header
 

 

في يوم المرأة العالمي: الماركسية والمرأة في السودان

عبد الله علي ابراهيم

  

هذه كتابات متفرقة تصادفت لي عن المرأة في ممارسة الحزب الشيوعي لم يتسن لي بعد تحريرها في كتاب مرقوم. وقد استعجلت نشرها في يوم المرأة العالمي لمحاربة عادة سيئة فشت في الكتابة عن هذه الممارسة بغير الرجوع أو نية الرجوع إلى مظانها في مجلة صوت المرأة أو "الشيوعي" او غيرها وهو كثير. وقد خرجت نظريات بأسرها تأسست على علم سماعي عن ممارسة الشيوعيين السودانيين. وهي نظريات ملأت النشطاء في مجال المرأة بالبغضاء بدلاً عن الأمل  في خدمة النساء وبين العاملات والزارعات وربات البيوت على وجه الخصوص. وسأكتفي بهذه الزفرة لأني لا اريد لهذه الكتابات أن تكون هي نفسها موضع نزاع وشقاق. فغاية قصدي أن أنبه بقوة (وهذا هو القول الثقيل في المصطلح القرآني) إلى ضرورة الحكم على أو لممارسة الشيوعيين بين النساء ورموزها بعد استيفاء عدة البحث وهي اعتبار كل مكتوب عن الأمر قبل الفتوى بشأنه. وقد رنوت لليوم الذي تقوم ناشطة او ناشط بخلق موقع على الإنترنت لمجلة صوت المرأة في عيدها الخمسين (1955-2005) حتى يقف الباحثون على أرقها بقضايا محدثة في مسألة المرأة لفت لها النظر مقالي عن المجلة أدناه. وسيجد مثل هذا المشروع عوني ما استطعت بدءاً بتوفير كل ما صورته من أوراق المجلة من حصيلة دار الوثائق المركزية منها وهو قدر مطفف.

وهذا كله في ذكري أحبابنا من الرعيل الماركسي الأول جزاهم الله عنا كل خير.    

 

 

إلى روح فوزية حسن اليمني محررة الكرتون بمجلة "صوت المرأة". كانت صفحة الكاريكتير هي التي يبدأ بها الناس قراءة المجلة الشهرية. فقد جمعت فيها بين التبكيت على استبداد الذكور في البيت والهزء باستبداد عصابة 17 نوفمبر، في لغتنا آنذاك، بصورة غير مسبوقة او ملحوقة. ويوم يكتب تاريخ فن الكرتون في السودان ستكون صفحة فوزية بيضاء، وبيمينها . . . راقدة على اليسار.

 

 

 

فهرست الكتابات

1- السهم في كنانته: فاطمة أحمد إبراهيم والإمام محمد عبده

صندوق: قول ليهو ما يهدر فرحتهم

2- غصص فاطمة أحمد إبراهيم وغصصها

3- "صوت المرأة" في عامها الخمسين (1955-2005)

أ- حجاب أم استحجاب

ب-يا صوتها لما سرى

ج- أي صوت زار في الأمس خيالي

حكايات من المجلة:

-حكاية فاطمة بت باشتيل

-تجربة نصرانية في بيت مسلم

من جريزلدا الطيب إلى فاطمة احمد إبراهيم

4- بين الرفيق عبد الخالق وفاطمة: خطتان لعمل الحزب بين النساء أو خلفيات تاريخية للملاسنة الخأيرة بين فاطمة وناشطات أخر

 

السهم في كنانته: فاطمة أحمد إبراهيم والإمام محمد عبده

"الي روح اختي قمر القسوم (1936-2002) التي حال دون تعليمها حائل. ولم تتوقف عن طلبه مع ذلك في حلقات الامية التي ادارها الاتحاد النسائي بحي الداخلة بعطبرة في نحو 1956. وكانت تأتيني بمجلة صوت المرأة، منبر الاتحاد النسائي،التي بها اهتديت الي معان غراء عن وجع ظاهر شغلت به عمري. رحمها الله وأمطرها بشآبيب البرد والثلج والرحمات"  

حدثت السيدة فاطمة أحمد ابراهيم كاتبة اسمها مهناز أفخامي بطرف من سيرتها في كتاب عنوانه "نساء في المنفي" صدر بالانجليزية في عام 1994 . وجعلت الكاتبة لفصل فاطمة عنواناً هو "السهم في كنانته". ومصدر التسمية أن افخامي لما التقت فاطمة لم تصدق ان الذي سمعته عن طاقة وجهاد المرأة وقوة شكيمتها وعارضتها مما يمكن  أن يحتمله هذا الجسد الناحل بحضوره الأريحي اللطيف أو أن يعبر عنه صوتها الخفيض الأجش. فبدت فاطمة للكاتبة سهماً في غمده ومحارباً في اجازة. وقالت إنها مثل السهم في كنانته يبدو آلة من الحطب والحديد لا خطر منها. وليس يتسني للمرء إدراك شوكة هذه المراة وعزائمها المقاتلة حتي يراها في المعمعة الاجتماعية كما السهم يؤخذ من كنانته ويصوب بقوة وإرادة فيطعن غرضه بقوة وتصميم.

ووجدت في حديث فاطمة السخي الي أفخامي زواية للنظر الي أسلوب فاطمة القيادي لم تقع لي قبلاٌ. فمنذ أول يوم استمعت الي فاطمة في الستينات الاولي بالقاعة رقم 102 بآداب جامعة الخرطوم وجدتها تربط بين حرصها علي الحشمة (المبالغ فيها كما يراها البعض) في مظهرها وبين خدمة قضية المرأة في بلد يواتي خصوم تلك القضية من البطراكيين (عتاة المعتقدين في سلطة الرجل والممارسين لها) نصوص الاسلام لإفسادها وضبطها. فقد حكت لنا كيف أنها ورفيقات لها في الخمسينات الأولي كن يتحجبن من أعلي الي أسفل ليذهبن للشغل في مكتب مجلة صوت المرأة، الناطقة باسم الاتحاد النسائي، أو المطبعة. وقالت إنهن اقبلن يوماً علي المطبعة ولما رآهن أحد عمال المطبعة بادر بالقول : "الله يدينا ويديكم." فقد ظن العامل أنهن من الفلسطينيات الملثمات اللائذات الي السودان ممن كن يضطررن احياناً لتكفف الناس.

ولم يغر فاطمة تبدل الاحوال في الستينات ، الذي به كفت البطراكية عن النظر البوليسي لزي المرأة، لتغير من أسلوبها في الحشمة. فقد جاء في حديث فاطمة الي أفخامي أنها حين دخلت البرلمان في 1965 إمراة وحيدة بين 365 نائباً ذكراً احتشمت في اللبس كثيراً. وقد هزمت بذلك عتاة خصوم المرأة الذين لم يتأخروا ابداً بعد ذلك في التصويت لمشروعاتها بشأن تقدم المرأة. وقد أخذت أجيال تلت فاطمة في الحركة النسائية عليها الحاحها علي الحشمة في المظهر والتضييق عليهن في ضوابط اللبس وغير اللبس. وقد استعانت فاطمة بنصوص من لينين، المظنون فيه السفه والمشاعية، في محاضرة لها يوماً لتزجر التقدميين عن الاسفاف الجنسي باسم التقدم. وربما بالغت فاطمة في المطابقة بين الحشمة وأسلوب لبسها، الذي هو ثمرة بئية تعنتت علي المرأة في الخمسينات وماقبلها، تعنتاًً كبيراً. غير أنني لم أجد من نقدة أسلوب فاطمة هذا من كان في تفهم أفخامي له وحسن إدراكها لمغازيه. فقد قالت أفخامي بعد استماع مطول لحكاية فاطمة عن نفسها ومااضطرته لها دعوتها الي تحرر المراة: "إنها لواقعة معذبة أن تكون مناضلاً مبادراً من اجل تحرير المرأة في بلد مسلم. فالشأن الشخصي لمثل هذه القائدة المبادرة يتحول الي شأن سياسي عام." وخطرت لي أغنية من اغاني الربوع الامريكية الرائجة هذه الأيام تنعي علي الناس انهم "لايرون الألم من وراء القناع."      

فلم تكن فاطمة بما ذكرته عن ليبرالية أسرتها وخفض عيشها بحاجة للبس هذا القناع الثقيل. كانت فاطمة في حل عن قيد الاسراف في اللبس لو لم تخرج من أمن بيتها الي العمل العام تنتصر لبنات جنسها الغبينات في ظل بطراركية الخمسينات المدججة. فقد كانت أمها قارئة بالعربي والانجليزية وتدير مع ابنائها وبناتها جلسات مشتركة للمطارحة الشعرية. وكانت الأسرة في ذلك الزمان القصي تجلس الي مائدة واحدة لتناول الطعام. وكانت والدة فاطمة تقرأ لوالدها الصحف بينما يقرأ لها القرآن. وكانت توقر زوجها العالم مدرس علوم الدين في مفاوضة حسنة تحفظ له القوامة وتؤمن لنفسها مساحة مناسبة لحريتها في دفع بناتها وأولادها في مدارج التعليم. ومن عرف آل احمد ابراهيم عرف الآن من أي بئر نشلوا ماء همتهم في شغل الوطن وصدق عزيمتهم في الخدمة العامة وثاقب فصاحتهم في الذود عن حريته. فلم أفهم ثقة صلاح احمد ابراهيم، شقيق فاطمة، في جنس المرأة ثقة لم تخالطها قشور الايدلوجية، الا بعد أن قرأت حديث فاطمة عن نشأتها الاولي.  

وقد أتاح لي  سخاء افخامي في تفهم متاعب فاطمة أن أقارن بين دعوتها إلى تحرير المرأة ودعوة هدى شعراوي في مصر. فالمعروف أن لحظة اطلاق نداء تحرير المرأة عند هدي كان هو خلع الحجاب بينما كان الرمز عند فاطمة هو ارتداء الحجاب أو ماهو قريب منه. وربما رددنا الخلاف الي أحوال تباين وضعي المرأة في مصر والسودان من حيث تقدم المجتمع وعلاقات الذكورة والأنوثة فيه. غير أنه يجب أن لا يغيب عنا أن دعوة فاطمة للتحرير اتجهت الي غمار النساء وفي إطار عمل طبقي شعبي شيوعي بينما كانت هدى ودعوتها بعضاً من نهضة برجوازية ثقافية في مصر. ولا يريد كل قائم بالأمر لغمار الناس أن يخرجوا من اليد بينما هم أرأف بالبرجوازيين والبرجوازيات. وقد سبقتني فاطمة إلى لفت النظر الي هذا الفارق بين حركتي المرأة في مصر والسودان في ردها علي مقال لأستاذنا عبد الخالق محجوب نشرته مجلة "الشيوعي"، المنبر الفكري الايدلوجي للحزب الشيوعي، في العدد رقم 132 لعام 1968  تحت توقيع "هاجر" وهو اسمها الحركي علي تلك الأيام.

أعجبني من قول فاطمة لأفخامي أنها تؤمن بأن النسوية تقليد راسخ في ثقافة السودانيين وأن مساواة الرجال والنساء مما يمكن أن نبلغه بالبناء فوق الأساس الصالح لهذه الثقافة. وقد وافق هذا ما كنت أقرأه لها منذ أيام في محاضرتها التي القتها أمام طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم في 1980 وعنوانها "حول قضايا الأحوال الشخصية." وقد  انتبهت إلى عنصرين من عناصر منهجها التأصيلي. فقد بدأت بقانون الاحوال الشخصية (الموروث وليس الصادر عن هذه الحكومة بالطبع) ولم تجد ما تعترض عليه أصلاً غير بيت الطاعة. أما في بقية المواد فهي إما استحسنتها وتركتها علي حالها مثل قوانين الحضانة أو ما طالبت ان يتم أمام قاض مثل الطلاق وعقد الزواج وتعدد الزوجات وبشروط دقيقة. وقد وجدت فاطمة في بعض التشريعات الشرعية أثراً باقياً من نضالها هي نفسها ونضال الاتحاد النسائي مثل المنشور الشرعي رقم 54 لعام 1960 الذي كفل للفتاة الاستشارة حول من تقدم لزواجها. وقد جاء المنشور استجابة لمذكرة تقدم بها الاتحاد النسائي الي قاضي القضاة في 1954 يحتج علي تزايد حالات الانتحار من فتيات لم يقبلن الاقتران بمن اختارته الأسر لهن. وأميز من ذلك كله أن فاطمة طالبت بأن تجيز الحكومة الخصم من مرتب الأب ما يكفي لنفقة عياله. ولم تكن القوانين المالية (واحسبها ما تزال) تخصم أكثر من الربع. وقد تقيدت المحاكم المدنية بهذا القانون المالي بالطبع. أما المحاكم الشرعية، الواقفة علي أوجاع النساء وفقيراتهن بالذات، فقد كانت تلح، إلحاح فاطمة، أن يخصم من الأب ما يعول أطفاله بغض النظر. وهكذا تقدمت المحكمة الشرعية في أمر النفقة وتأخرت المحكمة المدنية الموصوفة بالحداثة أي بالعدل والاحسان في شرط الزمان والمكان.

غير أن أكثر ما جذب انتباهي هو مرجع فاطمة في إصلاح قوانين الاحوال الشخصية الذي هو الامام محمد عبده (1905-1945 ) رحمه الله. فلم تأخذ مأخذاً علي  تلك القوانين إلا وجدت له مخرجاً حسناً من فتاوي الإمام. وهذا الذي ربما اقنع فاطمة بأن النسوية ربما كانت أقرب الينا من حبل الوريد. ولو تأملت فاطمة الأمر قليلاً لعرفت أن سماحة التقليد الشرعي وتفتحه لحقائق المجتمع كما اختبرته هي واتحادها النسائي  إنما يعود الفضل فيه للامام محمد عبده. وقد كتب عن فضل الإمام هذا الدكتور  ج ن ج أندرسن وتبعته بإحسان الدكتورة كارولين فلهر-لوبان المعروفة بأسم "مهيرة" بين معارفها الكثر من السودانيين.

وأصل المسالة أن الإمام، الذي شغف بالحداثة ورأي الأخذ منها بقوة وعافية فكرية، كان مشغولاً بترقية المحاكم الشرعية. وقد أظهر أحد تلاميذه وأحبابه، الشيخ القاضي محمد شاكر، ميلاً لإصلاح تلك المحاكم وقوانينها في مصر. فسأله الامام أن يكتب له تقريراً يوصي فيه بما يعن له من سبل الإصلاح. وقد فعل بعد طواف علي المحاكم. وقد اعتمد الامام تقرير القاضي شاكر وتوسع فيه وأطلع عليه المسئولين ونشره عام 1900 بعنوان "تقرير اصلاح المحاكم الشرعية." وأراد الامام أن يمكن لاصلاحاته هذه في بلد بكر تحت التأسيس كالسودان لم تنهض فيه طبقة من تلك التي تخشي الإصلاح الديني وتتحفز لإطفائه. فأرسل القاضي شاكر في 1900 ليكون أول قاض للقضاة في السودان بعد قيام دولة الحكم الثنائي في 1898. واتاحت له العذرية القانونية في السودان أن يجرب اجتهادات شرعية قد يتعذر  البدء بها في مصر المحروسة القديمة. فقد أصدر القاضي شاكر منشورات ما زال العمل بها سارياً وهي مما انتفعت به المرأة انتفاعاً كبيراً قضت بالتطليق للغيبة والإعسار والحبس والضرار مما تأخر الأخذ به في مصر نفسها حتي عام 1925.

غفلة فاطمة عن مزايا التجديد الفقهي في التقليد الشرعي السوداني (1900-1983) ، الذي تجسد في قوانين الاحوال الشخصية، هي غفلة عامة. فالإسلاميون اهملوا التنويه به والغزل علي منواله لانشغالهم بأسلمة الدولة ذاتها. بل وانتكسوا عن محاسن التقليد حين جعلوا ضبط النساء والتجسس عليهن أكبر همهم بينما كان ذلك التقليد الديني رفيقاً رقيقاً بهن. يكفي أنهن قد صرن بفضله قاضيات شريعة بفقه ذكي لمولانا شيخ الجزولي (وقد صليت لروحه الماهر التقدمي عند زيارتي لأضرحة الختمية بحلة حمد) ، وبمصابرة جميلة لمولانا نجوي كمال فريد، أول قاضياتنا الشرعيات. وقد جففت الإنقاذ هذا المصدر بغلظة عجيبة. وقد سمعت الجزولي يقول إن النساء أدري بوجع النساء وأقرب إلى ظلاماتهن وإن القاضيات سيوسعن من علم الشريعة وخيرها إذا عدلن باحكام يتأدب بها المجتمع ويمتثل.

 ومن جهة أخري تحاشي الفكر الجمهوري هذا التقليد الشرعي مع أن أصلهما واحد وهو الحداثة الاسلامية التي ركنها وحجتها الإمام محمد عبده. وزاد الفكر الجمهوري في جفائه لهذا التقليد الشرعي بجعله هدفاً لحملات نقد وتنغيص. وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين أن يلطفوا عبارتهم في نقد القضاة مع علمي بمحنة الجمهوريين وما نالهم من القضاة و الوعاظ في المساجد من أذي وترويع. ومغاضبة الجمهوريين لم تقع من جهة إحسان ذلك التقليد الشرعي أو إساءته  بل من إرث مواجهة سياسية مع رجال الدين راجعة الي أيام الحركة الوطنية. فقد صنف من قصروا علي أنفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود القضاة الشرعيين والاعيان وزعماء القبائل والطوائف بأنهم من أعوان الاستعمار. وهذا كلام جاز طويلاً غير أنه خاضع للنظر والمراجعة الآن. ويكفي أن تقرأ ما كتبه الدكتور حسن احمد ابراهيم عن السيد عبدالرحمن المهدي لكي تتشكك في صواب ذائعة ممالاة المستعمرين عن أولئك الرجال. وقد دق حكم المحكمة الشرعية بردة المرحوم محمود محمد طه، عليه الرحمة، في 1968 إسفين الخصومة بين القضاة والمرحوم واختلط حابل تطوير الشريعة بعاديات السياسة وأطوارها وبمنطويات النفوس. 

وقد دعتني هذه الغفلة العامة أن اتوافر علي دراسة هذا التقليد الشرعي في مظانه الكثيرة خلال أكثر من عقد من الزمان. ورأيت خلافاً للتيارات الفكرية السودانية، التي أتيت علي ملابسات اهمالها له، أنه ربما كان أكثر عناوين الاسلام عندنا خطراً. فالدارس له يقف علي أمور كبيرة هامة. أولها خطأ  الذين يقولون بأن الثقافة الاسلامية ظلت لها الهيمنة بشكل سرمدي في البلد (انظر الصندوق). فخلال العهد الاستعماري ومابعده كثيراً كان الإسلام ثقافة مغلوبة لا خطر لها في القوانين التي تحكم اقتصاد المسلمين أو معاملاتهم أو معادهم ولم يبق لها سوي حيز الاحوال الشخصية. وقد رأيت من الكتاب عندنا من جعل من هذا الكيد الاستعماري للإسلام طبيعة للإسلام السوداني الصوفي العلماني بالفطرة الذي يتحاشي السياسة ويستثقلها. واستعجبت كيف يستقيم مثل هذا القول لبلد خرج من المهدية الي الاستعمار. فقاريء الدكتور عبدالرحمن الخليفة يجد أن من أوائل الأحكام القضائية التي صدرت في السودان بعد زوال المهدية كان بشأن خلاف حول هل المال المستلف للعب القمار مما يسترد. فقد قال عبدالرحمن إنه لم يكن مثل هذا الخلاف مما تنظره المحاكم لمفارقة ممارسة القمار ذاتها للدين. كما استعجبت لماذا يريد لنا قوم أن نعتمد الأصل في الاسلام تلك الصورة التي أرادها له الاستعمار من فصل للدين عن السياسة لا الصورة أو الصور التي يريدها أهلها له بالحسني والموعظة الحسنة بعد تحررهم من حكم الأجانب.

ولم يكن غلب الاسلام بالاستعمار غائباًًًً عنا في اليسار حين كنا نقول بشكل عام أننا نريد أن نسترد ثقافتنا الوطنية التي طغي الاستعمار عليها ومحاها. ثم زاغت عيوننا عن ذلك بفضل "الأزمة الفكرية في الحزب" التي إنتابت الشيوعيين منذ أوائل الستينات وحالت دونهم والنظر الراشد في أمهات مسائل التحرر من الاستعمار. وهي الأزمة الناشبة بعقل الحزب الشيوعي وخياله حتي كتابة هذه السطور . . . وباعترافه أيضاً. ولما غاب ذلك النظر استعاض اليسار عنه بجفاء عام لذكر الشريعة أو تطبيقاتها في ملابسات " حرب الديك ،سك الديك" مع الإسلاميين. ولم يكن الإسلاميون بأقل غفلة عن التقليد الشرعي السوداني.

 وثاني هذه الامور الخطرة التي تتصل بالتقليد الشرعي السوداني في القضائية هو ان الشريعة لم يرتج عليها بغلب الكفار الباهظ واستثمرت حتي ضواغط المستعمرين وأقباس حداثتهم الشحيحة لتخرج بقانون للأحوال الشخصية ناضج ولتعالج مسائل الرق وغيرها بذكاء وكفاءة.

 وهذه المعاني الخطرة هي موضوع كتابي الذي صدر عن دار الأمين بالقاهرة في يناير الماضي وعنوانه "الشريعة والحداثة".

 

صندوق
قل ليه ما يهدر فرحتهم: صلاة سعادة المدير

وجدت في كلمة نشرها المرحوم الفاتح النور، مؤسس جريدة ودار كردفان، ليس  بياناً شافياً لهوان الاسلام علي الاستعمار وحسب بل لكيف اقض هذا الهوان مضجع جمهرة المسلمين وباتوا منه علي ضعة ومذلة. وهذا العار هو ما سماه بازل ديفدسون، المؤرخ لافريقيا، ب" الخزي الخلقي للاستعمارCOLONIAL MORAL INJURY." وهو ما تتركه غربة الحاكم الدينية أو العرقية من جراح في الرعية التي فرطت في استقلالها فتمكن منها من لا تتواثق معه علي شيء ابداً ولا يستشعر مثقال ذرة مما تشعر.

ففي اول عهد الاستقلال تعين السيد مكاوي سليمان اكرت مديراً لمديرية كردفان. وجاء يوم صلاة الجمعة وحضر الصلاة. وهذا ما كتبه الفاتح عن هذه الصلاة المحضورة:

فقد جاء ذات يوم السيد مكاوي سليمان اكرت مدير كردفان في زي وطني يقود عربة الدولة ذات العلمين لتأدية صلاة الجمعة بمسجد الابيض العتيق. وبهر المنظر المصلين. فما زالت سطوة المدير الانجليزي نافذة علي عقلهم ونظرهم. وانتهت الصلاة. خرج سعادة المدير مكاوي والمصلون يتسابقون للتأكد من أنه سعادة المدير شخصياً.

وكان عصر ذلك اليوم ومساؤه لاحديث للناس الا عن صلاة سعادة المدير. وطبعاً كل من شاهده  يروي عن صلاته بمزيد من المشوقات للذين لم يحظوا برؤيته.

وفي اليوم التالي السبت طلبني مولانا الشيخ الكبير محمد الامين القرشي وكان يومها قاضي شرعي مديرية كردفان. وهو رجل عظيم ومجاهد كبير في سبيل الاسلام لم يخلد ويكرم كما ينبغي (لبعض سيرته راجع كتاب الدكتور احمد عبدالرحيم نصر عن التبشير المسيحي والاسلامي في جبال النوبة). وعندما ذهبت اليه قال: قل لصاحبك المدير ما ينقطع عن صلاة الجمعة. وقل ليه صلاته امس صحت المسلمين ورفعت معنوياتهم وأحس ضعاف الايمان منهم والسذج بعظمة الاسلام بصلاته هذه. ومن واجبنا أن نسايرهم علي قدر عقولهم. قل ليه ما يهدر فرحتهم ولا يتخلف عن صلاة الجمعة أبداً. وإذا كان الوضوء صعب عليه وكان البرد شديداً يجي بس بدون وضوء (جريدة الايام 4 يناير 1988) 

 وكان الاسلام المغلوب هو وحده العلماني. ولم تكن المسيحية. فقد كان المديرون الانجليز يؤدون صلوات الأحد في الكنائس الانجليكانية المبثوثة. وقد انعقدت اواصر دينية وسياسية شتي في هذه العتبات الدينية حكي عنها القس قوين "امام" كنيسة قصر الحاكم العام فيما روي عن كتشنر وونجت. ولا يزال بيننا من يحاجج ان الثقافة الاسلاموعربية ظلت ناشبة الاظفار في السودان ابداً بينما راينا في النص رجل من عترة القرشي ود الزين يرخص للمدير الافندي ان يصلي بغير وضوء لرد الاعتبار للاسلام بعد ستين عاماً من هوانه علي الناس.

 

غصص فاطمة احمد إبراهيم وقصصها

 

أقرأ منذ أيام ما توفر لي من أعداد مجلة "صوت المرأة" (قبل 1964) التي ترأست تحريرها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم منذ يوليو 1955. وأريد بذلك إعداد ورقة عنها إلى مؤتمر الجمعية الأمريكية للدراسات السودانية الذي ينعقد بجامعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا يوم الجمعة القادمة. وقد قلت أمس أنني اخترت هذا الموضوع بالذات لأنني رأيت الباحثين الناشطين في مسألة المرأة السودانية تجاهلوا المجلة وهم يدلون بآراء قاطعة حول قيمة الاتحاد النسائي. وربما كان هذا بسبب تعذر الحصول عليها هنا. وقد يكون عذر الباحث بتنائي مصادره من نوع العذر الذي هو اقبح من الذنب. كما أردت بحديثي عن المجلة أن أنبه إلى أن عيد ميلادها الخمسين سيكون في يوليو 2005. وربما كانت هذه مناسبة للوقوف عند أثرها في حركة المرأة الاجتماعية وتدبير توفيرها علي الإنترنت حتى لا يضل عنها باحث. وقد أسعدني أن أسمع أن الأستاذة فاطمة تحتفظ بمجموعة كاملة منها كما قالت في حديثها إلى السيدة نفيسة المليك.

جددت لي هذه القراءة لصوت المرأة قناعتي كقارئ مخضرم لها أن الأستاذة فاطمة ليست هي الاتحاد النسائي الخالق الناطق. فحركة المرأة التقدمية لأوسع وأذكي وأبقي من هذه المقايسة علي فرد كما يفعل جماعة من محبيها أو خصومها. ولا أقول هذا استخفافاً بأستاذتنا بل إعزازاً لها. فقد تجمعت سحب خير هذه الحركة حول فدائيتها يوم خرجت وهي في شرخ الصبا في أخطر سكك التقدم قاطبة وهي تحرير المرأة من قبضة الأبوية الغليظة في خمسينات القرن الماضي. ولقد أعطت فاطمة المرأة صوتاً حين عافته الناس وظنته منقصة وعورة. وقد جسد هذا المعني رسم كاريكاتوري للدكتور ود الريح (الطالب وقتها) في عدد من المجلة (يناير 1961). ففيه رسم إعرابياً مزدهياً بعصاته وسوطه العنج ينهر بائع صحف ينادي "صوت المرأة، صوت المرأة" ويقول: "عان الجني. كمان المرأة عندها سوط".

 ولقد توقفت طويلاً عند مقدمات هذا الخروج الخطر لفاطمة. فقد قالت في حديث لها نشر في كتاب هنا أنها كانت لا تحب خدمة المنزل بينما تفرغ أخوتها للأنس والقراءة أو غيرها مما يوسع الأفق ويبني الشخصية. كما وقفت عند نبلها الذي أخرجها من أمن البيت إلى زحام الشارع من اجل قضية المرأة والمستضعفين. فقد جاءت يوماً متأخرة إلى الغداء من المطبعة وأحرجها أن أهلها كانوا ينتظرونها لأنهم قوم يجلسون نساء ورجالاً إلى مائدة واحدة. ولم تكد تبدأ الأكل حتى طرقت الباب صبية معروقة تعرض بضاعة للبيع. وأشفقت فاطمة من هزالها ودعتها للغداء ولم تقبل البنت. ثم دس والد فاطمة بعض المال في يد البنت فانصرفت. أصرت فاطمة أن تتبعها حيث مشت لتعرف بيتها وتحسن اليها. وهنا عنفها الوالد قائلاً لها :"هل تظنين أن بوسعك حل مشاكل الناس أجمعين". وحاولت فاطمة الأكل فغصت بحلقها اللقم وازدردتها بالماء. وتوقفت عن الأكل بالكلية. وكان والدها يرقبها من طرف خفي. فنهض وعانقها وقال:"كنت أظن ما تقومين به كلام إتحاد نسائي ساكت. ولكن علمت الآن أن ما تقومين به صادر عن شفقة حقيقية بالمستضعفين. أعفي عني يا بنتي. ومن اليوم والله ما اسمع فيك كلمة ولا أقبل فيك كلمة. أكلي لقمة عشان خاطري". ومن يومها لم يعتب عليها في شيء.                  

كتبت مرة أقول أننا ربما أطلنا الحديث عن جيل الثلاثينات وجيل الستينات وعن مساهمتهيما في موضوع الهوية الثقافية لشعبنا وبلدنا. وربما أهملنا الحديث عن جيل الأربعينات والخمسينات الذي جاءنا بفكرة الشعب نفسها وبالشعب. وقد أوحي لي بذلك كتاب "تلك الأيام" لمؤلفه الأستاذ كامل محجوب ولقاءاتي بالزميلين حسن سلامة وعلي محمد بشير. وقد حكي كامل في كتابه كيف خرج في صباه الباكر في آخر الأربعينات يبحث عن الشعب في ريف النيل الأبيض بين جماعة من الأخوان المسلمين. ثم أهتدي إلى الشيوعيين الذين وظفوا نبله هذا وجعلوه مسوؤلاً عن منطقة الجزيرة. ولم يلبث بينهم سنوات حتى جاء بالمزارعين للخرطوم في موكب حاشد يقوده مزارعون أشاوس يفرضون اتحادهم فرضاً علي حكومتها. وقس علي هذا ما قام به المرحوم الشفيع أحمد الشيخ في جبهة العمال حتى قال عنه أستاذنا عبد الخالق محجوب أنه بني  لعمال السودان مجدا. وكانت هجرة فاطمة إلى النساء أكثر هذه الهجرات مجازفة. وقد بينت في حديث سبق كيف أنها اضطرت إلى تغليظ الحجاب حول جسدها قطعاً للذرائع. وهو حجاب لم يفرضه عليها والد متعسف بل ضرورات التقية في بلد يعاف نساءه ويلجمهن ك"حوايانات" كما كان يقال. وقد شادت فاطمة مثل جيلها الخمسيني مجداً لنساء السودان.

 ولم تشد هذا المجد بغير ذكاء جم واستثمار حسن من نساء بلا حصر هششن لها لأنها بشرت بمواطنة جديدة للمرأة قوامها أنهن لسن ضحايا وإنما موضوع لنضالهن صوب إنسانية جديدة.

 

"صوت المرأة" في عامها الخمسين:

1- - حجاب أم استحجاب

عبد الله علي إبراهيم
ترجمة: سيف الدين عبد الحميد

كثيراً ما تساءل الناس لماذا بقيت فينا ثورة أكتوبر1964 بينما تناقص ذكر انتفاضة 1985. والإجابة يسيرة. فأكتوبر ثورة اجتماعية اقتحم بها العمال والمزارعون النادي السياسي من أوسع أبوابه وهي سدة السلطة. وهي أعطت الشباب من سن 18 حق التصويت وكان ذلك قاصراً علي سن 21 فما فوق. والتفتت الثورة إلى ديمقراطية الريف بإجراءاتها الرصينة حول الإدارة الأهلية وبفتح ملف المسألة القومية علي مصراعيه مثل الذي جري في مؤتمر المائدة المستديرة. ثم، وهذا بيت القصيد، منحت المرأة حقوقها السياسية كاملة وأصبح النساء مواطنات لا حريمات .. . ولا عوين. وفي مقابل هذا الزلزال السياسي الاجتماعي لأكتوبر نجد أن الانتفاضة هي ثورة سياسية لم تكتمل. ومنعها من التحول إلى ثورة اجتماعية تستعدل وتجدد ثورة أكتوبر أمران. الأول وهو أن القوي المعارضة التقليدية لم ترد لها اكثر من إحداث تغيير سطحي في كراسي الحكم. أما الأمر الثاني فهو أن قوي الهامش، ممثلة في الحركة الشعبية، استهجنت الانتفاضة واستدبرتها علماً بأن هذه القوي هي وحدها التي كان بوسعها أن تحقن الانتفاضة بمحتو اجتماعي من غبن الأرياف إذا أحسنت عقد التحالفات الأوسع. وتزداد أهمية هذه الحقن الريفي بعد أن لحق الوهن بالحزب الشيوعي وغاضت حيويته الجذرية الغراء في الخمسينات وأوائل الستينات. وهي الجذرية التي طبعت ثورة أكتوبر بمحتواها الاجتماعي الذي ما زال علي أجندة الوطن بعد أربعين عاماً من وقوع الثورة.

إذا كانت ثمة مؤسسة اجتماعية افاضت وحدها وبصورة مطلقة علي ثورة أكتوبر كسبها الاجتماعي فتلكم هي الاتحاد النسائي السوداني. وكانت أقوى منابر هذا الاتحاد قاطبة في بشارته الاجتماعية هو مجلة "صوت المرأة" التي مرت ذكري تأسيسها الخمسين في يوليو 2005. وهذه ترجمة لكلمة كنت قدمتها لجمعية الدراسات السودانية في دورة انعقادها لعام 2004 بولاية كاليفورنيا الأمريكية عن منزلة هذه المجلة العجيبة. فإلي نص الكلمة.

يتزامن إعداد هذه الكلمة مع الذكرى الخمسين لإصدار مجلة "صوت المرأة" الشهرية، لسان حال الاتحاد النسائي السوداني (1952-   ). وبدأت المجلة في الصدور في يوليو 1955 وتولت رئاسة تحريرها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم التي أصبحت في 1956 رئيسة للاتحاد النسائي نفسه. ولإعداد هذه الكلمة فرحاً بهذه الذكري الصحفية والاجتماعية والسياسية الغراء رجعت لأرشيف المجلة بدار الوثائق ووجدته علي حال يحزن من النقص والبلى. وقمت ما وسعني بدراسة محتوى المجلة بغية الوصول لفهم أفضل للطريقة التي كانت تؤدى بها رسالتها بحسبانها أداة لحركة من اكثر الحركات النسوية القاعدية راديكالية في أفريقيا والشرق الأوسط وأريد بهذه الكلمة أن أبرز مهارة المجلة كوعاء صحفي راوح بين معالجة شؤون ربات المنازل، اللاتي كن ومازلن يمثلن غالبية العنصر النسائي، وبين قطاع المرأة العاملة في المدن الذي برز لحيز الوجود شيئاً فشيئا.

باتت الظروف التي ولدت فيها المجلة مثار جدل في الآونة الأخيرة. ونشب هذا الجدل بين فاطمة وبعض رفيقاتها القدامى فقد قالت فاطمة في حوار أجرى معها أخيراً أنها اقترحت موضوع اصدار المجلة لقيادة اتحاد المرأة المنتخب عام 1952، ولكن الاقتراح فشل مما حدا بفاطمة أن تمضي لهدفها وتصدرها باسمها غير أن وزارة الداخلية رفضت السماح لها بإصدارها فوسطت رئيس الوزراء المرحوم إسماعيل الأزهري الذي اشترط لموافقته أن لا تتدخل المجلة في السياسة. وقد وافقت فاطمة علي الشرط الذي لم تلتزم به وأن كان أثار استغرابها. وقالت فاطمة أنها باعت حليتها دون أن تخبر والديها بذلك لكيما تسدد رسوم تصديق المجلة وقالت أن هذا التكتم علي أمر بيع حليها ما زال يخزها فهي لم تتعود أن تخفي عنهما أمراً في حياتها. ومن الجهة الأخرى فالسيدة نفيسة المليك، إحدى مؤسسات الاتحاد النسائي، قالت في معرض ردها على حديث فاطمة إنهن لم يعارضن فكرة إصدار المجلة، ولكن كان قصدهن إصدار مجلة ناطقة باسم الاتحاد. وقالت أنهن، لا فاطمة وحدها، توزعن عبء سداد رسوم التصديق الحكومي علي المجلة حتى أن الشاعر المرحوم صلاح، أخا فاطمة، تكفل بدفع نصف الرسوم أضافت قائلة إنها لا تكذب فاطمة أحمد في أمر بيع حليها.  ففاطمة يمكن أن تكون صادقة في أنها باعت حليتها لمقابلة تكلفة أو أخرى من التكاليف المختلفة للمجلة وعادت فاطمة تكرر القول بأن زميلاتها مؤسسات اتحاد المرأة لم يدفعن درهماً لرسوم التصديق ولا ارتبطن بها بأي شكل أو صورة من الصور ومن جهة ثالثة، ووفقاً لشهادة الدكتورة خالدة زاهر عضو القيادة التاريخية للاتحاد النسائي، فإن المجلة كان مخططاً لها أن تصبح لسان حال الاتحاد ولكن الحكومة رفضت لهن إصدارها، وكان عليهن أن يتحايلن على هذا العائق بإصدارها بمبادرة شخصية

سيعجب قارئ مجلة "صوت المرأة" علي أيامنا هذه لخلوها من ضوضاء الإيدولجيا اليسارية ومفرداتها مما لم تسلم منه منابر مثلها محسوبة علي الحركة الاجتماعية التقدمية. فصحفياتها لم يكن مجموعة صفوية تدعى احتكار الحقائق الاجتماعية كما لم تكن أطروحتهن مجرد إشكال إجرائية لمشروع ضخم من هندسة المرأة لتلحق بأعجل ما تيسر "بالقطار المار" حداثة ومدنية فالمرأة في المجلة هي موضوع ذاتها تراها لحماً ودماً في سياق حياتها الواقعية. وهي حياة لا تشمئز منها المجلة ولا تترفع عليها بالتبشير الطليعي بحياة بديلة منتظرة. فعناوين أبوابها غاية في اللطف والشغف بالمرأة ومنها "قضايا المرأة تحت المجهر" و"المرأة في الأقاليم" و"جولة مصورة" و "مع المرأة العاملة" و"أناقة وجمال" و"نحو النور" و"المطبخ" و "وربة البيت". 

وقد ترك قلم التحرير فضاء المجلة للمرأة كي تعبر عن رأيها عن قضاياها بصوتها هي وبمنظورها لا منظور المحررات. فلم تطلق المحررات العنان لعقائدهن الطليعية ليحكمن علي مجريات حياة المرأة أو يتحكمن في ما ينبغي أن تكون عليه. لم تكن المرأة موضوعاً للإصلاح من البعد تكون فيه متفرجة علي مباراة تجديد حياتها لا لاعبة أساسية فيها. فإذا أرادت صحفية بالمجلة أن تدرس ظاهرة من ثقافة النساء كالزار مثلاً لم تكل له اللعنات وترده إلى البدائية والجهل بل تجدها أصبحت باحثة إثنوغرافية مرهفة الحس. فهي تذهب بنفسها لحضور حفل زار مشاركة فيه وشاهدة عليه وتكتب و تصفه بدقة وصفاً يخلو من قطعية العقائد واستعلائها. وكانت المجلة تعقد ندوات لمناقشة مسائل المرأة في مكاتبها أو في الأحياء وتحرص علي دعوة النساء المختصات لهذه اللقاءات علي قلتهن.

ويدهش قارئ المجلة لزمننا أنه قل أن تجد اسم الصحفي علي رأس المواد المنشورة بها. وربما وجدت الاسم الأول للمحررة بغير أب أو جد. وهذا الحجاب أو اللجم هو بعض ما شكت منه السيدة أفخامي في وصفها لفاطمة أحمد في كتاب باللغة الإنجليزية. فقد قالت أفخامي إن المرأة الرائدة لنضال النساء المسلمات تشقي في بلاد تسيس ما هو شخصي. فمحو اسم المحررة هذا قناع تخفت من ورائه هؤلاء الرائدات لمواصلة شغلهن الهدام حتى يخرجن المرأة من الذل الي الرفعة. وليس يصح وصفه بأنه حجاب مفروض عليهن بل هو "استحجاب" وفيه دلالة اتساع الحيلة وجلاء المقاصد والصبر علي الأذى. ومظاهر هذا الاستحجاب في عمل الاتحاد النسائي عديدة. فلم يأذن مجتمع الخمسينات بعد لقائدات الاتحاد النسائي أن يتوجهن للمجلس البلدي لتقديم طلبهن بالتصديق لهن بإنشاء الاتحاد. وقد تبرع بحمل هذا الطلب نيابة عنهن كاتب بالمجلس هو جار للسيدة سعاد الفاتح التي انعقد الاجتماع التأسيسي للاتحاد بمنزلها بأم درمان. ومن ذلك أيضاً أن فاطمة احمد استحت من وضع اسمها في صفحة المجلة الأولي كما هو المطلوب بنص التصديق لأنه حتى اسم المرأة كان عورة في مجتمع الخمسينات. وتفادياً من فاطمة أن تتعرى اجتماعيا علي مسرح مجتمع تام الذكورية وضعت الحرف الأول من اسمها "ف" خشية الافتضاح . وقالت المليك أنه قد بلغ الحجر عليهن كشابات حدث وغير متزوجات حداً كانت أم فاطمة احمد، وهي المرحومة عائشة فضل، هي التي تحمل مواد المجلة للمطبعة. ونقضت فاطمة أحمد هذه الرواية وقالت أنهن من كن يحملن تلك المواد ولكن ليس قبل أن يضعن "البلامة" علي وجوههن لا تظهر منهن غير العيون. وكان هذا الاستحجاب حيلة منهن لتفادي القيل والقال في مجالس المدينة الذي قد يلهي الناس عن حقيقة أمرهن. وحكت فاطمة عن عامل المطبعة الذي رآهن في هئيتهن تلك فظنهن شحاذات. فلم تخرج بعد النساء للسوق سوي الطالبات من كريم. وقال لهن العامل لما اتجهن نحوه:" الله يدينا ويديكن."

 

-2- يا صوتها لما سري 

 كنت قلت مرة أن طليعة النساء السودانيات وضعن "البلامة" أو الحجاب حين خرجن إلى العمل العام في سياق حركة إجتماعية يسارية جذرية بينما كان الحجاب هو أول ما تخلصت منه الطليعة المصرية النسائية من أمثال هدي شعراوي حين خرجن لنهضة المرأة في إطار حركة براجوازية وطنية. وقلت أن ارتداء الطلائع السودانية للبلامة "استحجاب لا حجاب" لأبين أنه عمل اختياري أدركت به الطلائع حكم الضرورة وهو حكم حرية ونبل وتضحية. وألحت مجلة "صوت المرأة" علي هذا الاستحجاب متي ما خرقه خارق لأنه القناع الذي من ورائه كانت تشن الطلائع نشاطها الهدام لتحرير غمار النساء جملة واحدة. وكان الحجاب هو الحشمة التي تسبق العاصفة. ولم يمر عقد من الزمان حتى اندلعت ثورة أكتوبر 1964 التي كانت فتحاً جذرياً دخلت به المرأة لأول مرة أفواجاً أفواجاً في حوش الوطن مواطنة لا "عوين".  فقد كتبت قارئة من مدينة سنجة تستنكر ما ذاع في 1963 عن فتاة عاصمية ألقت بثوبها في حفل عرس وراحت ترقص التويست. ومما زاد الأمر ضغثاً على إبالة أن الراقصة دعت لها شريكاً ليراقصها معها حسب مصدر الخبر. وقد احتجت كاتبة سنجة علي انتهاك الفتاة الصريح للحشمة التي اشتهرت عن المرأة السودانية. وكان حرص المجلة علي الالتزام بقواعد الحشمة علي أشده متى ما وقع الخرق في مكان العمل وهو حقل اقتحمته المرأة لتوها ولم يستتب وجودها فيه بعد. وقد أثنت محررة لم يرد اسمها (وربما كانت فاطمة احمد إبراهيم) على مدير مصلحة حكومية لمنعه الموظفات من ارتداء الثياب الملونة الشفافة وتزيين أنفسهن بالمصوغات الذهبية ورغم ان الكاتبة تقر بأن ضبط السلوك والخلق أمر يتعذر علي الحكومة إلا أنها تمنت أن تراقب  الموظفات أنفسهن بأنفسهن. فمكان العمل ليس معرضاً للملابس أو الحلي. وواصلت الكاتبة تقول أن حق المرأة في العمل،الذي انتزعته بعد قتال ضار وفي وجه وصاية أبوية بغيضة، سيتأذى من مثل هذا السلوك غير المسؤول ومضت تقول أن علي رائدات النساء العاملات أن يكن نموذجاً في الحشمة حرصاً علي تأمين حق العمل لهن وأن ينتهزن فرصة خروجهن للعمل لتوسيع آفاقهن وبناء شخصياتهن.

لم يلن لاهتمام المجلة بموضوع الجندرة (النظر للنقص الاجتماعي للمرأة من جهتها نوعها البشري) قناة. فقد تعرضت لتعليم المرأة وصحتها وعملها من جهة كونها امرأة ومن جهة كونها مواطنة. فقد سعت المجلة لخدمة النساء في مجتمع وضع الذكور شرطه السياسي. ولم تهن عزيمة المجلة ومضت تسدد سهامها نحو واحد من  مناشيء ظلم المرأة وهو الهيمنة الذكورية. فقد بينت الفوارق الواضحة بين حظ الإناث وحظ الذكور  في التعليم بصورة إحصائية حاذقة وقاصدة. وقد برزت هذه الفجوة بلا خفاء في إحصائية دقيقة نشرتها المجلة بمناسبة الذكرى الرابعة لاستقلال السودان (1960). واتبعت ذلك باقتراح خطتين لزيادة فرص تعليم البنات وناقشتهما مع جهة الاختصاص. وتمثلت الخطة الأولى في السماح بالتعليم المختلط في المناطق الريفية التي لا تحتمل وجود مدرسة للأولاد وأخري للبنات. ونادت الخطة الثانية بأن يبدأ تعليم البنت من سن السادسة بدلاً عن السابعة. واستمدت المجلة فكرتها الثانية من اقتراح قدمته معلمة كانت قد أجرت حواراً معها. ومبرر الخطة الثانية أن تبدأ البنات التعليم مبكراً حتى يقطعن فرقة مناسبة قبل أن يربك الزواج المبكر مشوارهن التعليمي للأبد. ومما يذكر أن هذا الاقتراح لم يطرأ لرجل مختص في التعليم أجرت معه المجلة حواراً مماثلاً. وهذا في دلالة رحابة المجلة للمنظور النسائي وحساسيته الجندرية. فالمجلة تطلب هذا المنظور وتوالي أفكاره متى اقتنعت بها.   

عالجت المجلة شروط خدمة النساء المجحفة بمصطلح جندري صارم. وقد نظمت المجلة منتدى نسوي بث شكوى النساء من تلك الشروط المذلة. فما زال أجر المرأة آنذاك، وبعد أربع سنوات من استقلال البلاد، بمثابة أربعة أخماس أجر الرجل .أما المظلمة الأخرى فمنشأها أن توظيف النساء قد ربطهن بالآلات الحاسبة وحدها مما حرمها من أنواع المهارات الأخرى التي تفتح أمامها أبواب الترقي المختلفة. وأجحف شروط عمل النساء قاطبة هو تحويلهن من الخدمة المعاشية إلى الخدمة المؤقتة (المشاهرة) متي ما تزوجن. وقد وضع هذا الإجحاف في التخديم الموظفة أمام خيارين أحلاهما مر: وهو إما قبلت بالزواج وضحت بالأسرة أو العكس. كما تعرضت المجلة إلى وجوب أن يصحب خروج المرأة إلى العمل توفير خدمة الحضانة لأطفالهن. وأجرت المجلة حواراً مع عاملتين تحتم عليهن أن يتركا أطفالهما في المنزل بلا رقيب. فقد حاولتا أن يحملنهم معهما إلى العمل فواجهتا عنت الرؤساء. ولبيان منشأ هذه التفرقة بين الرجال والنساء في الأجر طلبت المجلة من المرحوم دكتور فريد عتباني المحاضر وقتها بجامعة الخرطوم أن يلقي الضوء على الأسس النظرية لمبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي.  وقد وصف عتباني الثلاث نظريات المشهورة في تعليل تفوق الرجل على المرأة في الأجر وأنتقدها. وقد حفز المجلة لموالاة مسألة الأجر المتساوي هذه خطاب أرسلته جريزلدا الطيب أرملة  الدكتور عبد الله الطيب، الأستاذ ذائع الصيت بجامعة الخرطوم، عبرت فيه عن شكرها للحوار الذي أجرته معها المجلة. وأيدت في رسالتها حملة المجلة لانتزاع الأجر المتساوي على ضوء التجربة البريطانية وفي النهاية عدلت الحكومة في بداية عام 1962 عن سياساتها القاضية بتحويل المرأة المتزوجة ألي المشاهرة. وهنأت المجلة المعلمات على هذا النصر وحيت نقابتهن على حسن تعبئتهن وصمود وقفتهن حتى سقطت خدمة المشاهرة القاسية.

من جهة صحة المرأة كان موضوع الولادة محل اهتمام كبير للمجلة فالولادة كانت (ولا زالت) مما ينظر إليه كمقدمة من مقدمات الموت العاجل للحاملات. ولذا طالبت المجلة بتوفير خدمات صحية افضل للحمل تحفظ عليهن حياتهن.  فنظمت المجلة محاضرة لنساء الديوم الشرقية بالخرطوم أمّها جمع غفير من النساء وكانت بعنوان ( هل الولادة موت؟). وقدمت المحاضرة السيدة عواطف عثمان عميدة كلية التمريض مستعملة فيها الشرائح الزجاجية لتوضيح المعلومة. ولسوء الحظ حال هطول المطر دون تمام المحاضرة. كما ناقشت المجلة مرة أخري موضوع الولادة في باب (قضايا المرأة تحت المجهر). وقالت في المقال أنه لا ينبغي للحمل أن يتهدد حياة النساء كما هو حادث طالما أن الخدمات الصحية الحديثة أصبحت في متناول اليد. وأرفقت المحررة كلمتها بإطار صحفي (بوكس) حوى إحصائية بالنساء في البلاد وعدد القابلات المدربات ودايات القري ومراكز صحة المرأة وعدد النساء الحبالى اللاتي يزرن هذه المراكز. وطبقاً لهذه الإحصائيات فأن هناك مليوني امرأة تعذر عليهن الوصول إلى أي خدمة صحية تعني بالمرأة. وتوصلت المجلة بالحساب البسيط إلى أن هناك قابلة واحدة مقابل كل  1405 امرأة حبلى وعلقت المحررة علي هذا الأسي قائلة :( يا للعار فهذا استرخاص لحياة المرأة!). وللمفارقة نبهت المحررة إلى الصرف البذخي على إضاءة كبري الحرية الجديد آنذاك. وواصلت القول أنه كان بوسع الحكومة بناء 12 مدرسة وسطي لو أحسنت توجيه  الـ 000ر59 جنيه سوداني التي كلفها إنشاء الكبرى.

وكانت قضايا نساء الريف حاضرة في المجلة. فهناك صفحة ثابتة في المجلة عنوانها (المرأة في الأقاليم) تردها المساهمات في شكل  تقارير ميدانية تعدها الدارسات الزائرات للريف من طالبات المدارس أو المعلمات المحليات في الريف وقد وجدت في الأعداد التي اطلعت عليها تقاريرا عن نساء الدينكا  وحمر والنوبة وحلفا والبجة. ووجد الثناء علي نساء الريف طريقه إلى هذه التقارير. فقد نوهت إحدى الكاتبات بعناية نساء مدينة واو بجنوب السودان بنظافة منازلهن مما جعل المدينة خالية من الذباب كما انتقدت المجلة التهافت لإنهاء ظاهرة العري في الجنوب. فقد دفع امتعاض الحكومة من هذه الظاهرة إلى سياسات فطيرة مثل توزيع الملابس علي العرايا بأمل أن تنحل المشكلة بين عشية وضحاها. وقد كان هؤلاء يردونها أو لا يلبسونها متي استلموها. ونبهت المحررة إلى وجوب أن تتبنى الحكومة استراتيجية طويلة المدى لتطوير الجنوب لحل هذه المشكلة.                                  

وكان عمل المرأة الريفية في نقطة المركز من دائرة اهتمام صوت المرأة بنساء الريف. وقد جري نقاش حي بالمجلة حول هذه المسألة بعد كلمة نشرتها ميمونة ميرغني حمزة- الطالبة بجامعة الخرطوم آنذاك والبروفيسور بجامعة النيلين حالياً- ذهبت فيها إلى أن  العمل النسوي الريفي يشكل مظلمة للمرأة تضاف لمظالم أخرى وكانت ميمونة متخصصة في دراسة التاريخ بجامعة الخرطوم وشاركت في عدة رحلات طلابية لربوع السودان. فقد زارت مجتمع المسيرية عام 1962 واعدت مادة صحفية عن نسائهم للمجلة. وتطرقت لجهاد هؤلاء النساء للحصول على ماء الشرب. ووصفتهن بأنهن ضعاف البنية بسبب سوء التغذية والعمل الشاق وأن أياً ممن التقت بهن لم تكن سعيدة بحياتها. فهن يؤدين العمل المنزلي والعمل في الزراعة معاً كما يقمن ببناء منزل الأسرة متي استقرت الجماعة بعد مراحيل الخريف. وطبقاً لإفادات ميمونة فإن الرجال خاملون لا يبنون المنازل ولا يبحثون عن الماء لأن الثقافة المحلية تضع هذه الأعمال دون شرف الرجل وتتوصل ميمونة مع ذلك الى نتيجة غير متوقعة فحواها أن المشكلة في بلادنا ليست مشكلة (جندرة) لكنها أزمة خلق ومثل وضمير تأخذ بخناقنا كبشر بغض النظر عن الجنس تأنيثاً وتذكيراً. ومن رأي ميمونة أن المهمة العاجلة هي بناء إنسان نبيل الخلق قبل الحديث عن (مشكلة مخصوصة للمرأة) ، واتفق لميمونة أن هذه (المشكلة المخصوصة للمرأة) لا وجود لها في الواقع وإنما هى من بنات أفكار المرأة المثقفة  في المدينة

وعلقت "صوت المرأة" علي كلمة ميمونة من غير تصريح باسم المعلق. واغلب الظن أن التعليق مما كتبته فاطمة. وقد رحبت بمساهمة ميمونة في هذه القضية الحيوية. وقالت إن النتيجة التي توصلت لها مع ذلك لا تتسق مع حيثياتها الأولي. فمشكلة نساء المسيرية تجلت عند ميمونة في أبعادها الجندرية بغير حاجة لاختلاقها بواسطة متعلمة من المدينة. فمما يبرهن على وجود مشكلة " جندرة" ريفية هو ما تحدثت عنه ميمونة نفسها حول الظروف البائسة لنساء المسيرية فوفقا لإفادة ميمونة فإن هؤلاء النسوة يستمتن لخدمة ومساعدة أزواج جاحدين. وقد سبق للمجلة أن نشرت مواقف جندرية في تقارير وردت عن النساء الجنوبيات وصفت الكاتبة هؤلاء النساء بأنهن ملك  للأزواج الذين يمثلوهن في المحكمة وفي سائرالمعاملات , وأسوأ من ذلك أن الزوجة الجنوبية هذه ربما ساعدت الزوج مالياً  ليبني بزوجة أخرى وأفجع من هذا إنه لدى وفاة الزوج فإن الزوجة تصبح إرثاً لأبنائه وغيرهم وختمت محررة "صوت المرأة" قولها بأن ميمونة ستقف بنفسها علي مرارات عدم مساواة الجنسين عندما تتخرج في الكلية وتستلم4/5 مرتب زميلها.

وأصبح رأى آخر لميمونة حول عمل نساء الدينكا موضوعاً لرد آخر من قبل محررة "صوت المرأة". ولم تكتب ميمونة المقال هذه المرة بل قامت بترجمته عن الإنجليزية. وعثرت ميمونة عليه في مجلة أصدرها الطلبة الجنوبيون في جامعة الخرطوم وجاء في المقال أن النساء الدينكا لسن عناصر مستضعفة في مجتمعهن لما يحظين به من احترام وطبقاً لهذه المادة  المترجمة فإن كفاءة هؤلاء النساء لا تحددها الكينونة الأنثوية وحدها ولكن يحددها أيضاً تقسيم العمل، الاحتياجات، وطاقة الاحتمال البدني لضروب العمل.

ورحبت محررة "صوت المرأة" بالاهتمام الذي أولاه طلبة الجامعة لقضية المرأة، ولكنها اختلفت معهم في قولهم بأن المرأة الدينكاوية تحظى باحترام المجتمع وأكدت المحررة على الطبيعة الاستغلالية للعمل الذي تؤديه النساء للأسرة بناء علي ما استمدته من وصف طبيعة هذا العمل علي لسان مجلة الطلبة الجنوبيين. وتواصل المحررة قولها بأن من حق المرأة أن تنصف من مجتمعها علي قوة احتمالها الموصوفة وحجم العمل الذي تقوم به من أجل الأسرة. فهذا هو الاحترام المطلوب لا غيره. ومضت تقول أن من الواضح أن منزلة النساء الدينكاويات تحددها الكينونة الأنثوية وحدها.

وقد صدقت نبوءة محررة "صوت المرأة" بشأن ميمونة ميرغني حمزة. فقد ذكرنا أنها قالت لها أنك سرعان ما ستحسين ببتبخيس الرجال لعمل المرأة متي تخرجت من الجامعة وكان نصيبك من عملك المساوي للرجل أقل منه بمقدار الخمس. فقد عادت ميمونة بعد تخرجها من الجامعة في 1964 لموضوع عمل المرأة في دواوين الحكومة . ووقفت في مقالها على كل الحجج المطروحة لتبرير هذا الفارق في الأجر ثم تحرت هذا الهضم للإناث في عدد من البلدان الأوروبية والإفريقية. وهكذا تم كسب ميمونة للجندرة بعد لأي.

 

3-أي صوت زار بالأمس خيالي؟

نعي الأستاذ كلوفيس مقصود الأكاديمي الفلسطيني هاشم شرابي ووصفه بأنه طليعي لا نخبوي. وهذا تمييز نافع. وفهمت منه أن المرحوم كان رائداً وثيق الحس والشغف بالوجع الفلسطيني ولم يكن صفوياً يهندس لذلك الوجع من بعد ومن عل أو بالضوضاء غير المكلفة. وكانت أسرة تحرير مجلة "صوت المرأة حتى قيام ثورة أكتوبر طليعة لا نخبة في المعني الذي أراده كلوفيس. لم تستعصم بروشتة صفوية حداثية- شرقية أو غربية- لإصلاح حال المرأة السودانية. بل انغمست في حياة نساء السودان لا تستنطقها الوجع فحسب بل وطرق الشفاء منه أيضاً. لم تشمئز المجلة من "تخلف المرأة" أو "بدائيتها" كما كان يقال لتستنزل وصفة استنقاذها من دفاتر الصفوة النظرية. لقد خرجت طليعة صوت المرأة بعموميات نظرية جذرية لتغيير ما بالمجتمع والمرأة. ولم تجعل من تلك العموميات امتيازا وشنشنة تلهب بهما ظهر النساء قدماً في طريق الحداثة والسعادة. خلافاً لذلك تنورت الطليعة بتلك العموميات لتحسن التغلغل في ثقافة المرأة السودانية اغتنت بذلك نظريتها للتغيير. لم تشمئز من "تخلف" المرأة علي نهج النخبة والصفوة بل شغفت بحياتها كما هي عليه.  وبدأت، لا بإدانتها وفضح بعدها عن التمدن، بل بدرسها والنفاذ إلى بواطنها والعلم بها. 

خلت مواد المجلة المتعاطية مع ثقافة المرأة من أحكام القيم القطعية مثل القول أن هذه الممارسة النسائية باطلة وينبغي أن لا تقوم لها قائمة.  فالمجلة حفية بالزار مشغولة بسلطانه علي النساء. إلا أنها عابسة في وجه عادة الحد علي الميت والاستطباب عند الفكي (أي الدجل) والإسراف في مناسبات الزواج. ومع ذلك فلم تبشر المحررات بنبذ هذه الممارسات بأعجل ما تيسر ومن عل بل رتبن مقابلات وزيارات ميدانية للمواقع واستمعن لرأي النساء أنفسهن عن نطاق وديناميكية ونفع تلك الممارسات.

وجدت كل مواد الزار في أعداد المجلة التي اطلعت عليها عبارة عن تقارير شاهد عيان. ونادراً ما اتسمت المحررة بالتحيز لدى وصف طقس الزار وإجراءاته وفقراته التي تتنزل أمامها. وقد لجأت المحررات إلى حيل الصحافة المهنية لتحسين معرفة القارئ بالزار. فوجدت في قصة عن الزار أن المحررة قد رتبت إطارين صحفيين(بوكس) جعلت الأول لشرح مصطلحات الزار مثل "دستور" وغيرها وخصصت الإطار الثاني لعرض بعض نصوص أغاني الزار. وكثيراً ما سألت المحررات النساء الحاضرات مناسبة الزار رأيهن في الممارسة. فقد قالت معتقدة في الزار أنها جديدة في هذا الاعتقاد ولم تكن كذلك في الماضي. وأنهت محررة قصة عن الزار مناشدة القراء أن يدلوها علي سر سلطان الزار علي النساء وهو سلطان اعترفت به هي أولاً. فقد شعرت المحررة بصداع وأرادت أن تترك حفل الزار قبل الخاتمة. وما أن همت بالخروج حتى سمعت أغنية زار فتسمرت في مكانها طرباً من فرط أسر لحنها. ووصفت فاطمة أحمد إبراهيم من جهتها حفل زار وأرجأت حكمها علي الممارسة حتى تفرغ من زياراتها الميدانية الأخرى ومن كتابة مؤلفها عن هذه الممارسة. واستهجنت محررة أخري الزار وقالت أن هناك من يحرك خيوطه وسلطانه من وراء حجاب غير أنها عادت لتتلطف معه قائلة أن الأطباء النفسيين لا يرون في ممارسته مرضا بل ربما كان فيه شفاء للناس. وتتوقف المحررات عند ضروب البهجة والإثارة التي تشيع بين النساء خلال رقص الزار وكيف أن ذلك قد يرفع عنهن حزنهن ومتاعبهن إلى حين. فالرقص في حلقة الزار، بحسب قول إحدى المحررات، يطرد الآلام النفسية المكبوتة ويفرج علي النساء. وأضافت أن الزار يرغم الآباء والأزواج على الاستجابة لمطالب سبق رفضها لبنات وزوجات لتجديد المطالبة بها علي لسان أرواح الزار وأكثر أوجه الاعتراض التي تبديها المجلة علي الزارإنما تتجه إلى التكلفة التي تتحمل عبئها الأسرة التي تنظم طقس الزار لعلاج فرد منها

ومن الجهة الأخرى فالمجلة سلبية جداً في نظرتها لممارسة الحد علي الميت والإستطباب علي يد الفكي. واختارت المجلة مع ذلك أن لا تفتي في الأمر جزافاً. فقد استدعت نساء ليدلين بدلوهن في شأن هاتين الممارستين. فقد التقت الأستاذة عائشة موسى بنساء من منطقة الحلفايا للوقوف علي آرائهن عن الحد. واتفقن على أنها عادة سيئة ولا يمارسنها إلا خضوعاً للجبر الاجتماعي. وقد وصفت امرأة ذات دعابة الحد بأنه "مرفعين النسوان." فهو يلتهم زينة النساء من فرط البهدلة والتقشف. وقالت النساء أن الإسلام نفسه لم يطلب منهن الحد سوي ما رتبه للأرملة علي زوجها المتوفى. وخلصت عائشة إلى أن ساعة تلاشي عادة الحد قد أزفت واقترحت أشياء ستعجل بذهاب ريحه من حياة نساء السودان.

 ونجد حرص المجلة أن لا تقطع برأي في ثقافة المرأة بغير استصحاب رأي جمهرة النساء في كتاباتها عن الاستطباب عند الفكي. ومع أن هذه ممارسة مرذولة عند أهل المجلة إلا أننا نجدهم يبعثون ببعضهم في جولات ميدانية لتقصي جوانب الممارسة. وخلصت فاطمة بعد إحدى الزيارات هذه إلى أن الفكي محتال يطفف الناس ليستحوذ علي ما بيدهم ليغني. وتجد من الجهة الأخرى الأستاذة فوزية اليمني، التي كان رسمها الكاريكاتوري فلفل المجلة، تخصص بعض رسومها للكشف عن بعض وجوه هذا الاحتيال.

واستصحبت المجلة الدين الإسلامي في شغلها الدعوي بطرق غاية في الذكاء. والبادي أن المجلة تبنت بغير كثير إفصاح منهجاً فلسفياً شائعاً علي زماننا هذا بين الناشطات الجندريات المسلمات. ومؤدي هذا المنهج هو التفرقة بين الإسلام كدين وبين الجبر الأبوي أي الذكوري الوصائي في المجتمع. فقد تقدم الاتحاد النسائي، الذي كانت صوت المرأة لسان حاله، بمذكرة للجنة القومية للدستور في يناير 1957 أعرب فيها بغير مواربة عن مطالب المرأة كأم وزوجة ومواطنة. وطلبت المجلة أن تعطي النساء حق  التصويت والترشيح ووصفت كل حجة تحول دون هذا الحق بأنها شنشنة وتنطع. وطالبت بأن يكون حق المرأة في العمل شاغلاً دستورياً وبنداً مميزاً فيه. وطلبت المذكرة من لجنة الدستور أن تحمي النساء بما اتفق للشريعة الإسلامية. فحق المرأة في اختيار من يريد أن يبني بها مما كفلته الشريعة ولكن أولياء الأمور حجبوها عنه عنوة. وواصلت المذكرة القول أن الشريعة قيدت الزواج بأكثر من امرأة بالعدل وهو أمر صعب المنال. وقد طالبت بتقييد الطلاق لأن الشريعة، التي أذنت به للزوج دون الزوجة، استفظعته. كما طالبت أن يحمي الدستور الأطفال وفقاً لأمر الشرع. وتماشياً مع إلحاحها المغلظ على مواطنة المرأة، أشادت المجلة بالرئيس الحبيب بورقيبة، رئيس تونس علي أيامها، لكلمته ذات الأفق التقدمي التي ألقاها أمام الاتحاد القومي للمرأة في بلاده. وركزت المجلة انتباهها على الجزء من الخطاب الذي نادى فيه بإماطة الأذى عن طريق البنات حتى ينهضن خفافاً إلى فرصهن في الحياة.   

اصطحبت المجلة الإسلام أيضا بتخصيص صفحة لنشر آراء الإسلام حول القضايا المختلفة لمواطنة المرأة، أصبحت الصفحة منبراً لما يمكن تسميته "بلاهوت التحرر" وذلك بفضل إسهامات الشيخ/ محمد عبد المجيد السراج. ففتاوى السراج المنشورة على هذه الصفحة تقف بلا مواربة سنداً للبرنامج التقدمي الأنثوي للاتحاد النسائي في ما تعلق بحق المرأة في قبول عارض الزواج عليها وحق الاقتراع السياسي وحق تعيينها قاضية وما لف لفه.

وما أن تقدم الاتحاد النسائي بمذكرته إلى اللجنة القومية للدستور حتى تحولت المجلة إلى راصد لمظالم المرأة تعرضها وتواليها حتى تعبئ النساء خلف المطالب التي حوتها المذكرة. فقد دخلت المجلة في محاجة مع سلطات المحكمة الشرعية ومع المجتمع  كافة للإسراع بإنصاف المرأة. ونري من ذلك كاتبة علّقت في صفحة "قضايا المرأة تحت المجهر" على انتحار فتاة يافعة أجبرتها أسرتها على الزواج من رجل لا تعرفه كما تطرقت الكاتبة بالذكر إلى حالة زوجة بررت زناها أمام محكمة بأنه خطئية  اجبرها عليه زوجها من فرط تجاهله لها. وخلصت الكاتبة من هذه الصور السلبية إلى أن ما يوفر أمن الأسرة وسعادتها يتجاوز ضمانة المال إلى الحب الذي لا فصام له من ذلك الأمن.

ولم تألو المجلة جهداً في مهمتها كرقيب علي أجندة مواطنة المرأة. فهي حريصة علي الاحتفاء بكل نصر تحرزه المرأة في هذا المقام. فقد احتفت أيما احتفاء بمنشور قاضي القضاة لعام 1960 الذي رخص للمرأة أن لا تتزوج بغير رضاها.  ومن ذلك أنها نشرت قصيدة للشاعر المشهور توفيق صالح جبريل في مدح قاضي القضاة لتوفيق الله بإصدار ذلك المنشور لتعزيز المرأة. كما دعت المحكمة الشرعية في 1962 لإعادة النظر في حكمها على قضية تضمنت الرضي بالزوج. وكانت المحكمة قد رفضت طلباً من امرأة بخدمة الحكومة للطلاق من زواج قالت انه لم يستشرها أحد مطلقاًً في إبرام عقده.

كانت "صوت المرأة" هي صوت زار بالأمس خيالنا فأغناه حين متعه بالعلم الدقيق بوجع المرأة السودانية منذ 1955. ثم وطن الصوت ذلك الخيال أو وطده علي الانتصار للنساء. حتى كان أكتوبر الأخضر في 1964 . . . الذي رد المواطنة للنساء فصوتن لأول مرة أفواجاً أفواجاً. 

 

حكاية فاطمة بت باشتيل

تنعقد يوم الخميس القادم جلسات المؤتمر السنوي للجمعية الأمريكية للدراسات السودانية بجامعة مدينة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا. وسيكون محور المؤتمر هو مسألة المرأة في السودان. وستكون مساهمتي فيه هي عرض منزلة  "مجلة صوت المرأة" في تنمية حركة المرأة كحركة اجتماعية تمثلت في الاتحاد النسائي السوداني. وقد أملي علي هذه الخطة عاملان. أولهما أن العام القادم يصادف الذكري الخمسين لصدور المجلة التي تأسست في 1955 وترأست تحريرها الأستاذة المربية فاطمة احمد إبراهيم. أما العامل الثاني فهو أنني بقدر ما قرأت أو استمعت إلى الباحثين هنا في موضوع المرأة السودانية لم أجد منهم إشارة ولو عارضة إلى هذه المجلة. وقد أستثني الدكتورة فاطمة بابكر في كتابها "المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة" (2002). وهذا إهمال لا ادري كيف ساغ لهؤلاء الباحثين والباحثات ممن يلقون بالأحكام حول الاتحاد النسائي بغير تقليب لمجلته الوحيدة الغراء. واستعنت في تقديم هذه المجلة كمصدر لا غني عنه للباحث علي أرشيف ناقص دب فيه الفساد مودع بدار الوثائق القومية. وكنت دعوت في وقت سبق، وفي مناسبة عودة الأستاذة فاطمة للسودان، أن تسهر الناشطات في الاتحاد النسائي علي استكمال إرشيف المجلة وإيداعها الإنترنت عوناً للباحثين حتى لا يخبطوا خبط عشواء. 

بدا لي بعد دراسة مادة المجلة بعد صيتها وحسن ظن الناس فيها. فقد وقفت تبشر بالمعاني الذكية لجنس مهضوم لا حس له ولا وجود. وأسرت هذه المعاني جماعات من الناس وجعلوا المجلة قبلة ثقافية وسياسية لهم. وهذا ما يجازي به الناس مراكز الإشعاع وبؤر النهضة. وقد تذكرت بذلك كلمة علقت بها علي تحقيق من كسلا قام به الأستاذ الشيخ درويش في سبعينات القرن الماضي. قال إنه سأل طفلاً عن ما يعرفه عن الخرطوم. فقال "دار الإذاعة". وعلقت أن علي الإذاعة (وكان ذلك عيدها الأربعين) أن تفخر بأنها قد أصبحت عاصمة بمعني ما. وقد ركزت انتباهي خلال قراءتي لأعداد صوت المرأة علي كيف أنها أصبحت عاصمة ما. عاصمة للتقدم يأوي إليها المسهدون به العاملون من أجله.

وأسرتني من بين كل رحلات هؤلاء المسهدين رحلة للمواطن باشتيل إبراهيم في نحو نوفمبر 1963 إلى دار صوت المرأة. وباشتيل من البجة وعامل بالسكة الحديد بمحطة هيا. وقد جاء إلى المجلة بصحبة طفلة في السابعة من عمرها حلوة هادئة دقيقة التقاطيع. وقدمها للمحررة وقال أنها ابنته وأسمها فاطمة. وقال أنها محور صراع دائر في أسرته. فقد أراد لها باشتيل أن تتعلم وألحقها بالمدرسة الأولية. ولم تقبل والدتها بذلك وقالت أن المدرسة مفسدة. ومال والده لصف زوجته. وتدخل الأهل لإثنائه عن خطته. وجادلهم بالحسنى وقال أن دخولها المدرسة من إكمال الدين حتى تعرف ربها معرفة وثقي. ولم يتراجع عن عزيمته قيد أنملة. وتعرض للأذى من أهله. فقد فتحوا فيه بلاغاً عند الشرطة بانتزاع البنت عنوة من إمها. ونجح في توضيح الأمر للشرطة وشطب البلاغ. وظل يقف يومياً بنفسه علي تعليم فاطمة. فهو يحميها ويسرح شعرها ويعد لها ملابسها المدرسية ويذاكر معها درس اليوم في المساء.

وكانت خشية باشتيل الكبرى أن تنتكس بنته وتهجر الدارسة تحت تأثير بئية البيت الكارهة للتعليم ومعارضة الأم التي سكنت معها. ولهذا قرر أن ينتهز فرصة إجازته السنوية ليأتي بها إلى الخرطوم لتري بنفسها المتعلمات وجهاً لوجه حتى يرسخ حب التعليم في نفسها. وقد جاء بها برغم أنف أمها. وفي الخرطوم اصطحبها إلى الحدائق العامة والمطار والإذاعة والمتحف وبعض المدارس. وقال إنه كان يشرح لها علي الطبيعة كيف شكل التعليم كل ما يدور حولها. وعندما زار صوت المرأة بدأ يحدثها عن المجلة والمحررات وصنعتهن التي هي بعض تعليمهن.      

لم يحتطب باشتيل ليلاً حين غشي صوت المرأة. كان يعرف أنها الصوت الذي ما فتر يذكر الناس والدولة بضرورة تعليم المرأة. كانت افتتاحيات أساتذتنا فاطمة أحمد إبراهيم تتحدث عن وأدنا للبنات بحرمانهن من التعليم. وكانت إحصائيات نقص تعليمهن صافية لا لبس فيها. وكانت المجلة تستبشر بكل تصميم علي التعليم. فحيت المجلة ناظرة في بلدة مسمار لترغيبها الدمث نساء البجة في التعليم. وحيت عطامنو وأباها الشيخ الذي علمها في مدرسة القرية مع الأولاد ثم جاء بها للخرطوم ليدخلها المدرسة الوسطي. فقبلتها الأحفاد مجاناً. رصدت صوت المرأة كل ذلك وبالصور التي كان زنكغرافها يكلف الشيء الفلاني. ولا بد أن باشتيل قرأ وشاهد كل ذلك. وألهمه ذلك توكلاً مضيئاً ليدفع مستحق التقدم. وقد صورته المجلة وابنته الحلوة الدقيقة التقاطيع شاهداً علي حجه المبرور لمنارة من منارات التقدم، صوت المرأة.

 

تجربة نصرانية في بيت مسلمين

ناديت مراراً أن تحترز الأحزاب والمنظمات الجماهيرية متي عادت إلى مسرح السياسة من التورط في إصدار صحف ناطقة بلسانها. وهي الصحف التي سميتها لسان الحال. وهي صحف فاشلة جملة واحدة. وقد أستثني "الميثاق الإسلامي" التي حررها السيد عبد الرحيم حمدي لجبهة الميثاق الإسلامي أو "الميدان" قبل إغلاقها في 1958. ومع ذلك فألوان المستقلة (إسلامياً) أعذب من كل ما أصدره الإسلاميون والصراحة (المستقلة) يسارياً أعذب من الميدان ومشتقاتها والأخبار (المستقلة) اتحاديا أعذب من العلم ومن لف لفها. وهي صحف لم تعطل ذكاءها وحرفتها واحتيالها على القأر ما تفعل صحيفة لسان الحال المدججة بالحزب والمرتعبة أن تنحرف عن خطه فيلعنون خاشا. ومما ميز تلك الصحف الناجحة المذكورة أنها أطلقت لسان محرريها بالقص والحكاية والفضفضة بينما زرجنت صحف لسان الحال محرريها بالمنشور أو مشتقاته من المواعظ. والحكاية أصوات بينما المنشور صوت أحد. والحاية نداء للتآخي والمنشور ضوضاء.

دار بذهني سؤال طوال ما كنت أعيد قراءة مجلة صوت المرأة استعداداً للكتابة عنها لمؤتمر الجمعية الأمريكية للدراسات السودانية الذي ينعقد يوم الجمعة القادم بجامعة سانتا كلارا من أعمال ولاية كليفورنيا. والسؤال هو: لماذا نجحت هذه لمجلة وهي لسان حال الاتحاد النسائي؟ ولماذا فازت بحب القارئ وتعثرت "الطليعة" لسان حال اتحاد العمال؟ وبدا لي أن نجاحها تأسس فوق طلاقة غراء قائمة في الحكي الحكي الحكي  فهي لا تستبقه بالمنشور والبيان والوعظ. فصوت المرأة لا تفوح منه جبرة الناشطات الماركسيات في الفهم السائد، أي أنهن فاهمات لحال النساء "روسي" وقلبه وعدله. وهي معرفة تعفيهن من تسقط أصوات النساء في مظانها واستدعاءها إلى صفحات المجلة والاحتفاء بها. وربما أرد تردي المجلة بعد ثورة أكتوبر 1964 إلى إدارة ظهرها إلي الحكي والتحول إلى "تفصيل" المستقبل من محض مكاتب المجلة أو من مطبوعات نوفستي أو ممن كانت تستعين بهم من الرجال القوامين.

من القصص (في المعني الصحفي لا الأدبي) التي أعجبتني بالمجلة تلك التي نشرتها "الآنسة" وداد صليب الموظفة بمصلحة الزراعة بعدد أغسطس 1963. وهي قصة قرأتها في زمانها ولم انسها حتى عدت لها بعد 40 سنة. قالت وداد أنها نصرانية وصديقاتها المسلمات "يكاونها" بقولهن "أقعدوا كسالي ولا تساعدوا النصاره". وقالت إنها كانت ترد عليهن بقولها "أقعدوا كسولين ولا تساعدوا المسلمين". واحدة بواحدة. احتاجت لها صديقتها المسلمة يوماً لتعينها في طهور أخوات لها. ودخلت التجربة ووجدتها قاسية.

فلم يحضر الناس للمناسبة في الزمن الذي حدده كرت الدعوة وهو السابعة مساء. ولما بدا تحضير العشاء علي نظام الدفع وجدت وداد  أن المدعوين لا حصر لهم ولا عدد. فوج وراء فوج. فلا أحد يعرف عددهم ولا متي سيحضرون. وستقف علي رجليك تنتظر حلولهم الميمون لتخدمهم. وأزعجها كورس أهل البيت المجند لتخسيم المدعوات بعليهن "النبي ،الرسول، اموت ليكم تاكلوا". ثم ضاقت بالمعازمة علي الغسيل والمضيفة محنية بالبريق تنتظر التي سيرسي عليها الدور. وتمنت وداد أن لو تبني الناس نظام "سيرف يور سلف، أخدم نفسك بنفسك".

وكانت الساعة قد بلغت منتصف الليل ونامت بنات الطهور. وقطعوا عليهن النومة الحلوة للحنة. وكان الدسم قد فعل فعله بالنساء أنفسهن فغشيهن نعاس صرفهن عن المغنية. وتندمت وداد كيف شغل الأكل  الناس عن فكرة الفرح نفسها. اقترحت جملة إجراءات لرد مثل هذه المناسبات إلى غايتها الأولي. من ذلك أن نحدد ميعاد العشاء وتحته خطين ونرص الكل علي السفر ليجلس الناس كلهم مرة واحدة لتناول الطعام. ومن تأخر ذنبو علي جنبو. ثم تبدأ الحفلة ويشرق الناس بالفرح. وقالت أن الأطباق ذاتها بحاجة إلى تغيير. لماذا لا تكون الأطباق خفيفة بدلاً عن الضلع والمكرونة والمحشي. وقالت إن الرك أن تقوم أسرة واحدة بهذه المبادرة وتحتمل الأذى مثل: "شوف الجعانين ديل عشاهم عشا اليابه. شن أكلونا". ولكن وداد متأكدة أن تلك السنة ستتبع. فالإنسان أصله قرد ويميل إلى التقليد.

واختتمت حكايتها بأنها لن تساعد صديقة لها مسلمة ابداً في عزومة مرهقة اخري. فالمثل يقول: "اقعدوا كسولين ولا تساعدوا المسلمين".    

 

من جريزلدا (جوهرة) الطيب إلى فاطمة أحمد إبراهيم

فرغت اليوم من كتابة مشروع الورقة التي سأقدمها لمؤتمر جمعية الدراسات السودانية الأمريكية في نهاية مايو القادم. ولما كان موضوع المؤتمر هذه المرة عن المرأة السودانية فقد أردت لورقتي أن تكون ضربة البداية في احتفالنا بالعيد الخمسين لصدور مجلة (صوت المرأة) التي ظهرت إلى الوجود عام 1955 كلسان حال الاتحاد النسائي وترأست تحريرها السيدة فاطمة احمد إبراهيم. وهدف الورقة هو الوقوف علي سر مجلة صوت المرأة في استنهاض نساء السودان بقيادة الاتحاد النسائي في واحدة من أكثر الحركات الاجتماعية اتساعاً واستمراراً وبلوغاً للجذور. وسأستعرض مادتها من الطرف الذي توفر لي من أعدادها لمعرفة كيف تغلغلت شجن ووجع وعزائم النساء فألهمتهن وعبأتهن في حركة اجتماعية تقدمية انتزعت للمرأة مواطنتها من براثن المجتمع الذكوري. وقد حفزني إلى كتابة هذه الورقة ما رأيته من غفلة الناشطات السودانيات الشباب عن هذه المجلة وهن يخضن في شأن تاريخ المرأة السودانية. وستطوقنا الزميلة فاطمة بدين مستحق آخر لو خرجت بمجموعتها من المجلة إلي الإنترنت تصنع لها موقعاً للغاشي والماشي. وإنني متأكد أن الجيل من التقدميين الذي عرفته سيجترح المعجزات لكي يضع صوت المرأة في عين الشمس.

وخلال تصفحي لصوت المرأة توقفت عند قصص قصيرة فيها قوية الدلالة في الجهاد الباسل للاتحاد النسائي في سبيل المرأة كأنثي وكمواطن. وسيجد القارئ هذا أدناه.

     

صوت المرأة يناير 1960

من جريزلدا الطيب إلى صوت المرأة

الآنسة محررة صوت المرأة الغراء،

أطيب التحيات والأماني

أولاً أشكركم علي الثناء العاطر الذي أسبغتموه علي في عدد نوفمبر من مجلة صوت المرأة والذي أرى انه أكثر مما استحق.

بالإشارة إلى ما ورد في مجلتكم فإني أوافقك علي كل ما جاء فيه.

إن هذه المعركة خاضتها هيئة المدرسات بإنجلترا واستطعن كسبها. فأمي ناظرة مدرسة كانت تعطي أجراً متساوياً لأجور الرجال منذ أربع سنوات.

ومن ينكر أن فصلاً به 40 تلميذاً لا يختلف عن فصل به 40 تلميذة. وأن تصحيح 40 كراسة للبنات لا تقل إرهاقاً عن تصحيح نفس العدد من الكراسات للبنين. أما مسألة المسئوليات العائلية فإن الرجل الغير متزوج يجب أن يكون أجره أقل من الرجل المتزوج من إثنين أو ثلاثة.

ما هو الوضع بالنسبة لوزارة الصحة؟ لي صديقة تعمل كأخصائية دلك وهي تعطي أجراً مساوياً للرجال.

إن ما يسري علي هذا القسم يسري علي كل الأقسام الأخرى من مدرسات وموظفات. . الخ. فهم جميعاً يتحملون نفس المسئولية دون اعتبار للجنس.

 

صوت المرأة-- مارس 1961

أيتها المدرسات أجنين ثمرة كفاحكن

لقد ألغت وزارة المعارف القانون المجحف الذي يقضي بتحويل المدرسة بعد الزواج من العمل المستديم إلى العمل المؤقت. ووزعت منشوراً بذلك لكل مفتشي تعليم البنات في كل أنحاء السودان. ونحن إذ نزف هذه البشري لمواطناتنا المدرسات نود أن نذكرهن بأن هذا القانون تحطم نتيجة لكفاحهن ضده. ولا أظن أحداً ينسي المجهودات التي بذلتها نقابة المدرسات سابقاً والاتحاد النسائي في محاربة هذا القانون. الاحتجاجات والمؤتمرات والحملات الصحفية ثم موكب المدرسات والممرضات وأعضاء الاتحاد التاريخي الذي سار من دار الاتحاد النسائي حتى رئاسة مجلس الوزراء حيث سلم مذكرة تطالب بإلغاء هذا القانون.

أيتها المدرسات والممرضات والموظفات: مزيداً من الثقة بأنفسكن وبقوتكن ومزيدأ من الكفاح من أجل حقوقكن المهضومة كحق الأجر المتساوي. ولا شك أنكن منتصرات. 

صوت المرأة --مارس 1962

خبر وتعليق

صدر بجريدة السودان الجديد الصادرة بتاريخ 26 مارس خبر مفاده أن موظفة طالبت بالطلاق بناء علي المنشور الشرعي الخاص بحق الفتاة في اختيار زوجها. وبعد بحث المشكلة أمام القضاء رفض (القاضي) دعوى الموظفة علي أساس من البينات (التي) ظهرت أمام المحكمة وهي الآتي:

* عاشرته كزوجة لمدة من الزمن

* تصورت معه في صور مكشوفة

* أرسلت إليه خطاباً استهلته بعبارة زوجي العزيز

وهذه البينات تعتبرها المحكمة دليلاً كاملاً لكي يستمر الزواج بالرغم من المشاكل التي نشبت أخيراً.

وفي اعتقادنا أن السؤال وموضوع البحث أمام المحكمة كان يجب أن يكون علي هذا الأساس: ما هي الدوافع التي حدت بهذه الموظفة لرفع الدعوى وما هي ظروف حياة هذه العائلة؟ وعلي أساس هذه الدراسة تجري المحكمة حكمها. وإذا اقتنعت المحكمة بعدم إمكانية حياة هذين الزوجين حياة هادئة مسالمة تضمن الاستقرار لأطفالهما فإنه يجب أن يجري الطلاق بالرغم من رضي الموظفة في البداية لأن حكم الطاعة لا يجدي بل يزيد ويعمق المشاكل.

أما إذا استمرت المحاكم الشرعية تنظر مثل هذه المشاكل علي أساس تنفيذ القانون فإنه يؤسفنا أن نقول أنه سوف لا تكون هنالك فوائد مرجوة منه. نرجو أن تنظر المحكمة هذه القضية من جديد.    

 

 

بين الرفيق عبد الخالق وفاطمة: خطتان لعمل الحزب بين النساء

 

أحزنت الناس وكثيراً الملاسنات القائمة علي اشدها بين رعيل القائدات ومن دونهن في حركة النساء الاجتماعية الديمقراطية. فكأن آخر البليلة حصحاص كما قال شاويش لوج ذات يوم للمعتقلين في كوبر في 1971. وأمل الناس في وقت المراجعة والشفافية العام الذي ينتاب الوطن أن يستثمر اليسار السانحة لينفذ إلى القضايا التي اكتنفت مساره فيصوب آلة نقده عليه. وهذه تبعته أمام جماهير بلا حصر من غمار الناس وغيرهم لم تدخر وسعاً في تمكين اليسار عبر نصف قرن وأكثر في ملابسات اكتنفها الخطر ولطفتها الشجاعة . ولكن ما فتح اليسار فمه ليتحدث عن هذا الماضي حتى تأذي الناس من زبد قوله.
 

وليس من جديد في جفاء العبارة في الملاسنة الفالتة الآن في حركة المرأة الاجتماعية. فقد كنا نسمع منذ ثورة أكتوبر عن جماعة "فاطمة أحمد" التي أوصدت الاتحاد بغلظة في وجه الطليعة الأكتوبرية القادمة بأشواق جيل جديد بذوق مغاير. وقيل وقتها إن صدود الاتحاد النسائي قد جعل هذا الجيل يطلب إشباع ذوقه الجديد في اتحاد الشباب وحركة الطلبة. وقد رمي الخصوم فاطمة بالتزمت. وتضمنت هذه المواجهة الباكرة غمزاً ولمزاً من جماعة الاتحاد النسائي في أوضاع وشخصيات قيل أنها منبتة عن تقاليد الاتحاد من زاوية الحشمة والخلق. ووقعت واقعة انقلاب مايو وخفتت الملاسنة لانشغال الناس بجري الممارسة ورحيحها. ثم وقعت ردة 22 يوليو ولم يعد هناك من يتذكر شيئاً من كل ذلك.

أتيح لي في هدأة العمل بين كادر الشيوعيين تحت الأرض أن أتوفر على كتابات شيوعية من فترة ما بعد أكتوبر 1964 حول مسألة المرأة. ووجدت تلك الكتابات جديدة علي كل الجدة. فهي إما لم تصلني حيث كنت من التنظيم أما أنها جاءتني أهملتها. فلم يكن ما يردنا من الحزب من ورق الرونيو مما نظنه مثيراً بفضل ما هو متاح لنا من قراءات علي ورق العالم الصقيل. وكنت مسؤولاً في تلك الفترة عن الشباب ومشغولاً بمسألة تجديد تنظيم اتحاد الشباب في ملابسات تفتح شبابي مرموق ووضع ديكتاتوري شامل. وقلبت تلك الأوراق ووجدت فيها مشروعاً لتجديد اتحاد الشباب والاتحاد النسائي (أو المنظمات المنظمات الجماهيرية في لغة الزمن) في دورة اللجنة المركزية يوليو 1968 المنشورة بعنوان "قضايا ما بعد المؤتمر الرابع". وقد أعجبتني المشروع ووافق مطلوبي.

 فقد كان من رأي المشروع أن نركز علي إنشاء مركز لكل حركة يتسم بذكاء قيادي عال يتفتح علي ما يسفر عنه الشباب والنساء أنفسهن من منظمات طوعاً منهن واختيارا ويتصل بآفاق نشاطها بإبداع. ومربط الفرس أن الخطة الجديدة انبنت علي أن يتخلص الاتحادان من عقيدة تنظيمية راسخة فيهما. وقوام هذه العقيدة هو اعتمادهما بشكل تأسيسي علي المكاتب المركزية و لجان المدن والفروع. وهذه صورة تنظيمية صالحة للحزب الشيوعي وقد استنسختها منظمات الشباب والنساء من غير تفكير. فلجان المدن ولفروع كيانات وسطية "سياسية" تدير حركة الشباب أو النساء نيابة عن مركز نائي. وغالباً ما ساد في تلك الكيانات الشيوعيون من ذوي المواهب التنظيمية وتواري عنها ذوو القدرات الذين قامت هذه المنظمات الجماهيرية لتفتيح مهاراتهم. وأصبح من شغل هذه الفروع، كبؤرة سياسية محضة، اختراع منظمات الشباب أو النساء أو يكاد. فليس مأذوناً لهذه المنظمات أن تنبثق من تلقاء نفسها ثم يقترب اتحاد الشباب أو النساء منها ليعينها في صلاحياتها لا ليسيطر علي فعاليتها أو يحشدها في مهرجاناته المتسيسة.

وقد وجد مشروع الإصلاح هذا صدي في نفسي لسببين. فقد توليت سكرتارية اتحاد الشباب في فترة قصيرة قبل مصيبة 22 يوليو 1971 كان صراع مركز اتحاد الشباب وفروع العاصمة فيها علي أشده. وأظهر لي ذلك الاتحاد كمجرد كيان سياسي لا طلاوة للشباب فيه.  فلا الفروع تجد ما يشغلها في السهر علي منظمات تصدر حرة عن تطلعات ومواهب الشباب ولا المركز يعرف شئياً في هذه الدنيا غير الفروع. ناهيك عن جشع النفوس حول بعثات المعسكر الاشتراكي وغيرها من السقط. ومن الجهة الأخرى كنت جئت لاتحاد الشباب من حركة الكتاب والفنانين التقدميين. وهي أقرب منظمات الشباب لفكرة مشروع الحزب من حيث الانبثاق بتلقائية فوق مهارات ملموسة. فقد اقتحمنا  ساحة الأداء الشبابي لم يخترعنا فرع اتحاد الشباب ولا مركزه. وبلغ من نجاحنا كظاهرة حيوية شبابية مستقلة أن وجدنا طريقنا معبداً إلى مؤتمر اتحاد الشباب العام وجري انتخاب جماعة منا في لجنته التنفيذية. وبدا لي عندما قرأت تلك الوثائق الحزبية في هدأة التخفي أننا كنا في تنظيم أبادماك اقرب إلى فكرة اللجنة المركزية للحزب لتنظيم المنظمات الجماهيرية علي غير الفروع بل علي منظمات الموهبة والمهارة.

  وقلبت وثائق فترة ما بعد أكتوبر 1964 جيداً ووعيت درسها. وكتبت بإلهامها لمجلة الشيوعي (المجلة النظرية للحزب) مقالة في 1974 أردت بها تجديد نظرات الحزب للمنظمات الجماهيرية من حيث وقفنا. واتجه مقالي بشكل أساسي لاتحاد الشباب. وكان عنوان المقال "اتحاد الشباب من الشكل وحيد الصورة إلى مركز قوي ومنابر متعددة". وبالطبع لمست فيه الاتحاد النسائي لمساً كما هو متوقع بوصفه التنظيم الجار الذي عناه من خطة الحزب ما عنانا في حركة الشباب. ولم تقبل الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم (ويشار لها هنا بالزميلة آمنة وهو اسمها التنظيمي آنذاك) مني هذه الإشارة وعبرت عن ذلك في كلمة مقتضبة أرسلتها لمحرر الشيوعي الذي هو الرفيق محمد إبراهيم نقد. ودفعتني مداخلة فاطمة إلى العودة إلى موضوعة خطة الحزب المهملة لتطوير المنظمات الجماهيرية بتركيز علي الاتحاد النسائي هذه المرة. ولم يطب لي المقام في الحزب في عام 1978 كما هو معروف. غير أنني سلمت المقال محبراً جاهزاً للنشر (ضمن عهدة أخري للأستاذ التيجاني الطيب ليلة إبلاغي له أنني مفارق. ولا أدري إن كان المقال قد نشر في الشيوعي أم أنهم رموه في سلة المهملات بعد أن لم يعد كاتبه عضواً معهم. واتضح لي بعد التفتيش أنني احتفظ بمسودة المقال وقد تآكلت أطرافها وأنطمس حبرها من طول تخفيها في قلة تحت الأرض.

عدت لمسودة مقالي بعد ما طرقت مسمعي الملاسنة الجافية القائمة في حركة النساء الديمقراطية علي أيامنا هذه. ولم أرد بنشر هذا المقال (أو إعادة نشره) أن لا يقف ناشئة السودانيين التقدميين علي تاريخ باكر لهذه الخصومة التي تعود إلى أربعة عقود  وحسب، بل أن يمسكوا برأس الخيط المنسي لقضايا تنشئة وتطوير الحركات الاجتماعية التقدمية. وهو علم لا مهرب منه بعد إفلاس دويلات الطغم وتجمعات معارضيها عبر العقود الثلاثة الأخيرة. ولست أزعم أن هذا المقال صورة طبق الأصل من مقالي الذي بعثت به  للشيوعي ولكنه قريب منه سوي ما اقتضاه تحريره لمناسبة زمننا.

   

نحو حركة نسائية غنية المحتوي متعددة المنابر

 

في مقالي "اتحاد الشباب من الشكل وحيد الصورة ألي مركز قوي ومنابر متعددة" بمجلة (الشيوعي) (؟ ضاع علي توثيق العدد لسنة 1974) تعرضت بالنقاش المطول لملاحظة وردت في وثيقة  قضايا ما بعد المؤتمر الرابع (يوليو 1968 ) حول ضرورة كسر الصورة الوحيدة التي عليها تنظيم الشباب (مركز ولجان مدن وفروع أحياء) بالسعي لاستيعاب المنظمات الجزئية التي يبنيها الشباب فوق قدراتهم المبادرة والمستقلة والتأثير عليها في المجري الديمقراطي العام. وتساءلت عن صواب هذه الملاحظة بعد 6 سنوات من كتابتها. وقلت أنها ما تزال تصدق علي الحال. وحملت ذلك للبدائية التي هي في أحد صورها التمسك "بحكم العادة" ورفض الخروج علي مألوف النشاط بما يصل أحياناً    لمواجهة الجديد في الفكر والأداء بالعداء السافر أو المستتر. أضفت "ورغم أننا لا نعرف أن هذه الملاحظة حول اتحاد الشباب قد أثارت أي عداء سافر أو مستتر في وثائق الحزب إلا أن ملاحظة شبيهة بتلك حول الاتحاد النسائي ربما نرد إليها، ضمن ملابسات أخري، تلك المعركة الحفية والمعلنة بين الحزب وبعض كادرنا النسائي المعتبر." وقد اعترضت آمنة علي عبارتي الأخيرة..

أبدا بعتاب الزميلة آمنة. فقد أعادت صياغة عبارتي، موضع مؤاخذتها، بصورة غلبت عنصر الاستيثاق علي عنصر الترجيح وتعاملت معها كاتهام بينما كان أقصي ما أردته منها تحري الحقيقة. فقد استعنت ب "ربما" والجملة الاعتراضية لأعطي القارئ فكرة عن مستوي معلوماتي عن الموضوع آنذاك ودرجة اهتمامي به في سياق رصدي لموضوعي الرئيسي. وقد أدي هذا التغليب بالزميلة إلى تحويل عبارتي إلى اتهام خطير (وخطير غالباً ما نستعملها كشيوعيين بإسراف وبلا حاجة ملحة) لا يصح "أن يرد في معرض مناقشة موضوع آخر ." والواقع لا شئ في تقنية البحث، ولا قناعتنا المشتركة حول وحدة الظواهر، ما يمنعني من أيراد مثل تلك العبارة عن التنظيم الديمقراطي للنساء وأنا بصدد الحديث عن التنظيم الديمقراطي للشباب طالما احتطت للأمر بمثل ما فعلت.

ومن الجانب الآخر فأنا لست من رأي الزميلة آمنة بعدالة مطلبها بأن انشر تفاصيل المعارك التي شنها ذلك الكادر النسائي، الذي قلت بأنه معتبر، ضد الحزب. فمصلحة الحزب وحق عضويته في معرفة تلك المعارك ومسائلها قد يتطلبان من زميلة في مقام وخبرة آمنة بأكثر مما تطلبه هي مني. وعلي الأقل فالزميلة مدعوة بحق الدفاع المشروع عن النفس بتناول تلك المعارك بما يبرئ ساحتها لو كانت هي واحدة من الكوادر التي جاءت في عارض مقالي.

وقد رأيت مع ذلك أن استجيب لمطلب الزميلة لأنه سنحت لي بعد الفراغ من كتابة المقال موضوع المؤاخذة فرصة الاطلاع المتروي علي عدد لا بأس به من الوثائق الحزبية المتصلة بموضوعنا الراهن. ونظراً لاعتبارات تتعلق بدرجة ذيوع هذه الوثائق في حزبنا ومصاعب التواصل الفكري الحالية رأيت أن استثمر السانحة لتعميم المعرفة بما ورد في تلك الوثائق من أفكار طالما سعت لي السانحة سعياً. وبالطبع ما زلت أرحب بما يعن للزميلة آمنة وينشر بواسطتها وسأعده منها مساعدة رفاقية مشكورة. 

وسأقلب أطوار النزاع في الحزب بشأن قضايا المرأة والاتحاد النسائي تحت عناوين الوثائق الرئيسة التي تطرقت لعمل حزبنا بين النساء في الفترة 1966-1970.

 

الشيوعي 127 (تقرير اللجنة المركزية لدورة نوفمبر 1966) 

 

لا يقصر التقرير مشكلة العمل بين النساء علي ضيق الفرص القانونية للعمل بينهن بعد حل الاتحاد النسائي في 1965. المشكلة بالأحرى، في رأي التقرير، ناجمة عن شكل التنظيم الديمقراطي للنساء وطريقة عمل الشيوعيين فيه في الماضي. فقد نمت قوة الحزب بين هذا القطاع بينما ظللنا في الحزب نتمسك بأشكال وطرق موروثة عن ظروف الماضي. وهي ظروف كانت فيها أقلية من النساء المتقدمات في المدن يعملن في محيط اجتماعي خاص للدعوة أساساً لحقوق المرأة الاقتصادية والسياسية. ويستعرض التقرير ما جد بين النساء من عهدنا الأول و يتناول التطلعات والاهتمامات الجديدة بين النساء المتقدمات وربات البيوت ويخلص إلى أن هذا الوضع يفرض علينا تنمية عمل حزبنا بين النساء بما يتجاوز الصورة وحيدة الجانب للاتحاد النسائي التي  تقصر عن الاستجابة لتلك التطلعات. ويدعو التقرير إلى استكثار أشكال النشاط بين النساء من واقع تطلعاتهن واهتماماتهن المستجدة في تنظيمات متعددة تتجاوز صورة فرع الحي الموروث. ومن شأن هذه التنظيمات أن تتجمع في أروقة الاتحاد النسائي بالتدريج وباقتناع.  

 

قرارات دورة اللجنة المركزية في مارس 1968 ودورة اللجنة المركزية في يوليو 1968 المنشورة بعنوان "قضايا ما بعد المؤتمر الرابع":

والدورتان هما بمثابة تطوير لما ورد في دورة نوفمبر 1966 وتحسين لصورها الصياغية.

 

وقد أساءت الزميلة هاجر (وهي نفسها آمنة أي فاطمة) تلك الدعوة لتنمية خط الحزب بين النساء في حقائقهن الجديدة كما تداولتها اللجنة المركزية في هذه الدورات. فقد فهمت في مقالها بتوقيع "هاجر"  "الماركسية وتحرير المرأة" المنشور في الشيوعي 132 (يونيو 1968) أن تلك الدعوة إنما ترى الاتحاد النسائي قد استنفد أغراضه مما يقتضي إعادة النظر فيه وإيجاد بديل له. أساءت الزميلة فهم الدعوة مرة أخري لظنها أنها تهدف إلى إنشاء تنظيم سياسي متقدم للنساء ضارباً بواقع النساء المتخلف عرض الحائط. وتمسكت الزميلة في مقالها بصورة الاتحاد النسائي الموروثة من مركز ومناطق وفروع ووصفتها بالمرونة والملائمة لوضع النساء وظروفهن. أما من حيث ملاقاة جديد النساء فقد أرجعتنا الزميلة إلى برنامج الاتحاد النسائي الذي قالت أنه اشتمل علي أساليب وأشكال تنظيمية متنوعة من بينها الجمعيات التعاونية ولجان النفير وغيرها. وقد عادت الزميلة إلى التعبير عن نفس هذه الأفكار في مقالها المنشور في الشيوعي 143 بعنوان "بعث الحركة النسائية". وربما كان سوء فهم آمنة هذا هو سبب استصدار اللجنة المركزية لقرارات محددة حول العمل النسوي وردت في وثيقة عن العمل القيادي في 1969.

 

في سبيل تحسين العمل القيادي بعد عام من المؤتمر الرابع (من وثائق اللجنة المركزية، دورة مارس 1969 )

تناولت الوثيقة الظروف الاستثنائية التي عرقلت خطي الحزب لتطوير مستوي القيادة فيه مما خلق جواً أفسد الحياة الحزبية النقية ولف في طياته كادر الحزب القيادي بعد المؤتمر الرابع (1967). ومن بين المتأثرين بهذا المناخ  السلبي خص التقرير بالذكر حلقة مجلة "صوت المرأة"، منبر الاتحاد النسائي، ووصفها بأنها إحدى المواقع التي فاقمت من هذا الجو لأنها لم تحسن التصدي لمهام تنمية العمل القيادي. واعترفت الوثيقة بوجود خلافات حقيقية في ميدان العمل النسوي مما دفع اللجنة المركزية في وقت مضي للاعتراف بأن أوان صراع الأفكار قد حل، ووجهت  مجلة "الشيوعي" إلى حفز الرفاق والرفيقات للإدلاء بآرائهم في العلن . ومن ثم أعادت الوثيقة للأذهان قرارات دورة مارس 1968 في مواجهة المشاكل العاجلة التي تواجه عمل الحزب بين النساء. وهذه القرارات كما يلي:

1)              تثبيت مسؤولية فرع الحزب في قيادة النشاط النسوي في حيه وانتخاب الكادر الذي يعمل فيه.

2)              أ ن يجري تطوير لصيغة بناء الاتحاد النسائي يستبدل التنظيم الجامد القائم آنذاك علي النطاق الوطني. فبدلاً عن الفروع، التي هي الصلة الوحيدة بين النساء ومركز الاتحاد، رأت اللجنة المركزية أن تغتني صلات النساء بالمركز بأن يترك للنساء المبادرة بإنشاء الهئيات المناسبة لمواهبهن وقدراتهن ثم الارتباط طوعاً واقتناعاً بالاتحاد النسائي. وسيترتب علي هذا أن يتأهل المركز ويتقوى لقيادة هذه الصور الجديدة التي ستأتي بتحديات لم تخطر علي بال الفروع التقليدية.

ولاحظت الوثيقة أن توجيه اللجنة المركزية الثاني عن إعادة بناء الاتحاد علي صورة المركز القوي الجاذب لتنظيمات النساء المستقلة النشأة، لم يأخذ حظه في التنفيذ بعد. ونبهت الوثيقة إلى أن تعطيل تنفيذ التوجيه سيفاقم من تراجع العمل بين النساء وسيجر بدوره إلى خلق جو مسموم من الصراع  بين الزميلات بالنظر إلى السلبية الشائعة بين كادر مديرية الخرطوم حيال النشاط بين النساء.

حين ناقشت اللجنة المركزية تقرير دورة مارس 1969 تحدثت زميلة رمز لها بالرقم (8) ونفت أن يكون ما يدور حول العمل النسوة صراعاً فكرياً أو رفضاً لتنفيذ خطة الحزب فيما تعلق بالشكل الجديد للاتحاد النسائي. وأكدت أنه لا خلاف حول ذلك لأن الحاجة إليه متفق عليها، بل وقد توصل الاتحاد النسائي إليها بنفسه.  ولكن الأمر عند الزميلة خلاف حول مسألة أخري. فقد قالت أنه نشر "شيء ما" في الحزب عن الاتحاد النسائي ثم قيل أنه نشر عن طريق الخطأ. وفاقم من ذلك الأقاويل التي ثارت حول امرأة ما عضو بالحزب وعن اختيار زميلة أخرى لبعثة دراسية. علاوة علي ما أثير من اتهامات في الحزب طالت قيادات حزبية نسائية لتقاعسهن في العمل لفوز المرحوم عبد الخالق محجوب في الدائرة الجنوبية بأمدرمان وموقفهن من "فراكشن" النساء وهو الحلقة الشيوعية التي تنسق عمل الشيوعيات في مجال النساء. وطالبت الزميلة بالتحقيق في ملابسات نشر ذلك المقال عن النساء والانتخابات برغم ضعف خطره. وأضافت أنه قد نشر مثله في جريدة "الضياء" الحزبية العلنية. وربما كان هذا المقال هو الشيء المنشور الذي ألمحت إليه الزميلة رقم (8).

 وأخذت الزميلة علي التقرير مسألتين. أولاهما أنه لم يتوقف عند سبب تعطيل قرارت تحسين العمل النسائي واكتفي باتهام القيادة. فلو فعل لوجد أن الأمر راجع إلى ضعف فروع الحزب وخلو بعضها من الزميلات. وهذه مسالة أدخل في بناء الحزب نفسه لا تحلها الخطط الإدارية. أما مأخذها الثاني فهو أن تعميم التقرير الحديث عن "حلقة" مزعجة غير منضبطة مركزها مجلة "صوت المرأة" ضار بعملنا النسوي. واعترضت علي اقتراح تحسين أداء المجلة بإيفاد زميلين لعون أسرة التحرير. والتمست أن يعالج الأداء في المجلة بنظر محيط. وقالت إنه سبقت أسرة التحرير بتقديم اقتراحات لتجويد أداء المجلة ولكنها أهملت إهمالاً لا يبرر للحزب أن يعود ويتهم القائدات الشيوعيات بالعجز. واقترحت الزميلة أن يأخذ الحزب الأمر بيده ويضع المجلة تحت إشرافه المباشر.

ولم تحظ أفكار الزميلة ودفعها بقبول في اللجنة المركزية. فقد تعاقب الأعضاء في معارضة نهج الزميلة وتبريراتها وتمسكوا بما جاء في الوثيقة والقرار حول العمل النسائي المأخوذ نصاً وروحاً من وثيقة "في سبيل تحسين العمل القيادي بعد عام من المؤتمر الرابع   ". ولذا فارقت السيدة نعيمة بابكر، عضو اللجنة المركزية حتى انقسام الحزب في 1970 ، الحقيقة حين زعمت في دورة لجنة الحزب المركزية في مارس 1970، وعلي أيام شدة الخلاف بين جماعة هي فيها وعبد الخالق، أن ما جاء في دورة مارس 1969 هو من بنات أفكار عبد الخالق وليس للجنة المركزية دخلاً فيه.

 

 

خاتمـــــة

 

لا أذكر كيف ختمت مقالتي عام 1977 . ويبدو أنني خلصت فيها إلى تثبيت مقولتي أن مشروع الحزب لتطوير الاتحاد النسائي قد أدى إلى احتكاك بين قادة الاتحاد الشيوعيات والحزب. ورأينا في هذا العرض أن الحزب يحذر من أن تقاعس الشيوعيين عن تطوير الاتحاد النسائي سيجر إلى تسميم الجو فيه. وواضح أن الملاسنة موضع شكوانا اليوم قديمة الجذور وأن تسميم الجو هو كل ما ورثناه من قضايا وفكر تلك المرحلة. وبالطبع تفاقمت الملاسنة بمر الزمن ونقع سمها. فقد كانت محصورة في أروقة الحزب إلى حد ما فإذا بها تتعولم وتشتبك مع قضايا عصرية ومعرفية في حركة النساء. ومن سوء الحظ انه بينما هاجرت الملاسنة إلى العالم لم تستصحب أدبها المعروض هنا. بل ولم تستصحب أدب الاتحاد النسائي عموماً. فليس ممن قرأت لهم من دارسي الحركة النسائية السودانية من قرأ مجلة "صوت المرأة" مثلاً. وأستثني الدكتورة فاطمة بابكر. ومع ذلك لا يتورع هؤلاء الدارسون من الخوض الضليل في شأن الاتحاد النسائي وفاطمة بما لا يأذن به أي عرف من أعراف الكتابة والتفكير أو حتى الذوق. وقد ترتب علي هذا ظلم كبير لفاطمة. وبينما واضح  من مقالي أنني ممن بادروا بنقد فاطمة إلا أنني لا اقبل أن يكون الاختلاف المشروع معها مناسبة لإشعال سياسة الأرض المحروقة جهلاً بحركة النساء والتقدميين أو غمطاً لفاطمة دورها الاستثنائي في قيادات واحدة من أجمل حركات النساء قاطبة لتغلغلها في جذور متاعب غمار النساء ربات البيوت في أحياء المدن والريف.

 

 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS 2005
Copyrights 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco