header
 

الفلسفة.. صيغة عملية أم هيام وراء الأخيلة

قصي همرور

يهدف هذا المقال بالدرجة الأولى إلى مراجعة معنى مصطلح (الفلسفة) ودلالاته التي تردنا اليوم عندما نسمعه.. والاهتمام بهذا الاتجاه سببه أن رؤية شخصية تملي علينا أن هذا المصطلح هو أحد المصطلحات التي ظلمت عبر التاريخ.. وليست المحاولة هنا هي رد الإعتبار لهذا المصطلح، إذ ليس من الهين محاربة الترسبات الزمنية بمقال قصير، وهزيمتها، ولكن ربما لأن دراسة ما جرى لهذا المصطلح قد تفيد في إدراك ما جرى لمصطلحات أخرى لقيت نفس المصير، أو كادت.. والمشكلة التي تأتي من جراء ذلك هو أن هذه المصطلحات -في مسار تحول دلالاتها- تصبح أسلحة في يد خصومها الفكريين، وفي بعض الأحيان أعدائها الحسيين، يلوحون بها في وجوه أهلها الأصليين وينالون منهم بها في كثير من الأحيان..

جرى حوار في جريدة الشرق الأوسط (بتاريخ 3 مايو 2004) مع الفيلسوف اللبناني (كما ورد في الجريدة) علي حرب.. هذه وصلة الحوار منقولا إلى منبر الفكرة الحر عن طريق الأستاذ ياسر الشريف

http://www.alfikra.org/forum/viewtopic.php?p=3866#3866

وفي هذا الحوار يشرح الأستاذ علي حرب باختصار معنى صنعة الفلسفة ومهمتها المجتمعية وأساسياتها وشروطها. يقول مثلا عن الفلسفة (الفلسفة صناعة مفهومية. فمهمة الفيلسوف مواجهة المشكلات، وتحليل القضايا وإخضاعها للدرس والتحليل وذلك لخلق وقائع معرفية جديدة، فالحقيقة ليست فقط معطى مسبقا جاهزا يقوم بذاته علينا معرفته، بل الحقيقة هي ما نقدر على خلقه، وفي المجال الفلسفي الحقيقة تتجلى في القدرة على خلق أدوات للفهم.).. ويقول الأستاذ حرب في حديث عن المثقف (فالمثقف فاعل ومنتج في وجه من وجوه النشاط البشري، لا أقول انني انتمي الى نخبة فنحن اقل الناس تأثيرا في المجتمع ومع ذلك نسمي أنفسنا نخبا والوصف غير دقيق وهو أشبه بخداع الذات ولنتصور أنفسنا أصحاب مهنة وصناعة مثلنا مثل الآخرين فلا أحد يحتكر المعرفة.).. وحديث الأستاذ حرب هنا عن المثقف يمكن أن نفهم منه أنه ينطبق أيضا على "الفيلسوف" في نظره، باعتبار أن الأستاذ حرب صاحب تخصص أكاديمي في الفلسفة، وباعتبار أن الحوار أساسا هنا عن الفلسفة ودور الفيلسوف في المجتمع.. ونحن لا نركز على هذه النقطة بغرض التمييز بين "المثقف" و"الفيلسوف" إذ لا رغبة لنا أساسا في ذلك، ولكن نريد أن نضع خطوطا عريضة تحت النقاط التي نحاول الارتكاز عليها في المشوار الذي نريد سيره في هذه الورقة.

أعتقد أن ملخص ما قاله الأستاذ علي حرب في ذلك اللقاء يصنف في زمرة محاولات خنق مصطلح الفلسفة، وقد رأيت بعد قراءة نص ذلك الحوار أن هناك حاجة مني لمشاركة القراء بما ورد عندي في هذه القضية من أجل التفاكر ومحاولة دراسة تكافليه قد نستفيد منها.. ولنبدأ بالرجوع إلى معنى كلمة (الفلسفة) من حيث أصولها اللغوية..

ما هي الفلسفة؟

إذا أخذنا التعريف اللغوي لكلمة الفلسفة، بعد أن نسلم جدليا بأصلها الإغريقي، لوجدنا تعريفها في اللغة الإنجليزية يحمل عدة أوجه.. وفي إعتقادي أن أقربها لأصلها الإغريقي هو التعريف التالي:

“Philosophy” is Love and pursuit of wisdom by intellectual means and moral self-discipline.

أي -والترجمة من عندي- حب وطلب الحكمة بالأساليب التفكرية والمراقبة الأخلاقية.

لست ضليعا في الترجمة. ولكن إختياري لهذا التعريف ليكون الأقرب للمعنى الأصيل للفلسفة يأتي من كونه مشتملا على (الحكمة والأخلاق)، وهذه هي أبجديات الفلسفة، حيث أن التعريف الحرفي للفلسفة بالإغريقي هو (حب الحكمة). وفي اللغة الإنجليزية اليوم –على سبيل المثال- نجد أكثر من تعريف للفلسفة، وذلك لأن التعريف أصبح يحاول الإشارة إلى مجالات أكاديمية بعينها ومدارس فلسفية بعينها أيضا. فمن عادة الكثير من المدارس الفلسفية المتنوعة أن تضع تعريفها الخاص لمعنى الفلسفة، وذلك في أطار محاولة تملك وسائل مواجهة المدارس الفلسفية المنافسة في العادة، أو إظهار الطابع الأكثر أهمية بالنسبة لتلك المدرسة في معنى الفلسفة. وسنتناول هذه الزاوية في تفاصيل هذا المكتوب آنفا.

والأخلاق هي الانعكاس العملي للحكمة، أو الجانب المادي المحسوس منها في مواقف البشر. لهذا ليس من العجب ارتباطها بحب الحكمة منذ بداياته.. واليوم يشار كثيرا لأفلاطون بـ(أبي الفلسفة).. وأنا دوما أجد في نفسي تحفظا على هذا النسب، إذ أنه لو سلمنا جدلا أن نقطة ظهور الفلسفة كمنهاج تفكري تمحيصي للظواهر المحيطة بالإنسان، لو سلمنا جدلا أن نقطة ظهورها كنشاط متميز عن باقي النشاطات الإنسانية كانت عند قدماء الإغريق لقلنا أن سقراط هو الذي يجب أن يشار إليه بـ(أبي الفلسفة)، إذ أنه أستاذ أفلاطون.. ورغم أننا لا نعرف عن سقراط، من الناحية التوثيقية، إلا ما كتبه أفلاطون عنه، إلا أن الدراسات التاريخية تثبت أنه كان شخصية حقيقية، وأنه كان أستاذ أفلاطون.. ورغم أن المؤرخين إلى اليوم لا يستطيعون التمييز الدقيق بين نتاج سقراط الفلسفي ونتاج تلميذه أفلاطون إلا أنا سنجد في جميع الأحوال أنا مطالبون بخلع لقب(أبي الفلسفة) على سقراط وليس أفلاطون، ذلك أنه لو افترضنا أن لأفلاطون نتاجا فلسفيا خاصا به لوجدنا أنا ما نزال مطالبين بالعودة إلى أصول المنهاج الذي اتخذه أفلاطون ليخرج لنا بأفكاره، ومن ثم سنجد أنفسنا أمام سقراط.. وإذا افترضنا -في أقصى حالات التطرف- أن أفلاطون لم يكن سوى مدون لأفكار أستاذه سقراط في كتبه، لوجدنا أن سقراط أيضا هو أبو الفلسفة بشكل أقوى من الاحتمال الآخر.. وفي كلتا الحالتين يكون سقراط هو(أبو الفلسفة) وليس أفلاطون..

هذا علاوة على أن النظرة التي نعتمدها لأصل الفلسفة تقول أن سقراط لا يمكن أن يكون إلا مرحلة بارزة من مراحل تطور الفلسفة.. وسقراط كان حقا مرحلة بارزة لأنه أضاف عاملا مهما جدا إلى معادلة التفاعل الفلسفي، وذلك هو عامل (التشكيك).. التشكيك فيما كان يأخذه الناس كمسلمات ليس من الوارد تغليطها.. ولكي أفصح عن نفسي أكثر لا بد من سياحة تاريخية مبسطة في بدايات الفلسفة..

إن الفلسفة كانت دائما موجودة كصفة مشتركة بين العلم المادي والدين، واللذان بدورهما كانا في الأصل سويا، إذ أنهما برزا من منطقة واحدة، وبدايتهما العقل البشري.. كان الإنسان يستعمل منهاج التجربة ليتعرف على خصائص البيئة المحيطة به، ومن التجربة تولد المنطق.. ولكن المنطق كان مرتبكا غاية الارتباك في بداياته، وذلك لأن التجربة -التي هي أمه- كانت ما زالت يافعة.. ولهذا كان أمام الإنسان الكبير من الفراغ المعرفي عن بيئته لم يجد بديلا من ملئه بالأساطير، أو التفسيرات الغيبية.. وكانت دائرة هذه الأساطير تصغر كلما إتسعت دائرة التجربة، والتي تتوسع معها دائرة المنطق تلقائيا.. والطريف في الأمر أن المنطق كلما كانت تكبر دائرته كلما كان يقلل من حاجة الإنسان إلى المزيد من التجربة، فالمنطق كان يكفي الإنسان مخاطر المزيد من التجارب باستعمال القياس، أي قياس المواقف الحاضرة بمثيلاتها في الماضي، ومن ثم رفع نسبة الاختيار الصحيح في التجربة الحاضرة.. فأصبح من الكافي للإنسان البدائي أن يرى شكل النار ليقيسه بتجاربه معها في الماضي دون أن يحتاج إلى خوض تجربة جديدة كلما رأى نارا في ظروف غير الظروف التي كانت في التجارب السابقة.. فهنا نجد ان المنطق قد قلل عدد التجارب بشكل كبير.. وكلما كان المنطق يكبر كلما كانت الحاجة إلى التجربة تقل.. ومن الواضح أن التجربة ما زالت الحاجة لها قائمة إلى اليوم، ولكنها أقل بكثير مما كانت في السابق.. حتى أننا اليوم نجد أن العلوم التطبيقية أو التجريبية ذاتها تعتمد على المنطق الموثق أكثر بكثير من التجربة، وأن التجربة أصبحت، في كثير من الأحيان، وسيلة للتأكد من صحة نتائج المنطق فقط.. والأمثلة كثيرة على ذلك من علوم الهندسة على سبيل المثال.. فالمهندس اليوم عندما يكون بصدد تصميم منتج معين أو تحسين جودة إنتاجه، نجده يعكف على الحسابات الرياضية معتمدا اعتمادا كليا على أسس المنطق من المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية أو الكيميائية ليخرج بأرقام أو خصائص معينة تكون هي المحدد للصيغة الجديدة للمنتج.. وبعد تلك الحسابات قد يتمكن المهندس من إجراء التجارب قبل المباشرة في الإنتاج، للتأكد من صحة حساباته إذا توفرت الإمكانيات لأداء هذه التجارب.. وفي أحيان كثيرة لا تتوفر الإمكانيات لأداء التجارب، فيبدأ العمل في الإنتاج دون تجارب، ومن ثم قد يظهر بعض الخلل الذي يحتاج لمراجعة أثناء عملية الإنتاج، أو قد لا يظهر وتكون نتائج حسابات المهندس دقيقة بشكل كاف.. هذا طبعا إذا لم يكن المنتج معقدا جدا ويحتاج بالضرورة إلى إجراء الكثير من التجارب قبل البدء في الإنتاج..

أردت بسرد هذا المثال المختصر لفت النظر إلى أن التجربة إلى اليوم لم تتوقف الحاجة لها، لأدلل بذلك على أن علم المنطق عند الإنسان -رغم الأشواط التي قطعها- ما زال قاصرا عن الإحاطة بكل خواص البيئة المحيطة بالإنسان، وبالتالي ما يزال هناك مجال للتعليل الغيبي، أو التصوري، أو الإيماني، لظواهر كثيرة.. وعلم المنطق لا يفتأ يذكر ذلك ويعترف على لسان أهله بهذه الحقيقة.. مثلا يقول أينشتاين (إن أعظم جائشة من جائشات النفس وأجملها تلك التي تستشعرها النفس عند الوقوف في روعة أمام هذا الخفاء الكوني، والإظلام، إن الذي لا تجيش نفسه لهذا ولا تتحرك عاطفته، حي كميت، إنه خفاء لا نستطيع أن نشق حجبه، وإظلام لا نستطيع أن نطلع فجره، ومع هذا نحن ندرك أن وراءه شيئا هو الحكمة، أحكم ما تكون، ونحس أن وراءه شيئا هو الجمال، أجمل ما يكون، وهي حكمة، وهو جمال، لا تستطيع أن تدركهما عقولنا القاصرة، إلا في صور لهما بدائية أولية، وهذا الإدراك للحكمة، وهذا الإحساس بالجمال، في روعة، هو جوهر التعبد عند الخلائق).. كما يقول أيضا (إن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون، هو أقوى حافز على البحث العلمي، وأنبل حافز) ويقول أيضا (إن ديني هو إعجابي، في تواضع، بتلك الروح السامية التي لا حد لها، تلك التي تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة، وهو إيماني العاطفي العميق بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للإفهام، إن هذا الإيمان يؤلف عندي معنى الله) (ترجمة الدكتور أحمد زكي)[1].. هنا نرى بتجلي موقف من مواقف كبار أهل علم المنطق -أو العلم المادي- من الدين..

ولكنا هنا عندما تناولنا تطور التجربة وتولد المنطق منها لم نتناول في الجانب الآخر تطور التعليلات الغيبية، أو الميتافيزيائية، وخروج الدين منها، ومن ثم تطور الدين نفسه ليصل إلى مقامات موازية لأخيه المنطق.. بل والأدهى من ذلك أن الدين أصبح يستخدم التجربة نفسها ليتطور.. هذا بالرغم من أن التجربة عند الدين تختلف في وسائلها عن التجربة أم المنطق، إلا أن الدين بخاصيته المتعاملة مع كم هائل من اللامحسوس يجد صعوبة أكبر في إثبات اكتشافاته من المنطق، لأن المنطق يأتي بإثبات اكتشافاته لحواسنا الظاهرة فيصعب إنكارها.. ولكن الدين -في معظمه- لا يملك خاصية مواجهة المشككين بنفس السرعة التي يملكها المنطق.. لهذا نجد اليوم المصطلحين الهلاميين المراد بهما التمييز: "العلم والدين".. وكأن الدين صار نقيضا للعلم، بالرغم من أن الدين - بوسائله الخاصة والغامضة- قد كانت له يد السبق على المنطق في نتائج يتشدق بها المنطق اليوم ويتفاخر بأنه اكتشفها بعد جهد دؤوب.. في حين أن الدين كان قد قررها منذ فترة بعيدة، ودون الحاجة لنفس أسلوب التجربة عند المنطق.. والحقائق العلمية الموجودة في الكتب المقدسة التي كتبت في غابر الزمان تؤكد صحتها الوقائع كل يوم، وهذا فقط على سبيل المثال لا الحصر.. هذا انقسام غريب ساهمت فيه وقائع كثيرة عبر التاريخ، ولكن القضية الغريبة الأساسية في هذه الورقة هي أننا اليوم نجد أن مصطلح "الفلسفة" نفسه أصبح مستقلا عن الدين والعلم معا، فأصبح هناك الدين، وهناك العلم، ومن ثم هناك الفلسفة!.. فكانت الفلسفة هي الخاسرة من هذا الاستقلال .. إذ ما هي حاجتنا إلى الفلسفة حقا إن كانت منفصلة عن العلم والدين؟ وأي أثر، مجتمعي أو فردي، نجده لها بوجودها خارج نطاق هذين المجالين؟ إلا لو كانت مرتكزة عليهما الاثنين ومتأرجحة بينهما، دون استقلال عنهما؟.. هذا مع الانتباه إلى أن استقلال العلم والدين عن بعضهما هو في حد ذاته أيضا أمر يحتاج إلى إعادة النظر، عند التدقيق..

نعود الآن لسقراط.. إذ أن كل ما فعله سقراط كما قلنا أنه أضاف عامل التشكيك للمنطق.. هذا كل ما فعله سقراط في اعتبارنا، وليس في ذلك إنتقاص من حقه البتة، إنما هي الرؤية الناقدة لدور ذلك الفيلسوف في حركة التاريخ الفكري.. ونلاحظ هنا أننا لم نتطرق إلى علاقة سقراط بالدين، وذلك لأن سقراط كان -رغم منطقيته- متدينا، ولم يرد أن سقراط تعرض بالإساءة إلى آلهة قومه أبدا، بل على العكس كان يحتج بها "منطقيا" في نقاشاته مع محاوريه الأثينيين.. ومن المعلومات التاريخية التي ترد في كتابات أفلاطون على لسان سقراط إيمانه الكبير بأنه مرسل من قبل الآلهة في مهمة محددة.. وقد كان إيمانه ذلك هو سر وقفته الشجاعة أمام الموت الذي كان بإمكانه تلافيه بأكثر من وسيلة، لو كان أراد تلافيه..

هنا أيضا سنشير إشارة خفيفة إلى موقف سقراط الأخلاقي وتجليه في مشهد موته.. فقد رفض سقراط آخر فرصة للهرب من الموت ( كما يخبرنا أفلاطون) بحجة قد تلخص كالأتي: "أنه ولد في أثينا وترعرع فيها ومارس فيها حريته الفكرية حتى ذلك الحين.. فيكون من التناقض أن ينكر لها كل حسناتها تلك ويهرب منها عندما يأتيه منها مكروه واحد.. فهو قد شارك بكل حرية ومسؤولية في صياغة مجتمع أثينا، بممارسته لحقه كمواطن فيها منذ ولادته، وسيلتزم بقوانينها التي شارك في صياغتها حتى لو حكمت عليه بالموت".. قد يختلف البعض مع سقراط في نظرته تلك، ولكن لا يمكن أن ننكر حس المسؤولية الواضح في هذه النظرة.. مسؤولية الفيلسوف أن يكون في نسق بين قوله وعمله.. وهذا ما أشرنا إليه بـ(الأخلاق) في بداية المقال عندما قلنا أنها الجانب العملي من الحكمة..

أما بعد.. فقد كانت الكتابة أعلاه محاولة لوضع أساس نستند عليه ونحن نخوض في هذه القضية الشائكة.. بهدف الخروج بفهم عام لحدود إمكانيات الفلسفة في تقديم حلول عملية لواقعنا المعاش ومستقبلنا المجهول في مجالات كثيرة.. والذي بين يدينا ليس بحثا دقيقا، ولكنه مطول نسبيا في بعض جوانبه التي يفيد الإسهاب فيها بشكل أكبر من الأقوال المبتسرة..

الفلاسفة العمليون .. والفلاسفة المنظرون..

نبدأ بالتنويه إلى أن التصنيفين أعلاه من عندنا، ونقصد بالفلاسفة العمليين أولئك الذين يقدمون جوانب عملية لفلسفاتهم في الإطار المجتمعي والسياسي والاقتصادي، وحتى التكنولوجي المادي.. بمعنى أنهم يقدمون حلولا، أيا كانت نظرتنا لتلك الحلول، أما الفلاسفة المنظرين فنعني بهم أولئك الذين دارت فلسفاتهم في دوائر تنظيرية فقط، دون أن تقدم ما يمكن أن يوضع موضع التطبيق.. ومن الطريف أننا اليوم نرى أن مسمى الفلسفة ينطبق في الغالب على هذه الشريحة الثانية من الفلاسفة، مثل أصحاب الدراسات الأكاديمية البحتة في الفلسفة أو الغير مهتمين بالحلول أكثر من الإطلاع والنقد السلبي، وأصبحت الفلسفات العملية تسمى في الغالب أفكارا ونظريات، ومن الذي يمكن استنتاجه أن صراع المصطلحات هذا قد أتى كنتاج لصراع فكري بين هاتين الشريحتين من الفلاسفة، رغم استفادتهما في كثير من الأحيان من نتاج بعضهما.. وقد انتهى هذا الصراع الاصطلاحي في الغالب بتعفف الفلاسفة العمليين حتى عن مسمى الفلسفة ذاته لشبهة ارتباطه عند السامع بالفلاسفة المنظرين وحدهم.. وقد تكون في حنايا هذا المكتوب إفادة أكثر في توضيح هذا التصنيف، وسنأخذ مثالين تاريخيين للفلسفة في أوروبا من جهة، والعالم الإسلامي من جهة أخرى.

في أوروبا..

من المشهود أن الثورة الصناعية في أوروبا قد غيرت نظم المجتمع الأوروبي وقلبته رأسا على عقب، فقد صاحبت الثورة الصناعية طفرة ديناميكية هائلة، وكانت في حالة تطور دؤوب، لا يخفت ولو لبعض الوقت. وبالتأكيد فقد أثرت هذه الثورة على معايير الفلسفة الأوروبية، واضطرتها للتغيير والتطور اضطرارا كما فعلت بكافة نظم المجتمع الأوروبي في تلك الحقبة. ونحن إذا قمنا بإلقاء نظرة عامة لتواريخ ميلاد بعض الفلاسفة البارزين في أوروبا وتواريخ وفاتهم لوجدنا الآتي: إيمانويل كانط (1724-1804). فردريك نيتشه(1844-1900). جيريمي بينثام (1748-1832). كارل ماركس (1818-1883). فريدريك إنجلز(1820-1895). رينيه ديكارت(1596-1650). ديفيد هيوم(1711-1776) جون لوك (1632-1704).. آدم سميث(1723-1790)[2].

الغرض من ذكر هؤلاء وتواريخ ميلادهم هو النظر في علاقة فترات حياتهم بالثورة الصناعية (القرن الثامن عشر). كما أنه أيضا يجب أن نراعي مكان وجودهم في أوروبا، إذ أن الثورة الصناعية لم تغزو كل أوروبا في آن واحد، فقد كانت ألمانيا، على سبيل المثال، متأخرة في الثورة عن رصيفاتها، إنجلترا وفرنسا..

إذا نظرنا إلى أكثر هؤلاء الفلاسفة شاعرية -ديكارت- لوجدنا أنه أقدمهم، وهو لم يعاصر الثورة الصناعية.. ونحن لا نحكم على ديكارت بالشاعرية إلا مقارنة بالمذكورين أعلاه، فديكارت كان ذلك الفيلسوف صاحب المنهاج النقدي المتأني في جذور المفاهيم العامة عند البشر.. إذ أنه هو ذاك الفيلسوف الذي كان يختلي بنفسه أكثر وقته، بشكل رسمي، للتأمل في تلك الأسئلة مثل (ما أنا؟ من أكون؟ هل أنا موجود؟) وشبيهاتها.. في هدوء تام وإبتعاد عن أي نوع من أنواع الشغب، ودون منهاج عملي معين في تقويم علاقة العقل والجسد، كما هو الحال في المناهج الصوفية في التأمل، مثلا.. وكانت عنده رسائل متبادلة في الفلسفة مع النبلاء وسليلي العائلات المالكة مثل الأميرة إليزابيث من بوهيميا.. من الواضح أن الأجواء التي عاش فيها ديكارت كانت أبعد ما تكون عن الثورية التي تتطلب الفعل المادي المحسوس والمسؤول، أو أن تشارك فيه على أقل تقدير.. لهذا كانت فلسفة ديكارت فلسفة تأملية نظرية وليست عملية، وهي من أبرز الأمثلة على فلسفة التنظير.. ونحن هنا لا ننتقد ديكارت أو نسفه نتاجه الفلسفي، ولكنا نضع مثالا واضحا على معنى الفلسفة التنظيرية، والتي لا نبخسها قدرها، ولكن لا نعطيها أكثر مما تستحق.. وقد نخمن أن مثل فلسفة ديكارت ومحاور اهتمامها الكبرى كانت محل استنكار من فلاسفة عصر النهضة الثوريين أمثال ماركس.. هذا مع العلم أن ديكارت اليوم يحظى بتقدير أكبر لعمله الفلسفي، ويعتبر عند الكثيرين صاحب المبدأ النقدي التشكيكي، رغم أن اعتبارنا الخاص يقول أن صاحب المبدأ التشكيكي الأول هو سقراط نفسه، ولكن ديكارت، بلا شك، قد خطى بهذا المنهاج خطوات واسعة تستحق أن يشار إليها..

على النقيض تماما، نجد ماركس الثائر.. والذي شغل وقته في البداية بالفلسفة التنظيرية المثالية التي سيصبح فيما بعد ألد خصومها.. فقد تخصص ماركس أكاديميا في الحقوق، وفي الأخص التاريخ والفلسفة، وقد كان هيغليا يساريا (من فلسفة هيغل)، ولكنه تبدل فلسفيا بشكل كبير أصبح معه ينتقد أستاذه هيغل نقدا قويا جدا.. ذلك أنه قد أصبح في موقف تضاد فكري سافر معه (رغم تأثره به في نقاط فرعية كثيرة)، وذلك الموقف هو الذي بني ماركس عليه جل رؤيته في الاقتصاد السياسي وتطور التاريخ إلى دكتاتورية البروليتاريا وتحقيق الشيوعية.. نسمعه يقول في كتابه رأس المال (يرى هيغل ان حركة الفكر، هذه الحركة التي يشخصها و يطلق عليها اسم الفكرة، هي الاله (الخالق، الصانع).. اما انا فاني ارى العكس: ان حركة الفكر ليست الا انعكاسا لحركة المادة منقولة الى دماغ الانسان ومتحولة فيه)[3].. ماركس يرفض تماما استعلاء قوة على قوى الطبيعة المادية، أو وجود شيء قبل وجودها، حتى العقل المفكر، ويعيد ذلك إلى أن الطبيعة أو المادة وجدت قبل وجود العقل حسب ما تدعمه نظرية التطور الدارونية.. إن موقف ماركس الفلسفي هذا قابل للجدل بصورة كبيرة، ولكن ماركس لم يكن على استعداد للوقوف عند تلك النقطة كثيرا، لأنه كان فيلسوفا عمليا ولا يملك الكثير من الوقت للتفرغ لكافة فروع الفلسفة، فشرع في تصميم وإخراج نظريته العبقرية في تطور تاريخ الاقتصاد السياسي، ونجد هنا أن ماركس في سعيه ذاك قد تبنى نظرية دارون للتطور تبنيا تاما، وذلك لأنها تعزز من موقفه المادي وتعزز من دراسته لتطور المجتمعات، لأنها تتبنى نفس المنهاج التحليلي المادي، وتصل إلى نتائج مصاقبة لها رغم إختلاف مجال البحث.. يقول إنجلز في خطبته الشهيرة على قبر ماركس (فمثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري: الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الايديولوجيا وهي أن الانسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الاهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين الخ..)[4]..

في ذلك الحين كان باقي الفلاسفة المنظرين في عصر الثورة يدورون حول حلقة مفرغة، والحركة المجتمعية لا تلقي لهم كثير بال، ولا هم كانوا مهتمين بها اهتماما أصيلا في واقع الحال، سوى ما تجريه انعكاساتها على أسلوب التفكير العام.. فنيتشه مثلا كان يؤسس في مذهبه الفلسفي الخاص في ألمانيا، والذي كان سيكون مثارا أكبر للكثير من الجدل والاتهامات لو كان أتى قبل عصر النهضة الذي تذبذبت فيه مفاهيم الأخلاق بشكل كبير، ولعله من حسن حظه أن ألمانيا كانت متأخرة في الثورة الصناعية عن إنجلترا وفرنسا بحيث أصبح عنده شيء من الوقت لكي يكون له صيت مع غياب صوت الآلة، رغم وجود تأثيرها الفكري العام.. وقد كان ماركس غاضبا من مواطنيه الفلاسفة الألمان الذين فضلوا أن يعكفوا على فلسفاتهم النظرية في حين كانت أوروبا في تطور صناعي متسارع، والأدهى من ذلك أنهم أصبحوا يحورون الأدب الاشتراكي الثوري الذي يردهم من فرنسا ليجعلوه مشابها لفلسفاتهم النظرية.. لنسمع ماركس وإنجلز يتحدثان عن هذه القضية في "البيان الشيوعي" .. يقولان (و بشراهة تخاطف الفلاسفة، و أدعياء الفلسفة، و الأدباتية الألمان، هذا الأدب. و لكنهم نسوا أنّ نزوح تلك الكتابات، من فرنسا إلى ألمانيا، لم يرافقه في الوقت نفسه نزوح أوضاع الحياة الفرنسية. فـفقد الأدب الفرنسي، في الأوضاع الألمانية، كل أهمية عملية مباشرة و اتخذ وجها أدبيا بحتا. و من ثم كان لا بد من أن يبدو كتأمل لا نفع فيه حول تحقيق الجوهر الإنساني. و هكذا، لم تكن مطالب الثورة الفرنسية الأولى، في نظر الفلاسفة الألمان في القرن الثامن عشر، سوى مطالب "العقل المعياري" بصورة عامة، و تجليات إرادة البرجوازية الثورية الفرنسية، لم تكن تعني في نظرهم، سوى قوانين الإرادة البحتة، الإرادة كما ينبغي أن تكون، الإرادة الإنسانية الحقة.

والعمل الوحيد للأدباء الألمان كان ينحصر في التوفيق بين الأفكار الفرنسية الجديدة و وجدانهم الفلسفي القديم، أو بالأحرى في انتحال الأفكار الفرنسية انطلاقا من آرائهم الفلسفية؛ و هذا الانتحال تم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها المرء عادة لغة أجنبية، أي بواسطة الترجمة.

ومعروف كيف استبدل الرهبان عناوين المخطوطات، المنطوية على الأعمال الكلاسيكية للعهد الوثني القديم، بعناوين حكايات سمجة لقدّيسين كاثوليك. أمّا الأدباء الألمان فقد تصرفوا حيال الأدب الفرنسي الدنيوي على عكس ذلك، لقد ذيَّلوا الأصل الفرنسي بهرائهم الفلسفي، فكتبوا، مثلا تحت النقد الفرنسي للعلاقات المالية: "تجريد الكائن البشري"، و تحت النقد الفرنسي للدولة البرجوازية: "إلغاء سيطرة الكلّي المجرَّد" إلخ.

إن دسّ هذه العبارات الفلسفية الجوفاء، تحت التطويرات الفرنسية، عمَّدوه بأسماء، مثل "فلسفة الفعل"، و "الاشتراكية الحقّة"، و"علم الاشتراكية الألمانية"، و"التعليل الفلسفي للاشتراكية"، إلخ..

و بهذه الطريقة خُصي الأدب الاشتراكي-الشيوعي الفرنسي خصيا واضحا.)[5].. انتهى النقل..

من هذه المقتطفات نرى بداية القطيعة الفكرية بين الفلاسفة العمليين والفلاسفة المنظرين في أوروبا، ومن الغصة النقدية التي يتحدث بها ماركس وإنجلز عن الفلاسفة المنظرين نرى أن أوروبا في عصر النهضة الصناعية لم تعد تستحمل وجود هؤلاء المنظرين.. ونجد أن الفلاسفة العمليين قد وصل بهم الحد إلى صرف نظر الناس عن أنهم فلاسفة، أو بمعنى أدق هم قد "تنازلوا" عن مسمى الفلسفة في سبيل أن يتميزوا عن أولئك المنظرين.. كما نجد أنهم كانوا في نقدهم لبعضهم أقل حدة من نقدهم للمنظرين بسبب طبيعة فلسفتهم، فماركس كان ينتقد المدرسة الإشتراكية الأوينية (من روبرت أوين) في إنجلترا (وهذه المدرسة الإقتصادية كان الأستاذ محمود محمد طه يؤيد أدواتها، كمفكر إشتراكي، أكثر من الماركسية)، كما أنه انتقد غيرها من المدارس، ولكنه، أي ماركس، لم يكن ينسى أن يشيد بإنجازاتها (أي الأوينية) ويحتفل بها، حين ينتقدها، في حين أنه لم يكن يرى في الجانب الآخر للفلسفة النظرية أي حسنة.. لهذا من الممكن أن نقول أن ماركس هو الذي بدأ مشروع القطيعة بين الفلاسفة العمليين والفلاسفة المنظرين في أوروبا.. حتى أنا يمكن أن نخمن أن باقي الفلاسفة العمليين الذين كانوا يختلفون معه في فلسفته قد تأثروا في الغالب بقوة حجته ضد أولئك المنظرين وتبنوا وجهة نظره، دون أن ينسبوها له بالضرورة، ولم تكن هناك حاجة لنسبها له، ولم يكن ماركس نفسه ليطالبهم بنسبها له، إذ كان يكفيه جدا أن يعي الفلاسفة العمليين تلك النقطة عن المنظرين ويحذروها منهم..

الشاهد أن الفلسفة الماركسية كانت إحدى القمم، من الناحية الفكرية، عند ظهورها وتعرف الجمهور عليها، ورغم آرائها التي كانت غريبة جدا حتى على واقع المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت.. إلا أن المنافسة الحقيقية التي وجدتها الماركسية في ذلك الوقت ،في المجال العملي، كانت من قبل النظرية الكلاسيكية -أم الرأسمالية- والتي أسس لها جون لوك (وليس آدم سميث كما هو شائع)، ومن ثم جاء آدم سميث بكتابه الشهير( ثروة الأمم) الذي يعتبر اليوم المصدر الرئيس للنظرية الكلاسيكية.. ورغم أن النظرية الكلاسيكية كانت منافسا قويا للماركسية، إلا أنها كانت فقط منافسا إقتصاديا، ولم تكن لديها إنعكاسات على الصيغة المجتمعية الكاملة كما هو موجود في الماركسية.. والكلاسيكيون قد انتبهوا لهذه النقطة ولكنهم لم يستطيعوا أن يعالجوها، فكانت فلسفتهم قاصرة بإزاء الماركسية من الناحية التأسيسية.. وقد كانت لديهم محاولات ضعيفة، وموسومة بشيء من البله الفكري، للخروج بنظرية مجتمعية تكمل نظريتهم الاقتصادية، أشهرها محاولة آدم سميث في نظريته(نظرية اليد الخفية).. هذه النظرية تفيد الآتي باختصار: "عندما يقوم أفراد المجتمع بسعيهم المستقل لتحصيل مصالحهم الشخصية.. سيجدون أنفسهم ساعين تلقائيا للمصلحة المجتمعية، وكأنهم مقودين بواسطة يد خفية لتحقيق مافيه خير الجماعة".. هذا التقرير الهلامي يعتبره الكلاسيكيون، إلى اليوم، الفرع المجتمعي في فلسفتهم، ونعتقد أن النظرية تعبر عن فقرها الفكري بنفسها.. لهذا لم يكن الأستاذ محمود محمد طه مخطئا عندما قال أن الماركسية هي قمة نتاج الفكر الغربي.. أما غيرها فيجوز أن يسمى (محاولة لتصور واقع جديد)، وليست فكرا.. والمعنى الذي يقصده الأستاذ محمود في اعتقادنا هو أن الفكر لا بد أن يكون متكاملا حتى يسمى فكرا، وبهذا التعريف فإن النظرية الكلاسيكية لا تعدو كونها نظرية اقتصادية جشعة -عملية نعم ولكن جشعة- ولكنها لا تسمى "فكرا" لأنها لا تستوفي شروط الفكر، أو المنظومة الفكرية إن صح التعبير.. وهذا أيضا يفسر اهتمام الأستاذ محمود محمد طه، كمفكر اشتراكي وديني، بنقد الماركسية نقدا دقيقا بواسطة تفكيك أصولها والنظر إلى جذورها، وإظهار موضع الداء فيها نظريا قبل أن يكون عمليا، لأن نقد الماركسية يعني عند الأستاذ محمود نقد التجربة الغربية بشكل عام في اعتقادنا.. فهو إظهار لحسناتها ونجاحاتها، مع إظهار سوءاتها ومواطن الخلل فيها، ومن ثم تقديم النظرة البديلة، ليحدث بذلك تزاوجا بين الإنتاج الفكري الغربي والآخر الشرقي، أو بشكل أدق "بين المادة والروح".. سعيا وراء تحقيق ذلك العرس الفكري الذي تتوق له البشرية جمعاء..

ومن المفيد هنا ذكر أن الكلاسيكيين أنفسهم قد استفادوا كثيرا من نظريات ماركس الاقتصادية وباقي النظريات الاشتراكية (مثل الأوينية الإنجليزية التي سبقت الماركسية إلى الوجود) واستخدموها لكي يحاربوا بها اقتصاد ماركس نفسه والاقتصاد الإشتراكي بشكل عام.. وقد كان إقتصاد ماركس يدعي، بتسلسل وعمق، أنه يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل في إطاراته المجتمعية والاقتصادية والسياسية، في حين لم تحاول الكلاسيكية أن تدعي ذلك كثيرا، وإنما ركزت على تتبع قراءات ماركس والاشتراكيين وإحداث الشروخ فيها بالسبيل العملي بطرق مختلفة، وقد نجحوا في ذلك أكثر من مرة.. ومن الطريف أن أصحاب النظرية الكلاسيكية التي تأسس عليها اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية قد لفظوها بأنفسهم لبعض الوقت، وتبنوا نظرية اشتراكية شهيرة هي نظرية الإقتصادي البريطاني جون كينس، وكانت هذه النظرية هي سلاح الولايات المتحدة للخروج من الكساد الإقتصادي العظيم الذي أصابها (1929-1941).. وقد استمرت في تطبيق تلك النظرية حتى الثمانينات -حيث قررت العودة للنظرية الكلاسيكية- ففي تلك الفترة تخلت أمريكا عن أساسيات النظرية الكلاسيكية وأصبحت تضع مصير إقتصادها في يد الحكومة الفيدرالية كي تخرجها من ذلك المأزق[6].. فهنا نرى حسنة -في نظرنا- من حسنات الكلاسيكيين، وهي أنهم منفتحون على غيرهم (ولو بشيء من الوقاحة) ويستفيدون من نتاج خصومهم الفكريين، في حين كان ماركس وإنجلز عصاميان جدا في فكرهما الشيوعي، وذلك ينبع من قاعدة أصيلة عندهما، وهي أن المجتمع الذي يبشران بمقدمه يلغي كل الصور المرافقة للمجتمعات التي سبقته، سواءً كان في تنظيم الأسرة والمجتمع، وحتى الأخلاق والأديان.. فقد كانت ثورة لا هوادة فيها عند ماركس وإنجلز على كل ما هو معهود ومتواتر عبر التاريخ.. إلا ما كان يصب في مصب فلسفتهما المادية البحتة، مثل نظرية دارون في التطور البيولوجي..

ربما أكون قد أسهبت بشكل غير لازم في هذه النقطة، لا أدري، ولكن كان هدفي هو أن أظهر أن "وحده نتاج صراع الفلسفات العملية"، وحده الذي أثر ويؤثر بشكل مباشر ومحسوس على مجتمعاتنا.. في حين لا نجد تأثيرا "مباشرا" وواضحا لفلسفات ديكارت ونيتشه وغيرهم على واقع حياتنا، حتى في الغرب.. إنما يكون الاحتفال بهم اليوم، في الغالب، في الدوائر الأكاديمية المغلقة وبين هؤلاء الذين يحتكرون مسمى الفلسفة دون وجه حق..

أعتقد أن الوقوف هنا قد يكون مستحسنا في هذه النقطة.. ونتقدم لإلقاء الضوء على جانب من الفلسفة في العالم الإسلامي..

في العالم الإسلامي..

سنأخذ مرحلة معينة أو شريحة معينة من تاريخ المجتمع الإسلامي كمثال، وهذه المرحلة بطلاها الغزالي وابن رشد..

في أفريقيا وآسيا عموما، لم يكن مسار تطور الفلسفة كذلك الذي كان في أوروبا.. إذ لم يكن العلم والدين على شقاق بشكل عام، ولم يمرا بمراحل مماثلة لتلك التي مر بها الدين والعلم في أوروبا، من حيث التفصيل، فقد كانا على وفاق في حضارة كوش، وكانا على وفاق في حضارة زيمبابوي القديمة، وكانا على وفاق في حضارات الصين القديمة، وكانا على وفاق في حضارة فارس وحضارة بابل والحضارات الهندية القديمة، وكذلك كانا في الحضارة الإسلامية.. ولا نعني بالوفاق هنا أنهما كانا متساويان في القيمة والسلطة، بل من المؤكد أن سلطة الدين كانت مهيمنة على سلطة العلم تماما في معظم الأحيان.. وقد رضي العلم بأن يصبغ بالصبغة الدينية عموما في تلك الحضارات أو المجتمعات القديمة، فكانت الهندسة الخلاقة في أهرامات شرق أفريقيا مستثمرة أساسا لخدمة الرموز الدينية، وكانت معظم الإكتشافات العلمية للمصريين القدماء تندرج تحت ذلك التصنيف.. ولا يخرج عن هذا خارج في باقي الحضارات المذكورة أعلاه، إلا شذرا.. إلا أن الإسلام قد أتى بعد تراكم عدة قرون من وفاة النبي محمد بمحاولات لتمييز المحاولات العقلية البحتة عن الدين، أو عن المحاولات العقلية التي ترتكز على الإيمان والعقيدة.. وقد سميت الممارسة التأملية العقلية البحتة بـ"الفلسفة" في الحضارة الإسلامية، وهذا المسمى، في زعمنا، لم يتولد من داخل المجتمع الأفريقي والآسيوي (اللذان أنجبا المجتمع الإسلامي) عامة، ولكنه تولد في معظمه بعد حركة الترجمة للكتب الإغريقية القديمة للعربية.. ولم يكن للفلسفة في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت أن تحاول التملص من الدين، فذاك كان أمرا خطيرا جدا، كما أنه كان محكوم عليه بالفشل في الوسط الإسلامي الشعبي الذي يقر إقرارا تاما بسلطة العقائد الدينية، وإن لم يكن يلتزم في الغالب بحرفياتها التشريعية في كل ما يأتي وما يدع.. لهذا كانت غاية محاولات الفلاسفة المسلمين أن يجعلوا الفلسفة بمعزل عن الدين ولكن غير مواجهة له وإنما مكملة له.. وكان هذا غاية ما طالب به ابن رشد، أحد أبرز شخصيات الفلسفة الإسلامية، وقد مضى ابن رشد في محاولة تلميع وجه الفلسفة عند المسلمين للقول بأن علم الفلسفة إنما هو العلم الذي يزيد الإيمان بطروحات الدين.. ونحن لا نقول أن ابن رشد قد أخطأ في ذلك، ولكنا لا نبرر دوافعه تماما.. فابن رشد كان قد وجد نفسه في مواجهة صعبة وخطيرة مع المدارس الدينية في عصره والعصور التي سبقت ميلاده مما دفعه لمحاولة تبرئة الفلسفة من أي معارضة عندها للدين.. وكل هذه المدارس الدينية كانت تنظر للفلسفة بعين الشك والريبة والإتهام.. حتى الصوفية المعروفون بتسامحهم الفكري العام كانوا قد صالوا وجالوا في هذا الميدان عن طريق أحد أبرز شخصياتهم، أبو حامد الغزالي، الذي كتب أكثر الكتب الإسلامية قسوة على الفلاسفة ( تهافت الفلاسفة).. وانتقدهم بشكل لاذع في كتابيه (إحياء علوم الدين) و(المنقذ من الضلال).. هذا بالرغم من أنه كان أفضل من غيره بكثير عندما أشاد ببعض حسناتهم الفكرية واجتهاداتهم المنطقية الطيبة، كما أنه نفسه قد كانت له سياحة فكرية كبيرة في ذلك المجال.. ولكن ابن رشد، الذي لم يكن قد خرج للحياة بعد عندما كتب الغزالي (تهافت الفلاسفة)، أخذ المسألة بشكل شخصي، وكان أن كتب كتابه الذي ليس بشهرة كتاب الغزالي (تهافت التهافت).. ونلاحظ من عنوان الكتاب موقع تصويب إبن رشد، فهو رغم غضبه الجم لم يتحامق تحامقا كبيرا.. فهو لم يقل(تهافت الغزالي) وهو يعرف أن الغزالي ليس بمن يوصف بالتهافت، خصوصا عند مخاطبة قوم يكنون له الكثير من الإجلال، ولم يقل(تهافت أفكار الغزالي) لأنه يعلم أن الغزالي في كثير من أفكاره قد أنصف الفلاسفة ووافقهم، ولو بعض الشيء.. ولكنه قال(تهافت التهافت) ليحدد موقع تصويبه، وهو كتاب الغزالي المدعو(تهافت الفلاسفة)، وهو ينتقده في عمومه ولا ينتقده كله برمته، لأن الكتاب لم يكن كله مخالفا لأفكار إبن رشد.. ولكن ابن رشد لم يستطع أن يكظم غيظه أكثر من ذلك، فكال للغزالي إتهامات الجهل و(العامية) وغيرها (المقصود بالعامية أن الغزالي تفكيره كتفكير العامة من الناس.. وكان هذا الوصف يعد استخفافا كبيرا بقدره في ذلك الوقت).. ولكن حتى لا نظلم ابن رشد فمن المنصف أن نذكر أن الغزالي لم يكن أقل تحاملا على الفلاسفة في كتابه المذكور أعلاه، هذا مع أن الغزالي نفسه يسمى اليوم في أغلب الأحيان "فيلسوفا" عندما نقدمه للعالم كشخصية تاريخية إسلامية، وعندما تتعامل معه دوائر الدراسات الأكاديمية والمهتمة، وهي ليست تسمية خاطئة في الواقع لو نظرنا للمعنى الأصيل لكلمة الفلسفة.. فالفلسفة بمعناها الأصيل المذكور في أول المقال تنطبق على أصحاب الرسالات السماوية من البشر أيضا، وربما أكثر من غيرهم.. ورغم أن الغزالي بطبيعة كتاباته يعمد لأن لا يشير بأصابع الإتهام لشخصيات بعينها إلا أنه لم يكن رحيما بـ"الفلاسفة" بشكل عام في ذلك الكتاب.. ولعله من العذر للغزالي أنه كان يريد أن يصرف العامة عن هؤلاء "الفلاسفة" ولو بالزجر الفكري لكون ضررهم أعظم من نفعهم في نظره، من الناحية العقائدية.. والغزالي، على أية حال، كان يرى نفسه مرشدا دينيا يهتم بالتربية الدينية لمريديه وأتباعه والعامة قبل كل شيء، ولا يرى حرجا في أن يتخذ الطريقة التي يراها مناسبة لعدم تشتيت فكرهم بما رأى فيه مضيعة للوقت في معظمه إن لم يكن أكبر ضررا من ذلك على بعض ضعاف النفوس والعقول في نظره.. ومن المهم جدا أن نعي أن الغزالي قد عاش في عهد قد كان عهد وصاية فكرية ومجتمعية واضحة، وفي هذه النقطة بالذات لا يختلف الغزالي وابن رشد في أن هناك خاصة من الناس يتفوقون في المعرفة المعلوماتية والقدرة العقلية على العامة من الشعب ويتسترون بعلومهم عنهم لأنهم لا يطيقونها، وإنما يبينون لهم قدر طاقتهم منها.. وابن رشد كان يسمي هؤلاء الخاصة بالفلاسفة في حين كان الغزالي يدعوهم بأهل الكشف أو علماء الباطن.. وأوروبا نفسها لم يسلم فلاسفتها الكبار من تلك النظرة التي تعد غير مقبولة في عصرنا الحاضر، رغم أنها تكون مفهومة جدا، ومقدرة، إذا وضعت في إطارها الزماني في سيرورة التاريخ..

والغزالي له صولات وجولات مع غير الفلاسفة أيضا، مثل علماء الكلام مثلا.. ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك، ولكنا نريد أن نشيد بإحدى الإشارات الذكية جدا للغزالي في خصوماته الفكرية مع خصومه، فهو الذي أشار قبل غيره إلى أهمية عدم تقليب معاني المصطلحات.. فأهل الفتاوى في زمان الغزالي كانوا يسمون بالفقهاء، ويسمون أيضا بالعلماء، كما كان يسمى كذلك أهل الكلام.. في حين استعفف الصوفية عن منازعة هؤلاء في تلك المسميات ورضوا بمسمى الصوفية ولم يهتموا بحرب المصطلحات الحامية الوطيس من حولهم.. ولكن الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين ) لم يرض أن يفوت هذه القضية دون توضيح، فأسهب في تبيين أن اللعب بهذه المفاهيم هو الذي أوصل الناس إلى أن يشيروا بها إلى الذين لا يستحقوها في نظره، ويستشهدون بها على أهلها الأصليين في نفس الوقت.. واستشهد مثلا ببعض الأحاديث النبوية، كقول النبي الكريم (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) وأشار إلى كيف أن أهل الفتوى اليوم يتشدقون بمثل هذا الحديث وهم أبعد الناس عنه، وهو يعني معظمهم وليس كلهم بطبيعة الحال.. فالغزالي هنا يوضح مشكلة الصراع حول المصطلحات والتي قد تغيب الكثير من الحقائق عن الناس مع مرور الزمن.. فعامة من يقرأ الحديث النبوي اليوم ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) تقفز إلى ذهنه صورة المجلدات المتراكمة فوق بعضها من التفاصيل المملة لفتاوي الحيض والنفاس، وأحكام بيع الطير في السماء، وشبيهاتها، في حين أن المعنى المراد في حديث النبي بعيد جدا عن هذا المعنى، حيث أن الفقه المعني في حديث النبي هو "التقوى" وتعظيم أمر الدين والاهتمام به، كما تفيد ملابسات حديث النبي، وسيرته، وسيرة الكبار من أصحابه..

نزعم أن مثل ذلك الصراع المصطلحي الذي بينه الغزالي حول المسميات الدينية هو نفس الذي جرى لمفهوم مصطلح الفلسفة.. فالفلسفة في حقيقتها هي أكبر ما يميز الإنسان عن الحيوان.. إنها الإنتاج العقلي الواعي بخواص البيئة وحدود قدرة الإكتشاف عند الإنسان، وهي ببساطة (أم العلوم) وخصوصا التجريبية المادية.. فعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء وهندساتها، كل هذه لم تكن منفصلة عن الفلسفة في بدايتها، حتى في العالم الإسلامي.. ونحن اليوم مثلا حين نذكر إبن رشد الفيلسوف يغيب عن ذاكرتنا ابن رشد الطبيب والقاضي، ونحن اليوم بالعكس مثلا حين نذكر ابن سينا الطبيب لا نكاد نذكر ابن سينا الفيلسوف صاحب الآراء الفلسفية المعروفة تاريخيا، وصاحب الكتاب الفلسفي(الإشارات والتنبيهات)، في حين أن كل ما جاءنا من ابن سينا كان نتاجه الفلسفي، فوجد بعض منه فرصة التطبيق التي أكدت صحته فسمي علما، وتكاثرت علامات الإستفهام حول بعضه الآخر وظهرت فيه بعض التناقضات مع الدين فسمي فلسفة.. ولعل في هذه الرؤية تفسيرا منطقيا للقب أكاديمي معروف في كافة المجالات الأكاديمية اليوم، هو الدكتوراه، أو(PhD) بالإنجليزية، وهو اختصار للقب(Doctor of Philosophy).. لهذا نجد أنه لم يكن من الإنصاف وضع الفلسفة (كمصطلح) في خط مصادم للعلم المادي، أو حتى الدين، أو حتى منعزل عنهما.. وهنا نجد الإنصاف الديني في قول الأستاذ محمود محمد طه ما معناه أن(الدين نبت من الأرض.. فألمت به أسباب السماء فهذبته).. بمعنى أن الدين كانت بدايته صادرة من العقل البشري، نفس مصدر العلم المادي التجريبي والفلسفة، كما نميزهم اليوم، ورغم اختلاف المنهاج والطروحات الحالية لهم، إلا أن المصدر واحد وكذلك الغاية واحدة، وهي "المعرفة" بمعناها الشامل لكل مجاهيل وخبايا الوجود، وما وراء ظواهر الشكول..

هذا يعني عندنا بالقياس أيضا أن الفلسفة لها حظ كبير في المعرفة -حتى الدينية منها- وهي كما تصيب كثيرا تخطئ أيضا لأنها غير مسددة بقدر السداد الذي لقيه الدين بإلمامة السماء(من الناحية الإيمانية)، ولكن إنكار إنتاجها والاستخفاف به قد يكون في النهاية استخفافا بالدين والعلم سويا، إذ أنها متجذرة فيهما.. وعلى العموم فإن نتاج الفلسفة الذي أثبتت التجربة صدقه يمنع كل ذي حلم من أن يسيء لها أو يبخس قدرها.. ولكن ما بال أقوام جعلوها اليوم صنعة تمتاز بالكسل والسلبية والبعد عن العملية؟ حتى أفرغوها أو كادوا يفرغونها من محتواها، وجعلوها محصورة في جانب ضيق جدا من تخصصاتها الواسعة.. وهل بإمكاننا نحن اليوم أن نعي أهمية عدم التلاعب بمصطلحات أخرى لقيت نفس ما لقيه هذا المصطلح وأصبحت تستخدم لأذية أهلها وأصحابها بالأصالة مثل ما أشار له الغزالي أعلاه؟ وغير ذلك الكثير من المصطلحات المعاصرة التي بدأت تواجه نفس المصير.. مثل "العلمانية" و"العلمية" و"الإشتراكية" على سبيل المثال.. بل وحتى مصطلحي "الدين" و"الإسلام"..

وفي الختام.. لا نستبعد أبدا وجود ثغرات كثيرة في هذ المكتوب، ولكنه على الأقل يصلح للابتداء في اتجاه قد يكون صحيحا، حسب زعمنا، فمن المعروف أن اللغة سلاح قوي، واللعب بها وتحويرها لا يستهان بتأثيره البطيء -ولكن فعال- عبر التاريخ.. ومن المضر للمصطلح تحويره عن معناه الأصيل، سواءً كان بهدف تجميله أو تحبيبه إلى الناس، أو العكس، في بعض الأحيان..

قصي همرور
مايو 2004
(عدل في مارس 2005)

الهــــــوامش

[1] محمود محمد طه – الإسلام – "العلم المادي التجريبي"
http://www.alfikra.org/books/bk007.htm
[2] غاري كيسلر- أصوات الحكمة
(Garry Kessler – Voices of Wisdom : A multicultural Philosophy reader-4th edition)
[3] فلاديمير لينين – كارل ماركس: سيرة مختصرة وعرض للماركسية – شوهد في مايو 2004
http://www.marxist.com/languages/arabic/karl_marx_lenin.htm
[4] فريدريك إنجلز – خطاب على قبركارل ماركس – شوهد في مايو 2004
http://www.marxist.com/languages/arabic/highgate_arab.html
[5] كارل ماركس و فردريك إنجلز – بيان الحزب الشيوعي – شوهد في مايو 2004
http://www.annahjaddimocrati.org/pages/theorie/maifest_comuniste.htm
[6] كامبل وستانلي – الإقتصاد السياسي
(Campell McConnell & Stanley Bro – Macroeconomics – 15th ed. McGraw Hill – 2002)

بعض المراجع الإضافية المتعلقة بالورقة
· محمود محمد طه – الماركسية في الميزان
· الغزالي – إحياء علوم الدين
· الغزالي – المنقذ من الضلال
· إبن رشد – تهافت التهافت – تحقيق الدكتور سليمان دنيا

http://umcc.ais.org/~maftab/ip/pdf/bktxt/taf-int.pdf
· جون مانيارد كينس – سيرة مختصرة
http://www-gap.dcs.st-and.ac.uk/~history/Mathematicians/Keynes.html

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco