header

 

الحالة السودانية وكلب سلفاكير

بقلم علي محمد عجب/المحامي*
مايو 2005
 

أصبحت الحالة السودانية بعد توقيع اتفاق السلام في السودان اشبه بالمسؤلية التي اعترت كلب سلفاكير التي قصها في اجتماع المكاشفة في مداخلته الموجهة لجون قرنق حين قال له (هل سمعت قصة الكلب الذي عوي عندما رأى خطرا محدقا في الظلام فزجره صاحبه فلم ينته لأن الخطر ما زال قائما) فنحن الآن نرى شيئا في الظلام.. شيء ما عصي على الادراك. فمن قال ان السودان يعبر الى حالة استقرار وتنمية مستدامة فقد صدق. ومن قال ان السودان في مفترق الطرق بين الوحدة والتمزق فقد صدق. ومن قال ان الظروف الراهنة لاتبشر بأن حلولاً جزرية لمشاكل السودان سيتم التوصل إليها فقد صدق. ومن قال ان المؤشرات تقول ان السودان سيتمكن من حل كافة مشاكله فقد صدق. ولعله ليس من واقع مربك اكثر من هذه المعطيات التي تعمل في جدليتها للوصول الى كل هذه الاجابات بطرق مختلفة وبفرضيات متغايرة في وقت واحد ولعل هذا التزامن هو الذي يجعل الوضع مفتوح على كل النتائج.

ربما كان الانسان السوداني قد اصيب بحالة عدم القدرة على الإدراك والتنبؤ منذ زمن بعيد منذ ان انتهى عهد الاستقرار النسبي في تحول قيمة العملات زمن كان المواطن يعيش عشرة سنوات حتى يقال له ان القرش اصبح في خانة الريال وعشرة سنوات اخرى ليقال له ان الريال اصبح في خانة الجنيه حتى حدثت المفاصلة المزهلة في التدهور المريع لقيمة الجنيه في اواخر عهد جعفر نميري الذي قيل عنه انه (عوم) الجنيه السوداني بسياساته الخرقاء حتي جاء عهد ديمقراطيه الاحزاب الطائفية التي ما كانت تعرف عن ممثليها سوى التعارك في اقتسام الوزارت المرتبطة بالتمويل والتصاديق، فارجعت المواطن الذي صرخ ضد نميري وجأر بالشكوى الى السماء، ارجعته الى خانة الحنين الى عهد نميري فصرخ للمرة الثالثة عائد عائد يانميري ذلك لانه كان قد صرخ ثانية من قبل في عهد الديمقراطية الاكتوبرية التي انحرفت عن شعاراتها الى درجة ان صاح الشعب (ضيعناك وضعنا معاك يا عبود). الى ان جاء عهد الضياع الحقيقي في عهد ثورة الانقاذ حيث حطمت كل المفارقات القائمة بمفارقات جديدة ولايفتنا ان المواطن كعادته صمت عند سماع المارش العسكري طويلا قرب المذياع يداخله احساس مرتبك عسى ولعل ان يكون الانقلاب هذه المرة (لي خير) فرفع الانقلابين المصاحف على اسنة الرماح حيث كانت شعارات الانقلاب. (لا لتجار الدين، لاللفساد الحكومي والاداري، لا للتنمية غير المتوازنة). لكن الانقلاب كعادته لايستغرق زمنا طويلا حتي يدرك الناس ان الاسوأ هو ما يحدث الآن . فكما يقول سالم احمد سالم في دراسته عن الاحزاب السودانية انها تعرف جيدا كيفية اجتذاب عطف الموطن وذلك بالتلويح امام عذاباته بالحلول الحقيقية والمنطقية لاشكالاته حتى تجلس في مقعد السلطة فتتنكر لكل برامجها الانتخابية. فبدأ هذا الانقلاب بكذبة الشعار البراق واعتقال عرابه ضمن القيادات الحزبية الاخرى وفي مكان واحد حتي يسرب اليهم احساس بالاطمئنان بان هذا الانقلاب على الاقل ليس في مصلحة الترابي، لكنهم كانو مدركين .(قيل ان سكرتير الحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد قال له –يالترابي يا خوي ما اتاخرت علي ناسك ديل قوم امرق).

فتورط الانقلاب في السلطة والفساد حد الفضيحة، مثلما تورط في شعاراته الكذوبه التي بدأ بها المواطن مسك دفاتره لقياس مقدار الخديعة والتزيف في ميكانزمات النظام والمقولات المرجوع عنها ابتداْ من مقولة عضو مجلس قيادة الثورة صلاح الدين كرارالمشهورة التي مازالت تقف مثل(الميس) في قراءة حجم الخراب الاقتصادي عند المواطن العادي، قال (نحنا كان ما مسكنا البلد دي الدولار كان وصل عشرين جنيه) وكان وقتها اثني عشر جنيهات، وقيل ان احد الحلفاوين علق على هذا النوع من الانقاذ بمطالبة (الناس ديل لو عايزين ينقذونا صحيح يرجعونا للحتة الانقذونا منها). ففي زمن وجيز تسارع تدهور الجنيه الى درجة صعب على الناس تزكر اسعار السلع لسنة واحدة ماضية وبالتالي اختفي حتي تماسك الحكاية الشعبية حيث كان الناس (العجائز) يسردون قصصهم مشفوعة باسعار التذاكر والسلع والعقارات بشكل منضبط، كانت هذه الحكاوي ايضا تستند الى عامل ثراء داخلي يقف على عنصر تباعد المسافات بين القرش والتعريفة والمليم والريال زمنيا الشي الذي جعل مثل هذه الحكاوي ينفرد بها (العجائز) لانها كانت عصية على زوي الاعمار الصغيرة انذاك بطبيعة عدم ملائمة صغر اعمارهم لمتطلبات هذا النوع من الحكي الذي يحتاج الى (خضرمة) من نوع خاص قائمة على حقيقة ابتعاد كل فترة تغير في الواقع السلعي عشر سنوات تقريبا. لكن الواقع الجديد اعطى امكانية مغايرة تنعدم فيها متطلبات الحكي القديمة فيصبح بامكان طفل صغير ان يحكي قصص بها مداخلات (خضرمة) لا تخلو من مفارقات مقدرة اذا لم تكن مذهلة بالنسبة لاسعار الايسكريم والحلوى واللعب يكون مداها لايتعدى الستة شهور وينطبق عليها ما لتلك الحكاوي التي كان ينفرد بها العجائز من مفارقات ممتعة.

فاصبح الواقع مثل صورة متحركة بسرعة عالية جدا بالنسبة لقدرة الانسان على رويتها فالصورة التي تمر من خلال نافذة قطار مسرع تكون مرتبكة الى حد تتقازم فيه اي درجة مذهلة فالشجرة التي تمر من خلال نافذة ذلك القطار المسرع تتقازم الى صفقة(جرجير). فيبدو واضحا ان السرعة التي قادت بها حكومة الانقاذ الحياة السودانية ينطبق عليها هذا الوصف كما ينطبق عليها الوصف القانوني بانها بالضرورة (قيادة باهمال). ومثلما تقازمت الشجرة تقازم كل شيء فشاخ الطفل كما راينا وضاقت عليه مساحات التامل فاصبح اليوم اصغر مما يجب وبالتالي(كشت) السنين عندما عجز الناس عن التوصيف المريح لخانات الاحداث وترتيبها في الذاكرة فخملت الذاكرة بدورها عن فعلها في تذويد لحظات التامل بما يمكن ان يعين الناس في تبصر الحاضر.

واستمرت (اللياقة) التي صنع منها عراب الحركة الاسلامية مادة الانقاذ اللزجة في (المط) ابتداء من امريكيا روسيا قد دنا عذابها، على ان لاقيتها ضرابها مرورا باعراس الشهداء التي يقف فيها الشيخ بكامل هندامه ليقنع ذوي الشهيد بانه قد عقد قرانه على احدى بنات الحور، ثم رائحة المسك الى محطة اقامة مؤتمر حكومي رسمي للاستعانة بقدرات الجن في استخراج البترول منتهيا بصفحة جديدة يقف فيها علي عثمان محمد طه مع د.جون قرنق ديمابيور في حالة عناق ابدي. منهيا الى المواطن المسكين دهشته بدهشة جديدة، فجون قرنق كان مجرد اضافة الحرف دال امام اسمه كفيلة بان توقف الصحيفة وتعرض المذنب الى الجلوس لساعات طويلة امام محققي جهاز الامن وربما يستمر في مزاولة المثول امام المحققين الى ايام هذا في المرحلة الاخيرة لكن هذا الفعل في ايام المشروع الحضاري الاصلي ربما يرقى الى الخيانة العظمى وموالاة الاعداء بمناداتهم بالقابهم العلمية وتحسين صورة وجه العدو امام شهادات الرئيس المتواضعة. كانت الاناشيد العنصرية مثل(هاك من دار جعل. اشرب جبنة في بور محل ما ولدت) تزاع على الهواء من تلفزيون الجمهورية الرسمي معلقا عليها باضافة صورة جون قرنق باعتباره الشخص الذي يريد ان ينتهك اعراض بنات جعل. وتصاغ كل جلالات الدفاع الشعبي على شتيمة هذا الجون قرنق، فرح من اكتوي بمرارة مشاهدة هذه الانماط البذيئة على شاشة التلفاز بشكل يومي فرحوا ان اعيد لهذا الرجل صورته الحقيقية وازيلت الصورة المبرمجة على تمكين الكراهية للجنوبين في شخصه وبالتالي تعميق حدة كراهية الحركة الشعبية باعتبارها مجموعة قتلة في محاولات جادة لتغبيش طبيعة الصراع من صراع حول حقوق اقتصادية ومظالم حقيقية الى حالة عداء اثني ديني لايملك أدنى مبرارت امام الواقع كل ذلك ليصبح الطرح البديل القائم على تصوير الامر بانة استهداف لعقيدة الاسلام والوطن اكثر معقولية. هذا التحول ليس نصرا للحركة الشعبية لتحرير السودان او نصرا لصورة د. جون قرنق باعتباره اصح ظاهرة في الساسة السودانية كما قال منصور خالد وانما نصر لفكرة الواقعية في النظر الى اشكالات السودان ذو التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والاثنية والدينية المتعددة والمتداخلة ونصرا ايضا للفكر المستنير القائم على امكانية الوحدة الطوعية والتمازج الحضاري بين كل السودانين ونصرا لسيادة حكم القانون والحكم الرشيد. وفي نهاية المطاف يفرح من يرى دعاة الفتنة والاقتتال والمتطرفين في تفسير القرآن والمتشددين في اقصاء الاخر يعودون طوعا او كرها الى منصة تاسيس السودان على اسس جديدة ويعلنون اعترافهم بالاخر كواقع حقيقي لايمكن تجاهله او اقصاءه.

عند هذا المشهد ساد صمت طويل... صمت لجوج على ارض مخيفة ..هذا الفرح يتفائل به الناس حينما يذكرون ان اشد اعداء فكرة السلام والحل السلمي الديمقراطي لقضية الجنوب يعودون الى اجماع السودانين وسط قناعة ان السلام الذي يرضاه هؤلاء يمكن ان يكتب له الحياة اكثر من اي سلام يكونون خارجه. هذا الفرح لاييملك الا وان يخاف حينما يرى ان هناك من هو داخل هذا النظام وخارجه سيعمل على المتاجرة بتبخيس الاتفاق بانه تنازل عن( الثوابت). والكل يعلم ان مثل هذه المتاجرة مازالت تجد صداها في نفوس المتطرفين الذين هم الان يشاركون الناس دهشتهم بدهشتهم الخاصة ولكنهم مثل الاخرين تمر عليهم الاحداث من نافزة القطار ذاك.

انكسرت هذه المرة الدائرة الشريرة كما يسمونها في السودان وهي انتقال السلطة من العساكر الى المدنين بثورة شعبية سلمية يعقبها انقلاب عسكري وتتراوح فيها السلطة بين بيوتات محددة حتى حكى على لسان وصال المهدي زوجة الترابي وشقيقة الصادق المهدي في تعليقها على حالة السلطة المستمرة التي تنتاب اولادها ان السلطة (لو شالوها من ابوهم بتمش لي خالهم) الصادق المهدي اخر رئيس وزراء منتخب كما يحلو له. فالسلطة الان لا مشت لي خالهم لا رجعت لي ابوهم. هذه المفارقة ايضا تجعل المواطن في حوجة الى تغير نظريته عن سناريو انتقال السلطة المعروف في السودان. فهي حالة جديدة تحتاج الى اليات تنبو جديدة وبالتالي قراءات متانية،؟ هي في محصلة الامر حالة حراك وتنشيط للعقل السوداني وفرصة كي يتامل لكن بسرعة لان حالة التسارع ايضا قائمة لان هنالك جداول زمنية ضاغطة لكل التحولات المقبلة بما فيها ايضا مفاجئاتها المتوقعة وغير المتوقعة فهي كحالة قطار مسرع يخرج عن شريط سكته على كل الاحتمالات.

ففي هذه الحالة لايمكن لكلب سلفا كير ان يكف عن النباح، يذكرني هذا الظلم الذي وقع على كلب سلفاكير بكلب عبد الجليل** وزيل هاهينا*** وكلب موجبوي**** في القصة القصيرة لتشينو اشيبي ..حينما صاحت موجبوي وهي تزجر الجرو الصغير لانه لعق الانا.. فاتاها صوت الانصاف من القطية الاخرى بانك انت المخطئة يا موجبوي اذ كيف يكون لجرو صغير ادراك اكثر من امرأة تترك انائها عرضة).

فالناس الان في السودان اصبحوا في حالة حيرة امام مطالبهم اليومية وسرعة الاحداث اليومية حيث اصبح في كل انحاء البلاد يستيغظ الناس على حدث جديد وقبل ان يفرغوا من ما هو بين ايديهم يضاف اليهم مشهد جديد. ففي الوقت التي توقفت فيه الحرب في الجنوب قامت حرب اخرى في الغرب اكثر رعبا وملعونية حصدت الابرياء بكميات لايمكن تصورها. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الناس قرار مجلس الامن بالوجهة التي يجب ان يحاكم فيها المتورطين في فظائع دار فور اروشاء، المحكمة الجنائية الدولية او محاكم مختلطة. اعلن جون قرنق في هذا التوقيت ان من ضمن الاسرى السبعمائة الذين بدا في اجراءات الافراج عنهم شهيد قد دقت له الطبول في الخرطوم وفاحت منه رائحة المسك (ووصل الناس في تحليلاتهم ان زوجته قد من الله عليها بالزواج!!) ثم و في نفس التوقيت يقدم عمر البشير للمجلس الوطني طلب بتمديد حالة الطوارء في كل البلاد فيوافق المجلس ماعدا نائب واحد يرحمه الله). على خلفية هذا المشهد يموت اكثر من سبعة عشر مدنيا في بورتسودان رميا برصاص الشرطة السودانية المدربة.

في هذا الواقع لايمكن ايضا لكلب تشينو اشيبي ان يكف عن لعق الانية. طالما ان الانية مازالت عرضة فالحكومة الان ينطبق عليها وصف د.منصور خالد لشخصية الصادق المهدي حينما قال انه يمشي في الاتجاه الصحيح وهو ما يزال ملتفتا الى الخلف، فالحكومة حرقت سفنها بالسلام ومازالت ترنوالى ضفافها المحترقة، علها تجد سكة رجعة الى ماضيها الضنين ولات حين رجوع.


*سلفا كير هو نائب د.جون قرنق

ورد في صحيفة الراي العام انها تحصلت على مضابط اجتماع الحركة الشعبية والتي حكي فيها سلفاكير هذه القصة في مداخلته الموجهة الى د.جون قرنق

**كلب عبد الجليل، كلب  كان يحرس البيت ذات يوم في غياب عبد الجليل فهجم الضبع على ابن عبد الجليل لكنه قاوم الضبع حتى قتله منقذاً حياة الطفل لكن عبد الجليل عندما عاد ووجد دم الضبع على فم الكلب ظن ان الكلب قد اكل ابنه عاجله بطعنة قاتلة ليكتشف بعد فوات الآوان وفاء كلبه. كانت تدرس في المدارس الابتدائية السودانية في كتاب المطالعة؛

***زيل هاهينا مخزن احزان /قصة قصيرة للدكتور بشرى الفاضل

**** موجبوي شخصية في قصة قصيرة للكاتب الافريقي تشينو اشيبي كاتب رواية مضي عهد الراحة والاشياء تتداعى واتحاد اوموفيا التقدمي.


* علي محمد عجب

خريج كلية القانون جامعة النيلين، 1996. خريج كلية التربية اللغة الانجليزية جامعة الخرطوم 1995. عضو مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة/العون القانوني لضحايا التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة المذلة أو المهينة او اللإنسانية. مهتم بالعمل السياسي والدراسات الاجتماعية. قاريء للأدب والأعمال الفكرية. شارك في حضور عدة منتديات دولية في أفريقيا وأروبا في مواضيع متفرقة معنية بحقوق الانسان. يكتب المقال السياسي بطريقة ساخرة ذات بُعد أدبي.

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco