header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء


 

الحكمة ضالة المؤمن ... فمن ينشدها؟

 

نجم الدين محمد نصر الدين

 

 

أخيراً، وبعد زمن ليس بالقصير، خرجت علينا هيئة المشير سوار الدهب لجمع الصف الوطني، كما أطلقوا عليها. والمشير سوار الدهب، يعتقد البعض ممن لا يشاطرونه ما يرى، يعتقدون أنه يسعى لإنقاذ الإنقاذ من ورطتها المتزايدة في دارفور، وما تواجهه من مزالق هنالك، وضغوط المجتمع الدولي المتعاظمة، وعدم التحسن في الموقف على الأرض. وكشأنه، يقدم دوماً للإنقاذ طوق النجاة حينما تتلاطم عليها الأمواج ويطبق الغرق. وكان قد مارس هذا قبلاً، إبان المحاولة الانقلابية الشهيرة في رمضان من العام تسعين وتسعمائة وألف، والتي راح ضحيتها ثمان وعشرين من خيرة شبابنا من ضباط القوات المسلحة، الذين اشترك بعضهم وحتى البعض الذي لم يشترك واجهه المصير نفسه، وهو الإعدام رميا بالرصاص! والدفن في قبر جماعي لا يعرف أحد إلى الآن أين هو. تلك المحاولة، والتي يكمن الفرق الوحيد بينها وبين انقلاب الجبهة هذا، الذي لا نزال نجني ثماره المرة، هو أنه قد كتب له النجاح الذي تخلى عن أن يكون حليفاً لذاك، فتدخل المشير سوار الدهب للحيلولة بين أحد أبطال تلك المحاولة وهدم المعبد أو تدمير الهيكل، بعد أن بذل له وعوداً في ذلك الموقف بأنه سيتلقى محاكمة عادلة، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، وتم حنث كبير بهذا العهد المبذول، فالانقلابيين لا يعترفون بالزمالة والرفقة بسبب من وحدة العمل وجنسه للانقلابيين الآخرين الذين يفشل انقلابهم، فلديهم لهم تسميات وأوصاف أخرى ليس من بينها يا زميل أو يا رفيق أو دفعة، وإنما توصيف آخر هو العمالة، أو التمرد والخيانة والارتزاق... فتأمل!

وظل أهل الإنقاذ من حينها يكرمون المشير، ويحتفون به ولا يجدون مناسبة أو سانحة لكي يوصلوا له هذا ويبلغوه به إلا فعلوا، خصوصا أنهم انسوا منه زهداً في المناصب الحكومية وعزوفا عن الكراسي الرئاسية أو الوزارية (وإن رغب في غيرها)، الصفة التي يتمنون أن يتصف بها جميع أفراد الشعب السوداني وأبنائه، لأنها أولا "بعد أولاد الحرام"، و تمنع الزحام حول المورد العذب الذي لا يحبون أن يتزاحم حوله معهم منا أحد، إلا من يجودون له به من عسله المشنون كما قال الشيخ سلمان الطوالي زغرات، بعد ضنى ومكابدة وحمل للسلاح، إن كان من غير المستأنسين أو المروضين بواسطتهم، لان ذلك بالنسبة لهم كان شرطاً قدموه ورهان، بأنهم وحدهم المنازلين والمستعدين لأخذها منا بالسلاح، هم الذين ينالون نصيبا في كيكة السلطة العجيبة المذاق، ولقد كان مما حفظوه كتاباً واستمسكوا به وبلا انفصام من عهود، ووسم أداءهم طوال حكمهم وميزه، وظهرت جيداً نتائجه الآن، والتي أغرت الكثيرين بالسير في هذا الطريق، ولا تزال تفعل فعلها وسطهم .

خرجت أخيراً الهيئة كما ذكرت، وبعد عدة اجتماعات عقدت وعشاءات عمل وغيرها، إلى تكوين لجنة أسبغت على أعضائها الموقرين صفة الحكمة، التي هي ضالة المؤمن، لظنها بتوفرها فيهم سميت لجنة الحكماء، تعنى بجمع الصف الوطني بالوكالة عن الهئية، التي لم تستطع لذلك سبيلاً فيما يبدو، ورغما عن أنه وبالنسبة للإنقاذ، فإن موجبات الاستنجاد بالمشير أو غيره قد خفت، لأنهم كانوا أول أمرهم قد جعلوا بين أيدي القوات الدولية القادمة إلى دارفور سدا، ومن خلفها سدا، وعززوا ذلك كله بقسم السيد الرئيس الشهير، وأردفوه بذلك الذي أطلقه وزير الدفاع بجعلها أى دارفور مقبرة للغزاة، وكل من تسول له نفسه القدوم إلى هنالك، سوف تبتلعه أرضها بعزم المقاتلين الذي لا يفل. إلا أن هذا كله قد هدأ الآن وخمد، وستأتي بدلاً من الأممية قوات هجين، ولكنها أيضا من جنس تلك منسوبة للأمم جميعاً بمسمى آخر، أوليس هذا فرق شاسع بين هاتين القوتين لمن يفقهون حديثا؟ إن الإنقاذ في هذا كالأطفال تخلق المشكلة وموجبات الضغط عليها، وبعد أن يقبض خناقها ويحكم الحصار تنادي أن هبوا يا ابو مروة، للأخذ بيد الوطن المستهدف، عمروا الجبهة الداخلية، رصوا صفوفكم، تنادوا جميعاً، في وحدة نرد بها كيد الأعداء إلى نحورهم، وليس ثمة مشكلة بعد ذلك وحينما تستشعر يسرا بعد العسر وتشم قليل عافية، تستقوي مجدداً وتعود لممارساتها القديمة التي درجت عليها طوال عهدها، في إقصاء الآخرين والسعي المحموم المتصل للنيل منهم، وتكريس سلطتها وتسلطها. إنه من الملاحظ على تكوين هذه اللجنة، هو ابتداءً احتواؤها على أسماء أناس من أهل الحكم شاملاً ذلك السيد الرئيس نفسه، والذين يرون الآخرين جميعهم مخطئين في اختلافهم معهم في دور هذه القوات القادمة، ويعتبرون في المطالبة بقدومها الموالاة للغرب النصراني الكافر الجبار القاهر المتآمر، المسكون بالكيد للمشروع والتوجه الحضاريين، الساعي لتقويضهما وفرض رؤية اليمين المسيحي المحافظ المتحالف مع الصهيونية، وان القابل بهذا أي كان فهو من السائرين في هذا الركاب، والخائنين لوطنهم ودينهم وهم لا يقبلون عن هذا انثناءً.

الشيء الآخر، أن هنالك بعض ممن ورد تضمينهم، من الذين يرون أن الأحزاب جميعها ـ عدا الوطني بالطبع ـ لهي ما أوردنا هذا المورد من الضعف والهوان، وأنهم لا يحسنون أمراً أياً كان، خاصة شؤؤن الحكم وإدارته وتولى أمر الناس. ولهذا، فالإنقاذ حينما هبت فلقد فعلت ذلك لقطع شافتهم واستئصالها إراحة للعباد منهم. ولا تزال هذه رؤيته التي ظلت بالنسبة له كالعقيدة وكثوابت الإنقاذ التي لا تتبدل (كما درجوا على القول). ولا يترددون دوماً في نعتهم بكل النعوت المؤكدة لهذا، مثلما فعل د. نافع في وصف الشيخ عراب الإنقاذ الترابي، الذي اختير أيضا عضوا في هذه اللجنة بجانب من لا يعتقد حتى في صحة عقله (كان هذا حينما أطلق د. الترابي تصريحاته عن الاغتيالات التي أعقبت محاولة اغتيال السيد الرئيس حسنى مبارك الفاشلة والتي أفنى فيها الإسلاميون الإسلاميين من زملائهم، بحسب ما أمروا به تغطية على هذه المحاولة)، دعك من رشاده وحسن تدبيره وحكمته.

ولقد درج السيد د. نافع على نافع، مساعد السيد رئيس الجمهورية ،على إدماغ كل هؤلاء بهذه وتلك من صفات الذم في أي حالة يتأتى فيها تناول سيرتهم، خصوصاً إن الحديث عن الأحزاب والأداء الحزبي الجيد الرصين، فوق استنكافه عن قبول فكرة العدالة الانتقالية والإقرار والتسامح، بعد أن طرح أستاذه د. فاروق محمد إبراهيم ذلك على الملأ، محدثاً عن التعذيب الذي ناله على يديه، مؤكدا رغبته في العفو عنه إن هو أقر بذلك، تأسيساً للحقيقة والمصالحة، أسوة بما حدث في جنوب إفريقيا والمغرب. لذا، فإن البعض يرى في هذا المجافاة كلها للحكمة، إذ أنها والتعصب المغلق الذي هو بلا إبدال أو تسامح، لهو من أكبر نقائض الحكمة والد أعدائها، وأنهما لا يجتمعان بكف واحدة.

فوق كل ما سلف، وما يمكن إضافته لهذا كله، هو ما ورد في التحليل الذي سطره الأستاذ الصحفي النابه ضياء الدين بلال بصحيفة الرؤى العام، والمنشور بالموقع الإسفيري سودانايل بتاريخ الثالث والعشرين من يوليو 2007، وملاحظته المفضية إلى أن جل من تم اختيارهم في اللجنة من أهل السياسة والحكم المعروفين في هذا البلد، والذين ظلوا يملئون الساحة السياسية والاجتماعية منذ خروج المستعمر، عدا من أفناهم الدهر منهم أو الحادثات مع مرور الأيام، أو من اعتزل ذلك منهم بطوعه، كالأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، كأحد الحالات النادرة أو قل الحالة الوحيدة، فإن كانوا هم أهل الحكمة الذين نركن إليهم عند حاجتنا إليها نشداناً لها عندهم، فلماذا قعدوا عن إعمالها ابتداءً، ما دامت هي موفورة في نفوسهم التي بين جنبيهم  أصلا، وجنبونا ما نحن فيه من إخفاق وفشل وإدمان لذلك كله، استمر لخمسين عاماً ولا يزال، حتى تسعى الهيئة الوطنية للم الصف الوطني إلى إخراجها منهم، ومناداتهم للتحلي بها لكي يقدموا الحلول لمشاكلنا، الرأي الذي لا نجد حرجاً ولا عنتاً في مشاطرته له وبلا أدنى درجة من التردد أو الانقسام.

إن الإنقاذ والإنقاذيين لهم ضنينين الضن كله حينما يتصل الأمر بمشاركتهم السلطة، على غير النحو الذي أوردنا أعلاه، واقتسامها معهم إذا تطلب التواضع على اتفاق تحتاجه حالة الالتئام الوطني المطلوب، واللحمة والالتفاف والتعايش، والقبول بالآخر في وطن واحد نحس كلنا بفخر الانتماء إليه، والمعاونة في الاستجابة لنداءاته حين يطلقها لنا جميعاً، نحن ابناءه على اختلاف مشاربنا ومللنا ونحلنا، وأهوائنا ورغائبنا، في تزامن مع إحساس بان بقية الأقوام الآخرين يحملون تجاهنا وتجاه الوطن عين الأحاسيس، الشيء الذي يستحيل غرسه في حكامنا من غير المؤمنين به، فإن الأمر وبهذه الطريقة وحدها يظل حرثا في البحر، وطرقا على جدار المستحيل العصي على الاختراق.

إن دارفور رغماً عن كل شيء، تستعد قريباً لاستقبال القوات الأممية، غض النظر عن ما قيل حولها وعنها، من أنها هجين أو عجين أو غيره، أو سوف يكون هنالك من بين القادمين فيها "خواجات" من عدمه، في محاولات تعزية الأنفس بان الأشياء في ذلك الإقليم المضطرب كما تقول أجهزة إعلام الأعداء، تجرى بمشيئتنا نحن وليس وفقاً لما يشتهى الغرب، وأعوانه والذيول. والواضح حقاً أن معسكرات النزوح هذه، والتي مكث فيها البعض لسنوات عددا، تعطلت فيها حياتهم ومصالحهم وانقطع جريانها وتيارها، وأنها أضحت حقاً متاحف، كما وصفها رئيس الجمهورية إبان زيارته الأخيرة لدارفور، لتجسيد البؤس والنزوح، والاعتماد على الإغاثات والإعانات من هؤلاء الأجانب الذين يعملون هناك. فالحال مرشح لمزيد من التدهور والانفلات إذا لم تبدأ رحلة نزوح عكسية من هذه المعسكرات، إلى القرى والنواحي والنجوع، التي أتى منها هؤلاء النازحين، وهذا الذي يشكل الجدية من عدمها في إزالة هذا الكابوس، لنرى بعدها ما يمكن أن يحدث .

أما القول بان الإنقاذ، واستجابة لرغبة هؤلاء الحكماء، ستتنازل عن أي جزء أو نصيب أو نسبة، قسمةً أخرى للسلطة بالنسبة لها، لغير أولئك الذين ينتظرون في قطار الشرق، نصيبهم المستحق بموجب الاتفاق الذي وقع مع أهلهم بأسمرا وتم الشروع في إنفاذه وتنزيله، وأولئك الرافضين للتوقيع على اتفاقية أبوجا. ومن المأمول أن يوقعوا هم الآخرين نظير نصيب هو ثمن ذلك التوقيع،  فإن ذلك هو حلم ليلة صيف، أو ضرب من عشم إبليس في الجنة وما أبعده وأشقه من منال  وأعصاه على التحقق.                                                                                               

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco