header

 

لماذا يواصلون إساءة فهم قرنق حتى بعد رحيله ..!

أميرة الطحاوي*

في ندوة شهدتها القاهرة مؤخراً عن الشأن السوداني، طلبت المنصة من الحضور الوقوف حداداً على روح الفقيد جون قرنق فلبينا صامتين كيفما تملي علينا اللحظة، لكن صوتا سمعته من الصف الخلفي يقول"ناقص كمان يوزعوا عليه رحمة و نور" أي أن صاحبه يستنكر الوقوف حدادا على روح الرجل، أمنت على قوله صحافية بجريدة "قومجية" بضحكات تتأرجح رناتها بين التعالي والاستخفاف، انصرف الاثنان بعد قليل ولم يكملا الندوة. فآلمني ذلك أكثر من سخريتهما لأنه يعني أن أقلاما لديها منابر للتعبير في صحف مصر والعالم العربي ستبقي على فهم مغلوط لقضية السودان، وستواصل عداءها لأفكار رصينة لقائد، أفكار ربما غير تطبيقها-إن اكتمل- الكثير أفريقياً وعربياً.

صحيح أنه قد يجذبك مقال متميز للمصري د.ميلاد حنا عن قرنق بعد رحيله،و نشر معه صورتان للكاتب -بهالة شعره الأبيض -التقطهما سابقا مع الفقيد وزوجته، وصحيح أن مراجعة سجل المصريين المهتمين بالشأن السوداني سيقودك لأسماء مجتهدة في تناولها؛ حلمي شعراوي، وصحفيين قدموا رصيدا لا بأس به من المتابعة؛ يوسف الشريف، وأكاديميين كان اهتمامهم الدءوب بالسودان جزءً من الاهتمام بقضايا أفريقيا؛ د .صبحي عبد الحكيم، د. عبد الملك عودة، وغيرهم. لكن المفارقة أن أكثر هؤلاء قارب أو تعدى الستين، وأنهم بدأوا الاهتمام بالسودان قبل عقود في ظل ظروف قد لا تتكرر، عندما كانت القضايا الخارجية مثلما الدور الخارجي لمصر بأفريقيا محل اهتمام وفهم من الباحثين والحكام أكثر منه الآن!! بالطبع هناك اجتهادات لا تخطئها عين لجيل أصغر سنا لكن لازال هناك قصور في تناول الإعلام المصري،و العربي عموماً، لقضية السودان بتشعباتها المختلفة، وربما انصراف عنها،و أحيانا يشوب هذا الخطاب الإعلامي قدر من التحيز وكثير من الخفة في التحليل خاصةً عندما يتم اختصار معارضي نظام قمعي تصادف أن كان في صدام مع أمريكا باتهامات تنال وطنيتهم،كما لازالت أصوات تردد كليشيهات بالضد من تطلعات أبناء الجنوب الذي-تاريخيا-لم يكن قط عربيا و لا مسلما.

يمكنك أيضاً أن تلمس هذا مثلا في مصر ـ شمال الوادي وأقرب الدول للسودان وفق معايير عدة- باللامبالاة التي قوبل بها كتاب قرنق الأخير، والذي ضم من حواراته ومقالاته ما لخصه عنوانه "رؤيته للسودان الجديد" باجتهاد في الاختيار من قبل محرره ومقدمه د .الواثق كمير، وإن تعثر أحيانا فهم إيراده لمقدمة حوار مع قرنق دون نص الحوار"ذاته" أو إهمال مقاربات هامة لقرنق نشرها قبل الفترة التي يغطيها الكتاب(1997-2005)، فرغم صدور الكتاب بالقاهرة واحتوائه مقالات وحوارات نشرت من قبل في صحف مصرية، لكن مقالاً قرأته الأربعاء الماضي لكاتب مصري أكد لي أن سؤ الفهم متواصل، فقد امتلأ بمعلومات خاطئة أو مغلوطة، بدءاً من سنة ميلاد قرنق وأسماء التنظيمات الجنوبية، وصولاً لتفسير إرساله لبعثته الدراسية بأمريكا على أنها خطة مدبرة وممولة من منظمات ماسونية مشبوهة رغم أنها تمت وهو ضابط في الجيش السوداني بمنحة حكومية!! المدهش أن كل معلومات الكاتب جاءت من كتاب لضابط مخابرات إسرائيلي صدرت ترجمته قبل 3 سنوات، دون إحالة واحدة لكتاب قرنق الذي صدر قبل 3أسابيع ولو للبحث عن مقولات على لسان قرنق تثبت ما انتقاه المقال من الكتاب الإسرائيلي، ومسألة الإحالة لمراجع وكتب خطها استخباريون إسرائيليون ليست مرفوضة على مطلقها لكن التعويل عليها وحدها والثقة المطلقة في كل ما يمررونه تحتاج أيضا لوقفة.

وهذا يقودنا للمأخذ الأكبر على هذا الكتاب كونه لم يقدم على لسان الفقيد أو المحرر نقدا ذاتيا لمسيرة الحركة و لتجاوزاتها، ولم يفند ما يقال عن علاقاتها مع إسرائيل وهي النقطة التي كما نرى تشغل مساحة كبيرة من الهجوم. ويتضمن الكتاب بالإضافة لأهم ما أدلى به الفقيد من مفاهيم كالسودان الجديد و إعادة بناء الدولة،نظريته عن المهمشين في السودان – كل السودان وليس فقط جنوبه، رغبته في دولة علمانية تصون لكل صاحب معتقد وملة حريته، تجربة الحركة عمليا في المناطق المحررة، والمجابهات التي لاقتها ليس من قبل قوات النظام فقط بل من قبل قوات تقليدية ارتبطت مصالحها ببقاء نظام حكم تسلطي.

ولست أفهم حقاً سر معاداة هذه الأفكار أو التعامل مع الاتهامات للحركة وكأنها مسلمات، وأغلب ظني أن بعض الهجوم يأتي من تيار المتحلقين بأفكارهم حول الدين لفهم أمور مجالها الدنيا، يجدون في قرنق عدوا، وكيف لا وهو ينتمي لدين آخر، وحتى لو لم يقم قرنق بإقحام هذا الدين في نظرياته ومسيرته، فسيبقى عدوا لرفضه الدولة الكهنوتية، وهم طلاب دنيا ووسيلتهم الأنجع لذلك الدين لا غيره، أما بعض القوميين المتحلقين حول أفكار مصدرها زعامات تاريخية بمصر والمنطقة، فيثيرهم أن يحظى زعيم جديد غير محسوب على تيارهم ولم يتلق دعما من زعمائهم الروحيين الراحلين بنجاحات متوالية حربا وسلما، ربما يستكثر بعضهم مثلا أن تستقبل الخرطوم قرنق بحفاوة تستدعي ذهنياً الاستقبال العظيم الذي ربتت به العاصمة ذاتها على أكتاف ناصر-الهزيمة(والمسماة تخفيفا بالنكسة) في قمة اللاءات الثلاثة الشهيرة 1968، فأعطته دعما نفسيا وشعبيا لا يقدر بثمن وثوقا فيه ورغبة في أن يواصل نضاله، رغم أن بعض هؤلاء مازال مستعداً لإضفاء الزعامة على قيادات"عربية" متقلبة المزاج لمجرد أنها حظيت من زعيمهم بكلمات مجاملة قبل رحيله بقليل.

الأغرب أن كاتبا آخر يحكم علي قرنق حتى بعد موته ليس على أساس تاريخه أو أفكاره بل بناء على انطباعات مقابلة واحدة تمت معه، بالقول بداية أنه كان مهندما وواثقا من نفسه أكثر مما ينبغي لقائد حركة تحرر،  ويتهمه بفصل الجنوب عن الشمال بصورة غير مباشرة! والحال هكذا سيصبح على رفاق قرنق في الحركة الشعبية واجبات كثيرة، فالالتزام بمبادئ الحركة وحده سيثبت أن أفكارهم كانت استراتيجية و ليست للاستهلاك الوقتي، وسيكون عليهم مجابهة إعلامية راقية مع نفر من الصحافيين يسمعون سيلفا كير يؤكد تمسكه بوحدة السودان ليصيغوا الخبر بالقول أن"الانفصالي" سيلفا كير يقول كذا وكذا، رغم أن أحدا من هؤلاء الإعلاميين لم يقارن أفكار قرنق الوحدوية "حقاً" بسياسات قادة جنوبيين انفصاليين "علنا" وتحالفوا رغم ذلك من قبل مع نظام الخرطوم أثناء حربه ضد أبناء جلدتهم بالجنوب باسم الجهاد، كما لا يقترب هؤلاء الإعلاميون بنقد لأصوات شمالية تدعو هي الأخرى الآن للانفصال، ومنهم عناصر محسوبة على نظام الخرطوم"الوحدوي"، مستغلين تجاوزات قام بها نفر من أبناء الجنوب بالخرطوم في أعقاب مقتل قرنق، ولم يفسروا لنا لماذا لم تتدخل الحكومة وقتها أو تتحسب لها رغم علمها مسبقا بموت العقيد، وهو ما خدم مزيداً من الفوضى اتكأ عليها بعض الشماليين لتعزيز قولهم "ليذهب الجنوب غير مأسوف عليه". لكن يبدو أنه لا وقت لدى البعض لنقد هذه العبارات، فالكل مشغول للآن بمهاجمة أفكار لم يقلها الراحل قرنق ولا سيلفاكير الملتزم خط سلفه.

 


* مقال نُشر بجريدة الشرق الأوسط
الصادرة بتاريخ 19 أغسطس
وصلنا من كاتبته

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco