header
 

 

قراءة نقدية لمجموعة "الآم ظهر حادة" للقاص عبد الغني كرم الله

 

بقلم د. لمياء شمت *

 

 

حظيت المجموعة القصصية "الآم ظهر حادة" للقاص السوداني عبد الغني كرم الله،والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت، حظيت باهتمام نقدي واضح علي المستوى المحلي والعربي.

 

ورغم أن "الآم ظهر حادة" قد تبدو في ظاهرها كمجموعة نصوص أو أرخبيلات منفصلة، إلا أن القارئ لا يلبث أن يتبين أنها منظومة متكاملة يتحد فيها المضمون، ويشد بينها خيط المغزى والفكرة المركزية الواحدة، التي تتوسل بلغة مشعة بالإلماح والومضات الدلالية بدرجة تتمثل وهج الشعر وكثافته وانخطافه. فلكل مفردة وزنها المحدد في النص السردي الذي لا يحتمل بطبيعته الزوائد أو التراخي والاستطراد.

 

ومن نافلة القول، أن لغة السرد تقليدياً لم تكد تزد عن كونها حامل ووسيلة مباشرة لتحقيق زوايا المثلث الأرسطي، حيث يتنامى الحدث باطراد تجاه ذروته، وينتهي بلحظة الكشف أو التنوير التي يكتمل بها المضمون ويتحقق بها انطباع مفرد وآسر واحد. وبالتالي، وكما أسلفنا، فان اللغة تستخدم بالأساس كخام تشكل منه الشخصيات وتصاغ منه المواقف والأحداث.

 

أما حديثاً، وبعد أن تحررت النصوص السردية من الفروض الشكلية والعوائق التقليدية، وأوغلت في التجريب، فقد أصبح كل نص تجربة جديدة وبصمة خاصة في تقنيات السرد والاجتراحات الفنية والجمالية، بل والمحمولات النفسية والوجدانية. وليصبح بالتالي للغة حساسية فائقة في سرد المادة القصصية، بل أنها تصبح أحيانا كثيرة أبرز عناصر المتن السردي. ولعل الكثير من القراءات النقدية قد توقفت ملياً عند خاصية الاشتغال الجمالي المركز على النصوص، مما جعل اللغة تقارب أن تصبح مادة القص وغايته معا. ويبدو ذلك صحيحاً إلى حد كبير إذا ما تأملنا لغة مجموعة "الآم ظهر حادة"، التي تبرز فيها سمات عدة، نذكر منها:

* كثافة الإحالات وانفتاحها على احتمالات تأويلية متعددة. ويظهر ذلك في مقدرة الكاتب على استخدام التناص التحتي العميق لأقصى طاقاته الدلالية.

* حضور الرمزية كاستجابة إبداعية وتوظيف سعة الرمز ومقدرته على حمل عبء الدلالات المكتنزة بالأفكار والأسئلة. ويتم ذلك بتركيبة رمزية متوازنة تلوح بالمعنى الموارب ولا تجنح به للإغماض.

* الهجانة اللغوية الطريفة الناتجة عن استلهام المنبع الصوفي والمثلوجي والفلكلوري الشعبي. حيث يفلح القاص كثيرا في نسج أمشاج الخيالي والصوفي والفلسفي بأبعادها الرؤيوية لخلق حكايا غرائبية الأجواء، لكنها تبدو في ذات الوقت مألوفة وحميمة، إذ يقودنا فيها القاص بتأمل متمهل إلى طبقة من الرؤية أكثر عمقا، دون أن يوهن ذلك تلقائية السرد، وانسكاب اللغة.

* تخفف اللغة من لزوجة الطلاء الزخرفي والإطناب البلاغي والدثارات المجازية المتكلفة. وهنا أيضا يبدع القاص في طرح أفكار ورؤى مختلفة ذات أبعاد تأملية وفلسفية تتفرس في التجربة الإنسانية وترصدها بدقة، بلغة هادئة أليفة وشديدة العفوية.

* الانفتاح على اليومي والعادي، ببساطة محببة تراهن على الاحتفاظ بالتفاصيل الصغيرة طرية وطازجة وحارة بروح الحياة اليومية التي تبث دفئها في مفاصل الكتابة.

*إعلاء البعد التأملي والفلسفي في بعض النصوص، حيث تستسلم اللغة لغواية الخيال المجنح الممتلئ بطاقة الحلم والجنوح، الذي يصعد الواقعي إلى مرتبة الغرائبي والفنتازي، بسلم متداني الدرج يصعد بنا بترفق وتؤدة إلى معارج الخيال.

 

وفي منحىً آخر، نحتاج أولا أن نعود لنؤكد على أن القصة القصيرة فن صعب رغم مظهره الودود، فهو يواجه تحدي اختزال عالم بآسره ليتضام في بضع صفحات معدودة. ولعل ذلك ما جعل هذا الجنس السردي إنجاز تكنيكي بارع، يحتاج إلى معمار فني محكم ومتساوق.

وعلى الرغم من أن الآم ظهر يصعب جداً تصنيفها أدبياً وفق المواضعات السردية المعروفة، كونها عصية على التأطير الشكلي، وغير خاضعة لقوالبه الجاهزة وشروطه المسبقة. فالأحداث مثلا في غالبية نصوص المجموعة تتخلق من فكرة فلسفية أو وجودية ينطلق منها النص ليؤسس نوعاً من إعادة النظر في الإنسان وحقيقته. ومن هذه النقطة يراكم القاص الدوائر والخطوط، لينفذ من ثقب صغير إلى نصه الواسع حيث يتنامى السرد دافقاً، مزدحماً بالأفكار والأسئلة التي يجهد القاص في أن لا يربك بها مجرى السرد، الذي يتخذ في معظم النصوص مساراً سردياً دائرياً، يبدأ من نقطة، ثم يستدير مستعيداً بدايات الأحداث وتحولاتها. وكذلك، من الشائع في مجمل النصوص، أننا نتعرف على الشخصية المحورية من الجملة الأولى، حيث تحضر تلك الشخصية بضمير المتكلم كحيلة فنية يحتفظ بها القاص لنفسه بزمام السرد. ورغم التحفظ على منح صوت السارد سلطة الانفراد بالمساحة الأكبر في مجمل النصوص، إلا أن القاص قد اجتهد في استخدام هذه الذريعة الفنية للانسياب تحت جلد شخصياته وسبر أعماقها وكشف دواخلها ومكنوناتها. ومن الملاحظ أن التركيز قد وقع جله على المونولوج الداخلي أو المناجاة، بينما اقتصر الحوار الخارجي على موضعين تقاسما العامية والفصحى. وقد بدا واضحاً أن استخدام الفصحى في الحوار قد قلل من قدرته على التأثير، وبالتالي أفقد الحوار قدراً من مصداقيته. على عكس حضور العامية العبقة برائحة بيئتها والنابضة بروح الحياة اليومية. إضافةً إلى دور العامية المقدر في إحكام النسيج القصصي وتماسك بنائه الداخلي، وإسباغ المصداقية على الشخوص والأحداث.

ويقودنا ذلك تلقائيا إلى بعدي الزمان والمكان، لنلاحظ أن عنصر الزمن يخضع بشكل كبير لمنطق الأقصوصة، تهندسه التقنيات السينمائية مثل الفلاش باك، والقطع والمونتاج لتثبيت اللحظة المعينة لابراز البؤر النصية الحساسة. أما المكان، ورغم أنه قد يبدو كحيز جغرافي محدود، إلا انه يتسع معنوياً ليصبح فلكاً شاملاً نحس فيه بحضور المكان الريفي القروي أكثر منه مكان مديني حضري. ورغم تبرم الأدب عموما بصلف المدينة وضجرها وقيمها الزائفة ومبادئها المعطلة، إلا أن كرم الله يفلح كثيراً في تجنب الوقوع في فخ الثنائيات الضدية، والصورة الرومانسية الساذجة للتقابل المنمط بين صورة المدينة والقرية.

وعلى مستوى الشخوص، لا يسعنا إلا أن نقف عند انتباهة الأستاذ صديق محيسي الواعية في رزنامة أستاذ كمال الجزولي، صحيفة الرأي العام، بتاريخ 10/4/2007، حيث يقول: "رؤية كرم الله السردية للأشياء والكائنات تعد تحولا مهما، إذ أننا لا نجد لها شبيهاً عدا ما ذهب إليه بشرى الفاضل من خلق شخوص موازية للبشر". وكنت قد أشرت في دراسة نقدية سابقة إلى أن سرديات بشرى الفاضل هي بالأساس قصص استبطان وتفلسف أكثر منها قصص أحداث وشخوص. وكرم الله في محاولته الإبحار إلى أفق مغاير يقترب كثيراً من تلك التخوم، ويشاكل العوالم البشروية بفلسفتها الطوباوية التي تحتفي بكل المخلوقات. حيث، وبكلمات الأستاذ محمد الربيع في الوطن القطرية يعيد السرد الاعتبار إلى جذوة الأشياء وللتفاصيل ويخرجها من عزلتها في الكون.

فمثلا يذكرنا "حمار الواعظ" بحمار آخر في مجموعة بشرى الفاضل "أزرق اليمامة"، يقاسمه التظلم من جحود الإنسان وقسوته، فيكون انتحاره غرقاً بمثابة احتجاج جهير ضد رهق العالم.

وكل هذا لا يتقاطع مع حقيقة أن كرم الله قد تمكن باقتدار، ومن تجربته الأولى، أن يرسخ فرادته كقاص استطاع ابتداع أسلوبه وحكائيته الخاصة الشغوفة باكتناه السؤال الكوني الأبدي. وقبل الانتقال إلى محور آخر، لابد لي أن أقف ملياً عند الدمج الخلاق بين الواقعي والخيالي والفلسفي في نص "رائحة الطمي"، حيث الجدة في أن الأحداث والمواقف ترسمها الرائحة. حيث تحلق بنا تلك الحاسة في فضاء تخيلي واسع. ما يستدعي للذهن رواية "العطر"، للألماني باتريك زوسكند والتي تحلل الطبيعة البشرية عبر بصمات الروائح.

ولنجمع خيوط ما ذهبنا إليه، يمكننا القول بان الحبكة رغم كونها قد تبدو رخوة، حسب المواضعات السردية، وأن الشخوص وفق ملاحظة حامد بخيت الشريف في السوداني "غالبا ما تتوقف عن التطور لمصلحة السرد"، إلا أن القاص قد عمل على تعويض عن ذلك بعنايته الجمة بالتفاصيل، ودقة وبراعة الوصف، والخيال الطفولي المدهش الذي لا يرضى بأقل من أن يتلمس الأشياء ويتذوقها ويتشممها، بل ويفككها ويعيد تركيبها كما يشاء، ليمنح كائناته وجوداً مبتكراً وحضوراً أليفاً، تبدو معه منخرطة في واقعها،مستوية في مصائرها بأدق تفاصيل الوصف والتصوير. ولابد لنا أن نقف هنا على رأي بشرى الفاضل في عموده تضاريس بتاريخ13/1/07: "ميزة كرم الله الأساسية تكمن في هذه العدسة المكبرة في مخيلته، التي تقترب من الكائنات والأشياء راصدة لها بدقة متناهية".

ونعود مرة أخرى إلى إشكالية تصنيف الآم ظهر يعيننا رأي أستاذنا فضيلي جماع في الصحافة بتاريخ 1/8 عن لعبة التجريب السردية حيث تبدو نصوص كرم الله "أقرب إلى الخواطر وتداعيات الكتابة في لحظة تحرر من قيود الشكل والنمط".

وبحثاً عن تفسير لاختلاط الكتابة بتداعي الأفكار والاعتمالات الداخلية والخواطر، فإن الملاحظة والتفرس يؤشران إلى أن تلك الظاهرة ترتبط بقوة باليفاعة الأدبية، وهي بلا شك مرحلة طبيعية يمر بها الكاتب، حيث يمتلئ تماماً بهاجس الكتابة، لتأتي المحاولات الأولى مكتنزة بالتأملات والأفكار والخواطر. ولعل ذلك يفسر لنا أيضاً اقتراب النص أحيانا من فخ الخطابية، لنرصد تسلل بعض العبارات المثقلة بعبء الخطاب التقريري المباشر. ويأتي ذلك غالباً على شكل جمل زائدة، كان الإلماح كافياً لتمريرها إلى القارئ، الذي تزعم أسلوبية كرم الله على انه يراهن مسبقاً على شفافيته في التلقي والتعاطي مع النص. ولكن، وكما أسلفنا، فان ذلك ما يلبث أن يتطور بشكل طبيعي بتراكم الخبرة التي تشحذ أدوات المبدع لسبك عمل سردي مكتمل الأركان والحضور والتأثير، ليضع به بصمته الفارقة.

ويستدرجنا ذلك لإلقاء الضوء على بعض المحمولات الفكرية والفلسفية التي تشع وتتلامح بين ثنايا النصوص. ولعل أبرزها النفس الصوفي الذي يفعم أجواء النصوص بعبقه الخاص. والفلسفة المتعالية (الترانسيندتالية) بثقلها الفكري كرؤية رومانسية طوباوية للعالم تمجد كرامة وحرمة الكائنات وحقها في الحياة. وتشمئز من السجن المادي والمعنوي الذي يرزح فيه الإنسان. فنحس ونحن نطالع النصوص بروح امرسون بميوله الروحية العميقة. وبمعاناة ثورو الذي اعتزل عالم اللهاث المادي، ليعيش مع المخلوقات الصديقة في كنف الطبيعة، في قلب الغابة في خلوة تأملية دامت لسنوات. وبحس والت وايتمان الذي أجمع نقاده على أنه يتحد مع كل شيء، ولا يكف عن معانقة الأحياء والموجودات من حوله. وبحضور استيفانز بإبداعه الرؤيوي ومقولته الرصينة: "عليك أن تتمتع بطاقات غير عادية لتتمكن من رؤية العادي". ولا يسعني أن اختتم دون المرور بموباسان ورسالته الخطيرة لصديقه موريس فوكير بتاريخ 17 يوليو1885، حيث يقول "إن الكاتب الذي يبهرني حقاُ هو من يحدثني عن حصاة أوجذع أوفأر أومقعد قديم ).

وختاما فان الآم ظهر حادة قد قالت كلمتها، وأسلفت لنا يدها إبداعها، في محاولة للقبض على جوهر الرؤية الكلية النافذة، وطرح الرؤى والأفكار، والتحليل والتفلسف، بمخيلة حكائية خصبة، وبأسلوبية مطمئنة،على صهوة لغة استطاعت أن تحافظ، عبر النصوص، على طاقة انسها وجماليتها وعفويتها وانسيابية دفقها.

 

 

 

* د. لمياء شمت، باحثة وناقدة سودانية، لها مشاركات منشورة في الصحف السودانية.

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco