header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

من محن الوطن

أشياخ التكفير.. أساتذة جامعات؟! *

د. عمر القراي

 

(إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم)

صدق الله العظيم

 

 

اطلعت مؤخراً، على كتيب بعنوان "فتاوي العقيدة والمذاهب"، مؤلفه هو د. عبد الحي يوسف. ولقد لفت نظري في البداية أن كاتبه مشار إليه بلقب "الدكتور" بدلاً من "الشيخ"! كما أن الكتاب ليس فيه اسم الجهة التي أصدرته، أو دار النشر التي طبعته، ووزعته، الأمر المخالف لكل نظم المسؤولية، في التوثيق العلمي. وحين اطلعت على الكتيب، وجدت انه ملئ بالفتاوي المتطرفة، التي تجنح للتكفير، والإثارة، والتحريض، والاستعداء على فئات مختلفة من الشعب السوداني؛ مما يعد جهلاً بحقائق الدين، واستهتاراً بالدستور، وباتفاقية السلام، التي ارتضت التباين الديني، والفكري، والثقافي، والسياسي؛ وأقرت مبدأ الحق في العيش الكريم، لأبناء الوطن الواحد، رغم اختلاف أديانهم، ومعتقداتهم.

 

ولقد افتتح الكتاب، بكلمة للناشر ـ الذي لم يورد اسمه ـ جاء فيها "وهذه المجموعة تمثل نماذج منتقاة لبعض الأسئلة التي وردت إلى موقع شبكة المشكاة الإسلامية وأجاب عليها فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم"! ولم يوضح لنا الكتيب لماذا قدمت هذه الأسئلة لذلك الموقع بالذات، ولا عن أي جماعة إسلامية يعبر ذلك الموقع، الذي يفخر بنشر فتاوى التكفير، ولماذا قدم الموقع الأسئلة للشيخ عبد الحي، دون سائر الفقهاء والوعاظ الذين درجوا على إصدار الفتاوى قبله.

 

ولقد كان من الممكن أن نتجاوز عن هذه الفتاوى الجاهلة، الحاقدة، البعيدة عن واقع العصر، لو أنها صدرت من شيخ عادي، بسيط، لا يتجاوز علمه "متن العشماوية"، أو "ألفية ابن مالك"، وما شابهها من الحواشي والمتون. ولكن أن تأتي الفتاوى المتطرفة من شيخ بلقب "دكتور" في جامعة الخرطوم، ثم هو، رغم هذه  العقلية، المسؤول عن الثقافة الإسلامية، في هذه المؤسسة العريقة، فأمر لابد من الوقوف عنده. ذلك أن هذه الظاهرة الغريبة، إنما تشير إلى أمرين خطيرين: أولهما انتشار التيارات الدينية المتطرفة، التي تسيء إلى الإسلام أبلغ الإساءة، بما تعكسه من ممارسات إرهابية، تخالف جوهر الدين، وتشوه صورته، في نظر العالم. ثم هي منسوبة بصورة أو أخرى لحكومة الإنقاذ، التي سمحت بها، رغم أن الحكومة  تحاول جاهدة تبرئة ساحتها من تهم الإرهاب، وتصرح مراراً بأنها تسعى لإقرار السلام في دارفور كما أقرته في الجنوب، علها بذلك تمحو تهمة الإرهاب، وتدفع شبح تدخل القوات الدولية، الذي لا يبرره شيء مثل الإرهاب والعنف.

 

أما الأمر الآخر فهو تسرب هذه الاتجاهات الإرهابية، التكفيرية، إلى مؤسسات التعليم العالي، دون كفاءة علمية، ودون اعتبار للوائح، والنظم، ومعايير التعيين في هذه المؤسسات؛ مما أسقط هيبة الجامعات، وحد من قدرتها على المنافسة في التقييم العالمي، وأثر سلباً على تربية وتأهيل النشء وأكد ما ظلت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان تردده، من أن ما حدث للتعليم العالي، في السودان، يرقى إلى حد الانتهاك لحقوق الإنسان.

 

 

داعية الفتنة.. كيف يفكر؟

 

والشيخ عبد الحي يوسف، لم يبدأ الفتنة بهذه الفتاوى العجيبة، وإنما درج على تصدر كافة المناسبات العامة، التي تتعلق بأي موقف سياسي، أو فكري، ليحولها إلى مأساة، بزرع بذور الفتنة، والفوضى، وتهديد أمن المواطنين. فقد قاد مجموعة من الشبان، تهتف "الحد الحد للمرتد" أمام قاعة المحكمة التي برأت المرحوم محمد طه محمد أحمد من تهمة الردّة، التي حاول جاهداً أن يلصقها به! وسبق أن هاجم معرض الأخوة المسيحيين بجامعة الخرطوم، وحرض عليه، واستنكر وجوده، مما أثار سخط المتطرفين، فقاموا بحرقه، وأهدروا بذلك حق أولئك المواطنين في التعبير عن معتقداتهم، وعرضوا أرواحهم للخطر، واتلفوا ممتلكاتهم! ولقد كانت تلك الفتوى الجاهلة مخالفة واضحة لقوله تبارك وتعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم إن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، ولقوله  تعالى "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". ثم إنها مخالفة للدستور، واخذ للقانون في اليد، وكل ذلك لا يليق بالطالب الجامعي، فأعجب أن يقوم به الأستاذ الجامعي، داخل الحرم الجامعي! ثم لا يساءل عما اقترف من جريمة التحريض! لقد كان أجدر بالشيخ عبد الحي أن يعرض للأفكار التي يختلف معها فيبين حقها من باطلها، ويمكن أن يحاور أصحابها فيهدي الله لنوره من يشاء، ولكن أسلوب التكفير والإثارة وتحريض البسطاء، ليقوموا هم نيابة عنه، بما يدعي انه واجب ديني، حتى يكون هو بمعزل عن المساءلة القانونية، إنما هو عمل ينقصه الصدق، وتنقصه المروءة!

 

ولم يكن سبب تحريض عبد الحي، ضد المسيحيين، غضب مفاجئ، لم يستطع تمالكه، وإنما يرجع إلى إيمانه الراسخ بعدم التقارب بين الأديان المختلفة!! فقد سأله أحدهم "كثر الحديث هذه الأيام عن التقارب بين الأديان فما صحة هذا القول؟" فأجاب عبد الحي "... فإن الدعوة إلى التقارب بين الأديان يراد من ورائها التسوية بين الحق والباطل والهدى والضلال والكفر والإيمان... فالتقارب بين الأديان بدعة ضلالة تولى كبرها الماسون ومن خدع بهم أو باع آخرته بدنياه" (فتاوى العقيدة والمذاهب - الجزء الأول صفحة 20). ولو كان الشيخ عبد الحي، يعرف أقل القليل عن الأديان، لعرف أنها متقاربة لأن مصدرها واحد، وأصلها واحد، وغايتها واحدة. أما مصدرها فهو الله سبحانه وتعالى، وأما أصلها فهو كلمة التوحيد "لا اله إلا الله"، وأما غايتها فهي تجسيد كلمة التوحيد، في الخلق.. قال تعالى عن وحدة الأديان "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله". ولو كان الشيخ عبد الحي يعرف، لعرف أن من أسباب التقارب بين الأديان، إن ما جاء به القرآن، هو ما ورد في الكتب المقدسة قبله، قال تعالى "ان هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى".. وأن الاختلاف وقع في الشرائع، قال تعالى "لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً" لاختلاف الزمان، وحاجة كل زمان لما يناسبه من التشريع. فالتقارب إذاً هو الأساس، والاختلاف فرعي، وهو لا يبرر التباعد، الذي افتعله الجهلاء، من اتباع الأديان، وليس أدل على ذلك من هذه الفتوى!

 

ومن نماذج الفتاوى التي تنطوي على النفاق، تحريم الشيخ عبد الحي العمل في الأمم المتحدة!! فقد سألته إحدى النساء "بحكم عملي أخالط كثيراً من النصارى، نتناول الطعام سوياً أثناء العمل، أشاركهم في بعض الدعوات والحفلات في منازلهم وبعض الأماكن العامة فما مدى حرمة ذلك؟ مع العلم بأني التزم بالزي الإسلامي حتى في هذه الحفلات." فكانت إجابة عبد الحي "فالحكم على عمل ما بالحل أو الحرمة يتوقف على معرفة ماهية ذلك العمل، وهل يندرج تحت التعاون على البر والتقوى أم التعاون على الإثم والعدوان؟ وها هنا أسئلة تستطيعين من خلال الجواب عنها معرفة حكم عملك في تلك الهيئة: هل الأمم المتحدة تنتصر لقضايا المسلمين أم العكس؟ هل هي، في أحكامها ونظمها، تخضع لما أنزل الله أم العكس؟ أما مخالطتك لهم وأنت أنثى فما ينبغي لك ذلك بل المطلوب من المسلمة أن تلزم حدود الإسلام بألا تخالط الرجال إلا لضرورة أو حاجة، وحسبك أن تعلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال بالنساء حتى في المسجد وفي الصلاة، فاتقي الله في نفسك ودينك" (المصدر السابق ص 22-23). فهل كان الشيخ عبد الحي صادقاً في هذه الفتوى، وهل هو مطبق لها في الجامعة، حيث الطلاب والطالبات في المعمل، وفي المكتبة، وفي الفصل، وفي فناء الجامعة، في حالة اختلاط؟ وهل يطلب الشيخ عبد الحي، من أي طالبة تسأله في الجامعة سؤالاً، أن تخاطبه من وراء حجاب؟! وهل ركب عبد الحي يوماً المواصلات العامة، أو ركب الطائرة، وجلست بقربه امرأة، فترك المركبة في الحال؟! وإذا كانت الأمم المتحدة، لا تخضع في أحكامها، ونظمها، لما أنزل الله، فمن أولى بأن يقال له ذلك، موظفة بسيطة، أم حكومة السودان، التي تتعامل، وتتعاون، وتستلم المعونات من الأمم المتحدة؟

 

 

تكفيره للحركة الشعبية

 

لقد ورد السؤال كالآتي: "ما رأي الشرع في انضمام رجل مسلم إلى الحركة الشعبية كتنظيم سياسي مع العلم أن قيادتها لم يكونوا مؤمنين؟" فأجاب الشيخ عبد الحي "فلا يجوز لعبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينضم لحركة تعادي الإسلام وأهله سواءً كانت الحركة الشعبية أو غيرها من الأحزاب الإلحادية والعلمانية التي تجاهر بعداوة الإسلام أو تكون برامجها مشتملة على الدعوة إلى إقصاء الدين عن الحياة... والحركة الشعبية على وجه الخصوص لم تخف في يوم من الأيام عداوتها للإسلام وأهله وأعلنت مراراً عن نيتها وسعيها لإقامة ما يسمونه بالسودان الجديد يعنون بذلك سوداناً علمانياً لا مكان للدين فيه، كما أنهم قد بدت البغضاء من أفواههم تجاه كل ما يمت للعروبة بصلة، وما فتئوا ينادون بأن سكان السودان الأصليين هم الزنوج وأن العرب الجلابة ليسوا إلا غزاة إلى غير ذلك من الترهات التي يبثونها ويدندنون حولها مراراً وتكراراً، وان المرء لا ينقضي منه العجب حين يرى منتسبين إلى الإسلام يسارعون فيهم لنيل عرض من الدنيا قليل يبيعون من اجله دينهم ويوادون من حاد الله ورسوله فإذا عوتبوا يقولون "نخشى أن تصيبنا دائرة" وهم يجهلون حكم القرآن الواضح "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم أن الله لا يهدي القوم الظالمين" (فتاوى العقيدة والمذاهب، د. عبد الحي يوسف صفحة 24-25).    

 

إن فتوى الشيخ عبد الحي لا عبرة بها من حيث الفهم الديني السليم. ذلك أن الحركة الشعبية قد حاربت بشرف، وحين جنحت للسلم، حق على محاربيها أن يجنحوا له أيضاً، نزولاً عند قوله تبارك وتعالى "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله أنه هو السميع العليم". ولأنه في أصل الدين، فإن الإنسان حر أن يختار الإسلام أو يختار غيره. قال تعالى في ذلك "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"! ومن احترام الإسلام لإنسانية الإنسان، بغض النظر عن معتقده، فقد أمر بحسن معاملة غير المسلمين، قال تعالى "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين"، وقال جل من قائل "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون"! فإذا قال الشيخ عبد الحي أن هذه الآيات منسوخة، وإن الآيات المحكمة هي آيات القتال، فليسأل نفسه لماذا أنزل الله هذه الآيات الإنسانية الرفيعة إذا كانت لن تطبق مطلقاً؟ لقد أنى للمتصدرين لأمر الإسلام، أن يعلموا أن النسخ إنما هو إرجاء، وليس إلغاء، وأن الآيات التي تدعو للسلام، والمودة، والحسنى بين المسلمين وغير المسلمين، هي أصل الدين، وهي صاحبة الوقت اليوم، ولا بد من بعثها، ومعيشتها، حتى لا يتناقض ديننا مع حياتنا، فيقبل الشيخ عبد الحي أن يكون زعيم الحركة الشعبية نائباً لرئيس الجمهورية، ومسؤول عن كل البلد في حالة غياب الرئيس، ومسؤول عن المؤسسات التابعة لرئاسة الجمهورية، بما فيها مجمع الفقه، الذي يعمل عبد الحي موظفاً فيه، ثم هو وكل أعضاء تنظيمه يعتبرون مع كل ذلك، في نظر عبد الحي، كفاراً! أما كان الأجدر بعبد الحي أن يستقيل أولاً، عن كل مؤسسات الحكومة، ويعلن معارضته لها، لأنها والت الكفار، ولم تتبع الآية التي أوردها لنا، في حديثه أعلاه، وهي قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"، قبل أن ينصرف عن هذا الواجب المباشر، إلى تكفير الذين انضموا للحركة الشعبية؟!

 

ولو ترك الشيخ عبد الحي أمر التكفير جانباً وفضل تقبل الفهم، لشرحنا له كيف أن الآية التي أوردها ومثيلاتها، آيات فروع، تنزلت عن الأصل، مناسبة لطاقة المجتمع في الماضي، حيث العرف السائد قد كان القتال. وأما العرف اليوم، فهو السلام، ونحن مأمورون بإتباع العرف، إذا لم يخل بغرض من أغراض الدين. قال تعالى "خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين". هذا العرف، إنما  يدعونا إلى إحسان معاملة  المسيحيين، التزاماً بآيات الأصول، مثل قوله تعالى "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون"! ولو انشغل الشيخ عبد الحي بالتفكير عن التكفير، لدعوناه ليتأمل قوله تعالى "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"!

 

أما من حيث الفهم الإنساني، فان هذه الفتوى جريمة نكراء، لأنها مخالفة تبلغ حد الاستهزاء بالدستور، وباتفاقية السلام، ثم هي خطيئة لا تغتفر في ميزان الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث حرية الاعتقاد حق راسخ نصت عليه كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ثم انها بالإضافة لكل ذلك  إثارة للبسطاء، والمضللين باسم الدين، ليأخذوا القانون في أيديهم، فيثيروا الفوضى ويقتلوا زعماء الحركة الشعبية، أو المتعاونين معهم! ولقد حدثت مثل هذه الفتن، من قبل، في يوم الاثنين المشؤوم، وأزهقت فيها أرواحاً بريئة، فلماذا يريد عبد الحي أن يكررها؟! ثم ان الدعوة لعدم التعاون مع الحركة الشعبية، بعد توقيع الاتفاق معها، نكوص عن العهد، وخيانة للاتفاق (وان الله لا يهدي كيد الخائنين)! ومن هنا، يجب عدم السكوت على هذه الفتوى  الحمقاء، أو قبولها باعتبارها مجرد رأي ديني، من حق الفقهاء إشاعته بين الناس.

 

وحين حرض الشيخ عبد الحي المواطنين المسلمين على عدم موالاة أعضاء الحركة الشعبية، أورد الآيات التي تحذر من ذلك، وتعتبر المسلمين الموالين للنصارى مثلهم، كقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"! والمواطنين الذين يحذرهم الشيخ عبد الحي، لم يوقعوا اتفاقية السلام، وإنما وقعها قادة الحكومة، الذين أوقفوا الحرب. فهل يقصد الشيخ عبد الحي ـ بإيراده لهذه الآية ـ بأن قادة حكومة الإنقاذ خرجوا عن الدين، وأصبحوا مثل النصارى؟! وإذا كان هذا هو رأيه الخفي، في قيادات الحكومة، فلماذا يتعامل معهم، ويأتمر بأمرهم، وهم في رأيه قد خرجوا على أمر الله؟! أليس في هذا نفاقاً، لا يبقي لأحد ديناً ولا يذر؟! إن خطورة مثل إشاعة هذه الفتاوى الجاهلة، هي أن يسمعها بعض البسطاء، المضللين، فيعتدوا حتى على من كانوا قادتهم في الجماعة الإسلامية، من رموز حكومة الإنقاذ، بحجة أن عبد الحي قد قال أنهم مثل أهل الكتاب، لأنهم موالين لهم وشركاء معهم في حكومة واحدة!!

 

 

تكفيره للجمهوريين

 

ولقد كفر الشيخ عبد الحي الجمهوريين، دون أن يناقش أفكارهم، ودون أن يحاورهم فيها، وظن من الشذرات، التي بترها عن قصد، من هنا وهناك، أن أمر تكفير الأستاذ محمود، والجمهوريين، بداهة لا تحتاج حتى أن يتردد في إطلاقها، ولذلك يقول: "فإن الفكر الجمهوري الذي كان داعيته والمنظر له الهالك المذموم "محمود محمد طه" فقد حوى جملة من المصائب والطامات تجعل الحكم عليه بيناً... إنكاره لأمور قد علمت من دين الإسلام بالضرورة كوجوب الحجاب على المرأة ووجوب الزكاة وإباحة تعدد الزوجات.... سوء أدبه مع الله وأنبيائه ورسله ودينه وقد طفحت بذلك منشوراته ومؤلفاته... بلغ من زندقته وفساد عقله أن ظن أن أحكام الإسلام موقوتة وأن اختلاف الزمان يأتي على أصلها.... وإذا تبين مروق هذه الفرقة من دين الإسلام فانه لا يحل لمسلم أن يتزوج من نسائهم لقوله تعالى "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" ولو استبان لزوج أن امرأته تعتنق هذا الفكر لوجب عليه فراقها إن لم تتب، لقوله تعالى "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" ولا يحل لمسلمة كذلك أن تتزوج رجلاً يعتنق هذا الفكر، لقوله تعالى "ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم"(المصدر السابق ص 28-33).

 

ولو كان الشيخ عبد الحي، يملك من الورع، ما يجعله ينقل من كتب الجمهوريين، نقلاً صحيحاً، غير مبتور، لناقشنا الحجج التي أوردها، في فتواه البائسة. ويمكن لمن اطلع، على كتب الأستاذ محمود، أن يدرك دون عناء، أن معظم ما أورده عبد الحي، مزور، ومحرف، ومبتور بقصد، حتى يعطي فهماً معاكساً. ونحن هنا، نكتفي بمثال واحد، مما أورد، لندلل على كذب هذا الشيخ!  فقد كتب عبد الحي "رابعاً: سوء أدبه مع الله وأنبيائه ورسله ودينه وقد طفحت بذلك منشوراته ومؤلفاته حيث وصف رب العالمين جل جلاله بالحقد حين يخلد الكفار في النار فقال في كتابه الرسالة الثانية ص78 "وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار وداخله الجنة حين تستوفي كتابها من النار وقد يطول هذا الكتاب وقد يقصر حسب حاجة كل نفس إلى التجربة ولكن لكل أجل قدر ولكل أجل نفاد، والخطأ كل الخطأ في ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً فجعل بذلك الشر أصلاً من أصول الوجود وما هو بذلك، وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقدة" (المصدر السابق صفحة 30).

 

أما النص الحقيقي فهو كالآتي "وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار وداخلة الجنة، حين تستوفي كتابها في النار، وقد يطول هذا الكتاب، وقد يقصر، حسب حاجة كل نفس إلى التجربة، ولكن، لكل قدر أجل، وكل أجل إلى نفاد. والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً، فجعل بذلك الشر أصلاً من أصول الوجود، وما هو بذاك. وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقدة، لا مكان فيها للحكمة، وعن ذلك تعالى الله علواً كبيراً" (الرسالة الثانية صفحة 104-105 ).

 

وحذف الشيخ عبارة (وعن ذلك تعالى الله علواً كبيراً)، وإنهاء النص عند كلمة "حاقدة"، ليصل إلى غرضه المبيت، في اتهام الأستاذ بما ذكر، بالإضافة إلى دلالته على ضعف الأخلاق، والكذب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يكذب المؤمن"، إنما يدل أيضاً على عدم الأمانة العلمية، وضعف التدريب في مجال البحث العلمي، الذي يقتضي الرجوع إلى المراجع، ودقة التوثيق. وهو ما يفترض أن يكون الشيخ قد حصل فيه على درجة الدكتوراة، التي يفضل أن يوصف بها، دون أن يملك أبجديات مقدماتها!!

 

 

إلى مجلس أساتذة جامعة الخرطوم

 

إننا نسأل مدير جامعة الخرطوم، ومجلس أساتذتها، هل بلغ الهوان بهذا المؤسسة العريقة، أن تقبل أن يكون أحد أساتذتها منذور الحظ من الأمانة العلمية، لدرجة بتر النصوص، التي يفترض أن يناقشها ويقيم على أساسها أفكاراً مكتوبة؟! وهل يصح أن يكون مثل هذا الشخص، مسؤولاً عن الثقافة الإسلامية في الجامعة؟! وإذا كان الأستاذ الجامعي، مجرداً من أبسط شروط الحياد الفكري، فكيف يشرف على بحوث طلابه، بل كيف استطاع أن يحصل على درجته العلمية؟!  

 

ولعل ما يدعو للتشكيك في الدرجات العلمية، التي تمنحها الجامعات السودانية، وفي مقدمتها جامعة الخرطوم، ما لحق بالتعليم من خراب، في الآونة الأخيرة. حيث تدخلت السلطة السياسية، حتى في المستويات والنظم الأكاديمية، بغرض كسر مقاومة الجامعة السياسية، وإحكام السيطرة عليها، وترفيع الحكومة للموالين لها، من عديمي الكفاءة. فقد كتب أستاذ جامعي عريق هو الدكتور محمد سعيد القدال "فتحولت الجامعة من مؤسسة قومية أكاديمية إلى حظيرة خلفية لحزب سياسي حيث يتم التعيين والترقيات فيها بالولاء الحزبي" (الصحافة العدد3927 بتاريخ 5/5/2004). ولقد كان سبب نقد د. القدال لجامعة الخرطوم، هو منحها لدرجة الماجستير والدكتوراه لأحد رموز الجماعات الإسلامية، وهو لا يعرف حتى كيف يرتب مراجع البحث، بل أنه يشتم الأشخاص الذين يتعرض إليهم في رسالته الدراسية بألفاظ  تشبه شتائم الوعاظ وخطبهم التكفيرية، ولكنها لا تقبل في مضابط لغة البحث العلمي! ولقد استغرب د. القدال، كيف تجاز رسالة دكتوراة بهذا الضعف، والخلل، فذهب يبحث عن الأستاذ المشرف، فوجد أنه أيضاً من رموز الحركة الإسلامية، وأنه هو نفسه، لا يملك درجة علمية تؤهله ليمنح الدرجات العلمية للآخرين!! كتب د. القدال "أشرف على الرسالتين الأستاذ حافظ الشيخ الزاكي. وأمر هذا الأستاذ مع جامعة الخرطوم مثير للعجب. فبعد أن تخرج من جامعة الخرطوم عمل بالمحاماة والسياسة... ولكنه لم يمارس أي نشاط أكاديمي سواء كان نظرياً أو عملياً إلا حصوله على درجة الماجستير. وفي بداية حكم الجبهة عام 1989 استدعي من منزله وعين عميداً لكلية القانون أمام دهشة الوسط الجامعي. ولقي تعيينه معارضة قوية ولكن السلطة القابضة على زمام الأمور والمدير فرضوه فرضاً... ولم يمر الأستاذ حافظ بمعاناة التحضير للدكتوراه ولا بمشقة البحث العلمي... ثم أصبح الأستاذ الزاكي يشرف على رسائل الدكتوراه والماجستير فما هي النتيجة؟ النتيجة هي هذه الرسائل التي تفقد أغلب مقومات البحث الأكاديمي" (المصدر السابق).

 

لقد هدد أساتذة جامعة الخرطوم بالإضراب في مواجهة القرار الجائر الذي يقضي بإحالة الأستاذ الجامعي للمعاش في سن الستين. ووقفوا موقفاً محترماً خلف نقابتهم الشرعية،  فيجب ألا تنتهي ثورتهم عند هذا الحد، وإنما تستمر لتشمل إصلاح الجامعة. وأول خطوات الإصلاح مراجعة مؤهلات الأساتذة، لتقدم الكفاءة والخبرة على الولاء السياسي، ومراجعة المناهج، لتقدم الأفكار العلمية على المفاهيم المتخلفة. فإذا تم ذلك، فإن أمثال الشيخ عبد الحي لن يجدوا مكاناً في الجامعة!! كيف يكون عبد الحي يوسف، بهذا المستوى، مسؤولاً عن الثقافة الإسلامية في الجامعة؟! وما هي الثقافة الإسلامية التي يعرفها، إذا استثنينا دعاوى التكفير التي يطلقها هنا وهناك؟!

 

 

إلغاء حكم الردّة

 

ومن عدم الأمانة العلمية، وعدم الحياد، واتباع الهوى، والغرض، أن يكتب الشيخ عبد الحي: "وصدر الحكم بردة محمود من المحكمة الشرعية يوم 27 شعبان 1388هـ الموافق 18/11/1968م ثم صدر حكم آخر من المحكمة الجنائية رقم 4 بأمدرمان بتاريخ 8/1/1985م ثم قرار محكمة الاستئناف الجنائية بالخرطوم الصادر في 15/1/1985م" (فتاوى العقيدة والمذاهب ص 32). ذلك أن الفتوى تقوم على النصيحة وليس على إخفاء جزء من الحقيقة وإخبار السائل بما يروق للمفتي! فرغم أن حكم قضاة نميري، وفقهائه، قد أدين سياسياً بواسطة الشعب السوداني الذي اسقط النظام بعد 76 يوماً من تنفيذ الإعدام على الاستاذ محمود، إلا أنه كان لابد من إدانة الجريمة قانونياً، لأنها ارتكبت باسم القانون. فلماذا لم يورد الشيخ عبد الحي أن المحكمة العليا قد أبطلت ذلك الحكم؟! ألا يطعن في صدق الفتوى إخفاء هذه الحقيقة الهامة؟!

 

 في 25 فبراير 1986، رفعت الأخت الأستاذة أسماء محمود، والأخ الأستاذ عبد اللطيف عمر، عريضة دعوى تطالب بإعلان بطلان إجراءات المحاكمة، التي تمت للأستاذ محمود محمد طه، وأربعة من الإخوان الجمهوريين. ولقد رفعت الدعوى ضد حكومة جمهورية السودان إلى المحكمة العليا، الدائرة الدستورية، وتم نظرها بواسطة السادة القضاة:

 

السيد محمد ميرغني مبروك رئيساً، السيد هنري رياض سكلا عضواً، السيد فاروق أحمد إبراهيم عضواً، السيد حنفي إبراهيم محمد عضواً، السيد زكي عبد الرحمن عضواً، السيد محمد حمزة الصديق عضواً، والسيد محمد عبد الرحيم عضواً.

 

وكانت هيئة الدفاع، التي تولت رفع الدعوى، مكونة من السادة المحامين:

 

د. بيتر نيوت كوك، الأستاذ عبد الله الحسن، الأستاذ عابدين إسماعيل، الأستاذ طه إبراهيم، الأستاذ جريس أسعد، والأستاذ محمود حاج الشيخ. وبعد تقديم هيئة الدفاع مرافعتها  طلبت المحكمة، من النائب العام، السيد عمر عبد العاطي، باعتباره ممثل الحكومة، ان يرد على مذكرة الادعاء المرفوعة بواسطة المحامين، فجاء ردّه كالآتي:

 

1-  نعترف بأن المحاكمة لم تكن عادلة ولم تتقيد بإجراءات القانون.

 

2-  أن المحاكمة إجهاض كامل للعدالة والقانون.

 

3-  لا نرغب في الدفاع إطلاقاً عن تلك المحاكمة.

 

 وبعد المداولات، جاء قرار المحكمة العليا، الذي أبطل الحكم الجائر، وانتصر لمصداقية القضاء السوداني، بصورة مطولة، ودقيقة، نقتطف منه هنا ما يأتي:

 

"إن محكمة الاستئناف، وفيما نوهنا به، اشتطت في ممارسة سلطتها على نحو كان يستحيل معه الوصول إلى حكم عادل تسنده الوقائع الثابتة وفقاً لمقتضيات القانون. ويبين ذلك جلياً مما استهلت به المحكمة حكمها حين قالت:

 

"ثبت لدى محكمة الموضوع من أقوال المتهمين ومن المستند المعروض أمامها وهو عبارة عن منشور صادر من الإخوان الجمهوريين أن المتهمين يدعون فهماً جديداً للإسلام غير الذي عليه المسلمون اليوم... الخ". وبمراجعة المستند المشار إليه وأقوال المتهمين التي أدلوا بها أمام المحكمة الجنائية لا نجد سنداً لهذه النتيجة الخطيرة التي نفذت إليها محكمة الاستئناف مما يكشف عن حقيقة واضحة هي أن المحكمة قد قررت منذ البداية أن تتصدى بحكمها لفكر المتهمين وليس لما طرح أمامها من إجراءات قامت على مواد محددة  في قانون العقوبات وأمن الدولة وأدى إلى تحريكها منشور محرر في عبارات واضحة لا تقبل كثيراً من التأويل.

 

وسرعان ما انكشف أمر المحكمة حين وقعت عينها على ما ورد في حكم المحكمة الجنائية من إشارة إلى "التوبة" فاعتبرت ذلك "إشكالاً" لا بد لها من أن توجد له حلاً "لأن التوبة ليس منصوصاً عليها في العقوبة المذكورة (تعني عقوبة الإعدام التي أصدرتها المحكمة الجنائية) ولعل محكمة الموضوع جعلتها من قبيل المسكوت عنه الذي يجوز الحكم به وفق المادة (3) من قانون أصول الأحكام لما لاحظت في المنشورات (هكذا بالجمع) موضوع البلاغ من العبارات الموجبة للردّة فحكمت عليهم بالعقوبة الشاملة لحد الردّة مع إعطائهم فرصة التوبة والرجوع إلى الصراط المستقيم". واستطردت المحكمة بقولها: "ولكي نقوم هذا القرار التقويم الصحيح لا بد من الإجابة على سؤالين: الأول، هل الردّة معاقب عليها في القانون؟ والثاني، هل كان فعل محمود ومن معه يشكل ردّة وخروجاً على الدين؟"

 

وفي السؤال الأول خلصت المحكمة إلى أن المادة (3) من قانون أصول الأحكام "تعطي حق الحكم في الأمور المسكوت عنها" وأن الردّة جريمة ثابتة بالكتاب والسنة والاجتهاد، وأن المادة 458 (3) من قانون العقوبات تبيح توقيع العقوبة الشرعية ولما كانت الردّة حداً شرعياً فانه يلزم توقيع عقوبتها.

 

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فقد استهلت المحكمة الإجابة عليه بقرار جازم بأن "المحكوم عليه محمود محمد طه (هكذا وحده) مرتد بأقواله وأفعاله في يومية التحري التي أقر بها أمام المحكمة وأقواله المدونة المعروفة لدى الناس عامة وأفعاله الكفرية الظاهرة فهو تارك للصلاة لا يركع ولا يسجد..الخ"

 

ثم استشهدت المحكمة بحكم محكمة الاستئناف الشرعية بالخرطوم الذي صدر عام 1968 بإعلان ردّة محمود محمد طه واستعرضت بعضاً مما جاء في كتب الجمهوريين وما صدر من المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي من تأييد لحكم عام 1968 وما صدر من مجمع البحوث الإسلامية بجمهورية مصر العربية من وصف لفكر محمود محمد طه "بالفكر الملحد" وخلصت محكمة الاستئناف الجنائية من كل ذلك إلى أنه "مما تقدم يتضح أن محمود محمد طه مرتد عن الدين ليس فقط ردّة فكرية فردية، وإنما هو مرتد بالقول والفعل داعية إلى الكفر معارض لتحكيم كتاب الله..."

 

ولعلنا لا نكون في حاجة إلى الاستطراد كثيراً في وصف هذا الحكم فقد تجاوز كل قيم العدالة سواء ما كان منها موروثاً ومتعارف عليه، أو ما حرصت قوانين الإجراءات الجنائية المتعاقبة على النص عليها صراحة، أو انطوى عليه دستور 1973 الملغى رغم ما يحيط به من جدل.

 

ففي المقام الأول أخطأت محكمة الاستئناف فيما ذهبت إليه من أن المادة (3) من قانون أصول الأحكام لسنة 1983 كانت تبيح لها ـ أو لأي محكمة أخرى ـ توجيه تهمة الردّة.على أن محكمة الاستئناف لم تكن عابئة فيما يبدو بدستور أو قانون إذ أنها جعلت من إجراءات التأييد التي ظلت تمارسها المحاكم المختصة في سماحة وأناة وبغرض مراجعة الأحكام مراجعة دقيقة وشاملة، محاكمة جديدة قامت المحكمة فيها بدور الخصم والحكم مما حجبها عن واجبها حتى بفرض صحة توجيه تهمة جديدة في هذه المرحلة في أن تعيد الإجراءات مرة أخرى لمحكمة أول درجة لإعادة المحاكمة بموجب التهمة الجديدة وذلك فيما تقضي به المادة (238) (هـ) من القانون أو أن تتجه إلى سماع المحكوم عليهم بنفسها وفاءً بواجبها في ذلك بموجب المادة (242) من القانون ذاته، التي، وإن كانت ترد في صيغة تقديرية، إلا إنها تأخذ شكل الإلزام عندما يكون السماع ضرورياً. ولا نرى ضرورة توجب السماع أكثر من أن يكون الحكم الذي تقرر المحكمة إصداره بالردّة التي عقوبتها الإعدام.

 

وقد كان منهج محكمة الاستئناف اكثر غرابة، حين استندت في حكمها على مسائل ليس من شأنها أن تقوم مقام الأدلة التي يجوز قبولها قانوناً. ومن ذلك ما أشارت إليه تلك المحكمة من الأقوال "المعروفة للناس عامة" والأفعال "الكفرية الظاهرة" في ترك الصلاة وعدم الركوع والسجود. وما إلى ذلك مما لا يتعدى في أحسن حالاته الأقوال النقلية والعلم الشخصي وليس في أي منهما ما يرقى إلى الدليل المقبول قانوناً (راجع المادتين 16 و35 من قانون الإثبات لسنة 1983).

 

ولم تكتف المحكمة في مغالاتها بهذا القدر، وإنما تعدته إلى الاستدلال بقرارات وآراء جهات لا سند في القانون للحجية التي أضفتها المحكمة على إصداراتها، أما حكم محكمة الاستئناف الشرعية العليا التي عولت عليه محكمة الاستئناف الجنائية كثيراً، فإنه يستوقفنا فيه أنه حكم وطني يلزم استبيان حجيته نظراً إلى ما يمكن أن تثيره طبيعته الوطنية من تساؤل حول تلك الحجية. والحكم المشار إليه صدر في 18/11/1968 في القضية 1035 /68 حيث قضت محكمة الاستئناف الشرعية العليا بالخرطوم بإعلان محمود محمد طه مرتداً. وأول ما تجدر ملاحظته في شأن ذلك الحكم انه صدر حسبة كما وقع غيابياً، والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان في ذلك ما يقوم مقام الحكم الجنائي بالردّة؟

 

وفي تقديرنا أن الإجابة القطعية أن ذلك الحكم لا يستحق هذه الصفة وذلك لأن المحاكم الشرعية ـ ومنها محكمة الاستئناف الشرعية العليا في ذلك الوقت ـ لم تكن تختص بإصدار أحكام جنائية، بل كانت اختصاصاتها مقتصرة على مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين من زواج وطلاق وميراث وما إلى ذلك مما كانت تنص عليه المادة الخامسة من قانون المحاكم الشرعية لسنة 1967 الساري وقتئذ (وليست المادة 6 من قانون 1902 فيما تشير إليه هيئة الإدعاء).

 

وأبلغ دليل على عدم اختصاص المحكمة الشرعية فيما أصدرته من حكم أن ذلك الحكم جاء غيابياً فما نحسب أن محمود محمد طه كان حصيناً من سلطة الإجبار التي كانت تتمتع بها المحكمة فيما لو كانت محكمة ذات اختصاصات جنائية. كما يقف دليلاً على عدم الاختصاص أن المحكمة لم تجد سبيلاً لتنفيذ الحكم لا في ذلك الوقت ولا في أي وقت لاحق وهو ما لم يكن يحول دونه غياب المحكوم عليه خاصة وأن للحكم عقوبة مقررة شرعاً هي أعلى مراتب العقوبات المدنية.... على أن الآثار المترتبة على حجب الإجراءات عن المحكمة العليا وحصرها في محكمة الاستئناف الجنائية، اتخذت شكلها المأساوي حين تم تنفيذ حكم الإعدام على محمود محمد طه، بإغفال تام لنص المادة (247) من قانون الإجراءات الجنائية، رغم انه كان من الثابت انه جاوز السبعين من عمر وقتئذ. ولعلنا لا نتجنى على الحقيقة لو أننا قلنا أن تنفيذ الحكم ما كان ليتم لولا أن محكمة الاستئناف أضافت الإدانة بالردّة، وهو ما لم يكن ليصدر أصلاً فيما لو كانت الإجراءات قد عرضت على المحكمة العليا بدلاً من أن تستقل محكمة الاستئناف بإجراءات التأييد لتنتهي إلى ذلك الحكم من خلال المخالفات القانونية والدستورية التي تناولناها فيما تقدم.

 

وعلى هدى من ذلك تقرر هذه الدائرة ما يلي:

 

1ـ  إعلان بطلان الحكم الصادر في حق المواطنين محمود محمد طه والمدعي الثاني في هذه الدعوى من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف.

 

2ـ  إلزام المدعين برسوم وأتعاب المحاماة في هذه الدعوى (حيثيات المحكمة في قضية أسماء محمود وآخرين ضد حكومة السودان) .

 

هذا هو حكم المحكمة العليا، على بطلان حكم محكمة الردّة، ومحكمة المهلاوي، ومحكمة المكاشفي. ولإن كان د. عبد الحي يوسف، كمثقف سوداني، قد أعجب بأحكامهم، فإن المثقفين الحقيقيين لهم رأي آخر. يقول د. منصور خالد "أنا ما عندي أدنى شك في ان الذين حكموا على الأستاذ محمود لا يساوي أي واحد منهم أخمص قدمه في العلم، ناهيك عن الخلق"! (حديثه لقناة أبو ظبي في برنامج بين زمانين ـ فبراير 2003).

 

 

شيوخ الأزهر أئمة عبد الحي

 

ولقد اعتمد الشيخ عبد الحي، في تكفيره للجمهوريين، بالإضافة إلى سوء الفهم، وسوء التخريج، وخلل النقل من الكتب، وبتر النصوص، ثم حكم محكمة الردّة، ومحكمة المهلاوي، ومحكمة المكاشفي، التي كشفت المحكمة العليا خلل إجراءاتهم، وأبطلت أحكامهم، إلى فتوى رابطة العالم الإسلامي والأزهر. فقد قال "فصدرت فتوى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في 5 ربيع أول 1395هـ بردته وانه يجب على المسلمين أن يعاملوه معاملة المرتدين وصدرت كذلك فتوى مجمع البحوث بالأزهر الشريف بتاريخ 5/6/1972 بأن كلام محمود كفر صراح لا يصح السكوت عليه" (فتاوى العقيدة والمذاهب ص 32).

 

ونحن لا نحتفل بفتاوى هذه المؤسسات، لأنها مؤسسات سلطانية، درجت على ممالاة الحكام، وإخراج الفتاوى التي ترضيهم على حساب الحق. فهل يعتبرهم الشيخ عبد الحي، أساتذته، وأئمته، والمرجع الذي يؤيد دعاواه؟!  لقد درج الأزهر على تملق الحكام، فلقد كان مثلاً، يحتفل سنوياً بعيد ميلاد الملك فاروق! ومما جاء في وصف أحدى مشاركاتهم في تلك المناسبة "فنهض الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر فألقى خطبة جمعت فأوعت في مناقب حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق" وكان مما قاله شيخ الأزهر في تلك الخطبة عن فاروق "أنه مثال من مثل الخير العليا وصورة كاملة من صور الفضيلة المحببة للنفوس"!(مجلة الأزهر ـ مايو 1939). وكتبت مجلة الأزهر، أيضاً، بقلم رئيس تحريرها أحمد حسن الزيات، قبل شهرين فقط من الإطاحة بفاروق "وبهدى صاحب الرسالة محمد صلوات الله عليه لسان الوحي ومنهاج الشرع ومعجزة البلاغة وبعطف صاحب الجلالة الفاروق ناصر الإسلام ومؤيد العروبة وحامي الأزهر، أعز الله نصره وجمل بالعلوم والآداب عصره"!(مجلة الأزهر - مايو 1952). ولما قامت ثورة يوليو 1952 وأطاحت بنظام فاروق، كتب أحمد حسن الزيات نفسه، في مجلة الأزهر نفسها، عن فاروق "وكان آية من آيات إبليس في الجرأة على دين الله، انه كان كما حدثني أحد بطانته المقربين إليه انه إذا اضطرته رسوم الملك أن يشهد صلاة الجمعة خرج إليها من المضجع الحرام وصلاها من غير غسل ولا وضوء، وأداها من غير فاتحة ولا تشهد. وكان يقول أخوف ما أخافه أن يغلبني الضحك وأنا أتابع الإمام في هذه الحركات العجيبة. وبلغ من جرأته على الحرمات انه كان يغتصب الزوجة ويقتل الزوج ويسرق الدولة"!!(مجلة الأزهر ـ يوليو 1960).

 

ولم يكتف علماء الأزهر، بتملق الحكام، وإنما اشتهروا بتكفير المفكرين فقد كفروا  د. طه حسين، و كفروا أيضاً الشيخ علي عبد الرازق، وهو من خريجي الأزهر، وطالبوه بإرجاع شهادة "العالمية" التي منحوها له، فأرسلها لهم وقد كتب معها "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"!! كما كفروا الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار. واتهم الشيخ التفتنازي وبعض علماء الأزهر عمر لطفي المحامي بالإلحاد لدعوته لإقامة الجمعيات التعاونية!!  واتهم جماعة منهم على رأسهم الشيخ عليش الشيخ جمال الدين الأفغاني بالإلحاد لأفكاره العلمية، كما كفروا قاسم أمين، بسبب دعوته المناصرة للمرأة!! واتهموا محمد عبده بالزندقة لأنه أفتى بان لبس "البرنيطة" حلال!! (أحمد أمين: زعماء الإصلاح ص111). ولقد ندم الشيخ محمد عبده على السنوات التي قضاها يدرس في الأزهر، فقد نقد مرة أسلوب التعليم في الأزهر، فقال له أحدهم "ألم تتعلم أنت في الأزهر؟ وقد بلغت ما بلغت من طرق العلم وصرت فيه العلم الفرد؟ فأجاب الإمام: إن كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من "وساخة" الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة!" (محمد عمارة: الإمام محمد عبده ص 55ـ56) بهذه العبارات القوية، شهد الإمام محمد عبده على الأزهر، وهو من خريجيه، بالتخلف، والفساد، الذي يبلغ حد الوسخ.      

 

ولم يكن مستغرباً، ضمن هذا التاريخ الحافل، أن يكفر الأزهر الجمهوريين، ولكن الغريب، أن يعطي نفسه الحق بالتدخل في شئون السودانيين، فيوجه المسئولين الرسميين في الوزارات، لا ليناقشوا الفكر الجمهوري وإنما ليحرضوا السلطة لإيقافه! ولو كان علماء الأزهر، قد أقاموا الدين في مصر، فخلت من كافة المفارقات، وطبق حكامها الإسلام، لبرئ انشغالهم بالسودان من النفاق.

 

 

فساد العقيدة

 

ونحن نتهم عبد الحي يوسف، بإتباع عقيدة الوهابية الفاسدة، التي تعادي السادة الصوفية، وتسيء إلى كبار أئمتهم، ومشايخهم، دون ورع، ودون أدب. وتخالف بذلك، كل موروث الشعب السوداني وأعرافه، وقيمه، التي قدها له الله من لحمة وسداة التصوف. فقد أورد من أسباب تكفيره للأستاذ محمود قوله "وهو في ذلك سارق لأفكار من قبله من الغلاة من أمثال محي الدين ابن عربي". والشيخ أبو بكر محي الدين بن عربي، من أكبر أئمة التصوف، ويسميه الصوفية الشيخ الأكبر، ويعتبرونه "مقرر" والمقرر عندهم أكبر من "العارف". يقول الشيخ عبد الغني النابلسي القادري النقشبندي:

 

وقد قال محيي الدين وهو المقرر

 

لنا دولة في آخر الدهر تظهر

 

وتظهر مثل الشمس لا تتستر

 

 

وفي السودان، احتفل الصوفية بكتب ابن عربي، وأشعاره العرفانية، وجاراه بالتخميس السادة السمانية خاصة الشيخ عبد المحمود نور الدائم، والسادة الختمية، وانشدوا أشعاره المليئة بالمعرفة، وبالتسليك، وليس في المسلمين من لا يحترم الشيخ الأكبر غير الوهابية أنصار الملوك!! ولفساد اعتقادهم يشككون في الكرامة، وما يتعلق بها من غيبيات، ويصورون الإسلام وكأنه فكرة مادية لا علاقة لها بالغيب. ولهذا يرفض عبد الحي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، ويقول "من ادعى أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جهرة يبين له فساد قوله بالحكمة والموعظة الحسنة وما قاله أهل العلم الثقاة في ذلك وتقام عليه الحجة، فإن أصر على مقالته فلابد من تحذير الناس من شره" (د. عبد الحي يوسف: فتاوي العقيدة والمذاهب ص 52). لكن أهل السودان، يرون أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من دلائل السلوك الديني القويم، ورؤيته في اليقظة من إشارات الترقي الروحي. ويتحدثون عن ذلك في مدائحهم، وذكر كرامات شيوخهم. ومن عجب أن عبد الحي، قد ندد بفساد رأي من ادعى الرؤية، رغم إثباته الحديث المشهور، الوارد في البخاري، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي) وبدلاً من أن يقف عند هذا الحديث، الذي خطه بنفسه، في كتابه، انصرف عنه، إلى عقيدة الوهابية المنكرة!

 

إن حكومة الإنقاذ، إنما تراهن على الجواد الخاسر، حين تغض الطرف عن جرائم عبد الحي، وتصر على حمايته من نتائج أعماله التي اتسمت بعدم احترام الدستور، والتحريض، والتكفير، والسعي بالفتنة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين. ولأن كانت الحكومة وحزبها، ينتظران الانتخابات، ويعولان كثيراً، على تغيير نهجهما، إلى التسامح، والتفاوض بغرض تحقيق السلام، كإستراتيجية ذكية، لدرء خطر التدخل الأجنبي، فان أمثال الشيخ عبد الحي، لا يخدمون هذا الغرض. بل يحرجون الحكومة، لو حاولت الدفاع عنهم، أو استمرت في الصمت عنهم، في مناخ دولي يراقب السودان، ويرفع في وجهه تهم الإرهاب، التي يمثل عبد الحي أبلغ نماذجها! 

 

 

د. عمر القراي

 

ديسمبر 2006

 

 

 

* هذا المقال قدم لجريدة الصحافة، فقام السيد رئيس التحرير الأستاذ عادل الباز بإيقافه عن النشر! المؤلف

 

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco