header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبـــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(2)

شيبون: الأفندي المضاد

 

 

إلي روح الزميل الخاتم عدلان. كان أفندياً مضاداً من الطبقة الأولي. قال لي علي التلفون والعمر إلي نفاد: "لقد تبقى الكثير مما لم ينجز يا عبد الله." وصدق. ما زلت أذكرك يوماً في سجن شالا وقد طربت لعبارة "هديل الحمام" وكررتها مراراً. ربما هذا ما تبقى.

 

يكتنف المرحوم صلاح أحمد إبراهيم حب مما يسمي بالحب القاسي. وهو حب تركز في واقعة خصومته للشيوعيين دون مناهل حياته العذاب الجمة. وبدا هذا الحب يشمل بالعدوى صديقه المرحوم محمد عبد الرحمن شيبون الكاتب الشيوعي الذي مات منتحراً في الستينات الأولى. ومصدر هذه العدوى إن القلائل من الجيل الحدث الذين عرفوا عن شيبون عرفوه عن طريق صلاح في خضم خصومة عاصفة وممتدة مع الشيوعيين. فقد ذكر صلاح المرحوم شيبون في مقطع شعري لقصيدة "أنانسى" من ديوان "غضبة الهبباي" وارتدفه بهامش له عن الرجل. والقصيدة هجاء مر لأستاذنا عبد الخالق محجوب واتهام صريح له بتقتيل الشعب ببسمة معروفة عن قتلة الشعب. وفي سياق هذه الجريمة الكاملة قال صلاح أن أستاذنا حمل شيبون، حنجرة الشعب كما وصفه، على الانتحار. وجاء صلاح بهامش اقتبسه من كلمة كان نشرها شيبون عام 1960 قبيل انتحاره. وصارت الكلمة دليل صلاح الوثيق علي قتل الشيوعيين للرجل. ففي مقتطف صلاح نجد شيبون تحسر على أصدقاء السلاح الذين "رفعوا سلاحهم في وجهي وضربني من كنت أعلمه الرماية حتى اشتد منه الساعد وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام."

 

لم يكتب صلاح ترجمة وافية لشيبون. و لما كان ما قاله عنه هو كل ما نعرفه عن الرجل صح أن نقول أنه ترجمة لشيبون. ومن جهة نظرية فكلمة صلاح عن شيبون هي من صنف تراجم تتعلق بقوة ب "آخر ما قال المرحوم." ونبه كاتب أن الولع بهذه الكلمات الاخيرة للمرحوم قد يسوقنا إلي اصطناع الأساطير والتحريف. فبمثلها يثقل كاتب السيرة علي حياة صاحب الترجمة إثقالاً يجعلها الأدنى بينما يصبح موت صاحب السيرة هو الأعلى. ويبلغ إهمال حياة صاحب السيرة ذروته إذا مات المرحوم انتحاراً. فلحظة الموت الفاجع هذه هي وحدها التي تبرق أمام عين كاتب الترجمة فتعشيه عن مغزى حياة المترجم له الكلية. وبهذا التركيز المجازف علي لحظة الموت يصبح المترجم مثل صلاح بطلاً للترجمة بدلاً عن صاحبها الأصلي. ويصح بذلك قول القائل إن المترجم له يموت دائماً بما اتفق لكاتب الترجمة. فكاتب الترجمة يشحن كل إشارة أو كلمة أو فعل أخير وقع من أو للمرحوم بدلالاتٍ ومغازٍ اتفقت لذلك الكاتب اتفاقاً. وقال مؤلف لسيرة الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف أنه قرر أن لا يجعل من انتحارها مناسبة للترويج لسداد أي فكرة أو نظرية ما. فما يقتضيه واجب الترجمة الحق أن نكتب كل معلومة عن المترجم له وكل تفسير لحياته بقدر ما وسعنا من الدقة والشمول. و أضاف أنه مع ذلك لم يرد في ترجمته لولوف أن يصف انتحارها وصفاً يترك الانطباع بخلو ذلك الموت الصعب من دافع غامض أو غريب. وكان غاية قصده أن يصف ما وسعه كيف أنهت حياتها من غير إدعاء منه بأنه أو غيره يجرأ علي القول لماذا أقدمت علي الانتحار.

 

يبدو من القليل المتناثر من سيرة شيبون أنه عاش حياته القصيرة بمسئولية وشغف وتطلع شيوعي أغر. فهو من أبناء حاضرة أو ديم أبو زبد من كردفان وعملت أسرته، التي تنتسب إلى جوابرة بارا والأبيض، بالتجارة. وهو كاتب وشاعر وكان فاز بجائزة القصة في مسابقة جريدة "الصراحة" لعددها الأدبي الخاص الذي شهد جدل الدكتور النويهي والمرحوم محمد محمد علي وأشرقت علي صفحاته أقلام الجيل اليساري: صلاح أحمد إبراهيم وعلي المك وأبو بكر خالد والطيب زروق ومحجوب عبد المالك ومبارك حسن خليفة وآخرين. وقال الأستاذ جعفر محمد حامد (رجال وتاريخ، 1998) أن شيبون ممن تأثر بالحركة التقدمية المصرية مثل كمال حليم وعبد الرحمن الشرقاوي وإبراهيم عبد الحليم وفتحي الرملي. وقال الدكتور فاروق محمد إبراهيم أن شيبون وصلاح برزا في الجيل اليساري شاعرين في مقام شوقي وحافظ. وأضاف أنه كان يكتب في جريدة "المؤتمر" ، الناطقة باسم مؤتمر الخريجين، كتابة سلسة وناضجة بإمضاء م م ش. وقال أنهم عرفوا فيما بعد حين دخلوا الجامعة أن صاحب التوقيع هو "شيبون".

 

جاء شيبون إلي حنتوب في دفعة الأستاذ محمد إبراهيم نقد عام 1948. وصار عضواً بالحزب الشيوعي عام 1950 وهو في الثامن عشر ربيعاً في أول خلية شيوعية ضمته والمرحوم صلاح احمد إبراهيم. ومعرفتنا عن فترته القصيرة بكلية الخرطوم الجامعية أميز بفضل ما كتبه الدكتور فاروق محمد إبراهيم (الشيوعي 155-سبتمبر 1988) في باب "صفحات من تاريخ الحزب." جاء شيبون إلي الكلية في 1952 وفصل في نفس العام لعضويته في لجنة اتحاد الطلبة التي نظمت إضراب ومظاهرة 17 نوفمبر 1952. وكان الإضراب احتجاجاً ضد تطورات سياسية بعينها أعقبت الثورة المصرية في يوليو 1952. فلما أطاحت الثورة بالملك فاروق فتحت الباب لمفاوضات مع الإنجليز انتهت بإتفاقية الحكم الذاتي في 1953. وهي تطورات تشككت فيها جمهرة من السودانيين وعلي رأسهم الشيوعيين لظنهم أنها ستؤدي إلي استقلال شكلي لا روح له. وتمسكت هذه الجمهرة بعقيدة الكفاح المسلح لضمان مجيء الاستقلال بلا شق أو طق. ولذا نظموا احتجاج الكلية لشجب المفاوضات الجارية. ولم يكن الشيوعيين شذاذاً في هذا، فقد وقفت معهم كل الاتجاهات السياسية الأخرى في إضراب نوفمبر 1952. ولكن طامة الشيوعيين المعروفة مع اتفاقية 1953 أنهم ظلوا علي موقف معارضة المفاوضات حتى بعد أن أينعت وحان قطافها بينما قبل الآخرون بالثمرة. وعاني الشيوعيون العزلة من هذا التطرف. وقال فاروق أنه لم يقف معهم سوي 35 طالباً حين عرضت الاتفاقية للتصويت لجمعية الاتحاد العمومية. وكان هذا العدد أقل من عضوية الحزب بالكلية نفسها. وقد راجع الشيوعيون موقفهم المعزول هذا في دورة اللجنة المركزية في مارس 1953.

 

وربما لم يطل الفصل شيبون، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد، مثل ما طال نقد، السكرتير التنظيمي لرابطة الطلاب الشيوعيين، الذي قاد المظاهرة، لولا أنه القي خطاباً باسم الاتحاد لم يكن مؤهلاً له كمجرد عضو باللجنة التنفيذية. وحكي فاروق محمد إبراهيم ملابسات الأمر. فقد كان مفروضاً أن يلقي الكلمة جعفر الحسن رئيس الاتحاد. ولأنه طالب نهائي، تقرر أن لا يلقيه ووقع الدور علي نائب رئيس الاتحاد الذي هو فاروق نفسه. فكتب الخطاب وأعد نفسه ليلقيه ولكن لسبب أو آخر، لم يرد عند فاروق، تقرر أن يلقي شيبون الخطاب بينما لم يكن سوى عضو باللجنة التنفيذية للاتحاد. وفصل أيضاً السيد الأمين حاج أبو سكرتير الاتحاد.

 

ودخل المفصولون الثلاثة، شيبون وأبو ونقد، حلقة المتفرغين لعمل الحزب بعد حادثة الفصل هذه. والتفرغ للسياسة وظيفة مبتكرة لم تطرأ علي بال من وضع فلسفة التعليم والتوظيف في السودان يوم سمى كلية غردون ب "التجهيزي" أي أنها التي تعد الطلاب لخدمة الحكومة لا لمكافحتها. وعليه كان المتفرغ للسياسة هو "الأفندي المضاد" في عبارة للدكتور حسن الترابي. وقد أمسك شيبون نفسه بعصب المسألة في كلمة له نشرناها في حديثنا السابق. فقد قال انه عاني الأمرين في خياره أن يكون أفندياً مضاداً ممن جهزوه لأن يكون أفندياً ومن أصدقاء السلاح الذين أراد أن يتفرغ تفانياً لعقائدهم الجديدة. ووصف كيف تنفس الجميع الصعداء حين اشتغل أفندياً مثل غيره من الناس بثمن بخس دراهم معدودات. وقال: "وفي اليوم التالي ألقى الجميع أسلحتهم وأخذوا يلوحون بالتحية للقب الأفندي. وكنت أحييهم وأنا أردد: " عاشت بلادنا، بلاد الأفندية".

 

وسنقلب في حديثنا القادم حياة هذا الأفندي المضاد القصيرة وما أثارته من مسائل لحق منها بأستاذنا عبد الخالق محجوب والحزب الشيوعي رشاش كثير.

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco