header
 

كل منفى قصدته كان اختيارا مكلفا ....

حوار مع الكاتب عادل القصاص

حاوره: عاطف خيري

تعتقد القصة القصيرة – للوهلة الأولى – أن عادل القصاص ينحت نصه اعتمادا على تفاصيل عارضة، هياكل واهنة لرغبات تهيم مأخوذة بجمال كونها لم تتحقق بعد، وعلى أحداث مشغولة بما تحظى به من هامش، هامش حياتنا واهتماماتنا، لكنها، وللمفارقة، هي ذات الأحداث التي غالبا ما تحدث تحولا ساطعا في علاقتنا المتوترة بالواقع؛ نزوع نحو شخوص يعانون الأفكار أكثر مما يعانون من أي فعل آخر، شخوص تبحث بلا هوادة عن شئ صميم بالداخل، ليس الداخل هو مكان على الدوام إنما الذاكرة، أيضا الحلم، وبقية المفقودات. هذا ما يبرر المنولوج كوسيلة متقنة ومتكررة في كثير من النصوص، لكنه منولوج له أكثر من حيلة وأبعد من مناجاة، لأن الكاتب لا يقدّم شخوصا مكتملة الملامح، إنما يتقدم بشخوصه نحو تخوم شفافة يتشكل فيها القدر من كلمة، أو فاصلة، وربما من استدراك، ويوهمنا – عبر أكثر من طريقة – أنه مثلنا يشرع للتو في التعرف عليها داخل المتن. يبدأ النص حين تبرق الفكرة أو الخاطرة ثم يبدأ تحييد الحدث بالاستغراق في تأمل عالم يمور بالتفاصيل الدقيقة: التفاتات لكون صغير، غالبا أكوان صغيرة، مسقطة من أطلس الذات – ذواتنا – لأننا نرسم الآخرين على عجل، هكذا نبدو قفر إذا نجهل حقل الآخر. لكن عادل القصاص يعمل على مادة أولية في الإنسان، فلنقل حالة أولية، مزاج لا ينجو من مادة، مأساة مرحة، طموحة دون ادعاء بأنها روح خالصة، فهي معرّضة باستمرار لأن يعلوها تدهور ما، لذا يجنح الكاتب إلى التأمل في أقدار شخوصه والتي يتم انتقاءها لتصطدم بطريقة الراوي في الحكي، أحيانا لتنسجم، وذلك بالتركيز على حياة بعينها، لا بطريقة تلك الشخوص في الحياة نفسها، عبر تركيب لغوي منضبط، مكثف، وقد تتكرر بعض الكلمات والجمل الاعتراضية، وأحيانا يسهب الكاتب في اعطاء أكثر من مرادف لكلمة واحدة أو فكرة واحدة، مما يكسر من أحادية السرد ويسبغ ملمحا شعريا جديدا على وجه القصة القصيرة المعاصرة. يتم ذلك دون أن تنتفي متعة القص، دون أن يرشح حبر الكاتب مفسدا صمت هذه الشخوص، لأننا بصدد قصة – فكرة، تحاول أن تقف وحيدة، مستغنية عن مفاصل كثيرة في جسد القصة، وفي طموحها ذلك يبدو لنا أننا نواجه عالما بلا حكاية، بيد أنه عالم حكّاء، عالم يتخلّق الآن، هنا فقط في النصوص السبعة، جراء هواية لا شفاء منها: الإنسان، وعلى وجه الخصوص: التفاصيل الإنسانية في حروبها النبيلة ضد الإهمال، ضد العموميات وضد كل ما هو كلي، مكتمل وقاهر: واقعة بسيطة تكمن بطولتها في أنها لا تحاول فقط أن تكون، لكن أن تتكوّن أيضا، سطرا إثر سطر، عبر طريقة حرة لا تعوّل كثيرا على ذاكرتنا المتخمة بالبداية، الذروة ثم النهاية .

يبدو لي أنها كتابة في مجابهة القبح، قبح السرد حين يتوسل الواقع، وحين يكون ذاكرة بلا رؤية وانتقاء، مثلما هي أيضا كتابة لتمجيد الجمال القابع في قاع الإهمال، وإنشاد مبالاة مؤثر حين نصاب بفوضى العالم لأول مرة. كتابة لا تمنع شخوصها من الانتحار بشرط أن لا يكون أخرقا!!! نصوص يصعب التعرف على مراجعها لأن وراءها خبرة ومعرفة غير متعالية على التنقيح، النقد، والمراجعة، ومن ثم تمزيق المسودات. وراء كل نص: كتابة ليست غفل، إنما قصة، وفكرة معتنية بخطوها في الطريق، أحيانا ذلك لدى آخرين يفسد الحكاية، بينما عند القصاص ذلك هو لب الحكاية وله فيها تصاريف وتنويعات.

فلنحاوره احتفاءً بصدور كتابه القصصي الأول: لهذا الصمت صليل غيابك.

* قليلا ما تنعم القصة القصيرة بشاعر!

- لو لم أكن كاتب قصة، لكان الأرجح صيرورتي إلى شاعر ذي قصيدة مهمومة بالسرد ، على نحو ما تفعل قصيدة سليم بركات، مثلا. فالشعر كان، منذ بداهة تكوني الوجداني – الأدبي، هو الجنس الإبداعي الأكثر تمكنا مني. ولو عدنا إلى أول نص قصصي كتبته، وهو " عفوا، كنت أمارس فيك العشق"، لقالت لنا بذلك – بغض الطرف عن شعرية السرد – بعض المقاطع الشعرية التي أطلّت منه، أي تلك التي ناهضت إتيانها – في شعاب نص سردي – إلا بتلك الهوية الواضحة. ولعلي كتبت تلك القصة بنيّة القصيدة. وأعتقد أن احتفاء نفر من الأصدقاء بذلك النص، باعتباره قصة، حتى قبل أن تنشر وجّهني نحو السرد القصصي، لا سيما وأنني كنت – بالتوازي مع غواية الشعر: أضمر رغائب السرد. فأمعنتُ فيه، آخذا معي أهم ما يفعل الشعر: خصوبة الروح والمخيلة. تلك الطاقة التي تمنحك حساسية لغة تنأى بك عن التماثل الأسلوبي، إذ تلوح لك بقوس قزح. تبتعد بك عن جفاف الإنشاء، فيما تضعك على أهبة الندى. تقيك من ركود الصورة، وهي تهيؤك لاحتفال المشهد.

على أنه كان عليّ أن انتبه، مبكرا جدا، إلى أن تلك الطاقة الشعرية، فيما هي تفعل كل ذلك، وغيره من خصائص تميز النص السردي – القصصي، كان بوسعها أيضا – عند الإفراط في استخدامها – أن تتسبب له في عرج ما. فالتواشج، غير المتكافئ، بين أجنحة الشعر وعناصر أخرى تنهض عليها بنية السرد القصصي، من شأنه أن يولد اختلالا لن تنجح براعة الأسلوب وجاذبيته في مواراته. فمن المهم ادراك أن الشعر حضرة، بينما القصة فكرة. لهذا تجدني أزعم أن سردي القصصي ليس ممسوسا بالشعر، إنما به مس من الشعر.

* تبدو غالبية النصوص كمنولوج محكم تسبقه أحيانا ملاحظات من لدن الراوي، وأحيانا كثيرة حوارات. وفي ما يخص الحوارات يبدو لي أن الحوار الذي دار أثناء لعبة الدينمو في "صور زينكوغرافية ليوم عادي" من الحوارات الطريفة التي لا تخلو من متعة وترميز هادئ ناحية الفكرة المحمولة داخل الحوار على حساب الرقم الخاص بلعبة الدينمو. أعني أن هنالك شئ ما، إيقاعي ولا يخلو من دلالة، كما أنه ليس من قبيل الصدفة أن تنتصر خبرة اللاعب العجوز. إلى أي حد تزعجك هذه القراءة؟ من ناحية ثانية ألا ترى أن اعتماد طريقة المنولوج أوقعت بعض النصوص في المقابلة: مثلا المنولوج في "المرآة تعادي الارتباك" يكاد يقع مقابلا أو معكوسا للمنولوج في "عفوا، كنت أمارس فيك العشق"، لماذا هذه العناية بالمنولوج ثم الكولاج، هل لك أن تضئ لنا هذه التقنية؟

- للمنولوج حضور نافذ في معظم قصصي، بدرجات متفاوتة من قصة لأخرى، وربما يعود ذلك، بوجه رئيس، إلى تراكم قراءاتي للنصوص السردية، الروائية بشكل خاص، ثم القصصية، وغيرها حتما. وقد يفيد في هذا الصدد ملاحظة حفاوتي بالسرد الذي يقوم على ضمير المتكلم، الذي هو في الغالب، حار، حميم، إفضائي، دفّاق، ورشيق. إنه كجسد يكشف أسراره بالإيقاع والرقص كي يهمد توتر السريرة. ذلك أندى وأبهى ما يفعل ويبتغي المنولوج.

أما الكولاج (وربما المونتاج، ما دمنا قد أتينا على ذكر الرشاقة)، فهو عنصر أسلوبي – تقني، يكاد ينتظم جل قصصي، بنسب متفاوتة وأشكال متباينة. وقد يكون ذلك نتيجة مؤثرات متعددة ومختلفة. من ذلك – بالدرجة الأولى فيما أظن – ولعي بالفن السينمائي.

ومع ذلك – وربما بسبب من ذلك – أرى أن الطرائق الملتوية، التي قد تومئ إلى بعض المصادر المؤثرة، ستظل تجعل من كلام الكاتب عن إبداعه كلاما أقرب للزعم، كونها تتكئ – أكثر، وفي الغالب – على الأحاسيس ولذة التأمل. إذ أنها كثيرا ما تكون عصية على التقصي والحصر والبرهنة.

* أحيانا يغلب مزاج الكاتب، طريقته في تركيب الجملة، استعارته ومجازاته، على طريقة الشخوص في الحياة داخل النص. إلى أي حد تمنح هذه الحرية، وإلى أي حد يمكن أن يؤثر ذلك على تركيبة القصة نفسها؟

- أعتقد أن معظم شخصيات قصصي عبارة عن شخصيات داخلية. شخصيات تكابد الكتمان. تعاني من سريرة ملتهبة. وهي ليست كذلك إلا لأن الخارج يطأ أشواقها. شخصيات كهذه لابد أن تتمتع بحساسية عالية تجاه الأشياء حولها وعلاقتها ونظام عملها. ومن أهم تلك الأشياء: اللغة. ولما كانت اللغة البرانية هي إحدى أدوات الوطء، فإن أحدى وسائل المقاومة السرية تكمن في الانحراف عن نظام اللغة المستبدة بتبني علائق مغايرة للغة. تلك بعض "مهام" الشخصية الداخلية، بما هي شخصية بالغة الحساسية.

هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إذا قصدت أن تشير بسؤالك إلى علاقة الذات الكاتبة بذوات النصوص، فإن الأمر هنا يختلف. ذلك أن كاتب القصة، إذ يبدع نصا، فإنه ينشئ ذاتا أو ذوات، كونا وعلاقات. وتكون الشخصيات (أو تنبغي أن تكون) متمتعة بتاريخ (إجتماعي، ثقافي، نفسي) خاص. وللكاتب دائما شبهة الاقتراب من هذه الشخصية أو تلك، بهذه الدرجة أو بتلك، وهي شبهة تلافيها غير ممكن. لكن الكاتب لا يستطيع أن يكون هذه الشخصية أو تلك. بل قد تكون شبهة الاقتراب أو بعضها موزعة بين أكثر من شخصية في العمل الواحد، حسبما سبق أن أشار – دون دقة كافية – عبد الرحمن مجيد الربيعي.

غير أن الكاتب الجيد هو من لا يجعل الشخصيات جزءا منه، بل من تجعله الشخصيات جزءا منها. أي ذلك الذي لا يتهافت على حركة الشخصيات ومصائرها. إنما من يصغي للعلاقات الداخلية للكون الي أنشأه ويستجيب لمقترحات الشخصيات وهي تتحرك وتختار مصائرها. فأنا لا أعتقد، مثلا، أن ماركيز هو الذي أمات جنراله. إنما الجنرال هو الذي التمس أن يستريح بدليل أن ماركيز، ما أن رحل الجنرال، حتى عانق مرسيدس، وبكيا.

* غالبية النصوص تدور داخل الغرف، نادرا ما نلتقي بالخارج، وإن حدث فهو ذكرى. الشئ الذي يمنح القصص جوا نفسيا محددا بفضاء معزول وضيق لكنه يضج بالانفعالات والتصورات الذهنية. وبما أن الشخوص في غالبيتهم يعانون تحولا ما أو تشتتا ما، فإننا نجد أنفسنا في مواجهة نص قصصي كأنما هو استعارة شاسعة للاحتمالات؟

- وهل تتوقع من شخصيات داخلية إلا أن تتقن تحويل الغرف، الجدران، الطفولة، الذاكرة، الحب الشقي ... إلى مُحاوِر كفء وجليل. إنها، بمعنى ما، شخصيات وثنية، بالمحمول الشعري للكلمة.

* هل هو، حقا، زمن السرد ؟

- للفنون، بعامة، قرابات خصيبة. ففيما يعيد فن من الفنون إنتاج سلالته، فإنه يساهم في تولُّد، وتوالُد، سلالات إبداعية جديدة. لقد فعل البرتقال والليمون فاكهة متميزة هي الماندرين أو اليوسفي. أوليس للفنون خصائص الفاكهة، شكلا ومضمونا، مذاقا ونكهة، تمايزا وتجاورا؟ لا تكون دورات تناسل ونمو الفنون خطية بقدر ما هي إشعاعية، لا تكون أفقية بقدر ما هي رأسية. تبحث، دوما، عن مائها في عروق الأرض وفي تضاعيف الغمام. وعلاقات الفنون ببعضها لا تتسم بالشوفينية والصلف. إن الفن لا يكون صلفا إلا تجاه ما و/أو من يدعي الفن. علاقات الفنون ببعضها لا تتصف بالمن بقدر ما هي ممسوسة بالامتنان. فلنرى إلى العرفان الذي يفوح من علاقة الملحمة بالشعر، والرواية بالملحمة، والمسرح بالشعر والملحمة والراوية والرسم، والقصة بالحكاية الشعبية والشعر والرواية، والتصوير الفوتغرافي بالرسم، والرسم بالتشكيل، والسينما بكل ما ذكر ..... الخ ... الخ

على أنه ربما تعني سيادة وأبهة ضرب إبداعي بعينه، في وقت ما، مرونته وقابليته (أي تاريخيته) في التجاوز والاستفادة من الضروب الإبداعية الأخرى التي تتاخمه. أعتقد أن ذلك ما قصد إليه باختين حين نعت الرواية بأنها جنس إبداعي توليفي، وهو يعني قدرتها الفائقة على أن تتألف من (وتوالف بين) عناصر إبداعية مختلفة، بنسب وكيفيات متباينة.

وعلى الرغم من أن الرواية والقصة القصيرة هما جنسان إبداعيان متوازيان، بل متناقضان حسبما يؤكد ايخنباوم، إلا أن أهم وشيجة تجمع بينهما هي السرد وأهم خصيصة مشتركة بينهما هي المرونة بما يجعلهما غير مهددين بالفناء أو الاضمحلال لأنهما يتمتعان بالمهارة العالية الواجب توافرها لدى المنعطفات الجمالية التاريخية وبامكانات ذكية للتحول والتطور. ربما لذلك، ولغيره، يقال إن هذا زمن السرد.

*الإقامة في المنافي البعيدة: الذكريات. المنافي الأخرى القريبة: القاهرة، أسمرا، دمشق، عموما ما تم قسرا وما يمكن تسميته بالاختيارات المكلفة، كيف ترى كل ذلك الآن؟

- كل منفى قصدته كان اختيارا مكلفا. بيد أن دمشق كانت الأقل كلفة. ويعود ذلك – علاوة على قصر مدة إقامتي هناك، ربما – إلى المناخ الاجتماعي العاطفي الثقافي المعافي الذي توفر لي. فإلى جانب الرفقة المرحة والإقامة الملونة مع الصديق عصام عبد الحفيظ، نشأت لي علاقات حميمة مع مجموعة من المثقفين والكتاب والفنانين من جنسيات عربية مختلفة، كمجموعة مجلة ألف، سحبان سواح، أحمد اسكندر، أسامة اسبر وعصام درويش وفي نفس الوقت تعرفت إلى عبدر الرحمن منيف، فيصل دراج، باسم المرعبي وآخرين. وقد كانت دمشق آنذاك مفعمة بالإصدارات الثقافية والإبداعية الجيدة والجديدة، بالمعارض التشكيلية، بمهرجان دمشق السينمائي، نباتات الشرفات، وبأنشطة ثقافية متفرقة أخرى، وكان كل ذلك، وغيره، متساوقا مع علاقات وسيمة جمعتني بعدد من الأرتريين والسودانيين هناك، وفوق هذا وذاك إنني كنت منخرطا في امرأة.

ما أن قدمت إلى القاهرة، حاملا حزمة من الخواطر النضيرة، وبعضا من أعباء الوردة، وبصيصا من الشجن، حتى فوجئت بمدينة بعيدة عن عطر الهمس ونداوة الصمت، حتى أنني تساءلت عما إذا كانت حروبها التاريخية هي التي جعلتها تحتفي بالبوق فيما تعادي الناي والساكسفون. فما من مدينة دون لغو. لكن القاهرة بلا أسرار، ما من مدينة من غير قسوة. بيد أن القاهرة تترك أطفالها يلعبون كرة القدم على الأسفلت، ما من مدينة لا تنجذب للجيوب، غير أن القاهرة شرهة.

أما الحضور السوداني فيها، فهو لا يعدو كونه تهلهلا سياسيا، تهرؤا اجتماعيا، بؤسا ثقافيا، وخرابا روحيا. حتى أنني طفقت أتأمل الشقاء والتعاسة، وربما الخلل، في أعتبار أن العامل الجغرافي هو الأكثر حسما في تكريس أرض ما مجالا للجوء البديهي.

حينما توجهت إلى أسمرا المحررة للتو كنت أصبو إلى مدينة نقية، يانعة، ومتسعا للمساهمة في عمل سياسي سوداني معارض، مؤملا خلوه من كساح خيال وفعل المعارضة السودانية القاهرية. غير أن العلاقة الشرطية بين العرجا ومراحها لم تجعل ذلك ممكنا. لكن أسمرا كانت مدينة مشوّشة، انطوائية، حذرة. وذلك راجع إلى الحصار التاريخي المديد والكثيف الذي كان مضروبا على جسدها وروحها، مسيّجا عقلها ومخيلتها ،فكانت إطلالتها على العالم وخطواتها الاقتصادية الاجتماعية السياسية الإدراية بالغة الهواجس والتلعثم والارتباك. كما كانت عروقها الثقافية والإبداعية جافة. ورموزها الثقافية والإبداعية القليلة، سوءا تلك القادمة من شرايين التلال أو من ظلال المهاجر والملاجئ، من المنتمين للثقافة العربية الاسلامية سيما، كانت هي الأخرى تعاني من دوار ناتج عن محاولات التبيوء في مدينة ذاهلة، تفتقر، وذلك ليس ذنبها، إلى أهم أس للتماسك الوجداني: التاريخ الثقافي.

أما الوجود السياسي السوداني المعارض فيها، فقد كان جلّه، أي ذلك المجبول على الخيال الكسيح والتثاؤب السياسي وعاهات أخرى عديدة، فإنه لم يفعل شيئا سوى اصابتها بمزيد من البلبلة.

لقد جشّمتني تلك المدينة، طوال أعوام ثمانية، دون أن تتعمّد ذلك طبعا، حروقا في الروح وأوجاعا خارجية. وفي هذا السياق يمكنك قراءة قصة "صباح مشوش بنزعة الظهر" على أنها، بطريقة ما، محاولة للالتئام الوجداني. كما أن تلك السنوات الثمان لم تمر دون بعض محاولات، هي أقرب للتململ الثقافي. فقد حاولت، في بداياتها، إلى جانب الصديقين الشاعر والصحفي منعم رحمة والفنان التشكيلي الطاهر بشرى، تأسيس كيان ثقافي سوداني بأسمرا، هو جماعة أجنحة الثقافية، حيث أصدرنا بيانها التأسيسي باللغتين العربية والانجيلزية، قدمنا من خلاله للمعرض التشكيلي الأول للطاهر بشرى بالمدرسة الفرنسية بأسمرا. قبل ذلك بقليل، كان الطاهر بشرى قد ساهم، بافكاره الماهرة وأنامله الطليقة، في اجتراح تظاهرة تشكيلية ضمّت بعض أعماله وأعمال باقة من الفنانين الأرترييين على الحائط الخارجي لأشهر كنيسة بأسمرا، كما شاركنا في تأسيس وفعاليات منتدى ثقافي إرتري، عرف بـ منتدى السبت، علاوة على مساهمات أخرى متفرقة، ذات منحى ثقافي وإبداعي ومهني، سواء في الكتابة للصحافة العربية الإرترية، أحيانا غير الأرترية، أو العمل الصحفي الفني، أو المشاركة في فعاليات التجمعات الفنية.

أما بعد مغادرة الصديقين منعم رحمة والطاهر بشرى اسمرا، والقدوم الرسمي للتجمع الوطني الديمقراطي، ساهمت – إلى جانب لفيف من المثقفين والسياسيين والأكاديميين والمهنيين السودانيين – في تكوين وفعاليات مشروع أسميناه منتدى السودان الجديد، الذي كان يطمح لتأسيس رؤى نقدية، رصينة ومتحررة من براثن الساسة اليوميين، لعدد من مشكلات الواقع الفكري والسياسي والثقافي السوداني. شاركت أيضا، بالإضافة إلى نخبة من الحادبين السودانيين، في تأسيس وفعاليات الجالية السودانية بأرتريا – أسمرا.

* أنت كاتب مقل، رغم إسهامك مؤخرا في الكتابة إلى الصحف وبعض الدوريات والمجلات المتخصصة، لكن يبدو لي أن إصدار مجلة "مسارات جديدة" كان من أنضج تلك المساهمات التي تمّت خلال جولتك الطويلة عبر الكثير من العواصم، لكنها، للأسف، أصيبت بلعنة العدد الأول وتوقفتْ .....

- الأفكار والأمنيات والخطوات التي كانت وراء تأسيس مشروع "مسارات جديدة" تمت بصلة عضوية لبعض الهموم التي كانت خلف تكوين "منتدى السودان الجديد". فمما لا شك فيه أن الحركة السياسية الوطنية السودانية، بعامة، مصابة بفقر في الفكر السياسي وهزال وشحوب ثقافي عام، ففيما خلا المحاولات الفكرية القليلة والسحيقة للحزب الشيوعي السوداني، وحركة الأخوان الجمهوريين، لا يكاد المرء يعثر، إلا في ما ندر وغار، على شئ. وحينما انتظمت في العمل السياسي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، استطعت أن أتيقن، بسهولة، من أن الحركة الشعبية لتحرير السودان، في الوقت الذي تجاوزت فيه العيوب السياسية المزمنة للحركة الوطنية السياسية في الشمال، أي الناحية العملية والهمة، إلا أنها احتفظت بأبرز أمراضها المزمنة أيضا، وأعني بذلك الافتقار للتأسيس الفكري السياسي و لدور المثقف والثقافة في التغيير، كما كنت أعي بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان هي الأكثر حوجة لذلك، نظرا للواقع الاجتماعي، السياسي، الثقافي، النفسي، الجغرافي، الداخلي، الإقليمي والدولي الشائك الذي تعمل فيه ومن خلاله. بل أيضا كانت هي الأنسب لذلك، بالمقارنة مع العوائق البديهية، التي تجيد المعارضة الشمالية وضعها، فيما يختص بحرية الرأي والاختلاف والديمقراطية والثقافة، لكن الحركة لم تدرك ذلك، بما يتناسب مع ماهية وحجم وفداحة "المهام التاريخية"، وتوقف "مسارات جديدة" وأفكار أخرى يقف دليلا على ذلك.

والآن حين أتأمل تجربة تأسيس وإصدار مسارات جديدة، وموتها، باستطاعتي أن أرى بوضوح أنها، فيما كانت تسعى، ونجحت، منذ عددها اليتيم ذلك، في كسب حلفائها، إلا أنها، في نفس الوقت، نشطت أعدائها، وليس الأعداء دائما في الضفة الأخرى.

طوال فترة ارتباطي بالعمل السياسي المعارض، كنت دائما أحاول النأي بروحي وعقلي عن عطن وضحالة سياسة البيع بالمفرق، وهي السمة بالغة الوفرة في واقعنا السياسي السوداني، معارض أو غير معارض. فأنا حين جئت إلى السياسة، لم أجئ من باب الطائفة والقبلية، ولا من نافذة العقيدة والقومية، وإنما أتيت من كوة الثقافة والإبداع. وبقدر ما خصّني ذلك بشئ من خصائص زرقاء اليمامة، وببعض حصافة النسيم، فإنه ضاعف شقائي وتعاستي وتوتري. وكان يمكن لذلك ألا يحدث فيما لو كففت عن إيماني بأنني، في المقام الأول، كاتب.

* هل من إفادة حول البدايات، الأصدقاء ورفقاء الكتابة

- كان المناخ الثقافي والسياسي العام خانقا في الوقت الذي أخذتْ فيه حساسيتي الأدبية تتفتق ووعي بالواقع يتفتح، فقد بدأت الكتابة خلال السنوات الأولى لثمانينات القرن الفائت، وكانت أولى النصوص التي قدّمتني ككاتب قصة أنجزت عام 1983. ولم يكن ذاك العام هو عام تتويج النفوذ السياسي الشرس والأيدلوجي المتوحش للإسلامويين فحسب، وإنما كان أيضا، بالمقابل والنتيجة، بمثابة إعلان وعيدٍ وإرهابٍ وحرب ضد البؤر الثقافية، القليلة والمتناثرة، سوءا تلك التي كانت تعمل من خلال المؤسسات والأجهزة والقنوات الثقافية والإعلامية للنظام المايوي، أو تلك التي كانت تتحرك خارج "شرعية" مؤسساته وأجهزته الثقافية والإعلامية، لكنها كانت، ما وسعها ذلك، تتوسل قنوات تلك المؤسسات والأجهزة. ومن تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات على الصعيد الرسمي، معهد الموسيقى والمسرح، كلية الفنون الجميلة والدراسات التطبيقية، مجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح، الأقسام الثقافية لصحيفتي الأيام والصحافة، مجلة الثقافة السودانية ومجلة الخرطوم.

أما المؤسسات الثقافية أو التجمعات الثقافية التي كانت، في الغالب، بلا قنوات خاصة بها، أو ذات قنوات ضاربة في الصدفة والضمور، فإن أهمها كان يتمثل – على غير سبيل الحصر– في رابطة الجزيرة للآداب والفنون، رابطة سنار الأدبية، جماعة تجاوز وندوة الجندول. و مع تعاظم النفوذ السياسي– الإداري المحموم للإسلامويين، كانت تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات، وغيرها طبعا، تتعرض للبطش الأيديولوجي والوظيفي والأمني، بهذه الدرجة أو تلك، في هذا الموقع، أو ذاك.

وكان من أهم ما دلّني على بعض تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات وبعض رموزها والمساهمين فيها، ما درجنا على تسميته بـ صالون بشّار، كان ذلك عبارة عن منزل أستاذنا، وصديقنا فيما بعد، بشّار الكتبي بأم درمان – المهدية، فقد كان صالونا عفويا للتآنس الثقافي والمختلط بأمنيات التجانس السياسي، وكانت أسئلتي الأدبية، الثقافية، الفنية والسياسية، الأولى، الحارقة، قد انفجرت في ذلك الصالون وبمساعدته، وعلاوة ذلك، أورثني ذلك الصالون علاقات اجتماعية ما يزال بعضها يتمتع بالرسوخ والفراشات. حيث تعرفت في ذلك الصالون (وأفدت من) بالإضافة إلى بشّار نفسه، على عدد من المثقفين والمبدعين، أذكر، تمثيلا فحسب، عبد الوهاب حسن الخليفة، أحمد عبد المكرم، سامي سالم، عبد الله محمد إبراهيم، عمر الطيب الدوش، محمد مدني، عادل عبد الرحمن، محمد عثمان عبد النبي، أحمد المصطفى الحاج، سيد أحمد بلال، سعد الدين إبراهيم، التجاني سعيد، محمد خلف الله سليمان، صلاح إبراهيم، عبد الله محمد الطيب، خالد عبد الله حسن و.... و..... يمكن القول إنه قد تمت أحدى ولاداتي الأساسية، في ذلك الصالون، ومنذ مدة غير قصيرة، قررت أن ثمة شيئان سيحرضاني على الكتابة عنهما: صالون بشّار وكشك الجرائد للصديق خلف الله سعد.

بعد ذلك، وأثناء ذلك، كان لدينا أيضا، نحن بعض مرتادي ذلك الصالون، وبعض ممن لم يرتادوه، تقليدا يمكن تسميته بـ "غداء ثقافي" أو"قيلولة ثقافية"، تتمثل في قيام أحدنا (وغالبا ما يكون قد أنجز نصا جديدا) بدعوة الآخرين للغداء في منزله، (وأحيانا في غير منزله)، لمناقشة ذلك النص، حيث كنا نتعرض بالنقاش والنقد المعافى لنصوصنا، لا سيما وأن النشر كانت إمكاناته ما فتئت تتضاءل، مما ساهم في إكسابنا، بنسب متفاوتة طبعا، مزية الإصغاء والتقبل ومشروعية الاختلاف.

* كيف تنظر إلى التأجيل الذي صاحب صدور هذه القصص في كتاب؛ كيف تشعر بقصة كتبت في منتصف الثمانينات ثم تجد حظها في النشر، بالكاد، في عام 2002؟

- تأخر صدور هذه المجموعة يعود، بقدر ما، إلى الفترات العصيبة التي عشتها بالمنفى، مما يمكن التقاطه بيسر من معرض إجابات سابقة لهذا الحوار. كما كان للإقتراح الذي تلقيته من عبد الرحمن منيف بواسطة الصديق عصام عبد الحفيظ دورا في ذلك، وكان ذلك الإقتراح يعرض نشر هذه المجموعة بدمشق (وربما بيروت). وكان ذلك، وما يزال، يبدو لي أكثر جاذبية، من جهة جمال التنضيد الطباعي والإخراجي، والقنوات التوزيعية النشطة. لكني لم أتحرك (وهذا هو أس العلة) بما يليق من النشاط لتلبية ذلك الاقتراح، ولا لغيره. إن ذلك يعود، بدرجة غير قليلة، للطريقة السيئة في الغالب، التي كنت أدير بها بعض شؤوني في معظم سنوات المنفى، ولولا الحماس والتصدي العملي لبضعة أصدقاء، حميمين وصميمين، (وأنت، دون شبهة ملق، في مقدمتهم) لما بدأت حتى في تجميع نصوصي المبعثرة، على قلتها، ولتأخر صدورها أعواما أخرى بلا ريب. ولو كنت أعلم أن نشر هذه المجموعة سيتركني بمثل هذه الحال من "النظافة"، لفعلتُ ذلك منذ وقت بعيد. فشكرا، في كل الأحوال.

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco