header
 

السلام الاجتماعي المفقود
أو الحقيقية عارية كما جسدتها المجزرة

عبد الخالق السر

بقدر ما كان الرحيل المأساوي لزعيم الحركة الشعبية "الأسطوري" جون قرنق يحمل كل سمات الفجيعة واكتمال المأساة، إلا أن التداعيات الأليمة التي انبثقت على الصعيد الاجتماعي عقيب هذا الرحيل كانت من الحزن والأسى بما لا يقاس.

لقد أبانت الاضطرابات الفوضوية التي ضربت أنحاء العاصمة القومية وبعض المدن حقيقة بشعة طالما تخفت بين طيات ديماجوجية الخطاب السياسي وأطنان الشعارات الرومانسية المبتذلة طيلة حقب وعهود في محاولات هي الهروب بعينه عن مواجهة الواقع بشجاعة يكون معها إمكانيات الشفاء أقرب للنجاعة منه إلى الوهم كما أبانته الأحداث الأخيرة.

إن الهرولة بقوة نحو السلام السياسي بشكله الفج المطروح طيلة العهود السابقة وطرحه كأجندة سحرية لحل كافة إشكالات وطن بهذا التعقيد والغبائن يعبر بحق عن إشكالات ذهنية حادة تعاني منها النخب التي تعاورت أقدار البلاد والعباد منذ الاستقلال وحتى راهن اللحظة. وما هذا التناسخ الذهني عبر الأجيال وشيوع ثقافة البلادة السياسية التي أورثنا لها الاستعمار إلا بعض ما يبعث على الأسى والقنوط من إمكانية أن ينهض هذا الوطن يوما ما على قدميه.

إن الانشغال بهذه الكيفية في ترميم ما أفسدته السياسة ومن منطلقات سياسية أيضاً لا يعبر عن شيء سوي إعادة إنتاج الأزمات مجدداً وفي كل مرة بكلفة أكثر فداحة عن ذي قبل، لأن الأمر ببساطة ينبئ عن استسهال أو استغفال إن شئنا الدقة في محاولة هذه النخب لتسويق الأزمة التي يرزح تحتها الوطن.

فالأزمة السياسية – مع إقرارنا بها- إلا أنها ليست سوى انعكاس لكامل أزمات الوطن الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية المستفحلة، ومؤخراً الدينية العميقة، وأي محاولة لطرح الإشكال السياسي بهذا النوع من التجريدية التي درجت عليها النخب السياسية لهو نوع من الاستخفاف لا يفضي إلا إلى مزيد من التعقيد ومزيد من إهدار الفرص الحقيقية لتجنيب البلاد الانشقاق والتفتت، والذي بات الآن هو السيناريو الأقرب كما لم يكن من قبل.

إن الركون لذهنية هروبية لا تجيد سوى القفز فوق الإشكالات الحقيقية والتعويض عن ذلك بشعارات زائفة تبعث على طمأنينة لا يعززها الواقع، أو إطلاق الأماني والرغائب من عقالها بغير حصافة أو حكمة لم يعد يجدي شيئاً، كما أن الانصراف نحو إيجاد حلول سياسية توفيقية لا تصمد طويلاً أمام التناقضات الاجتماعية، الدينية والثقافية حري بها أن تنتج مثل تلك الحوادث الكارثية التي أعقبت وفاة قرنق.

لقد ضاعت ومنذ زمن بعيد في زحمة التدافع السياسي الجهود الحقيقية لما يمكن تسميته بأجندة السلام الاجتماعي- الثقافي المستصحب وعياً عميقاً بأسس التنوع العرقي، الثقافي والديني الذي يشكل بنية الوطن. فعلى أرض الواقع، وعلى مر العهود السياسية كان العمل الدؤوب لأجهزة الدولة الرسمية وعلى كافة مستوياتها ينصب بهمة لتعميق التناقضات القائمة أصلاً بين هذه الأعراق والثقافات التي تشكل النسيج الاجتماعي للوطن. وتكمن المفارقة في أن كافة الأطراف المتنازعة والباحثة عن حل سياسي يعيد للوطن هدوئه وصفائه لا تجد ما تعزز به شرعيتها لدى قواعدها سوى تبني ذات المفاهيم الاقصائية المكرسة لذات التشظي المفضي للاحن والضغائن والتي وجدت لها طريقاً سالكاً هذه المرة لتفصح عن نفسها في المجازر التي تمت مؤخراً.

فعلى الدوام كنا نجد أن آلية الدولة تعمل على ترسيخ ذات الثقافة المنتجة لكافة أشكال الاستعلاء العرقي- الديني والثقافي، والممثلة في ثقافة المركز الداعية بقوة السلطان للذوبان أو التهميش كخيار وحيد في حالة عدم الانصياع. وبالمقابل، لا يملك القطب الآخر في المعادلة تصوراً متسامياً لما يجب أن يكون عليه مستقبل السلام الاجتماعي للوطن سوى ذات الذهنية الاقصائية وأماني تبادل ذات الأدوار الشريرة، ولا بأس أن يتغلف ذلك ببريق شعاراتي لا يلبس أن ينكشف زيفه في أول معترك. لذلك لا غرابة أن يظل الخطاب الرائج هو التذكير الضاغط على الذاكرة الجمعية بالمظالم التاريخية وإيقاظ الغبائن والعمل بهمة على تنمية مشاعر الكره والإقصاء!! كل هذا – وللمفارقة- يتم من خلال العمل السياسي الباحث عن سلام سياسي!!.

إن حرص كافة الأطراف النخبوية السياسية على تمثل قيم الثقافة السالبة لقواعدها والمنتجة لكافة الرؤى الاقصائية المتسقة مع جملة مشاعر الكره والبغضاء المستبطنة يكشف بجلاء هذه الهبة الرعناء التي ظللت سماء الخرطوم في الأيام الفائتة.

إن ما حدث يشيء بقدر لا يحتمل اللبس، أو المجازفة في القول انه لم يعد بالإمكان دفن الرؤوس في الرمال، وان الركون للمراوغة السياسية بغية الوصول إلى السلطة والتي درجت عليها النخب هي عين الكارثة المحيقة بالوطن. فالشعارات الصاخبة (ما في شمال بدون جنوب...).... وغيرها، لم تعد بذات الجدوى، طالما لا نملك الشجاعة لتغيير منظومة القيم والمفاهيم التي استبطنت اللاوعي عبر الزمن، وذلك بتفكيك العناصر التي تغذي الامتيازات التاريخية المثبتة لهذا الواقع المنتج لكافة أشكال الظلومات الاجتماعية.

إن رد الاعتبار وبشكل عملي – لا يقبل اللبس- للتعددية الثقافية، العرقية والدينية التي ينبني عليها الوطن هو المخرج، أما الانسياق وراء حشد القواعد باللعب على أوتار الكره والاستعلاء (هاك من دار جعل) وإحياء الدلالات السالبة لمصطلح (المندوكورو) بكل شحناته "البغضوية" فيعني سوق البلد إلى حتفها، كما أن من يفعلون ذلك هم مجرمي حرب مهما ابتسموا أو تشابكت أياديهم وسط الهتافات والزغاريد!!!.

عبد الخالق السر/ ملبورن
9 أغسطس 2005

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco