الشعر السوداني في الإنجليزية، عادل بابكر

 
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي
استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  
مؤلف رسالة
حسن موسى



اشترك في: 06 مايو 2005
مشاركات: 3611

نشرةارسل: الخميس ديسمبر 26, 2019 5:40 am    موضوع الرسالة: الشعر السوداني في الإنجليزية، عادل بابكر رد مع اشارة الى الموضوع


عادل بابكر ينقل مختاراته من الشعر السوداني الحديث إلى قارئ الانجليزية


الكتاب: Modern Sudanese Poetry – An Anthology (مقتطفات من الشعر السوداني الحديث)
تجميع وترجمة: عادل بابكر
الناشر: جامعة نبراسكا / لينكون (الولايات المتحدة) سبتمبر 2019
150 صفحة




صلاح حسن أحمد



يشفق المرء على المترجم وقد أوكل اليه نقل المعنى من لغة لأخرى بدون زيادة أو نقصان. فهو ليس مطالبا بمعرفة خبايا اللغتين وحسب وإنما الثقافة التي تقف وراء كل منها ايضا. وهو، إن لم يحط علما - مثلا - بالتعابير الاصطلاحية التي يقول ظاهرها شيئا وباطنها شيئا آخر، ضل الطريق وانتهى بمعيّة المتلقي في وجهة لا علاقة لها بالمراد أصلا.
حري بالمرء إذن أن يشفق مضاعفا على مترجم الشعر الذي يضيف الى أعبائه العوالم الداخلية التي تفتحها القصيدة بإيقاعاتها وموسيقاها وتعابيرها المزدوجة ومعانيها المبهمة المغلّفة وخطابها المرسل الى القلب قبل العقل. وانظر قول الجاحظ إن الشعر لا يُستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل. وانظر شكواه من تقوقع الثقافة العربية وعزلتها بقوله إن علوم الأعاجم دخلت الى العرب بالترجمة، لكن ثقافة العرب وتاريخهم وأساطيرهم لم تصل الى الأعاجم لأنها شعرية تستحيل على المترجم.

تجاسر
كيف يتسنى للمترجم، والحال هكذا، أن يخوض في معاضل الشعر اللغوية الموسيقية الغنائية السحرية الهشّة ينقل منها ما حلا له بدون أن يكسر ظهرها؟ يجيب علينا عادل بابكر، مترجم هذا الكتاب، الذي تخرج في آداب جامعة الخرطوم عام 1976، قائلا: "الترجمة الأدبية كانت تستهويني منذ وقت باكر لكنني لم أتجاسر على الشعر إلا في سنوات متأخرة، وأرجو ألا أكون قد ارتكبت حماقة كبيرة".
وشكرا لبابكر هذا التجاسر رغم خطر الحماقة. فقد وضع بين يدينا كتاب Modern Sudanese Poetry – An Anthology (مقتطفات من الشعر السوداني الحديث) وهو ترجمة لمختاراته من قصائد لثلاثين شاعرا وشاعرة، الهدف منها هو "إعطاء لوحة للمشهد الشعري في السودان بمختلف تياراته على مدى عقود ما بعد الاستقلال" كما يقول. والشكر له مجددا إذ صدّر كتابه بمقدمة مطوّلة ووافية الى الساحة الشعرية السودانية، تشكل مصدرا قيّما سواء للباحث الموثق أو الساعي للمزيد من أوجه الآداب السودانية أو الذي يطرق بابها للمرة الأولى.

يطمئن القارئ إذ اعلم أن لبابكر خبرة طويلة في تخصصه ويحمل في جعبته العديد من أعمال الترجمة الأدبية منها رواية "الجنقو مسامير الأرض" لعبد العزيز بركة ساكن، و"مختارات أدبية من شمال السودان وجنوبه" و"متاهة كل صيف" للروائية ليلى أبو العلا. كما ان له، قيد النشر الآن، كتاب "منسي إنسان نادر على طريقته" للراحل الطيب صالح سيصدر اوائل العام الجديد عن دار بانيبال الأميركية للنشر.
وعلى ضوء الأثر الطيب الذي أحدثه كتاب المقتطفات الشعرية السودانية هذا وسط النقاد في الولايات المتحدة (حيث نُشر) وأيضا التعليقات الإيجابية الواردة من الذين اشتروه من "أمازون" الأميركية والبريطانية، يمكن القول إن بابكر نجح في مهمته.

انحياز للقصيدة وليس الشاعر
تلك هي مهمة من الواضح أن بابكر كان يدرك خطورتها إذ يقول: "غاية التوفيق الذي يمكن أن يصيبه المترجم هو أن ينتج نصاً موازياً، بمعنى أن يحدث في اللغة المترجم إليها أثراً قريباً من الأثر الذي أحدثه النص الأصلي في قارئه.. أقول "قريباً من" وليس "مثل" لأنه يستحيل أن يتحقق ذات الأثر لاختلاف بيئتي الترجمة. وفي رأيي أن الترجمة تظل ترجمة مهما بلغ شأنها ولكن هذا لا يقلل من قدرها ودورها التاريخي في نقل الآثار الأدبية للأمم وتعزيز التلاقح الثقافي".
ويضيف: "أنا مترجم منحاز ولكن انحيازي ليس للشاعر! فالقصيدة هي التي تفرض نفسها علىّ وليس الشاعر.. انتمائي للشعر الذي يعنى بإعلاء قيمة الإنسان وينحاز للحق والجمال.. ولم يكن انتماء الشاعر الفكري أو الأيديولوجي هو جواز مروره إلى هذه المجموعة".

ثلاثة نماذج
لو كان وضع قائمة قصيرة لاولئك الذين يمثلون واجهة الشعر السوداني الحديث مهمة صعبة على المترجم، فالأصعب هو اختيار نماذج عاجلة من هذه القائمة نفسها. وأدناه سطور مجتزأة من قصائد حواها الكتاب نوردها أصلية ومترجمة كأمثلة لأسلوب بابكر في الالتفاف على التعامل مع نقل النص الشعري:

كتب ادريس جماع (1922 – 1980) بعض أعذب الشعر السوداني متخذا من التأمل والحكمة موضوعا لشعره ولُقّب "قيثارة النبوغ"، وهو فعلا كذلك. انظر فقط وصفه الشاعر بأنه "حاسر الرأس عند كل جمال،/ مستشف من كل شيء جمالا". وقد أوردها بابكر في واحدة من قصيدتين ترجمهما له:



هيّنٌ تستخفه بسمةُ الطفل
قوي يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال
مستشف من كل شيء جمالا
خُلقت طينة الأسى وغشتها
نار وجد فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني:
فكانت طينةُ البؤس شاعراً مثالاً

Light enough to be swept away by a child’s smile,
yet no might can shake him out of place.
Standing in awe before every trace of beauty,
and in everything he discerns a hidden grace.
First the maiden clay of agony was created.
Then in the fire of passion it was scorched.
And when providence called out: Be!
it transformed into a clay of misery: a poet; sculptor of words.




النور عثمان ابَّكر من مؤسسي التيار الشعري المعروف باسم "الغابة والصحراء"، وهو التيار الذي راح يبحث في الانتماء السوداني بين الهويتين الزنجية والعربية. يحدثنا المترجم أنه خاض معركة فكرية مشهودة ضد صلاح أحمد إبراهيم عندما كتب مقالة بعنوان " لست عربيا ولكن..." وجاء فيها: "كل ما هو غيبي وعميق في السودان إنما هو عطاء الغاب. الأساس في وجودنا ليس هو الصوفية الشرقية بل هو الحركة الرخيمة لرقصات الغاب مع الطبل والبوق". فرد عليه إبراهيم قائلا: " نحن عرب العرب لجمعنا خير ما في العرب من كرم ونبل وخير ما في الزنج من شدة وحمية". اختار المترجم لأبكر قصيدة "المنفى والمملكة" التي تعكس تمسكه بعنصره الأفريقي ومنها:


لم أهجر يوماً دار أبي
لأهيم بكهف في الصحراء
أتدثر ما نسجته اكف الريح علي منوال الصمت
وأُطعمُ من مائدة الرب
وأصيخ السمع وانشر سارية الأبصار لعل الدرب
يتمخض مُهراً يطوي بي ، في غمضة عين كل جواء الدنيا
والآخرة المرجوّة والرؤيا.

I never left my father’s home,
to live in a desert cave,
covered up in a fabric woven by the wind
on the loom of silence.
feeding from the Lord’s Table;
and keeping my ears pricked up and my eyes raised at high mast,
hoping a foal would emerge out of the wilderness,
and, in the blink of an eye, we transcend the bounds,
to the hereafter and the realm of revelation.




نجلاء التوم بين الشاعرات اللائي اختار المترجم نقل نماذج من قصائدهن الى الانجليزية، باعتبارها أحد الأصوات النسائية الجديدة المهمة في مسيرة الشعر السوداني. وفي شعرها لا تتهيّب هذه الكاتبة والمترجمة الخوض في مسائل تذكّر مجتمعها العالمي الكبير والملي الصغير بتفّرد المرأة والظلم والعنف الواقعين على جسدها وعقلها على السواء.

لا أراك في سلالتي،
لم تكن سوى نقش معتد بذهابه في الأكاذيب،
نتوء تحززه الوحدة وتُغفِله الآنسات.
لكن أسعفني الحب؛
غمرتني النذور والصدف المحققة.
في النهار الخامس تذرّعت بطوق الحمامة،
قلتُ أطرق الجهات المنسية عليك
وإذا لم أحظ بالنسيان
أتحايل على يديك بالسهر... والحمى.

Your face has no trace in my lineage,
You recoil upon your own truth:
a protrusion of solitude.
Somehow love comes to my rescue;
On the fifth sunrise,
flooded with coincidences yet using the pigeon ring as a pretense,
I call upon your forgotten abodes,
seeking not love but oblivion.


حقول ألغام
هكذا نرى أن كان بابكر كان مدركا لشبه استحالة نقل الشعر من لغة لأخرى. إذا جاءت ترجمته وقع الحافر على الحافر تآمرت عليه اللغة المنقول اليها وأحالتها كلاما مجردا من المعنى تقريبا. وعلى الجهة المقابلة إذا اكتفى بنقل المعنى وأخضعه لنواميس اللغة المنقول اليها وخصوصا موسيقاها اتُهم بخيانة الأصل. فهل حالفه التوفيق في الوصول الى حل وسط؟ الواقع ان الإجابة تتعدد بتعدد القصائد المترجمة نفسها. لكن هذه هي الحال مع أي مترجم مهما كانت درجة إمساكه بناصية اللغتين، وهذا لأن المعضلة في ترجمة الشعر هي أن لغته الجميلة ما هي الا واجهة لعوالم شتى قد لا تستضيفها اللغة الجميلة المقابلة باليسر نفسه.
لكن أقل ما يجب أن يذكر في حق بابكر هو شجاعته وخوضه في ما يكمن وصفه بحقل الألغام اللغوي العظيم. وإذا أردت الدقة فهو لم يخض في حقل واحد بل في ثلاثين خلقها شعراء لكل منهم قضاياه ولغته وموسيقاه وأمزجته ومفاتيح شعره الخاصة.

الإنجاز الحقيقي
بغض النظر عما اتصل بعظم اللغة القوي في ترجمة عادل بابكر، فإن إنجازه الأكبر والحقيقي يتمثل في فتحه نافذة واسعة أمام العالم الناطق بالانجليزية الى جنان الشعر السوداني. وثمة أسماء / أشجار باسقة في هذه الجنان لم يسمع بها العالم العربي القريب دعك من الغربي البعيد: المهدي المجذوب ومحمد عبد الحي ومحجوب شريف وكمال الجزولي ورقيّة ورّاق وروضة الحاج وعالم عباس وعبد الرحيم ابو ذكرى وغيرهم كثرة جميلة... أسماء يدهش المرء إزاء ما أغدقته على السودانيين من مسرات وسحر ومصادمة مع الهموم العاجلة. كل هؤلاء ظلوا بحاجة لمن يقدمهم الى ما يستحقونه من جمهور عالمي في فضاء أرحب كثيرا من المتوفر محلياً، وهذا بالضبط هو ما فعله بابكر.


=============
نشر هذا المقال على صحيفة "اندبندنت عربية" اللندنية في 23 ديسمبر 2019 وتجده على الرابط التالي:
https://www.independentarabia.com/node/81106
=============
انتقل الى الاعلى
استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة
استعرض مواضيع سابقة:   
انشر موضوع جديد   رد على موضوع    sudan-forall.org قائمة المنتديات -> منبر الحوار الديمقراطي جميع الاوقات تستعمل نظام GMT
صفحة 1 من 1

 
انتقل الى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

قوانيــــــن منبر الحوار الديمقراطي

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية


  Sudan For All  2005 
©
كل الحقوق محفوظة