header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

بين الإيمــان والعقيــــــدة

مشهد من الفكرة الجمهورية

 

قصي همرور

 

(1)

 

بعد نشري لورقة "التسامح الديني.. ضرورة لا بديل عنها"[1]، جرت لي عدة نقاشات مع بعض الأخوة والأساتذة الكرام، تتعلق بحديثي عن موضوع الإيمان والعقيدة، وتمييزي بينهما، وقد كان لهذه النقطة نصيباً كبيراً أيضاً من النقاش منذ تقديم الورقة في مناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه. ولقد تبين لي من هذه النقاشات أني لم أوضح فهمي بالشكل الكافي، علاوة على أني ربما استخدمت المصطلحين استخداما مشوشا، جعل الكثير من الناس لا يفهمون مقصدي. وعليه، فسأحاول الآن إصلاح شيء من هذا العطب البياني، بشيء من التوضيح، وشيء من مراجعة الموقف وإعادة تمحيصه. وهذه المقالة تطرح اليوم بعد تعديلات عديدة، وجوهرية، لمداخلة حملت نفس المحتوى تقريبا، في الصالون الكتابي (منبر الجمهوريين المغلق)، في فبراير 2005. ولهذا فهذه الورقة، رغم استقلاليتها النسبية، تعتبر ملحقاً وامتداداً لورقة "التسامح الديني"، تبني عليها، وتسعى إلى تكميلها، وهيهات.

 

في كتاب "تعلموا كيف تصلون"، يقول الأستاذ محمود محمد طه: "غني عن القول أن الإيمان، بصورة من الصور، قاعدة للعلم، وللعقيدة معاً.. ولكن العلم يتسامى بالإيمان إلى الإيقان، في حين أن العقيدة تقف، أو تكاد تقف، عند الإيمان.. وهذا حديث قد جرى تفصيله في كتابنا: "الرسالة الثانية من الإسلام" مما يغني عن تفصيله هنا". أعتقد أن الأستاذ يميز بشكل واضح بين الإيمان والعقيدة في قوله هذا، ويجعل الإيمان حلقة الوصل التي تربط بين العلم والعقيدة والتي تعين على تخطي مرحلة العقيدة إلى مرحلة العلم (حيث أنه ـ أي الإيمان ـ موجود ومستمر في كليهما).

 

في "رسائل ومقالات- الكتاب الثاني"، في الرسالة (إيمان المقلد.. هل به نجاة؟)، يقول الأستاذ: "كنا نقول في الإجابة على من يسأل عن مشكلة التنظيم الديني لبلد تختلف فيه الأديان: أن الإسلام لا يكره أحداً على اعتناقه، فهو يقول: "لا إكراه في الدين.. قد تبين الرشد من الغي". ثم هو إنما يبني تشريعه على القيم الإنسانية التي تصون حق الفرد، وحق الجماعة، والتي تلتقي فيها الأديان جميعا، وبذلك يستطيع الرجل المهذب السلوك، بصرف النظر عن دينه، ان يتجاوب مع هذه القيم الخلقية، لأنها إنما قامت لخدمة أغراض المجتمع المتمدين، وأغراض الفرد الحر. وكنا نقول: أن الإسلام، حين احترم الأديان الأخرى جميعاً، وجعل لأهلها حق القيام بشعائرها، بمراسيمها، في احترام وفي حرية، وضع حداً أدنى للسلوك، من تعداه أخذ بالقانون، ومن سلك في مستواه، أو فوقه، لم يسأل قانوناً، عن أمر من أوامر الدين، أو أمور الدنيا، واعتبر، كل ما عدا هذا الحد الأدنى، أمراً شخصياً، خاصاً بالفرد، له فيه حق الحرية، وحق الصون.

 

والآن، فإن الإجابة على سؤال السيد السر تأخذنا، كما قلت، أبعد من هذا، وتبين لنا بوضوح سماحة الإسلام، وجلالة تعليمه.. إقرأ هاتين الآيتين: "قل يا أهل الكتاب !! لستم على شيء حتى تقيموا التوراة، والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا، وكفرا، فلا تاس على القوم الكافرين* إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى، من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون." وما أرى أن هذا بحاجة إلى شرح شارح، وإنما هو واضح... فلو أنهم أقاموا التوراة، والإنجيل، لما شاقوا محمدا، ولزادهم ما أنزل إليه من ربه نوراً على نور، لا طغياناً وكفراً. وليس هلاك من هلك من هؤلاء يأتيهم عن مخالفتهم محمدا، وإنما لأن هذه المخالفة تنهض دليلا على مخالفة وراءها، هي خيانة أمانة التوراة، والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم. ونتج عن خيانة أمانة التوراة، والإنجيل، مفارقة القيم الأخلاقية التي تصون حق الفرد، وحق الجماعة، والتي تلتقي فيها الأديان جميعا كما سلف القول بهذا، قبل قليل. ولقد عبرت الآية الأخيرة عن هذه القيم أجمل تعبير، وذلك حين قالت: "من آمن بالله، واليوم الآخر" بهذا الإيمان صيانة حق الفرد، وصيانة حق الجماعة. وبين حق الفرد، وحق الجماعة، من التواشج ما يفسر سر الربط دائماً، في القرآن، بين الإيمان، والعمل الصالح، مفهوم بالضرورة، وموجود، ولا يكون عمل الفرد صالحاً، لنفسه ولا لمجتمعه، إلا إذا انبعث من نية صالحة. ولقد جاءت الإشارة للنية الصالحة في عبارة الإيمان، بالله واليوم الآخر، خير مجيء. وأدنى العمل الصالح كف الأذى عن الناس.. ولذلك قلنا: أن الإسلام وضع حدا أدنى للسلوك، من تعداه أخذ بالقانون، ومن سلك في مستواه، أو فوقه، لم يسأل "منا" عن أمر من أمور الدين، أو أمر من أمور الدنيا. فأنت لا تنجو لمجرد أنك مسلم بالتقليد، وإنما تنجو إذا يسر لك إسلامك الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح. والمسيحي لا يهلك لمجرد أنه غير مسلم، وإنما يهلك إذا نهض عدم الإيمان وعدم القيام بالعمل الصالح. واليك آية أخرى في هذا: "إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله، واليوم الاخر، وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون".

 

وشعبة سؤالك الثانية تقول: "ثم هل تعتقد أن هذا الدين الذي نأخذه تقليداً صحيح؟" والجواب: إن التقليد في الدين يصح بداية ولا يصح نهاية.. وهو، على كل حال، إن حمل صاحبه على الإيمان بالله، واليوم الآخر، وعلى العمل الصالح، (وأدناه، كما قلنا آنفا، أن تكف أذاك عن الناس) فإن فيه خيراً، وإن كان خيره لا يقاس إلى عمل من أسلم عن درس، وفهم وإقتناع.. وحين قال النبي الكريم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، إنما أراد أن ليس فيما دون ذلك حظ لمسلم. فإن استطاع، مسلم بالتقليد، أن يكون كذلك فقد فاز ـ وما في دون ذلك مفازة. وشعبة سؤالك الثالثة تقول: "والإيمان بالله، إن قام على أساس التقليد، هل هو صحيح أيضا؟".

 

والإجابة عليها كلها كالإجابة على سابقتها، فإن هذا الايمان إن حمل على العمل الصالح، وأرشد إليه، فإنه خير، وله عند الله منزلته ـ والمنازل عند الله شتى.

 

فالعبرة في كل أولئك ـ في المسلم المقلد، وفي المسيحي المقلد، وفي الأصلاء منهما ـ العبرة بالثمار. فمن طرح منهم ثمراً صالحاً فهو صالح، أو طرح ثمراً طالحاً فهو طالح.. وعلى هذا وذاك، وجب الثواب، أو العقاب.. و "على قدر أهل العزم تأتي العزائم". انتهى النقل.

 

هذا الاقتباس الطويل من كتاب الأستاذ مقصود، وذلك ليس لأنه يؤسس لموضوع التسامح والتعايش الديني فقط، بشكل عملي وموجز، ولكن لأنه يؤسس أيضا للاعتبار الأساسي لهذه المقالة، وهو أن المعيار المتوفر للتسامح الديني يكمن في الإيمان، وليس في العقيدة. علاوة على أنه يضرب مثلا قويا في معنى كيف يكون حوار الأديان، من التزام باحترام الآخر وحقه في المساحة الفكرية والممارسية، في إطار الدستور والديموقراطية، رغم الاختلاف الذي قد يكون كبيرا من الناحية المعرفية والمنهاجية، دون أن يمنع ذلك من الوضوح في النقد، والاستعداد التام لقبول النقد أيضا، في مناخ يعف عن سخائم النفوس، ويعمد للمناظرة الفكرية السليمة، تجسيدا للعبارة الجامعة (فالعبرة في كل أولئك ـ في المسلم المقلد، وفي المسيحي المقلد، وفي الأصلاء منهما ـ العبرة بالثمار. فمن طرح منهم ثمراً صالحاً فهو صالح، أو طرح ثمراً طالحاً فهو طالح).

 

(2)

في البداية، سأحاول وضع صورة أقرب للفرق بين مصطلحي الإيمان والعقيدة عندي، حتى يتسنى للقارئ أن يبدأ معي من أرضية قريبة من الفهم.. يقول تعالى: "إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله، واليوم الاخر، وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون". ما أعنيه بالإيمان هنا، هو تلك المنطقة المشتركة بين أهل "العقائد" المذكورين في الآية، فالنصارى واليهود والصابئين المذكورين في الآية يشتركون معا في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. ولكن عقائدهم تختلف. بتبسيط أكثر، الإيمان أقرب لنقطة التقاء الأديان من العقيدة، أي أن العقيدة تدخل في تفاصيل الفهم القائم على الخطوط العريضة، والخطوط العريضة هي "الإيمان والعمل الصالح" كما ذكر الأستاذ. الإيمان يعني الجانب الألطف من العقيدة، بهذا القياس، أي أنه المنطقة المشتركة من العقيدة بين الأديان، فالفرق بين الإيمان والعقيدة فرق في المقدار، كما ورد في ورقة "التسامح الديني"، حيث ورد: "الإيمان معنى.. والعقيدة صورة، أو تجلي واحد لهذا المعنى.. كما يستطيع المرء أن يقول نفس الكلام بأكثر من لغة، فكلامه، من ناحية الصوت المسموع، والكلمة المكتوبة، مختلف جدا، ولكنه من ناحية الاستيعاب أو القصد، هو هو دون تغيير.. إن العقيدة، بهذا الفهم، هي ترجمة للمعنى، متقيدة بقيود اللغة والدلالة المجتمعية للشعوب التي تنزل فيها تلك العقيدة.. أي أن العقيدة مقيدة بقيود زمانية ومكانية، لا تملك الانحلال منها، في حين تسامى الإيمان عن تلك القيود، لكونه متعلقا بالمعنى الذي لا تحجره الظروف الزمانية والمكانية، ولكونه متناميا، في اضطراد، يطلب العلم المحقق الذي لا شك فيه". انتهى النقل.

ومن ناحية أخرى، فالعقيدة المتراكمة تبطئ حركة الفكر، لأنها تثقله. لأن الفكر كلما تحرر من القيود كلما كان فكراً "حراً". ولا نعني بالتحرر من القيود هنا تجاوز الأدب، مثلاً، فالأدب من الأدوات الضرورية لرياضة الفكر في درب سيره بأناة نحو حريته ومعارفه، كما لا نعني به "عدم العلمية"، كأن ننكر ما لا نعرفه فقط لأننا لا نعرفه، أو أن نجزم به، في حين نفتقد ذلك اليقين الجازم. أفضل ما يمكن أن أستعمله في هذا المقام هو الحديث المأثور للأستاذ: "ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شئ أكثر ولا أقل من إعمال الفكر الحر فيما نأتي وماندع من أمورنا ـ الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد، ويسأل عن قيمة كل شئ، وفي قيمة كل شئ.. فليس شئ عنده بمفلت عن البحث، وليس شئ عنده بمفلت عن التشكيك.. فلا يظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر.. ولا يظنن أحد أن النهضة الاقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر. ولا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ممتعة بغير الفكر الحر".  وفي هذا المعنى قوله أيضاً: سمعوا، لا تقدسوا القرآن إلا بالقدر الذى يوصلكم إلى معانيه، ولا تقدسوا محمداً إلا بالقدر الذى يحفزكم إلى اتباعه.. واعلموا أن أكرم مخلوق عند الله العقل، فمن عطله بدعوى بتقديس كائن من يكون فقد سعى إلى الله بغير نور". ذلك لأن التقديس الزائد يعطل الفكر، فالذي يقدس القرآن بشكل زائد سيحمله تقديسه الشديد على طرد الشك بعنف كلما حصل، وبدون عامل الشك لن يكون هناك تدبر، في مستويات عدة (وللشك نفسه مستويات عدة)، ولن يكون هناك بالتالي وصول لمعاني القرآن، فالقرآن في الأساس يجب أن يحفز على السؤال، وحتى التشكيك، في كثير من أوجهه، لكي يعمل الفكر، فالتسليم التام بدعوى التقديس لا فكر فيه، وكذلك  الحال بالنسبة للتقديس الزائد لشخص النبي الكريم..

هذا الحد الأدنى من التقديس، سميناه مع "الإيمان"، وما زاد عنه فسميناه "عقيدة". فالعقيدة ليست مطلبا في حد ذاتها، ولكن لكي تكون متكأ نتخلى عنه في مآل أمرنا، شيئا فشيئا، في سيرنا الدؤوب نحو المعرفة. والتقديس الزائد في حد ذاته منطقة دعوى، عند التدقيق، لأنه تصنع للإجلال أكثر من اللازم، والإجلال الحقيقي إنما يكون بالعلم، لأنه لا يكون حقيقياً إلا إذا كان مدعوماً بالفكر، والفكر لا يجل أمراً أو شخصاً إلا بعد العلم به، أو بطرف كاف منه، أما دون ذلك فهو يكون في حالة شك مستمر، وهذه الحالة من الشك ليست منقصة في ذاتها، فهي مطلب ضروري لتحريك عجلة الفكر، بين الشك والإيمان، فالفكر يشترط توفر الثنائية ليستطيع التمييز، وبهذه الآلية يرتقي الفكر في مساره، ويدق، وبه ترتقي وتدق أيضا مستويات الشك والإيمان. ومن أجل هذا المعنى أيضا قال الأستاذ محمود، ما معناه "أنا مقدس عند الجمهوريين. أنا لا أريد أن أكون مقدساً، وإنما محترماً". وهذا من باب تربيته الحكيمة لهم، لأن تقديس تلاميذه له سيعطل فكرهم لدرجة كبيرة، وتعطيل فكرهم هذا سيحجبهم في واقع الأمر عن رؤية "الأستاذ المحترم"، والذي هو أكمل وأعظم من "الأستاذ المقدس"، لأنه ـ أي الأستاذ المحترم ـ أقرب للصورة الإنسانية، صاحبة التجربة الإنسانية "الأرضية"، والتي عن طريقها تجسدت القيم العليا في جرم بشري، محسوس وملموس، عبر صورة عملية، محسوسة وملموسة، من اعتماد المنهاج الديني، وهذا التجسيد الأرضي هو نقطة التقاء الأرض بالسماء (أو القيم العليا بأرض الواقع)، وهو أكبر عبرة منهما معا، لأن تجسيد القيم العليا أهم وأجل من هذه القيم العليا نفسها، لأنها تصبح بدونه ـ أي بدون التجسيد ـ مجرد وصايا أخلاقية معلقة في الهواء، ولا تمت لواقع الناس بصلة، كما أن هذا التجسيد، وبنفس القياس، يجعل للواقع دليلا ملموسا لإمكانية التطور نحو الأسمى من المعاني الإنسانية. وهذا الحديث لا ينطبق على الأستاذ محمود فقط، بل هو معني بكل داعية ومفكر حر، جسد أو يجسد مقاصده الفكرية، ويطرح بها ثمراً نافعاً لخير الإنسان، في الحس والمعنى. ولهذا فإن حديث الأستاذ هذا مقصود لذاته، لا تواضعاً فقط. والأستاذ يدعو تلاميذه في الأساس إلى ترك كل ما هو زائد من التقديس، حتى في جناب القرآن وجناب النبي الكريم، فكيف يغفل عن تحذيرهم من تقديسه هو؟

 

(3)

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالعقيدة، كما ذكرناها، أو العقيدة الزائدة بالأحرى، تمنع السعة! لأن العقيدة الزائدة توسع من مساحة الاختلاف بين البشر، ففي واقع الأمر لايوجد شخصان على درجة واحدة من العقيدة، ولا بد أن يكون هناك اختلاف في مناطق ومستويات عدة. بهذا المعنى فإن العقيدة لا تجمع، لأنها تؤسس للاختلاف. من الأمثلة البسيطة لذلك موضوع الإيمان باليوم الآخر، فمعظم الأديان تؤمن باليوم الآخر، والكثير من الآيات التي ذكرناها، أعلاه، ولم نذكرها تشير إلى ذلك، مثل قوله تعالى: "من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات"، وغير هذه من الآيات. هذا من الناحية العامة للإيمان باليوم الآخر، ولكن تصور هذه الأديان لليوم الآخر مختلف جداً! فإذا أصر صاحب كل دين ـ أو بالأحرى صاحب كل عقيدة ـ على تصوير عقيدته فقط لليوم الآخر، وقرر بأن من لا يؤمن بتفاصيل اليوم الآخر التي عند عقيدته فهو غير مؤمن باليوم الآخر، فهذا لن يعطي مجالا للمقاربة والتسامح بين الأديان. وهذا سينفي كون بقية الأديان تؤمن باليوم الآخر أيضا، وهذا سيخالف معنى الآيات القرآنية الواردة أعلاه، فالمسيحيون، عموما، بلا شك يحملون تصورا مختلفا جدا ليوم القيامة من الناحية العقائدية عن ذلك الذي عند المسلمين، وكذلك اليهود، وكذلك "الصابئين". فعند المسيحيين مثلاً توجد قصة ظهور فرسان الأبوكليبس الأربعة في يوم القيامة (Four Horsemen of Apocalypse)، وهذه القصة المرتبطة باليوم الآخر لا توجد إلا عند المسيحيين، حسب معلوماتنا، وكذلك عند المسلمين توجد علامات الساعة، كالدابة، ويأجوج ومأجوج، بصور وتفاصيل مختلفة. وظهور المسيح من أكبر الأمثلة على هذا الاختلاف، فالعقيدة في قصة ظهوره مختلفة ومتنوعة عند معظم الأديان، وكل ديانة تزعم أنه من أهلها، والطوائف الدينية المختلفة قد فصلت له ثوباً معيناً من الصفات لا بد أن يكسوه، بل إن منهم من حدد من هو بالضبط! واشترط بأن يكون هو هذا الشخص، أو أنه لن يؤمن به! ما أريد الإشارة له هو أن الأديان، بهذه المستويات من العقيدة فيها، لا يمكن أن تتعايش، أو تتسامح، تعايشاً وتسامحاً حقيقيين، لأن مساحة الاختلاف فيها تكون أكبر وأعمق. هذا ما عنيناه بقولنا، في ورقة "التسامح الديني"، أن العقائد لا يمكن أن توحد بين الأديان في المستوى الأدنى المطلوب، لأنها تدعو لتوسيع هوة الاختلاف، لا ردمها! العقيدة، عموما، لا تمهد للسعة وتقبل الآخر، لأنها تضيق مجال الحرية الفكرية، والتضييق ضد السعة! وهذا الأمر يظهر جلياً في تاريخ الأديان، منذ العصور الغابرة، حيث كانت الأديان الجديدة تولد بمخاض عسير، بسبب عدم القبول السلمي بها في أوساطها، وتنتشر عبر الناس بطريق الآلام والتضحية والدماء، ويبقى النزاع العنيف بينها وبين الأديان الأخرى متجسدا وغليظا. هذه الصورة متوفرة التكرار بشكل لا يمكن أن تغفله عين في تاريخ الأديان، عموما، رغم أن له ما يبرره في سياقه التاريخي، ولكن ليس له ما يبرره في سياق هذا العصر، ولقد تطرقت ورقة "التسامح الديني" لشيء من التفصيل في هذه النقطة، فليراجع في موضعه.

الفكرة الجمهورية لم تدع لعقيدة جديدة، كغيرها من العقائد التي تظهر في الأزمنة! هي قدمت عقيدة متطورة باستمرار، بمعنى أنها لا تقبل الوضع في قالب واحد دون تغيير دائم ومتطور، بل هي تتفاعل وتتكامل مع الواقع المجتمعي والتجربة الفردية، وتكبر معهما، وهذه هي ميزة "الإيمان". وهذا ما يجعل هذا الإيمان "علمياً" ويجعل الدعوة له ليست دعوة للدين بالمعنى المألوف للأديان. يقول الأستاذ في كتابه (أسئلة وأجوبة ـ الجزء الثاني): ("إن الإسلام، في حقيقته، ليس دينا، بالمعنى المألوف عن الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه، مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه. مرحلة الشريعة فيه، مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة، حيث يرتفع الأفراد من الشريعة الجماعية إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة"). وفي مرحلة الانتقال، لا يسكن المرء على حال، إذ أنه يعلم أنه في سفر مستمر، ولهذا هو لا يستقر. ففي دعوة الأستاذ لا يوجد استقرار على العقيدة، وإنما هو تطور مستمر. هو إيمان.

والإيمان مستمر في الحقيقية، وهو قائم دوماً حتى مع وجود العلم، كل ما هناك أنه يتطور باستمرار مع التحقيق، فإذا لم يكن هناك تطور في مستوى الإيمان، فهذا يعني أنه لا يوجد مستوى من التطور في التحقيق، فالسالك لا بد وأن يكون متطورا في مستوى إيمانه دوما. يقول الأستاذ في "رسالة الصلاة": "فكل مسلم لا بد له أن يمر بمرحلة المؤمن، قبل أن يتخطاها بالمزيد من الإيمان، والمزيد من العلم، حتى يبلغ مرحلة الإيقان، والإيقان على مراتب ثلاث. مرتبة علم اليقين، ومرتبة عين اليقين، ومرتبة حق اليقين، والقرآن يقول في ذلك: "كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم* ثم لترونها عين اليقين* ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" ويقول في حق اليقين من سورة الواقعة: "إن هذا لهو حق اليقين* فسبح باسم ربك العظيم" والإشارة بهذا إلى "إنه لقرآن كريم" التي سبقت السياق في هاتين الآيتين. فحق اليقين هو القرآن.

ولا تكون مرتبة الإسلام قبل بلوغ مرتبة حق اليقين، هذه، كما سلف القول، وكلما زاد العلم كلما زاد اليقين فاطمأنت النفس، وسكن القلب، فكان الرضا وكان الإسلام. والإيمان لا ينفك سايراً نوره أمام السالك في مراقي الإسلام ذلك بأن كل درجة يبلغها ويستيقنها اليوم إنما كانت في منطقة الإيمان بالأمس، وهي لا تصبح منطقة يقين حتى يرتفع إيمانه إلى منطقة جديدة، كانت قبلاً خارجة عن الاعتبار. فالإيمان هو مقدمة الإيقان. أو قل هو عكاز الأعمى، يتحسس به مواقع قدميه ريثما ينقلهما للأمام على بصيرة ما". انتهى النقل. ومما يؤكد ويدعم أن الإيمان لا ينفك سايراً نوره أمام السالك، قوله تعالى: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون". والله تعالى يصف نفسه بالإيمان كثيرا في كتابه، كقوله: "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون". ويقول كذلك: "وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يقولون آمنا به كل من عند ربنا." فللآية معنيين، في كتب التفاسير القديمة! المعنى الأول ـ ونورده هنا لمصلحة الجدل، مع اختلافنا معه ـ أن تأويله لا يعلمه إلا الله، أما الراسخون في "العلم" فهم "يؤمنون به" (وفي الواقع هذا التفسير يجعلهم "غير راسخين في العلم" إذ أنهم لا يملكون غير الإيمان!). وتقول كتب التفاسير أيضا أن التفسير الثاني الوارد أيضا ـ وهو الذي نتفق معه ـ هو أن الراسخين في العلم أيضاً يعلمون تأويله، لا بنفس مستوى علم الله بالطبع، ولكن طرفاً منه، يرتقي ويعظم حسب مقاماتهم، ويستشهدون في ذلك بأقوال، كقول ابن عباس "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله"[2]. وإذا كان الراسخون في العلم يشتركون مع الله في علم تأويله، فهذا يعني أن الله يشترك معهم في الإيمان، كما يرد من الآية! مع اعتبار المستوى بين علمه وإيمانه وعلمهم وإيمانهم بطبيعة الحال، ولكن المهم والذي أردنا الإشارة إليه هو أن الإيمان لا ينفك سايراً نوره أمام السالك، كما قال الأستاذ، حتى بالنسبة لله نفسه (الإنسان الكامل، وليس الذات الإلهية)[3]، واسم "المؤمن"، إنما هو اسم من أسماء الله الحسنى. فالقضية هنا ليست قضية مرحلة من التداخل بين العلم والإيمان فقط، القضية هنا قضية حضور دائم للإيمان، بعلم وبقبل علم، ولكنه إيمان متطور دوماً طالما كان صاحبه سالكاً، وهو بذلك لا يشبه عقائد أهل الأديان الأخرى، لأن عقائدهم لا تتطور، في عمومها، والإسلام، بهذا الطرح، يصبح "ليس ديناً بالمعنى المألوف للأديان".

 

(4)

ثم إن الإيمان نفسه، في الفكرة الجمهورية، يتعرض للمقياس الموضوعي، ولا يبنى على الكهنوت أو البهموت، إنما يبنى على المعرفة المتنزلة لواقع الناس. فلا يصح، في نهج الفكرة، مثلا، الاحتجاج بالعقيدة فقط على المحاور، كأن نقول له بأن يقبل النص ولا يحاجج فيه أو في فهمه بحجة أن العقيدة تلزمه بذلك. لقد كتب الأخوان الجمهوريون كتاب "عقيدة المسلمين اليوم"، وعندما أعلنوا فيه تخلف عقيدة المسلمين اليوم، وقدموا تصحيحهم وتطويرهم لها، كانت إحدى حججهم في تصحيح هذه العقيدة، وتطويرها، هو أنها أصبحت دون قامة العصر. وفي الأديان الأخرى، أو العقائد الأخرى، هذا لا يجوز! لا يجوز أن نحكم على العقيدة بمقياس عقل الإنسان وحال الواقع الإنساني المعاصر (قامة العصر). لهذا أصبحت معظم العقائد المعاصرة للأديان قاصرة، وتحتاج للتطوير، بهذا الفهم في الفكرة الجمهورية. هنا نرى فرقاً واضحاً أيضاً بين مقياس العقيدة وصحتها في الفكرة، وبين المقياس في الأديان أو العقائد الأخرى. يرد في الكتاب "عقيدة المسلمين اليوم" الآتي: "هذا مع أن العقيدة، في مستوى الشريعة، حتى ولو كانت على أحسن صورها من الصلاح، ومن النقاء، هي دون قامة العصر، ودون حاجته. فإن عصرنا الحاضر، عصر التقدم العلمي الكبير، هو عصر قد وصل فيه الفرد البشري الى مستوى من الذكاء، ومن رهافة الحس، لا يقبل معه الدين الا في مستواه العلمي ـ مستوى اليقين. وهو المستوى الذي تصبح فيه العقيدة، من الدقة، والوضوح، حتى لكأنها تتجسد فتصبح ملموسة".

والتحرر من "العقيدة" يبدأ عملياً بالفكر. فالعقيدة، في معظم جوانبها، ليس عندها الدعم الفكري المطلوب لحوار العقول، ولكن الإيمان يبنى على المنطق الفكري، أي المقياس الموضوعي. الإيمان هو عامل أساسي في تحصيل العلم، حتى المادي منه في واقع الأمر، في حين أن "العقيدة" أو "العقيدة الغير متطورة"، بالأحرى، أو "التقديس الزائد" ليس عاملاً أساسياً، وإنما معطل (واعلموا أن أكرم مخلوق عند الله العقل، فمن عطله بدعوى بتقديس كائن من يكون فقد سعى إلى الله بغير نور). باختصار، مرة أخرى، عملية تطوير العقيدة، لتواكب قيم العصر وحقائق الواقع وارتقاء التجربة الفردية، هي "الإيمان" الذي عنيناه. العقيدة المتطورة طرف أصيل من "الإيمان"، أما العقيدة الثابتة فهي "العقيدة" ـ كأنها "العقدة" ـ التي عنيناها. ولهذا، فإن الفكرة الجمهورية لم تقدم عقيدة جديدة، بالمعنى المألوف للعقائد، وقد قالت أنه في مستوى العقائد "كل حزب بما لديهم فرحون" من الآية "فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون". والمستوى المعرفي الديني الذي تقدمه هي تبنيه على الفكر لا مجرد الغيبيات. وعليه، فهي تدعو للإيمان وليس للعقيدة، في المعنى الذي ورد في ورقة "التسامح الديني".

وما عنيناه بالتسامي عن العقيدة، في تلك الورقة، هو ـ من الناحية العملية ـ عدم قياس الحوارات، وتقييم الأشخاص والمواقف الفكرية بمقياس الغيبيات الصرفة، وقياسها بالمقياس الموضوعي بدل ذلك، أي بعنصر الفكر. وعنينا به أيضاً قياس الصلاح والطلاح بالمقاييس التي قالتها الفكرة (الإيمان ـ أيا كانت عقيدة هذا المؤمن ـ والعمل الصالح). فالعقيدة التي عنيناها يختلف فيها حتى الجمهوريون أنفسهم، مثل عقيدتهم في الأستاذ، ومثل عقيدتهم في كبار القياديين الجمهوريين، ومثل عقيدتهم في فهمهم هم أنفسهم لبعض نصوص الفكرة. الفكرة لم تدع الناس بالعقيدة، وإنما بالمقياس الموضوعي المعتمد على الإيمان، حيث أن الإيمان نفسه موجود أساساً بمقياس موضوعي. ولهذا قال الأستاذ أنه يدعو إلى نقطة التقاء الأديان جميعاً، فلو كان يدعو لمجرد عقيدة جديدة لما كان داعياً إلى نقطة الالتقاء هذه، لأن الأديان لا تقترب من بعضها في الجانب الغليظ منها، حيث العقيدة، وإنما في الجانب اللطيف منها، حيث الإيمان والعلم.

وهناك من الأمثلة العملية على هذا الأمر الكثير، منها قصة الأستاذ مع طالب جامعة الخرطوم من أصدقاء الجمهوريين، والذي قرأت قصته من ورقة نقاش داخلية، قدمها الأستاذ عمر القراي في العام 1998، قال فيها: "وأذكر أن أحد طلاب الجامعة من الأصدقاء، قال للأستاذ أنه عندما قرأ السؤال، في كتاب الرسالة الثانية، من هو رسول الرسالة الثانية؟ شعر أن الإجابة ليست في مستوى وضوح، ومواجهة الفكرة. وكان يتوقع أن تكون الإجابة أنا محمود محمد طه رسول الرسالة الثانية!! وذكر ذلك الطالب أن الإجابة التي وردت في الكتاب بها "تواضع أكثر من اللزوم"!! لقد اتجهت إجابة الأستاذ لتؤكد أن ما جاء في الكتاب مقصود لذاته. وأنه رغم كتابة الكتاب، يملك اليقين بالرسالة الثانية، ولا يملكه فيما يخص رسول الرسالة الثانية. بل أن هذه المنطقة منطقة شك!! وهذا الشك هو الذي يعطي الحق لكل صاحب علم، ليطرح علمه حتى يجلي الله الأمر لصاحبه في وقته". هذا كان هو نهج الأستاذ في الحوار، ونحن نستطيع اليوم أن نتأسى به قدر استطاعتنا، وأن نقوم بالحد الأدنى منه، ونحاور الناس ونقيمهم بدون مقاييس عقائدية، ليس فيها حجة إلا على أصحابها، ولكن على غيرهم فلا.

 

قصي همرور

سبتمبر 2006

 

 

 

 

[1] "التسامح الديني.. ضرورة لا بديل عنها"، ورقة قدمت بمناسبة الذكرى العشرين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه – مجلة احترام، العدد الأول، نوفمبر 2005.

http://sudan-forall.org/sections/ihtiram/images/ihtiram-nov05-qusay-hamaror.pdf

)أيضا نشرت في صحيفة سودانايل في يناير 2005)

[2] راجع ابن كثير، تفسير الآية.

[3] للتعرف على مفهوم الفكرة الجمهورية لقضية العلاقة بين الذات الإلهية والإنسان الكامل والاسم "الله"، نرجو مطالعة بعض مصادر الفكرة، مثل (رسائل ومقالات- الكتاب الثاني). http://alfikra.org

 

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco