كانوا ذراعاًللتنفيذ فقط، واشترك فيه مجموعةكبيرة من المدنيين يقدر عددها بحوالي الف من كوادر الجبهة الإسلامية.» (موقع سوداريس، 7 سبتمبر 2009). وهكذا يتّضح لنا عند مقارنة القولين تزييف بروفيسر الطيب لواقع الأمر في مقالته عندما قال إن الجيش تقّدم لاستلام السلطة(وكثّف تزييفه بباعث المهانة التي أحس بها الجيش)،
(نفسه، ص 68 – 69).
إذ أن واقع الأمر الذي يكشف عنه في لقائه الصحفي أن الحركة الإسلامية هي التي استلمت السلطة وأن دور الجيش كل «ذراع للتنفيذ» كان أساسا دور تغطية. لقد كذبت الحركة الإسلامية وعسكر يوها على الشعب السوداني بشأن القوة الحقيقية التي قامت بالانقلاب وهو كذب شارك بروفيسر الطيب في ترسيخه عندما كتب مقالته
2
إلا أن تأييد بروفيسر الطيب للنظام في فترته المبكّرة لم يكن تأييد الولاء الأعمى وإنما كان من نوع ما يمكن أن نصفه بالتأييد الإصلاحي. وفي مقالته فإنه ينظر للنظام ويقيّمه في إطارالأزمةاللكبيرة لسودان مابعدالاستقلال الذي ظّل يتأرجح بين قطب َي ديمقراطية تمثيل نيابي تعقبها دكتاتور ية، و يطرح سؤال: «هل حلّت ثورة الإنقاذ هذه الأزمة؟» ويجيب قائلا «إن الإجابة الصادقة الواضحة – رغم تعاطفنا مع ثورة الإنقاذ بسبب اتجاهها الإسلامي – أن شيئا من هذا لم يحدث، فما زال النظام القائم نظاما عسكر يا يرتدي رئيسه البزة العسكر ية، و يتسم بالسمات الأساسية التي عرفت بها الأنظمة العسكرية السابقة، مثل الاعتماد على جهاز الأمن وإعطائه سلطات واسعة في التجسس على الناس وتفتيشهم واعتقالهم والتحقيق معهم، وربما «تأديبهم» بما يتيسر من الوسائل! ... وأجهزة الأمن في كل الأنظمة العسكر ية يسىء بعض أفرادها استغلال هذه السلطات لتحقيق مآرب شخصية، ولا تجرؤ الأنظمة على محاسبة هؤلاء الأفراد علانية ورد الحقوق إلى أهلها. والنظام في السودان ليس استثناء من هذه القاعدة رغم الشعار الإسلامي الذي يرفعه ويحتم عليه أن لا تأخذه في الحق لومة لائم ... قد يقول قائل إن المارسات التأديبية التي وقعت في السودان قليلة إذا ما قورنت ببلاد عربية وإفريقية من حولنا، وأن ما وقع منها كان في العامين الأولين للثورة وقد تقلصت بعد ذاك كثيرا، وأحسب أن هذا صحيح ... » ثم يمضي ليقرر أن «الممارسات التأديبية» في ظل نظام الفريق عبود كانت معدومة وأنها كانت يسيرة في ظل نظام العقيد نميري ليضيف «وللكن ثورة الإنقاذ قد رفعت راية الإسلام عالية فينبغي عليها الالتزام بأحكامه فلا تظلم فردا من الناس في ماله أو نفسه بحجة «الشرعية الثورية» أو تأمين النظام ،وظلم فرد واحد كظلم الناس جميعا. وقد أثبتت تجارب البشر ية أن التأمين الحقيقي للحكم يكون في رد المظالم وإشاعة العدل. وأرى من المسىء لنظام إسلامي أن يقلل من ممارساته القمعية بسبب الضغوط الخارجية عليه من الدول
والمنظمات التي تنافح عن حقوق الإنسان صدقا أو نفاقا!» (نفسه، ص 69).
نلاحظ فيما اقتبسناه أن بروفيسر الطيب يستخدم تعابير مختلفة في وصف النظام فهو «ثورة إنقاذ» (وهو الوصف الرسمي الذي استخدمه الانقلاب منذ يومه الأول ليخفي هُويته الإسلامية)، وهو «ثورة ترفع راية الإسلام»، وهو «نظام يرفع شعارا إسلاميا»، وهو «نظام إسلامي» — وكلها تعابير تؤكد على الهو ية الإسلامية للنظام وإن كان آخرها هو الأصرح والأكثر تأكيدا لهذه الهُوية. والأمر الحاسم بالطبع بالنسبة له هو «إسلامية» النظام، وهذا ما يجعله في نهاية الأمر منحازا له ومدافعا عنه. وفي
الدفاع عن النظام يلجأ بروفيسر الطيب لثلاثة إجراءات.
في عام 1993.
إجراؤه الأول هو ما يمكن وصفه بل «تطبيع النظام» في ذهن قارئه. فهو رغم انتقاده للطبيعة العسكرية للنظام يتجاهل أن هذه «الطبيعة العسكرية» لا تنفصل عن واقع أنه نظام «انقلابي» لا يملك شرعية خارج بأسه وشوكته وقدرته على قهر معارضيه.إن الإدانة المبدئية للانقلاب كوسيلة للوصول للسلطة والتمّسك المبدئي بالديمقراطية لا يخطران في ذهن بروفيسر الطيب وهو يعالج أزمة الحكم في السودان.
وإجراؤه الثاني هو استخدام اللغة استخداما يطمس طبيعة ما يقوم به النظام. وهكذا تجده عندما يتحدث عن جرائم تعذيب المعارضين يتجنب تجنبا تاما استخدام كلمة«تعذيب» ويستخدم تعبيره التمويهي المخّفف :«الممارسات التأديبية»،وهي «ممارسات» ينتقدالنظامَ بسببها بدعوى أنهاغيرإسلامية (وهوالخّط الدعائي المألوف للمثقفين الإسلاميين عندما يتحدثون عن الإسلام وحقوق الإنسان، بل وحتى الخط الثابت للنظام عندما ينفي باستمرار ارتكابه لأي جرائم تعذيب بدعوى أن ذلك يتعارض مع إسلاميته). إلا أن انتقاده لجرائم التعذيب وانتهاك النظام لحرمة أجساد معارضيه هو في حقيقة الأمر انتقادٌ فاتر يقّدمه بحافزالنصح والإشفاق على المشروع الإسلامي وتجنيبه أي ردود فعل سالبة. ولذا فهو يوحي لقارئه أن هذه الانتهاكات عَرَضية ارتكبها أفراد غير منضبطين لـ «تحقيق مآرب شخصية»، وتجده مستعدا للاتفاق السريع مع حجة المدافعين عن النظام أن انتهاكاته «قليلة» بالمقارنة مع البلاد المحيطة بالسودان وأنه قد بدأ يسلك درب الرشاد لأن هذه «الممارسات التأديبية» قد «تقلصت» بعد عامين من عمره — وإن كان لا يتطوع لإخبارنا عما إن أدى هذا «التقلص» لانعدام «الممارسات التأديبية» تماما وهو يكتب بعد أربعة أعوام من عمر النظام، إذ أن الخليق ببروفيسر الطيب في هذه الحالة أن يعلن للعالم أجمع أن النظام الإسلامي في السودان قد حّقق إنجاز «رد الحقوق إلى أهلها» وأنه قد دخل تلك المرحلة «الإسلامية» العليا التي يصبح فيها «ظلم فرد واحد كظلم الناس جميعا». إلا
أنه يصمت لأن ذلك، كما يعلم ونعلم، لم يحدث.
أما إجراؤه الثالث (وهو امتداد لإجراء «التطبيع») فهو الانتقال من خانة لفظ الديمقراطية لخانة تبنّي ما يمكن وصفه بـ «إجماع الأسلمة الشاملة». فبروفيسر الطيب يدين في مقالته الديمقراطية ضمنا ولا يريد عودتها عندما يقول: «وهناك قناعة عند اللكثيرين من رجالات الأحزاب أن «الديوقراطية السائبة» التي عرفها السودان في ثلاث فترات سابقة لا ينبغي العودة إليها ... » (نفسه، ص 70). وهو في إسناده لهذه القناعة الرافضة للديمقراطية (الموصوفة بل «السائبة») لمن يصفهم بل «الكثيرين من رجالات الأحزاب» يستخدم وسيلة«الاقتباس الاستحساني» ليعبّربشكل ملتّف عن قناعته هو. وهذه القناعة لا تلبث أن تصبح عنده «إجماعا» جديدا يرى فيه الأساس الصلب لهيمنة المشروع الإسلامي، إذ يواصل كلامه قائلا: «كما أن الطرح الإسلامي في السياسات يجد قبولا عند عدد كبير من رجال الأحزاب اللكبيرة وعند النسبة الغالبة من قواعدها» (وهكذا ومن غير دراسة ميدانية تتوقع أن يقوم بها عالم اجتماع علينا بقبول ما يقرّره تقريرا وهو يتحدث عن «عدد كبير» من رجال الأحزاب اللكبيرة وعن «النسبة الغالبة» من قواعد هذه الأحزاب). وعلى ضوء ذلك يصل لخلاصته اللكبرى التي يختم بها مقالته قائلا: «إن الفرصة ما زالت مواتية لأن يحمل
مشروعَ الإسلام كُّل أهل السودان.»(نفسه،ص70).وعندمايتحّدث بروفيسر الطيب عن «الأحزاب الكبيرة» فإنه يستخدم تعبيرا مّطاطا لأنه يقصد في واقع الأمر الإشارة للحزبين اللكبيرين — حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. وهو يشير أيضا لهذين الحزبين عندما يتحدث عن «القوى السياسية الفاعلة».إن الحّل الأمثل والنهائي لأزمة السودان ومشاكله هو أن يجتمع «أهل القبلة» ليدخلوا في «إجماع أسلمة شاملة» — وهكذا يكون انقلاب الإسلاميين قد فتح الباب أمام السودانيين ولأول مرة في تاريخهم المعاصر واسعا ليكسروا دائرتهم الشريرة ويدخلوا في رحابة وصفاء وانسجام «مشروع الإسلام». وفي كل هذا يتجاهل بروفيسر الطيب قوى سياسية أخرى مؤثرة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تكف حسب منظوره عن أن تصبح قوة فاعلة وتصبح مجرد حركة «متمردة»، كما أنه يتجاهل قوى اليسار وفي مقدمتها الحزب الشيوعي ويتجاهل القوى الجهوية مما يجعل رؤيته رؤية إقصائية ومُغْرِضة تختزل تعقيد الواقع السوداني وتقفز فوق حقائقه بغرض استبعاد الخيار الديمقراطي واستبداله بخيار إسلامي قائم على صيغة «إجماع إسلامي شامل» أو
تحالف مع الحزبين الطائفيين الكبيرين بقيادة الإخوان المسلمين.
3
وعندما انفجرت ثورة 19 ديسمبر فإنها وجدت بروفيسر الطيب في مرحلة معارضته الحالية للنظام الذي سخّر فكره وخبرته لسنوات عديدة مدافعا عنه ومعتبرا إياه المدخل لكسر الدائرة الشريرة والأمل للخروج من الأزمة، ووجدته على استعداد للانحياز لمطلب التغيير، بل وعلى استعداد لأن يفوّض نفسه تفويضا ذاتيا كسفير لها وسط الإسلاميين. ونحن نحمد له ونحيّى صحوة ضميره التي جعلته ينقلب على نظام «مشروع الإسلام» ويصبح من دعاة التغيير. وللكن من حقنا أن نطرح عليه سؤالا هاما على ضوء انحيازه الحالي: هل سأل بروفيسر الطيب نفسه عن مسئوليته الأخلاقية عما وقع من جرائم ومآس في العقود الثلاثة الماضية؟ لا شك أنه كعالم علوم سياسيةكان يدرك ومنذ لحظة التخطيط للانقلاب خطورته على البلد وما يمكن أن يقود إليه. وهو عندما يقول إنه عارض الانقلاب (وإن كنا نجهل حيثيات معارضته) فإنه يعترف بأنه كان يعرف ما لا يعرفه إلا أعضاء الدائرة الصغيرة المتآمرة صاحبة القرار الأعلى في الحركة الإسلامية. وقد كان أمامه لحظتها خياران: خيار الصمت والتكتّم على المؤامرة رغم إدراكه لمخاطر الانقلاب على البلد وخيار إبلاغ السلطات والرأي العام وكشف ما يحيق بالبلد من خطر . ولقداختار،بكل أسف،الخيارالأول وقّدم مصلحة تنظيمه وَنحْر الديمقراطية على مصلحة الوطن ونظامه الديمقراطي. لانعلم إن كان يتفق معنا أن الواجب الأخلاقي يحتّم عليه الآن النظر لخياره ذلك بمنظار مختلف إن كان يريد حقا أن يكون من قوى التغيير. ومن هنا يأتي تساؤلنا عما إن كان يحس الآن بمسئوليته الأخلاقية وبضرورة الاعتذار للوطن — فهو حتي لو لم يرتكب جريمة جنائية محددة شبيهة بالجرائم التي نعلم أن إسلاميين ارتكبوها (وحسن ظننا فيه يجعلنا نقول: حاشاه أن يتّهم بذلك) إلا أنه شارك في إنجاح الجريمة الكبرى، جريمة الانقلاب،
بالتكتم عليها والتواطؤ مع الدائرة الداخلية للتآمر والتخطيط . وبروفيسر الطيب الذي وُلد من جديد يضع الإسلاميين على المحك ويسألهم: «هل
من مصلحة الإسلاميين قيام نظام ديمقراطي أم بقاء هذا النظام القمعي الذي يحمل توقيعهم؟» وهو يخاطب تحديدا من يصفهم بل «القاعدة الشعبية للحركة الإسلامية» الذين لا يريد لهم أن «يصبحوا هم والنظام في كورنر واحدة عندما يقضي الأمر»، ويحذرهم ويقول لهم إنهم في مفترق طرق مصيري وأنهم قد تضرّروا من النظام مثلما تضرّر غيرهم. ويحاول بذر الأمن في نفوسهم بطمأنتهم أن من لم يرتكب جُرما يجب ألا يتو ّجس وحتى من ارتكب جُرما يجب ألا يخاف ظلما لأن مقاضاته ستكون أمام أجهزة عادلة. وهو يخاطبهم أيضا عبر ثلاث «لاءات قرآنية» يقترح أن تكون أساس التوافق بينهم وباقي السودانيين وهي: «لا تركنوا إلى الذين ظلموا» [11: 113، هود]، «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا» [5: 8، المائدة]، «لا تزر وازرة وزر أخرى» [6: 164، الأنعام]. ومن أعمق نظراته تحليله لشعار «أي كوز ندوسو دوس» الذي يضعه في سياقه الصحيح كشعار يعبّر عن رد فعل الشباب المتحّدي وهم يواجهون رصاص النظام وبطش ميليشياته أكثر مما يعبر عن دعوة للعنف (ومع اتفاقنا معه إلا أننا نتوجه لشباب الثورة إسقاط هذا الشعار لأنه يحمل «شبهة عنف». إن السلمية الأصيلة للثورة يجب ألا تسمح لأي شبهة عنفية على مستوى لغتها، لأن لغة الثورة هي ما يعكس وعيها . الثورة عندما تنتصر لن «تدوس» أحدا وإنما ستقّدم من أجرموا لمحاكمات عادلة لأنها لن تتابع نهج من «داسوا» على الشعب وإنما نهج قيمها التي تقوّم .
وبروفيسر الطيب ينطلق في مخاطبته للإسلاميين من التزامه الإسلامي وحرصه على مستقبل الحركة الإسلامية، ولذا فهو يقوّي حجته بإغراء الإسلاميين أن المشاركة في الثورة من مصلحتهم لأنها تفتح لهم باب المنافسة مع باقي القوى السياسية للكسب
وعلاوة على هذه الرسالة الصريحة للإسلاميين فإنه يوجّه رسالة ضمنية لباقي السودانيين. إنه يريد أن يؤكّد لهم بموقفه وبإعلانه أنه من قوى التغيير وأن هناك نوعا آخر من الإسلاميين الذين يقبلون بالديمقراطية وبحقوق الإنسان.
4
وربما يقبل الإسلاميون منطق بروفيسر الطيب أو لا يقبلونه — وهذا شأن يخصّهم ولايهمنا.إلاأن ما يهمنا هو أنن نصح السودانيين أن يحذروا و يتوّجسوا مما يقوله ويمثّله. إن إيحاء بروفيسور الطيب أن الإخوان المسلمين كيان منفصل عن النظام يعكس خطة الحركة الإسلامية لمحاولة التنصل مما ارتكبوا من جرائم، وهي خطة نثق أنها لن تجوز على السودانيين لأنهم قاطبة يعلمون، في داخل وطنهم المستباح أو خارجه في مهاجرهم ومنافيهم، أن الحركة الإسلامية هي النظام وأن وظيفة النظام هي تمكينهم وجعل السلطة والثروة حكرا عليهم وأنه يظل ممثلا لرؤيتهم الفكرية وحارسا لمصالحهم، كما يعلمون أن كل عضو في الحركة الإسلامية من الممكن أن يكون عينا للنظام الذي يعتمد استمراره على تكاتفهم كبنيان واحد يشّد بعضه بعضا في مواجهة وقهر شعبهم الذي أصبحوا غرباء عنه. إن وجود اختلافات وصراعات داخلية وعداوات وانقسامات بين الإسلاميين أمر طبيعي ومتوقّع يعلمه كل دارس للتاريخ، بما في ذلك تاريخ المسلمين منذ تأسيس دولة المدينة. إن أكبر خطأ من الممكن أن يقع فيه السودانيون هو أن يصّدقوا الإسلاميين بعد أن جرّبوا، ليس كذبهم وغدرهم فحسب ،وإنما أيضا حكمهم وقهرهم وفسادهم.
والخطل الأكبر في منطق بروفيسر الطيب يبرز لحظة ذكره لكلمة الديمقراطية. لا نشك أنه كعالم في مجال العلوم السياسية يعلم أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم بدون فصل للدولة عن الدين، أي أن الديمقراطية علمانية بالضرورة (بينما أن العلمانية ليست ديمقراطية بالضرورة إذ من الممكن أن يكون النظام الدكتاتوري علمانيا). وكما يعلم بروفيسر الطيب فإن الديمقراطية تقوم على مبدأ أن السيادة للشعب. ورغم أن هذا المبدأ تأسس وتوّطد تاريخيا في أوربا في مواجهة اللكنيسة ،إلا أن هذا السياق التاريخي لا يعني أن المبدأ محلي وإنما هو في واقع الأمر مبدأ عالمي أخذت به جميع المجتمعات التي تبنّت النظام الديمقراطي في عالمنا. وكما يعلم بروفيسر الطيب فإن دعوة الإخوان المسلمين تقوم على رفض مبدأ أن السيادة للشعب وتستبدله بمبدأ أن الحاكمية لله (وهو مبدأ شبيه بالمبدأ اللكنسي). وهكذا فإنه لا توجد علاقة نسب فكري أو تصوّري بين الحركة الإسلامية والديمقراطية مثلما أنه لم توجد تاريخيا علاقة نسب فكري أو تصوّري بين دولة المدينة والديمقراطية. وعندما ننظر لما حدث في السودان فإننا نجد أن الاستعمار قد ترك للسودانيين نظاما نيابيا تنافست فيه كل الأحزاب بحرية، وهو فضاء نشط فيه الإسلاميون بعد ثورة أكتوبر 1964 خاصة وعملوا بهمة على صياغة الواقع السياسي صياغة إسلامية فدعوا لدستور إسلامي انطلاقا من مبدأ وصل الدولة بالدين وجعل الدين مصدر التشر يع والسلطات والقوة المهيمنة على كل مظاهر الحياة.
وهذا التصوّر هو ما أصبح أساس نظامهم بعد انقلاب يونيو 1989.
والدولة الإسلامية في الماضي والحاضر لم تختلف عن أي دولة دينية في أنها ليست بدولة حرية فكر وضمير وتعبير، وبالتالي فهي مناقضة ومصادمة للديمقراطية كتصور وممارسة. ولقد كان من سوء حظ السودانيين أن وجدوا أنفسهم عبر تاريخهم الحديث منذ القرن التاسع عشر يعانون مرتين من قهر هذه الدولة واستبدادها: على عهد الدولة المهدية وفي ظل النظام العسكري الإسلامي الحالي. والمثقفون والسياسيون الإسلاميون الذين قفزوا من السفينة الغارقة للنظام ويتدافعون الآن للحاق بركب الثورة يريدون أن يؤسسوا للحركة الإسلامية موطىء قدم جديد في فضاء الديمقراطية
5
كيف تواجه قوى الثورة هذا الخطر؟ إن الثورة قد نجحت حتى الآن في خوض المعركة ضد النظام عبر تحرّك سلمي طويل الَنّفَس فشل النظام في كسره أو تغيير طبيعته السلمية. إن هذه الطبيعة السلمية في مواجهة أعنف نظام وأعتى آلة قمعية في تاريخنا المعاصر لا تمثّل إنجازا مذهلا فحسب وإنما أيضا أساسا سليما وقويا لديمقراطية معافاة. وعندما ينهار النظام الحالي فإن أكبر خطرين على الديمقراطية سيكونان الحركة الإسلامية والجيش. وخطر الجيش سيكون مضاعفا لأن الثورة َسترِث جيشا عقائديا صاغه النظام الحالي بغرض حماية طبقته الحاكمة ومشروعها الإسلامي. أما بالنسبة
للحركة الإسلامية ورغم طبيعتها المعادية للديمقراطية والمعادية للمرأة والإقصائية (لأنها تقصي المواطنين غير المسلمين) فإن النظام الديمقراطي لن يمارس إقصاء ضدها، بمعنى أنها ستمارس حقها في النشاط السياسي أسوة بباقي الأحزاب.
ورغم أن كل الأحزاب ستكون ملزمة بالتعهد باحترام النظام الديمقراطي وعدم التآمر للانقلاب عليه (وإلا فإنها تفقد الحق في تسجيلها وممارسة نشاطها القانوني) إلا أنه من الواجب أن يكون واضحا لكل مواطن سوداني أن تعهّد الإسلاميين (وهم سيتعهدون) تعهّد مخادع كذوب لا يوثق به البتة لأنهم يؤمنون بفقه يجيز الخدعة بعد إعطاء العهد كما فعلوا في يونيو 1989. ولابد أن يكون واضحا أيضا أن الحركة الإسلامية ستكون القوة الكبرى التي ستعمل ليل نهار على زعزعة استقرار الديمقراطية وستكون صوت التخلف الأكبر الذي سيصرف السودانيين عن قضاياهم الحقيقية من تنمية وغيرها من القضايا الملحّة والحيوية لتفرض قضية الشريعة شاغلا أكبر وليستبدل بروفيسر الطيب ومن يقومون مقامه لاءاته الثلاثة بثلاثية أخرى مألوفة ظ ّل الإخوان المسلمون يرجمون بها مجتمعاتهم جيلا بعد جيل وهي آيات: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون»، «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (5: 44، 45، 47،
إن حديث بروفيسر الطيب عن الإنسانية وما يستتبعها من حقوق إنسان حديث جيد في ظاهره، إلا أننا لابد أن نضع في اعتبارنا أن مرجعيته في نهاية الأمر كإسلامي هي «حاكمية الله» والقرآن وليس المبدأ الديمقراطي لسيادة الشعب ومواثيق حقوق الإنسان. إن ما يعرّف بروفيسر الطيب كإسلامي هو التزامه ببرنامج الحركة الإسلامية الذي يهدف أساسا لبعث الشر يعة، وهو برنامج ملمحاه المميزان هما التمسك بعقوبات الحدود والتمسك بأحكام المرأة، وهما ملمحان ينطويان على أغلظ المظاهر لانتهاك حقوق الإنسان وكرامته. وبروفيسر الطيب من حقه بالطبع في ظل النظام الديمقراطي أن يدافع عن برنامج حركته والشريعة. ولكن ما يلزمه أيضا في ظل هذا النظام أن يقبل بحرية الفكر والتعبير التي تتيح نقد فكر حركته ومرجعيتها، وهذا يعني في تقديرنا أن ما يلزمه الآن وفي هذه اللحظة وهو يدعو لعودة الديمقراطية أن يدين المادة 126 (مادة الردة) في القانون الجنائي الحالي لأنها تمثّل التعدي الفاحش
إن أفضل نهج في تقديرنا لمواجهة خطر الحركة الإسلامية هو العمل الدؤوب على نقد فكرها وعزلها سياسيا وإخضاع مصادرها المالية للمراقبة الدائمة واليقظة (وهو إجراء ينطبق بالطبع على كل الأحزاب). أما خطر الجيش فلابد من مواجهته باتخاذ التدابير الوقائية الضرور ية والتي ستتوفر عليها لجان فنية متخصصة. إلا أن القوة العظمى التي يجب أن تعتمد عليها الديمقراطية الجديدة في مواجهة أي تحرّك انقلابي والتي ستفّل حديد دبابات الانقلابيين وتهزم ترسانة أسلحتهم هي الإرادة الشعبية — لابد من تعَهُّد الآلاف، عشرات الآلاف، مئات الآلاف، الملايين من المواطنين للخروج للشارع حال سماعهم لبيان انقلاب عسكري (لو كنا فعلنا ذلك صبيحة انقلاب الإسلاميين لكنّا تجنبنا كوارث العقود الماضية). إن كان السودانيون حريصين على حرية الفكر والتعبير. و على حريتهم وكرامتهم ومستقبلهم وتقدمهم وسعادتهم (ولا شك أنهم حريصون على ذلك) فلابد لهم أن يكونوا مستعدين دائما لهزيمة الحركة الإسلامية بأصواتهم عند كل منعطف انتخابي، ولابد لهم أن يكونوا مستعدين دائما لدحر أي انقلاب بأقدامهم وهم يملأون الشوارع نساء ورجالا، شبابا وشيبا. وإن كانوا يريدون مستقبلا إنسانيا لأطفالهم وأطفال أطفالهم (ولا شك أنهم يريدون ذلك) فلابد لهم أن يتخذوا من التدابير الجادة والحازمة وبعيدة النظر ما يضمن أن انقلاب 30 يونيو 1989 هو آخر
الانقلابات وأن عهد النظام الإسلامي الحالي هو آخر عهد للمشروع الإسلامي.
محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية
kassalawi99@hotmail.com
للأديان.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: الاثنين ابريل 08, 2019 8:09 am    موضوع الرسالة: أدب الشفاء رد مع اشارة الى الموضوع



و في هذا الرابط نص قديم في سيرة ادب الشفاء اظن ان له علاقة بموضوع الخيط


http://sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=1962&start=0&sid=054163a5e3cfcb368005a4bbb6307c56

حتى اعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: الخميس ابريل 11, 2019 3:22 pm    موضوع الرسالة: منو البدوس مـنو؟ 2 رد مع اشارة الى الموضوع


منو البدوس منو؟
2

سلام يا عادل و عفوا على تأخري في العودة لسيرة المنازعة السياسية المتفاقمة حول مصير الإسلاميين السودانيين في المشهد السياسي لمرحلة ما بعد نظام عمر البشير.ذلك أنني انشغلت بشواغل الدنيا أم قدود التي من بينها شاغل الفن الذي نرجو منه أن يمكننا من إدراك " مريسة تام زينها" و هيهات و خلافه. المهم يا زول أنتهز واحدة من فجوات الترحال السعيدة و اكتب بعض التفاكير في موضوع " منو البدوس منو ؟" عسى أن نتمكن من إضاءة ما عتم من ثنايا هذا الأمر المجوبك العامر بالدروس و العبر في منظور التجربة الديموقراطية السودانية.

القصة الأولى :

"
محمد يوسف! يا له من إنسان!

قصة قصيرة أولى: زارته أسرته في السجن خلال اليومين الماضيين مرتين. فعرفت منه أن السجان وضعه مع ثلاثة دواعش، مصري، وتونسي وسوري، وستة من تجار العملة! هواجس محمد في الأيام الأولى كانت أن الدواعش لن يتركوه لحاله، وقد يعنفوا به. ولكن بعد أيام قلائل، وبعد أن تفاعل الدواعش وتجار العملة مع إنسانيته وفكره الثاقب، طلبوا منه أن يكون هو رئيسهم في الغرفة. وترجوه ألا يغسل الأواني وألا ينظف الغرفة. كل ما عليه فعله هو أن يقبل بقيادتهم! انتهت القصة الأولى!!

هكذا تكون الإنسانية. وهكذا نستطيع أن ندير خلافاتنا. فإذا كان محمد قادراً على أن يحيل دواعش غير سودانيين إلى أحباب، فما يمنعنا من أن نحيل دواعشنا السودانيين إلى أحباب. أليست هي سلمية ضد الحرامية فحسب؟

.. « 


اعجبتني القصة الأولى في مكتوب حيدر و قاسم و وجدتها شيقة لولا بعض الفجوات الأدبية التي تثلم فعاليتها في إقناع القراء بمصداقية السردية, و أنت يا قصاص رجل كاتب لا يغيب عن فطنتك أن المحكية الضعيفة إنما تؤشر لضعف الحجة المفهومية التي تسندها ،و لذلك أساب شتى بعضها قد يكمن في ضعف الخيال السياسي للكاتب، بينما بعضها الآخر قد يكمن في ضعف الحيلة التعبيرية أو إضطراب الوسائل المستخدمة [ عمدا أو سهوا].و قصة حيدر و قاسم مغرقة في سودانيتها الأدبية فكأن رواتها جلبوها من ثنايا " كتاب طبقات الأولياء و الصالحين في السودان "لمحمد بن ضيف الله ، و ذلك لأنها تضع بطلها : محمد يوسف"الشاب الخلوق ،[ إقرأ "الولي "]في موضع التوتر الأدبي الناتج من المواجهة مع خصم هو نقيضه في كل شيء.فالبطل شاب مثقف [ إقرأ:« علماني" ] ومعارض لنظام الإسلاميين[ إقرأ: "ديموقراطي ] .و في مواجهته" ثلاثة من أشنع خصومه السياسيين لأن الرواة يوصفونهم بصفة الـ " دواعش"، و الدواعش عبارة أيقونية صمدية تجسد الشر الكامل المتلبس بلبوس العقيدة و القمين بأشنع الجرائم باسم الإسلام.و الرواه لا يتوقفون عند طبيعة الدواعش، كأشخاص يتمتع كل منهم بفرادة وجودية يعقلن عليها مواقفه السياسية،لكنهم يستغنون ـ على عادة اعلام البروباغندا الأوروأمريكية المعادية للمسلمين ـ يستغنون بالرمز الأيقوني " عن التأني عند الشروط و الملابسات الواقعية المركبة التي حفزت بعض عيال المسلمين على الإنخراط في الدعوشة التي استشرت مؤخرا بين شباب المسلمين من الصين لغاية غرب إفريقيا , و من بلاد الشيشان حتى بلاد الصومال، ناهيك عن شباب مسلمي حواضر "أوروريكا»[عفوكم على هذا التخريج حتى أجد تركيبة أفضل منه للفئة الطبقية العرقية :أوروبا /أمريكا]. المهم يا زول ، الرواة يقولون « الدواعش» و يعولون على العبارة السحرية في استقطاب المعاني التي تجسد حضور الشيطان الرجيم في مواجهة بطل الحكاية ، فكأنها " إفتح يا سمسم"، تفتح مغارة الإتفاق على حقيقة هذه الفئة المفهومية الغميسة المجهولة التي " نخُمّها" بمكيال "الدواعش " على زعم عريض بكوننا نتقاسم نفس المدلول و هيهات و ألف هيهات.ثم أن هؤلاء الدواعش من ثلاث جنسيات مختلفة " مصري و تونسي و سوري "، و هذا التفصيل يضعنا أمام  معكوس[" نيقاتيف"] صورة ذلك الشيئ الذي ندعوه " الربيع العربي" بصيغة الإفراد و نـُجْمل فيه إحتجاجات أهل البحرين مع بقية حركات الإحتجاج التي انطلقت وسط التوانسة و السوريين و الليبين و المصريين و اليمنيين و هلمجرا.و في "هلمجرا" ينزلق شعب السودان الذي صنع ثلاث ثورات سلميات على استبداد العسكر، ينزلق ـ لا إيدو لا كراعو ـ في سلة " الربيع العربي" العامرة بالإلتباسات، أي و الله كل أعلام العربان و العجمان ،الذي تواطأ دهرا مع سياسات نظام الإنقاذ ، صار يبشر السودانيين بربيع عربي آخر سيذهب بالبشير ويترك النظام ليرعى مصالحهم في السودان. و لا عجب فشعب السودان ، في عقيدتهم العرقية، شعب طيب[ إقرأ : "غشيم » على فولكلور "راعي الغنم السوداني » الأمين] و قنوع يقبل أي شيئ و لو كان في جسامة سرقة ثورته الثالثة.
و إلى جانب الدواعش الماثلين في موقف العدو الآيديولوجي، فبطلنا يواجه" ستة من تجّار العملة" الماثلين في موقف المجرمين الـ" عاديين". و المجرم العادي،فئة مفهومية مسكوكة على مرجع "رجل الشارع العادي" الذي ينظر إليه مثقفوا الطبقة الوسطى من علياء إمتيازاتهم الطبقية ، ككائن أمي غشيم لا يدري شيئا من أمر الواو الضكر و ككم سياسي خامل قاعد ابدا في انتظار الترشيد من طرف الصفوة التي انتحلت لنفسها مسؤولية تأهيل الشعب بحقن الوعي الناجز في بصيرته الشعبية البسيطة و كذا. هذا الموقف طوّر وسط صفوة الطبقة الوسطى إتفاق غير منطوق فحواه عدم جواز اعتقال الخصوم السياسيين في نفس الحيز مع المجرمين العاديين من لصوص و محتالين و كتالين كتلة إلخ.ذلك أن الخصوم السياسيين ينتمون لنادي النخبة المحرم دخوله للعامة.تقول الحكاية أن إنسانية محمد [ ترجم : "عفته"] و فكره الثاقب [ترجم :"شطارته"] أنقذته من العنف المحتمل من طرف شركاء السجن، و لم لا ؟ أليس هو ممثل تجمع المهنيين الذين ابتدروا المواجهة مع نظام البشير و نجحوا في قيادة الحركة الشعبية بذكاء سياسي مشهود زعزع أركان حكم الإستبداد؟.
على هذا المنطق الذي يثمن العفـّة السياسية و الشطارة" التكنوقراطية" في مواجهة العنف السياسي ،المؤدلج و غير المؤدلج ،المحتمل وقوعه من شركاء السجن[ ترجم :"من الفرقاء الإجتماعيين"]،ساغ لحيدر و قاسم تمرير فكرتهما الرئيسية التي تموّه بالكاد مسعاهما لشرعنة قيادة "التكنوقراط الأمناء" للحركة الشعبية.لكن السؤال المحرج الذي يفرض نفسه في هذا المشهد هو : ما الذي يجعل التكنوقراط أكثر أمانة من باقي الفرقاء؟ و هذا السؤال يفرض نفسه ايضا على العسكريين؟ فما الذي يجعل الجيش أكثر أمانة على مكتسبات الثورة من باقي الفرقاء؟ و ما الذي يجعل الأطباء أكثر أمانة؟ و ا الذي يجعل المهندسين..؟و ما الذي يجعل الشعراء؟ و ما الذي يجعل الحلاقين؟ و هكذا دواليبك..

حتى أعود لـ "القصة الثانية" لك الود.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3358

نشرةارسل: الاحد ابريل 14, 2019 9:20 am    موضوع الرسالة: الحكاية التي تضحّك الغنماية رد مع اشارة الى الموضوع



الحكاية التي تضحّك الغنماية:


سلام يا عادل و المتابعين الكرام

تقول القصة القصيرة الثانية :
"..

قصة قصيرة ثانية: بعد الزيارتين، توافق أن قابل أحد كاتبي هذا المقال، ومعه عدد من الشباب الثائرين، البروفيسور قاسم بدري في حنايا جامعة الخرطوم. ودار نقاش بين قاسم بدري وهؤلاء الشباب. وبعد أخذ وردٍ حامٍ، انتقد فيه الشباب بعض مواقف قاسم بدري، خلص النقاش إلى أن جامعة الأحفاد وهبت السودان بعض أقوى كنداكاتها في الثورة الراهنة. وخلص أيضاً إلى أننا لا يمكن أن ننادي بالسلمية والديمقراطية وبالإقصاء في نفس الآن. انتهت القصة الثانية! « « .

أها يا عادل و الله أنا القصة التانية دي قريتها سبعة مرات لكن ما فهمت منها التكتح،و هو موقف ـ من وجهة نظر التعبير الأدبي ـ يملك أن يقرأ إما كقصور ،من جهتي كقارئ، عن إدراك المكيدة الأدبية المطلسمة في ثنايا المحكية، أو كقصور من جهة الراوي على الإبانة عن مقصده .
أولا بالتبادي عبارة " أحد كاتبي هذا المقال و معه عدد من الشباب الثائرين" تلغي هوية و فرادة شخصيات المحكية بدون سبب وجيه،لأن كاتبا المقال شخصان واضح أنهما من المتمرسين بأساليب التعبير الأدبي،مثلما هو واضح أن كليهما يتميز بفرادة و بسيادة فكرية خالصة.كما أن "الشباب الثائرين » يتمتعون ـ حتى في صيغة الجمع ـ بهوية سياسية تميزهم عن بقية الشباب الناشطين في حزب الإسلاميين أو في حزب الأنصار او الختمية أو في احزاب المعارضة المسلحة. و يبدو أن دمج الجميع في صيغة التنكير الظاهرة في العبارة، قد تم عن سبق القصد. لماذا؟ مندري؟
ربما انتفع رواة الحكاية بالتغييب المتعمد لهوية المتحاورين الشباب مع البروفيسور بدري في تمثيل حالة مواجهة مبسّطة مبرّأة من أنواع الرمادي التي تصون التركيب المفهومي في تناقض الأبيض و الأسود في أي منازعة سياسية سودانية ، سيّما و البروفيسور بدري، رغم حظوته الثقافية العالية ـ صار يمثل اليوم ، في الفضاء العام، كتجسيد حي للثقافة الذكورية الأبوية التي تستند على التقليد الديني في تسويغ امتهان النساء و مصادرة حقوقهن.و في مشهد المواجهة مع" الشباب" فالبروفيسور بدري لا يحتاج لتعريف، فهو ـ منذ حادثة الإعتداء على طالباته المتظاهرات [ الفيديو]
https://www.youtube.com/watch?v=MImv8MY2Ces

ـ استحق عن جدارة ، حمل قناع الشر الظلامي في هذا الفصل الغميس من فصول مسرحية الثورة السودانية. لكن البروفسير قاسم بدري ، بحكم تاريخه و مهنته و دوره في تسيير مؤسسة تعليمية مهمة لحركة تحرر النساء في السودان ،يستعصي على التبسيط الأيقوني الذي يختزله لمقام المسلم الذكوري الظلامي الذي يبشرنا كاتبا المحكية بإمكان مناقشته و إقناعه بالتحول لجانب " الثوّار". البروفسير بدري لا يقيم في المنطقة السوداء المأهولة بالظلاميين الإسلاميين المتوجسين من تحرر النساء السودانيات. إنه شخصية رمادية أدخل في مقام الأبيض . و موقف الشخصية الرمادية يفسد التنظيم الدرامي البسيط للمحكية الثانية. يقول كاتبا المحكية أن النقاش بين البروفسير بدري و الشباب الثائرين خلص" أيضاً إلى أننا لا يمكن أن ننادي بالسلمية والديمقراطية وبالإقصاء في نفس الآن". طبعا القارئ يقع في الحيرة لأنه قد يستنتج من العبارة التي تختم المحكية بأن " الشباب الثائرين" الذين ينادون بالثورة السلمية الديموقراطية، كانوا ينادون أيضا بإقصاء البروفسير بدري من فضاء المناقشة العامة بعد إسقاط نظام الإسلاميين، أو هكذا خُيّل إلي، و " الفـَهَم قسم" كما تعبر بلاغة الأهالي.لحسن حظنا جميعا تنتهي المحكية بـ " هابي إند " سوداني اصيل و ذلك بفضل المناقشة السلمية و الإقناع المتبادل بين الطرفين، سيّما و المناقشة حاصلة في « حنايا جامعة الخرطوم »،["مدرسة كيتشنر »] التي تمثل في المحكية الثانية باعتبارها معقل العلم ومصدر الإشعاع الحضاري و منبع ثورات الطبقة الوسطى و غير ذلك من كلام الشعراء الأكتوبريين..
و بعد هذا الفرز الأدبي نتساءل عن غرض الكاتبين من بذل الحكايات و الطرائف في هذا المقام السياسي المعقد الذي يستحق منا أكثر ادوات التحليل العلمي كفاءة. يقول الكاتبان : " هي دعوة للنقاش حول التوافق على مفهوم العدالة الانتقالية. »ـ و " العدالة الإنتقالية" مفهوم حقوقي و سياسي يغطي مساعي رد الظلامات و تصفية ميراث الإنتهاكات الجسيمة بعد نهاية النظام السياسي الذي نظّمها، و ذلك بغاية تثبيت دعائم السلام الإجتماعي من خلال مصالحة وطنية عادلة. و مفهوم" العدالة الإنتقالية" قديم،قدم الرغبة في حياة إجتماعية طبيعية قوامها السلم و العدل. لكن تقنينه ـ و العهدة على قوقل ـ يرجع لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين نصب الحلفاء " محاكم نورمبرغ" لمحاكمة المسؤولين الألمان عن النظام النازي و لترميم السلام المجتمعي في ألمانيا، لكن المصطلح كسب معان جديدة قوامها سيادة القانون و الديموقراطية و احترام حقوق الإنسان، و ذلك بعد انهيار الإتحاد السوفييتي و محاولة ورثة الأنظمة الجديدة في اوروبا الشرقية تعريف اسس جديدة للتعامل مع الميراث السياسي للنظام القديم.و قد شهد العالم المعاصر أكثر من تجربة في كيفية تدبير مساعي العدالة الإنتقالية. و  "
تشير التطبيقات الفعلية للمفهوم إلى أنه يهدف لتحقيق مجموعة من الأهداف تشمل: وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية؛ تحديد المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا؛ منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، الترويج للمصالحة الفردية والوطنية.
ولتحقيق تلك الأهداف، تتبع العديد من الاستراتيجيات بعضها ذي صبغة قضائية وبعضها لا يحمل هذه الصبغة، هي:
الدعاوى الجنائية: وتشمل هذه تحقيقات قضائية مع المسئولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان؛ « .. ». .. وهي قد تتم على المستوى الإقليمي أو الدولي أو من قبل بعض الأجهزة الخاصة مثل المحكمة الخاصة بسيراليون.
لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير وتوصيات بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا وإحياء ذكراهم، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلا.
برامج التعويض أو جبر الضرر: وهذه مبادرات تدعمها الدولة، وتسهم في جبر الأضرار المادية والمعنوية المترتبة على انتهاكات الماضي؛ وتقوم عادة بتوزيع خليط من التعويضات المادية والرمزية على الضحايا، وقد تشمل هذه التعويضات المالية والاعتذارات الرسمية.
الإصلاح المؤسسي: وتستهدف إصلاح المؤسسات التي لعبت دورا في هذه الانتهاكات (غالبا القطاع الأمني والمؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية.. وغيرها)، وإلى جانب تطهير هذه الأجهزة من المسئولين غير الأكفاء والفاسدينِ، غالبا ما تشمل هذه الجهود تعديلات تشريعية وأحيانا دستورية.
آليات أخرى: يشير الواقع إلى وجود آليات أخرى من قبيل جهود تخليد الذكرى وتشمل إقامة المتاحف والنصب التذكارية التي تحفظ الذكرى العامة للضحايا، وترفع مستوى الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.
ويمكن أن تتم هذه الآليات على المستوى الوطني بشكل كامل، أو على المستوى الدولي أو على نحو مختلط أو هجين مثل الترتيبات الخاصة في سيراليون وتيمور الشرقية وكوسوفا، إذ يعد إنشاء الاستراتيجيات المختلطة أو الهجينة للعدالة الانتقالية استجابة منطقية للمشكلات التي تواجه الاستراتيجيات ذات الطابع الدولي مثل البعد الجغرافي والانفصال القيمي عن المجتمعات المعنية، ومن ثم فالاستراتيجيات الهجينة من المتوقع أن تكون أكثر قدرة على تحقيق المصالحة الوطنية والسلام الاجتماعي، لاسيما في حال اعتمادها على مجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية قادرة على استيعاب الاختلافات في روايات الأطراف المختلفة للأعمال العدائية التي تكون هذه المجتمعات قد شهدتها... » »ـ

المهم يا زول، و الله ـ كان ما نخاف الكضب ـ نقول أن فن تحقيق العدالة الإنتقالية في السودان يقتضي خيالا سياسيا كبيرا مثلما يقتضي مكيدة أدبية عالية،و كمان خلي عيال المسلمين و عيال النصارى و عيال اليهود و عيال كافة أهل الديانات الإفريقية و الآسيوية و الأمريكية ، خليهم يساعدونا بالفاتحة و التضرع إلى الرب أن يفرجها على شعبنا الصابر على الأذى.
بعد كدا نرجع لدعوة الأخوين حيدر و قاسم المقصود منها فتح باب المناقشة في موضوع العدالة الإنتقالية بهدف "التأسيس لدولة ديمقراطية حرة، يتعايش فيها الجميع بسلام ومحبة، بمن فيهم الإسلامويين السابقين. فالسلمية والحرية والعدالة حق للجميع، وليست للثوار فحسب! « ـ
و في نظري [القوي؟] أظن أن فتح باب المناقشة في موضوع العدالة الإنتقالية في السودان هو أمر لا يقتصر على السودانيين وحدهم .ذلك أن السودان موجود ضمن التشبيك السياسي و الإقتصادي الإقليمي و الدولي ،ففي الأشهر الماضية سمعنا أكثر من رئيس و أكثر من أمير و كورجة من الباحثين و الخبراء و الحلاقين يفتون في الشأن السوداني و ينصحون الشعب السوداني بأن يفعل كيت و كيت بينما أنحنا قاعدين نراعي ساكت.و اليوم هناك عدد كبير من الفرقاء السياسيين السودانيين ـ حتى لا أقول :كل الفرقاء السياسيين السودانيين ـ الذين يلبّكون حضورهم السياسي في الساحة السودانية بأحلاف و إتفاقات ، مضمرة أو مكشوفة، مع قوى سياسية إقليمية و دولية ضالعة في صراع تناقض المصالح في السودان.هؤلاء الناس، الذين يرقبون ما يحدث في السودان بقلق على مصير مصالحهم ، هم بالقوة طرف في أي مناقشة سياسية سودانية.و نحن نحتاج لمخاطبتهم و دعوتهم للمناقشة السودانية جهارا نهارا، و ربما طلبنا منهم تعيين ناطقين رسميين باسم كل منهم ، "عشان نعرف البيهم و العليهم"، و ذلك أفضل لنا و لهم من الوضع الضبابي الراهن الذي تدور فيه المفاوضات السرية بعيدا عن عين الشعب السوداني.يعني لو وسعنا من دائرة المتناقشين لما هو أبعد من " حنايا جامعة الخرطوم " فربما مكننا هذا الموقف الجديد من تجاوز الأزمة الراهنة بأقل الخسائر الممكنة،و ربما نجونا من ضحك الغنماية الذي ينتظرنا كلما سرقوا مّنا ثورة جديدة، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

سأعود
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
عادل القصاص



اشترك في: 09 مايو 2005
مشاركات: 1315

نشرةارسل: الخميس ابريل 18, 2019 7:27 am    موضوع الرسالة: رد مع اشارة الى الموضوع

سلام يا حسن. لك الشكر الامتنان على هذه المساهمات النافذة، المحفِّزة حقاً، بالنسبة لي على الأقل. وتحفيزتها ينبع من غناها، كونها تتضمن أكثر من بُعد، جدير، سواء وحده (وأنَّى له؟) أو في انشباكه مع غيره من أبعاد أو عناصر، بالذهاب فيه ومعه.
سأعود، فقط أتمنى أن يمهلني الايقاع المتسارع من حولي - والمتقاطع مع أكثر من ظرف خاص ضاغط - هدأةً، قريبة، أنفذ منها.
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة