header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

ثلاثة أشهر على رحيل فاروق كدودة: الله عليك يا نجم الشمال!

 

د. عبد الماجد علي بوب

 

 

انقضت تلك ثلاثة أشهر منذ رحيل صديقنا ورفيقنا العزيز فاروق كدودة. ويا له من رحيل قبل أن يأتي أوانه. فارتجت له مشاعر القريب والبعيد. لم يكن موته مفاجئاً لنا، ولكن ذلك لم يهون من مرارة الأسى. فمن هم في دماثة خلقه، وظرفه، ورقة حواشيه، ووفائه لمبادئه لا يجود بهم الزمان كثيراً. وأكاد أجزم بأن فاروق عند رحيله لم يترك وراءه عدواً شخصياً. دائناً أو شائناً أو خصماًً ألد. لأنه لم يكن ممن يضعون الموانع بينه وبين من يخالفه الرأي. فقد كان أنيساً يتحلق حوله الناس بمختلف ميولهم السياسية. يأخذ ويدي. لا يتنطع فى الحديث. يصغى ويحاور ولا يجادل. لا يزدرى ولا يعلو صوته ولا يقطب حاجباَ. نقى السريرة، عميقاً وثاقب النظر في استبطان مواقع التوافق والكسب المشترك فى مضمار العمل النقابي والسياسي.

 

كنت أراه طوال سني عملنا لنحو عشر سنوات في جامعة جوبا فكان فاروق معتدل المزاج صباحاً ومساءً وعلى مدار الحول. لا يغضب ولا يشكو ولا يضجر بالرغم من تقلبات الحياة ووعرة المكان بسبب حداثة التجربة. خفف علينا وحشة المكان. وأحاله إلى واحدة من أحب بقاع الأرض إلى نفوسنا. كان يتحدث بسخريته المعهودة عن فترات اعتقاله وفصله المتكرر فيحيلها إلى حكاوي طريفة ومفعمة باللحظات الإنسانية. وتارة يضع عمامته في حجره ويقهقه عالياً ليحكى طرفةً عن مأزقهم مع أحد حراس سجن شالا بسبب استخدام الراحل العزيز الخاتم عدلان لمصطلح "هرمي" فظن الحارس بأن الخاتم قد عيره بأنه "حرامى". فطلبوا من الخاتم أن يعتذر للحارس لقصر الموضوع وأن لا يعود لاستخدام المصطلحات العصية. وكان في كل مرة يحاول فيها الخاتم أن يشرح لزملائه بأنه لم يقصد سوءاً بل تطرق إلى أنه لا يعرف النظام "الهرمي" داخل السجن. فيستعر أوار المواجهة مرة ثانية... وفجأة نلمح رنة الحزن تلك في صوت فاروق وهو يتحدث عن استشهاد المناضل عبد المجيد شكاك فوق أيادي ثلة من الرفاق.

وسنوات السجن والاعتقال مابين كوبر وشالا أبطل فاروق مفعولها أولاً, ثم أحالها إلى مادة للإنس والسخرية المميتة. وكان فاروق عبقرياً لا يضُاهى فى هذا المضمار. لقد أجاد الوصف صديقنا الدكتور عبد السلام نور الدين في تأسيه ونعيه البليغ للفقيد. فقد تحدث عن: "امتلاك فاروق كدودة لأسلحة الدمار الشامل على طريقته الخاصة ـ النكات والسخريات ـ والطرائف البديعة التي يبتكرها ويصوغها بموهبة فذة ليبهج بها أصدقاءه وليحاصر عبرها خصومه". وصديقنا حلمي شعراوي الكاتب والناشر المصري الذي عمل معنا لما يقارب العام في جامعة جوبا، وصف فاروق بأنه "بطل غير متوج من أبطال حمل الأثقال!" كذلك كتب الدكتور عبد الله على إبراهيم بأن طيب الذكر سعيد محمد أحمد المهدي أطلق على فاروق تحبباً اسماً ووصفاً معبراً فكان يناديه "كدودة الغَز" التي تبصق حريراً صافيا.ً

 

التقيت فاروق للمرة الأولى في عام 1974 وقد جاء من جامعة موسكو للمشاركة في أحد مؤتمراتنا الحزبية في ألمانيا الديمقراطية (آنذاك). ولم يسعفنا الوقت للتعارف جيداً. وفي وقت لاحق، ذكرت له بأنني آثرت آنذاك أن أبتعد عن القادمين من موسكو باعتبارهم شخصيات هامة وخطيرة، فما كان من فاروق إلا أن أطلق ضحكته المدوية وتعبيره المعروف "يا أخي العفو..." . وهى معاذ الله! لقد أسعدني الحظ أن ألتقيه ثانيةً للعمل في جامعة جوبا. وكم نحن مدينين لفاروق بالعرفان بأن كان حاضراً في حياتنا. لله كيف أستطاع هذا الإنسان الفذ أن يكون بسيطاً وعفوياً في جانب وشديد الاعتداد بانتمائه ووفائه الصوفي لفكرة العدالة الاجتماعية والحرية في جانب آخر.

 

كان فاروق محباً لعمله ولزوجته وبنتيه. لا يتحدث عن نجاحاتهن الباهرة "متفشراً"، ولكنه لم يكن يخفي اعتزازه بهن. ومن من الناس لا يتهلل قلبه لمثل نجاحات دكتورة أسماء محلياً وعالمياً، والدكتورة غادة وساندرا. وبنفس القدر كان فاروق معلماً متمكناً، أحبه طلابه في كلية الاقتصاد آنذاك لعلمه وتواضعه ومرحه واستعداده الدائم للإصغاء لتظلمات طلابه بسبب صعوبة اللغة الإنجليزية أو المسائل الاقتصادية الشائكة. يحكى طلابه بأنه في إحدى المرات حاول بوسائل عديدة شرح بعض المسائل الاقتصادية باللغة الإنجليزية فاحتج بعض طلابه بأنهم لا يفهمون كل شيء. فوضع فاروق أوراقه جانباً وأخذ في شرحها باللغة العربية. بعد كل ذلك العناء نهض أحد الطلاب متعللاً بأنه لم يفهم كل شيء فلم يتردد فاروق في مخاطبته "طيب يا أخي نكلمك باللغة النوبية." وتلك لمحة من عبقرية التعامل التي انسحبت على كل مواقف الراحل العزيز.

 

على امتداد عشرات السنين التي جمعت بيننا، لم أر فاروق منكسر الخاطر مثلما رأيته عندما أوصدت إدارة جامعة جوبا الباب في وجهه بعد جدل محتدم بينه ومدير الجامعة آنذاك البروفسير عبد العال عبد الله عثمان. وفى أيام الصفا كان بروفسير عبد العال كلما إنبهم بمجلسه الرأي يلتفت إلى فاروق "يا أخي إنتو في الحزب الشيوعي بتحلوا المشكلة ده كيف." ولم يكن فاروق ممن تعوزه الحجة والحكمة.

 

ومن هم في مثل قدرات فاروق لم يكن بحاجة إلى تثنية للحصول على وظيفة. فحمل خبراته الوفيرة ليلحق بصديقنا الراحل بروفسير عبد الرحمن أبوزيد وعملا سوياً في تأسيس لإنشاء جامعة أم درمان الأهلية.

 

إلى أصدقائه العديدين وأهله ورفاقه وبناته وأبنائه الطلبة، وإدارات جامعتي جوبا وأمدرمان الأهلية هنالك دين واجب السداد لفاروق. دعونا نتقاسم المسئولية لنوفيه حقه من التخليد اللائق. دعونا نتوافق عليه وننجزه بحلول الذكرى الأولى لرحيله. ولعل في ذلك بعض الوفاء!

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco