header
 
 
 

 

مفهوم التهميش وتحديّات العمل المشترك*

ورقة عمل قدمت في إطار "نداء لندن من أجل السلام والتنمية والعدالة في شرق السودان"، 17 سبتمبر 2005.

 

محمد جلال أحمد هاشم

المؤتمر النوبي (نوبيين كريووس)

مكتب بريطانيا

 

 

خلفيــة تاريخيــة

يُعتبر السّودان بمثابة غابة من الهويّات الثقافيّة. لكن هذا لا يعني انتفاء الوشائج والأواصر التي تشدّ هذا النّسيج ببعضه لتشكّل لوحة إثنية/ثقافيّة رائعة. فمثلاً المجموعة النّيليّة ـ الصّحراويّة تُشكّل نسبة 64% من مجموع الهويّات في السّودان، بينما تُشكّل المجموعة النّيجر ـ كردفانيّة نسبة 32%. إذن 96% من مجموع الهويّات بالسّودان ينقسم إلى مجموعتين أساسيّتين فقط! وتنقسم المجموعة النّيليّة ـ الصّحراويّة إلى ثلاث مجموعات صغرى هي: السّودانيّة الغربية، والسّودانيّة الوسطى، ثمّ السّودانيّة الشرقيّة، وهي تشمل المجموعات الثقافية/اللغوية المنتشرة في حزام بلاد السّودان من المحيط إلى البحر الأحمر. هذا هو إقليم بلاد السودان، وهذا هوالعمق الحقيقي للسودان [لمزيد من التفاصيل، يراجع: يوسف فضل حسن، 1971]. في هذه المجموعات اللغوية الثقافية يكون مستوى القرابة أشبه ببنات أو أبناء الأعمام. فعلى سبيل المثال نجد النوبيين (على النّيل [الكنوز، الفاديجّا، السّكّوت، المحس، والدناقلة] وفي شمال كردفان [الحرازة] وفي جنوب كردفان وجبال النّوبة [الدلنج، الغلفان، الداير، الفنْدا، كاركو، كاتلا] وفي دارفور [الميدوب والبرقد]) ينتمون إلى المجموعة السّودانيّة الشرقيّة مع العديد من الكيانات التي تتوزّع في جميع أنحاء السّودان، شرقأ ، وغرباً، وجنوباً. لهذا لا ينبغي أن نتعجّب إذا علمنا أن علماء المرويات [عبد القادر محمود، 1985] يقولون بأن لغة الباريا بأقصى جنوب السّودان من بين أقوى اللغات السّودانيّة المرّشّحة للعب دور أساسي في حل طلاسم اللغة المرويّة، وكلاهما (الباريا والمرويّة) ينتمي إلى السّودانيّة الشرقيّة، مثل الدينكا، الشلك، النوير، الأنواك، اللاتوكا، التبوزا، إلخ .. إلخ (حتى الأشولي بين السّودان ويوغندا والماساي بكينيا) .. ثم الإنقسنا بشرق النيل الأزرق، والداجو والميما والكانوري بدارفور ، فضلاً عن المجموعات التي تلتقي معهم في النيلية الصحراوية مثل الفور، الزغاوة والبرقو إلخ. هذا دون أن نذكر جبال النوبة والتي نصفها ينتمي إلى ذات المجموعة، مع نصف آخر ينتمي إلى النيجر ـ كردفانية مثل كانقا، كادوقلي، قارمي، توشّو، توليشي، إليري، توقولي، تيما إلخ [في هذا فليراجع www.ethnoglogue.org]. هذه هي حقائق العلم فيما يخص هويّة السّودان. في هذه الخريطة الإثنية لا مجال أبداً إلى الزّعم بعروبة هؤلاء وأفريقية أولئك على أساسٍ عرقي. لقد انتهى إلى غير رجعة عهد الأنثربولوجيا العرقية حيث تتمايز السّلالات جينيّاً، سموّاً وانحطاطاً. إن المعيار العلمي والمادي اليوم هو الدّالة الثقافيّة واللغويّة.

 

الدولة السودانية والتعدد الثقافي والإثني

تُعتبر مؤسسة الدّولة في السّودان من بين الأقدم تاريخيّاً، إذ تعود إلى 7000 سنة قبل الميلاد على أقل تقدير [للمزيد ينظر: ديريك ويليسبي،2000]. وعٌرفت هذه الدولة عبر التاريخ بعدّة أسماء، مثل كرمة، كُوش، إثيوبيا، نوبيا، والسّودان، والتي تدور كلها حول معنى "السّواد"، كأنما ظل الاسم يُترجم من لغةٍ إلى أخرى عبر العصور [إنتصار صغيرون، 1999]. كما كانت حدودها أكبر بكثير مما هي عليه الآن، إذ كلما عدنا إلى الوراء، كلما انداحت دائرة حدودها. وتميّزت هذه الدّولة عبر تاريخها الطّويل هذا بالتّنوع والتّعدّد إثنياً، ولغوياً، وثقافياً ودينياً. ومن خلال الاعتراف بهذا التّنوّع تمكّنت الدّولة السودانية من الحفاظ على وحدتها الوطنية. تمثّل هذا الاعتراف في أن كل مجموعة ثقافية كانت تتمتّع في إطار الدّولة الواحدة بإستقلالية إدارية وسياسية داخل حدودها الخاصة بها. ذلك ما يعبّر عنه حالياً بمنظور "الوحدة في التّنوّع"، حيث يحتفظ كل إنسان بثقافته ولغته في تعايش سلمي تحت ظل دولة واحدة. في هذا الوضع تتكامل الثقافات مع بعضها البعض دون إزاحة أو استيعاب (أي تذويب).

         

الدولة السودانية واللامركزية

ظلّ السّودان يُدار بهذه الطريقة، التي نعرفها الآن بعدة أسماء مثل اللامركزية، الحكم الإقليمي، الحكم الذّاتي، الفدرالية، الكونفيدرالية ... إلخ، منذ أقدم العصور حتى السلطنة الزرقاء (1505م) التي دشّنت ميكانيزم إعادة إنتاج المجموعات الأفريقية (الهامش) ثقافياً داخل الوسط العربي الإسلامي (المركز)، وذلك باعتباره مشروعها للوحدة الوطنية. بعد ذلك جاء الاستعمار التركي ـ المصري (1821م) الذي انتهج أسلوب المركزية الباطشة. ولكن بلا طائل، الأمر الذي حدا به في النهاية إلى النكوص عنها ومن ثَمّ الرّجوع إلى اللامركزية والتي فشل فيها أيضاً لسيطرة الأسلوب المركزي على عقليته. منذ ذلك الحين تكرّست لدى الدّولة العقلية المركزية والمُقارَبة الأحاديّة لمعالجة أوضاع التّعدد والتّنوّع، الأمر الذي تبلور فيما يُعرف بمنظور "بوتقة الانصهار"، حيث ظلّت الدّولة تعمل بكل ما تملك من قوّة على إزاحة ومن ثَمّ تذويب اللغات والثّقافات الأخرى بتهميشها تنموياً وثقافياً.

 

الثقافة العربية/الإسلامية: حصان طروادة

استخدمت الدّولة في آليات التمركز والتهميش التي اتبعتها سلاحاً خطيراً تمثّل في تمرير سياساتها عبر أجندة الثّقافة العربية والإسلامية التي لا ينبغي أن نُحمّلها مسئولية ذلك، فهي منه بريئة. لقد لعبت الثقافة العربية ـ الإسلامية دوراً مجيداً في السودان، إذ دخلت معترك الصراع الحضاري فيه في فترة كانت المجتمعات السودانية تعاني من الانغلاق، فكسرت طوق الانعزال [للمزيد يراجع: يوسف فضل، 1973]. في ظل كل هذه المعطيات نشأت مؤسسة الدولة وفق حرائك الأيديولوجيا العروبية وما تبع ذلك من تمركز وتهميش، وما ذلك إلاّ لأن الأحادية الثقافية كانت هي عملة الوقت آنذاك، إذ لم تكن قد بزغت عندنا بعد شمس الدولة الوطنية القومية، كما لم تكن أزمة الهوية باعتبارها مرتكزاً من مرتكزات حقوق الإنسان قد تبلورت كما يشهد الآن روح العصر وعقله [محمد جلال هاشم، 1999]. إن التأكيد على أن الدين هو مصدر إلهام روحي ومعنوي، فضلاً عن كونه يخدم حاجة الإنسانية جمعاء للتفاعل السلمي والارتقاء الروحي والمعنوي، لا ينبغي أن يضعف المطالبة بفصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، رفضاً تاماً لمفهوم الدولة الدينية، ومن ثم النظر إلى ذلك على أنه شكل من أشكال تسويغ القهر والاضطهاد السياسي بمسوغات دينية.  إن الدولة الدينية لا تقف فقط على الأفكار الدينية، إذ إن من حق أي مجموعة دينية أن تعبر عن أفكارها سياسياً وأن تنشئ لذلك أحزاباً سياسية. فإن كانت هذه الأفكار ديمقراطية، فمرحباً بها مع جواز الاختلاف معها، أما إن كانت غير ذلك فينبغي مناهضتها لديكتاتوريتها ولمتاجرتها بالدين معاً.

 

الإسلاموعروبية: أيديولوجيا الدولة السودانية

في ظل كل هذه المعطيات نشأت مؤسسة الدولة منذ قيام دولة الفونج وفق الحراك الأيديولوجي الإسلاموعروبي وما تبع ذلك من تمركز وتهميش ومن ثمّ استقطاب أيديولوجي للطبقة المثقّفة من أبناء المجموعات المتعرّبة وتلك المستهدفة بالاستعراب وما تبع ذلك من هوس ديني فاشستي عهدناه في تجربة حركة الإخوان المسلمين (الجبهة القومية الإسلامية، المؤتمر الوطني، المؤتمر الشعبي إلخ قائمة التلاعب اللغوي). إن أخطر ما في الأمر أن مؤسسة الدولة ظلت تسوّق لأيديولوجيتها القائمة على التمركز والتهميش عبر أجندة الثقافة العربية الإسلامية، تحييداً لحملتها في صراعها ضد المجموعات المهمّشة بادية الأفرقة. وهذا هو مردّ اللبس في النظر إلى المجموعات العربية أو التي تعرّبت تماماً باعتبارها مسؤولة عن واقع التمركّز والتهميش، في الوقت الذي تعيش هي نفسها في تهميش مريع كما سيتضح أدناه.

في هذا نمايز تماماً بين مصطلحي "الإسلاموعروبية" و"الثقافة العربية والإسلامية". فالأول ذو دلالة أيديولوجية بحتة تعني مجموعة المحددات السلوكية التي تشكّلت بها الطبيعة الأيديولوجية للدولة السودانية الحديثة التي قامت على الأسلمة والاستعراب بوصفها وعياً اجتماعياً ـ ثقافياً (أي أيديولوجياً)، إذا قسناه بمقياس الإسلام، لن يكون إسلامياً، وإذا قسناه بمقياس العروبة، فلن يكون عربياً. بينما الثاني يعني المجمل التراث العربي والإسلامي في حال تجرّده من أي تشكلات أيديولوجية مرتبطة بالمصالح الحياتي لمجموعة معينة من البشر.

 

 

مفهوم التهميش

 

خلفية المصطلح

نشير إلى أن  إدخال مصطلحي "المركز" و"الهامش"، الذي تولّد داخل أروقة الفكر الماركسي المحدث بعيد منتصف القرن العشرين، وذلك في تحليل أوجه الصراع الثقافي والسلطوي في السودان بدأت عام 1968م، عندما استخدم علي مزروعي [1971]  المصطلحين في معالجته النقدية للصراع الثقافي بين مستعربي السودان وما شاكله من دول ذات شعوب مستعربة أسماها الهامش (السودان، الصومال، موريتانيا، جيبوتي)، وبين العرب العاربة الذين أسماهم المركز. في عام 1986م قام كاتب هذه السطور في الإصدارة الشعبية الأولى لكتابه منهج التحليل الثقافي بتوطين هذه المصطلحين في تحليله للصراع الثقافي في السودان بالنظر إليه على أنه بين مركز إسلاموعروبي وهامش أفريقي؛ وقد استصحب مع مصطلحي "المركز" و"الهامش" مصطلحي "الوسط" و"الأطراف"، ليركن بعدها في الطبعات الثلاث اللاحقة (1988؛ 1996؛ و1999) إلى مصطلحي "المركز" و"الهامش". بعد ذلك قام عبد الغفار محمد أحمد [1988]، متبنّياً رؤية علي مزروعي بخصوص الحزام الهامشي للدول العربية ، بمعالجة قضايا الصفوة والطبقة المثقفة في هذه الدول الهامشية من حيث تحامل رصيفاتها في باقي الدول العربية العاربة عليها. كما استخدم منصور خالد (1993) مصطلح "المركز" دون "الهامش" بمحمولات جغرافية ديموغرافية ("أهل الحضر والريف"؛ "المركز والتّخوم"). فيما بعد تمّ تكريس هذا المصطلح عبر كتاب أبّكر آدم إسماعيل جدلية المركز والهامش [1997] بأجزائه الثلاثة.

 

التهميش قديم

إن فهمنا ينهض على أن أصول التهميش ترجع إلى قرون وليست عدة عقود كما يرى البعض. كما يذهب فهمنا إلى أن عمليات التمركز والتهميش ليست مرتبطة بعرقٍ ما، أو جهةٍ ما، وما تصويرها على أنها كذلك إلا مجرد خدعة. فالمركز مركز صفوي يحتكر السلطة والثروة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخّر الثقافة والعرق والدين والجغرافيا [محمد جلال هاشم، تحت الطبع]. بهذا أصبح هناك طريق واضحة للطامحين بالسلطة إذا ركبوها وصلوا إليها: الأسلمة والاستعراب، أي تبنّي الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وهكذا تكوّن المركز من صفوة متباينة الأعراق والثقافات، متلاقية في الأهداف المتمثّلة في الثروة والسلطة. هنا لا يهمّ من أي مجموعة ثقافية أو عرقية ترجع أصولك، طالما كنت مستعدّاً للتضحية بأهلك تحت شعار الإسلام أو العروبة، وكلاهما بريئ من ذلك. في الواقع فإن أغلب الرموز القيادية التي قام عليها المركز من أبناء المجموعات الموغلة في التهميش إلى حد التعريض بها ثقافياً وعرقياً. هذا هو المركز الذي يسيطر على مؤسسة الدولة في السودان، مهمّشاً في ذلك جميع السودانيين [أبّكر آدم إسماعيل، 1997].

تشتكي كل المجموعات المهمّشة من قلة حظّها في السلطة وانعدام نصيبها في الثروة. ولكن في الأمر لبساً لا بدّ من إجلائه. إن إحالة المتنفّذين في أجهزة الدّولة والسلطة الحاكمة إلى خلفياتهم الثقافية والإثنية من حيث قيمتهم العددية وليس الأيديولوجية، لا ينبغي الأخذ به كمؤشّر ودليل على النسبة التي حازتها المجموعة من حيث السّلطة والثروة. فالمركز يجتذب العديد من أبناء المجموعات المهمّشة والتي نالت حظّاً وفيراً أو متوسّطاً من العلم كيما يصبحوا جزءً منه، مقابل أن يمنحوا السلطة والثّروة تعميةً لواقع حرمان أهلهم من كليهما.  فعلى سبيل المثال لم تخلُ حكومة منذ الاستقلال وحتى الآن من المثقفين الجنوبيين، في الوقت الذي لا يغالط فيه إثنان أن نصيب الجنوب من السلطة والثّروة لم يتغير البتّة عبر كل هذه السنين. حتّى إنقلاب الإنقاذ في عام 1989م شارك فيه ثلاثةٌ منهم. ومثال آخر يوضّح المسألة ما عليه إقليم النوبيين في الشمال و إقليم أهلنا البجا في الشرق؛ فكلاهما يعاني من التهميش المزدوج. فبينما قبع البجا بأرضهم، اضطُّرّ النوبيون إلى هجرة بلادهم إلى درجة خلوّ الإقليم في بعض قراه من السّكان. وكلا المجموعتين مهددة في تراثهما وهويتهما من حيث احتمال زوال لغتيهما، إضافةً إلى فقر إقليميهما. من جانب آخر، إذا أحصينا عدد النوبيين الذين شاركوا في الحكومات منذ الاستقلال وحتى اليوم، مقارنةً مع ما عليه حال البجا، فإن الصورة ستعكس مفارقة ضخمة في ظاهرها، واحدة في جوهرها. إذ قلّما نجد نظام حكمٍ لم يشارك فيه وبصورة أساسية أشخاص يعودون في جذورهم العرقية و/أو الثقافية إلى النوبيين، فضلاً عن بعض رؤوس الحكومات مثل عبدالله خليل والنميري والصادق المهدي والزبير، ناهيك عن الوزراء الذين ربما لا حصر لهم، الظاهر منهم والخافي. بخصوص البجا، فإن العدد قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، والمتّفق عليه بينهم عامةً هو عدد ستّة وزراء منذ الاستقلال وحتّى اليوم. لكن يبقى السؤال: بماذا انتفع النوبيون من كثرة عدد الوزراء والرؤساء ممن يعودون في خلفياتهم العرقية والثقافية إليهم؟ هل قامت تنمية في بلاد النوبة؟ لا! فقد حازت تلك الصفوة النوبية كلا السلطة والثروة، فهل تقاسمتها مع عامة الشعب النوبي؟ الإجابة لا أيضاً! من الملاحظ أن تلك الصفوة فيما تنزّلت من أجيال تنشّأتها وربتها، قد ابتعدت عن أهلها ثقافةً وموطناً، فقد استعربت وتأسلمت تماماً، فلا أبناؤهم يتكلمون النوبية ولا هم يعرفون في غالبيتهم شيئاً عن بلادهم وعن التهميش المزري الذي ترزح تحته. هذه الصفوة كما لو كانت قد باعت أهلها وبلادها من أجل السلطة والثّروة. فليت الأمر وقف عند ذلك، فقد وجد النوبيون المهمّشون أنفسهم في موقع الدّفاع عن أنفسهم باعتبار أنهم جزء من المركز الذي احتكر السلطة والثّروة، لا لشيئ إلاّ لأن بعضاً من أبنائهم الذين صرفوا عليهم من عرقهم ودمائهم قد باعوهم في سوق النخاسة السياسية. إن ما أفاد منه النوبيون من ذلك العدد الضخم من الرؤساء والوزراء يساوي ما أفاد منه البجا من ذلك العدد القليل من الوزراء، وهو لا شيئ. ولو انعكست الآية، لما تغيّر حال كليهما تهميشاً تنمويّاً وثقافياً.

إن المحتكم في هذه المسألة هو أن من تسلّم السلطة ينبغي محاسبتهم على ضوء البرامج الأيديولوجية التي بمقتضاها فعلوا ذلك، لا بمقتضى خلفياتهم الإثنية التي لا دخل لها فيما جرى. فحتّى الآن لم يتسلّم أيٌّ من أبناء البجا أو المناصير أو جبال النوبة أو النوبيين موقعاً سلطوياً باسم المجموعات التي يصدرون منها باعتبار أن ذلك الموقع يمثل جزءً من قسمة السلطة والثروة الخاصّة بالمجموعة. فمثلاً إذا استلم السلطة شخصٌ من الفور باعتباره عضواً في الجبهة الإسلامية انطلاقاً من أيديولوجية تمكين الدين وإعلاء راية الجهاد، ثمّ أثرى بعد ذلك عن فسادٍ زاخم، فضلاً عن بعض عمليات إبادة وتقتيل هنا وهناك، في الجنوب والأنقسنا إلخ، فكيف بالله نحمّل أهلنا في دارفور مسئولية هذا المارق؟

 

التهميش نوعان: تنموي وثقافي

إن الهامش ليس في جهة جغرافية بعينها (شمالاً كانت أو جنوباً، شرقاً أو غرباً أو وسطاً) دون غيرها، بل هو في كل مكان، ومن يغالط في هذا عليه أن يخرج مما يسمّى بالمناطق الحضرية عدة كيلومترات فقط ليرى التهميش بأم عينه. كما لا يصبح الهامش وقفاً على مجموعات إثنية بعينها دون أخرى. وهذا هو مناط القول بأن الهامش ليس جغرافياً كما ليس عرقياً، بل هو سلطوي [محمد جلال هاشم، تحت الطبع]. إلاّ أن التهميش يجري على نوعين: بسيط ومركّب. التهميش البسيط ذلك الذي ينحصر في الحرمان التنموي والاقتصادي. في هذا يتساوى جميع السودانيين بمختلف ثقافاتهم وأقاليمهم باستثناء صفوةٍ منهم يشكلون المركز وينتمون إليه. أمّا التهميش المركّب، فذلك الذي يجمع بين الحرمان التنموي والحرمان الثقافي ممثّلاً في توجّهات الدولة الأيديولوجية لمحق الهويات غير العربية وقتل لغاتها. في هذا كان التهميش الثقافي مدخلاً للتهميش التنموي، إذ جعلت مؤسسة الدولة الاستعراب مقابلاً للأفرقة، ومن ثمّ قامت بإعلاء الهوية العربية وإزراء الهوية الأفريقية. وقد كان من أثر هذه التكتيكات الأيديولوجية أن وجدت المجموعات الأفريقية (التي تعاني من التهميش المزدوج تنموياً وثقافياً) نفسها في الدرك الأسفل عرقياً، وثقافياً، واجتماعياً وسياسياً، الأمر الذي يستوجب منها عملاً موحداً، ولو تفاوتت درجات تهميشهم وتعرّضهم للاضطهاد.

       

التقسيم الخطي: تكتيكات الخداع

في سبيل تأمين تحكّمه على مؤسسة الدولة وعلى رقاب العباد، اتّبعت الصفوة المهيمنة على المركز العديد من الحيل. من ذلك تقسيم السودانيين إلى مجموعات خطية متقابلة: الأفارقة السود العبيد مقابل العرب الشرفاء؛ ثم العرب نفسهم يتم تقسيمهم إلى عدة مجموعات متقابلة، مثل الأشراف وأبناء القبائل العاربة مقابل الأعراب البدو. هذه التقسيمات الخطية القائمة على العرق تقابلها تقسيمات أخرى قائمة على الجغرافيا بتحميلات عرقية لا تخفى: الشمال (عربي، مسلم) ضد الجنوب (أفريقي، مسيحي)، أولاد الغرب (الغرّابة) ضد أولاد البحر (أولاد البلد، أي أولاد العرب). روّج المركز الذي سيطر على مؤسسة الدولة لهذه التقسيمات حتى أصبحت بمثابة مفاهيم نمطية فشت في ثقافة وسط السودان النيلي وشماله. إن الغرض من هذه التقسيمات هو تحييد أكبر قدر من المجموعات المهمّشة، ريثما يتمكن المركز من احتواء مجموعات بعينها تشكّل تهديداً مباشراً. إن التقسيم الأيديولوجي الحقيقي الذي يعكس هذا الوضع هو تقسيم دائري: مركز يحيط به هامش، وليس التقسيم الخطي [لمزيد من التفاصيل، يراجع: محمد جلال هاشم، 1999].

 

الحرب الأهلية: حرب الهامش ضد المركز

لقد استمرت هذه العملية لزمن طويل حتى وصلت في النهاية حد التمييز العنصري والاضطهاد، ولهذا نهضت المناطق التي وصلت حدّاً لم يمكنها معه تحمّل المزيد من هذا الاضطهاد بوجهيه الثقافي والتنموي، فقاومت بضراوة بلغت الآن مستوى الحرب الأهلية. إن وتيرة اندلاع الحرب الأهلية تتساوق طرديّاً مع درجة التهميش والاضطهاد، فقد بدأت في الجنوب فجبال النّوبة والإنقسنا، فالشرق ثم دارفور و عموم الغرب. ولنلاحظ أن الحرب في الجنوب بدأت عام 1955م، بينما لحقتها جبال النوبة والأنقسنا بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود. هذا لأن جبال النوبة والإنقسنا كانتا لا تزالان تحت التحييد، فالتقسيم الخطي (شمال ضد جنوب) كان لا يزال تأثيره عليهما سارياً؛ ثم بعد ذلك جاء أهلنا في جبهة الشرق ثم في دارفور ... وهكذا إلخ. والآن هاهم النوبيون، وهاهم أهلنا المناصير قد بدأوا في حراكهم، وحتماً سيلحق بهم آخرون إلى أن يكتمل تفكيك ماكينة التمركز والتهميش.

 

الكتاب الأسود والرؤية المقلوبة

لقد وقع الكثير من المثقفين السودانيين في شرك النظر إلى التهميش من زاويته الرقمية غير المنهجية، فأضاعوا جهدهم وجهد غيرهم فيما لا طائل من ورائه غير تغبيش الرؤية. إلاّ أن هذه الرؤية الرقمية السطحية للتهميش توّجت فيما عُرف بالكتاب الأسود [2003]، وذلك في سبيل نصرة قضية دارفور، وهي رؤية تضرّ بمسيرة نضال القوى المهمّشة، ذلك لأنها تشوّه الواقع أكثر مما تعكسه. وبدءً نشير إلى أن الكتاب قد انبنى على منهجيةٍ فضائحية، متحاملة لونياً وعرقياً، في تناوله للتهميش من حيث مسمّاه. وفي هذا كشف كُتّابُه، في أحسن الاحتمالات، عن تبعيةٍ غير نقدية وغير راشدة لأيديولوجيا المركز التي تحطّ من قدر كل ما هو أسود في بلد السّود الذي اسمه السّودان. إن هذه الأخلاقية الفاشيّة التي تُزري باللون الأسود تكشف عن الخلفيات الأيديولوجية التي قدم منها حاكةُ الكتاب، ألا وهي الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، وهي أيديولوجيا تواطأ معها المؤلّفة قلوبهم ممن حاكوا الكتاب الأسود. فمثلاً لتبيان وجهٍ من أوجه الخطل التي انبنى عليها الكتاب يمكن أن نشير، مثلاً، إلى أبناء دارفور الذين انخرطوا في سلك الجبهة الإسلامية المسئولة الأولى عن هذا النظام وعن سياسات التطهير العرقي التي اتّبعها في دارفور وقبلها في جبال النوبة والأنقسنا والجنوب، أكثر عشرات، عشرات المرّات من أبناء المناصير أو البجا أو النوبيين. فهل معنى ذلك أن نحمّل هذه الكوادر مسئولية الإبادة التي لحقت بأهلهم في دارفور؟ إن سياسات التطهير العرقي القائمة على العنصرية من حيث العروبة والأفرقة، متجذّرة في بنية مؤسسة الدولة منذ قيام سلطنة سنار عندما أصبحت تستند في مشروعيتها الفكرية على الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وقد انطوت تلك الأيديولوجيا على منزلق سلوكي خطير، به أصبحت الدولة تتحدّر انزلاقاً يوماً بعد يوم. وفي هذا نشير إلى حقيقة أن التطهير العرقي بدأ في دارفو بمذبحة الضعين عام 1987م في ظل حكم الصادق المهدي، أي في الديموقراطية الثالثة [محمد جلال هاشم، 2005]. واليوم لو كان أبناء دارفور ممن بدّد سني شبابهم وكهولتهم في تبعيةٍ عمياء لدولة الجبهة الإسلامية المارقة، على سُدّة الحكم لما أجدى ذلك أهلهم فتيلا من حيث إمكانية تلافي التطهير العرقي، ذلك لأن هذا المنزلق، دون إعفاء الأفراد القائمين به من المسئولية، متأصّل في بنية مؤسسة الدّولة. ولعلنا لا ننسى أن مذبحة المساليت عام 1995م، والتي بدأت بها فعلياً موجة التطهير الأخيرة في دارفور، قد تمّت والوالي أحد أبناء المساليت. ومع ذلك ما انتفع المساليت من ذلك شيئاً.

ولعلّ مثل هذا النهج الجائر هو الذي انتهى بقادة المؤتمر الشعبي (أي نفس الجبهة الإسلامية المارقة في ثوب جديد) ومن والاهم من أتباعهم بحركة العدل والمساواة إلى إحالة مسئولية التهميش إلى مجمل مجموعتين ثقافيتين هما الدناقلة والشايقية، أو النوبيين [راجع تصريحات خليل إبراهيم خليل في قناة الجزيرة www.aljzeera.net/channel/aspx  في "لقاء اليوم" بتاريخ 22/11/200، وما ذلك إلاّ لأنهم ارتأوا أن أبناء هاتين المجموعتين ممن انخرط في سلك هذه الحركة المارقة، جرّاء الاستقطابات الناشبة فيها، قد وحّدوا صفوفهم باعتبار أنهم شايقية أو دناقلة. وهكذا أدّى بهم غياب الرؤية الناهجة إلى الاعتقاد بأن المجموعتين الثقافيتين في مجملهما مسئولتان عمّا حاق بهم من تجريدٍ للسلطة ووخيم عاقبةٍ بين عصابة السُّرّاق. ولا يفيدهم في هذا القول بأن عصابة المتآمرين من دناقلة وشايقية قد شرعوا في توسيع أحلافهم من ذوي القربى تسلّطاً وإثراءً. فذلك ما استنّته هذه الحركة بنفسها عندما جعلت من المحسوبية، عن قرابةٍ كانت أم عن أيديولوجية، سياسةً معترفاً بها من الدولة.

أجدى من ذلك أن ننظر إلى التهميش في بعديه التنموي والثقافي، فإذا وقعنا عليه ما التفتنا إلى كم عدد المثقفين من ذلك الإقليم المهمّش ممن ارتضى أن يبيع أهله طمعاً في السلطة وبدرةٍ من مال السُّحت. بعد هذا يمكننا أن ننظر إلى الواقع المعاش من حيث التمتّع النسبي بالسلطة والثروة الذي فازت به  بعض الأقاليم على حساب البعض الآخر، خاصةّ النيلية منها، إمّا لقربها الجغرافي من مركز السّلطة والثّروة، أو لزيادة حصّتها من التعليم الأولي منذ عهد الاستعمار التركي المصري ، أو لمحاباةٍ من المركز في سعيه الدّائم لتحييد بعض قطاعات الشعب ذات السّكون الأيديولوجي الإسلاموعروبي وتحويل ذلك السّكون إلى تواطؤ، ريثما يتمكّن المركز من تدجين القطاعات الأخرى جامحة الأفرقة لغةً وثقافةً. هذه هي الرؤية الناهجة التي كان عليها شهيد الحرب والسلام القائد العظيم جون قرنق [يراجع في: الواثق كمير، بدون تاريخ]، وعلينا أن نقارن بين رشاد هذه وضلالة تلك. في هذا يتضح أن التعليم نفسه قد تمّت قولبته وتشكيله ليخدم أيديولوجيا الهيمنة والقهر التنموية والثقافية. ويشهد واقع النوبيين اليوم ـ على سبيل المثال ـ بهذا؛ فهم من أكثر المجموعات نيلاً للتعليم وفق هذه القولبة الجائرة؛ كما هم الآن، بفضل هذا، من أكثر المجموعات تعرّضاً للاندثار كمجموعة أفريقية لها لغتها وثقافتها وموطنها الجغرافي.

بهذا يمكن القول بأن المجموعات المهمّشة التي لم تنل حظّاً من التعليم بصورته الشائهة للهوية هذه، كالبجا مثلاً، لم تخسر الكثير. فبينما البجا الآن على بكرة أبيهم يطالبون برفع التهميش عنهم نضالاً مدنياً وعسكرياً، نجد النوبيين منقسمين على أنفسهم، غير مدركين في أكثريتهم الساحقة بما يحيق بهم من خطر داهم. ففضلاً عن أن هذه الأغلبية الساحقة ذاهلة، لا تدري على أي وجه قد وقع عليها التهميش، ها هي السلطة المركزية التي يسعى البعض لتحميل النوبيين إجمالاً مسئوليتها قد وجهت طعنة غادرة للنوبيين من الظهر وذلك عندما باعت الحوض النوبي للمصريين بغية توطين 15 مليون فلاح مصري تحت غطاء ما يعرف بالحريات الأربعة [راجع: مذكرة مجموعة العمل النوبي، 2004؛ جريدة الصحافة، 31/3/2004]. ولعلّ من الطريف أن نشير هنا إلى تصريحات عبد الرحيم محمد حسين، وزير الداخلية السابق، في القاهرة (يناير 2005) عندما حذّر من تنامي الأفرقة كمّاً وكيفاً في السودان جرّاء الهجرات المستمرّة من غرب أفريقيا، بينما توقفت الهجرات من الدول العربية، داعياً المصريين إلى التسريع بالاستيطان في شمال السودان حلاًّ لمشكلة الانفجار السكّاني [راجع ذلك في: www.ahram.org.eg/archive/Index.]. لعلّنا سننتظر حتى يشرع هؤلاء الفلاحون بعد أن يتمّ توطينهم في قتل النوبيين الآمنين، لنسمع بأن عامة النوبيين قد اكتشفوا بأنهم ضحايا آلية جهنمية تعمل تهميشاً للريف السوداني عامةً، ومحقاً للمجموعات الأفريقية ثقافةً ولغةً وكياناً، ثم إبادةً كنهاية طبيعية لهذا المنزلق.

 لكن، تُرى هل سننتظر كل هذه السنين حتّى تكتشف القوى السياسية أيضاً ما يحيق بالنوبيين وباقي المجموعات المهمّشة كالمناصير وغيرهم، ثم بالسّودان؟ أوليس من المؤسف أن الإقرار بأن مجموعةً ما تقع داخل دائرة التهميش لا يتحقق إلاّ بعد أن تُسفك دماء الأبرياء من المجموعة، والذين غالباً ما يكونون من الأطفال والنساء؟ فحتّى الآن لم تجرؤ أي قوّة سياسية على التّطرّق لموضوع بيع الحوض النوبي ولو من باب المجاملة. هل ذلك خشيةً من مصر التي ـ بعد اعترافها بالانقلاب الإنقاذي حتى قبل أن يعترف به مدبّره الترابي ـ قد احتضنت المعارضة؟ هل كان ذلك تدجيناً للمعارضة، خاصّةً التّجمّع؟ يبقى أن نسمع منهم.

 

 

توحيد قوى الهامش

جبهات الشرق والغرب: رأس الرمح

إن جبهة الشرق وحركة تحرير السودان، بوصفهما رأس الرمح حالياً فيما يخص المجموعات المهمّشة في مجالي السلطة والثروة يمكنهما أن تلعبا دوراً حاسماً في توحيد قوى الهامش. لقد نهضت مجموعات الهامش، كلٌّ على حدة، مطالبةً بحقوقها دونما تنسيق، محكومةً في ذلك بعوامل موضوعية وأخرى ذاتية. ولا تزال حتى الآن ينقصها هذا التنسيق. والآن، عندما تنضمّ إلى هذا الرّكب مجموعات أخرى مهمّشة كالنوبيين والمناصير لتُكْمِلَ الطّوق (شمالاً، جنوباً، غرباً، وشرقاً)، ينبغي لها أن تلعب دوراً حاسماً في كسب هذه المعركة. إن على جبهة الشرق وحركة تحرير السودان أن تعملا سويّاً لتوحيد قوى الهامش في الغرب والنيل الأزرق والأنقسنا وجبال النوبة والشرق والشمال. فتوحيد قوى الهامش يمثّل ضرورة للسودان أجمع في صراع القوى المهمّشة لنيل حقوقها، الأمر الذي تبيّن أنه لن يتمّ إلاّ بتفكيك ماكينة التمركز والتهميش. إن هذه الوحدة، فضلاً عن كونها ستشكل الأغلبية الكاسحة إذا ما تحققت، تقلب المائدة على التكوينات السياسية الكلاسيكية، من يمين ويسار ووسط إلخ، والتي تبين أنه لا فرق بينها جوهرياً وذلك عندما تبلغ الاستقطابات السياسية والأيديولوجية ذروتها، وما التجمّع إلاّ أوضح مثال في هذا.

 

إستراتيجيات الوحدة

 لقد لفتت العديد من مجموعات الهامش أنظار العالم إلى قضاياها، فمنها من حسم أمره ومنها من لا يزال حتى الآن في طور المفاوضات. لكن هذا لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن تلك التي لا تزال في المُربّع الأول، كالنوبيين في أقصى شمال السودان وكالمناصير، ثم كل المجموعات الأخرى والتي لا بدّ أن تكتشف تهميشها عمّا قريب فتلحق بالركب. ولكن خطوة كهذه لا يمكن أن تتم إذا ما زلنا ضحايا الإلتباس الناجم عن التمفصل الخطي الذي ينظر للمسألة باعتبار أن الشمال المتميّز هو الذي جنا علي الهامش، وهي النظرة التي جعل منها المؤتمر الشعبي الآن محوراً لخطابه الجديد في سلسلة تقلّباته السياسية وتلوّناته الأيديولوجية. إن ما يُخشى هو أن تحسم كل مجموعة هامشية قضاياها بمعزل عن المجموعات الأخرى، لأن ذلك يمكن أن يُفضي إلى نصرٍ كاذب بأن تُعزل كلّ مجموعة عن الأخرى كيما يسهُل أكلهم كل واحدة على حدة. ما هو أسوأ من ذلك أن تجد كل مجموعة نفسها في النهاية وحدها في ميدان المعركة تواجه أكثر من عدو خارجي في سياق الخط الأمريكي الرامي لتفتيت وتفصيص الدول ذات المساحات الجغرافية الكبيرة، ما يعني ذات الفاعليات والموارد النهضوية الكبيرة [لمزيد من التفاصيل، يراجع: محمد جلال هاشم، تحت الطبع]. لذا تذهب هذه الورقة إلى أن مدخلنا للنضال من أجل حقوقنا يتمّ عبر توحيد قوى الهامش. هذه الوحدة ينبغي تبدأ بالمجموعات المهددة تنموياً وثقافياً أولاً، ولا يحسّ بالنار إلاّ من يطأها بقدميه. بعد ذلك على هذه الوحدة أن تنهض على أرض صلبة من المبادئ قوامها الديموقراطية القائمة على الاعتراف بحق المجموعات الثقافية في التنمية والحفاظ على هويّاتها، ثم على العلمانية القائمة على فصل الدين عن الدولة ورفض كل أشكال استغلال الدين لتسويغ الأفكار الفاشية مثل تلك التي رفد بها تنظيم الجبهة الإسلامية المارق على الديموقراطية والتي تآمر ضدها ليقيم النظام الفاشي الحالي الذي ارتكب الإبادة ضد أهلنا بالجنوب وجبال النوبة والأنقسنا والشرق، ودارفور.

 

تكتيكات الوحدة

إن توحيد قوى الهامش ينبغي أن يمرّ عبر بوابة المجموعات المهمّشة تنموياً وثقافياً، أي تلك التي تعاني من التهميش التنموي كباقي المجموعات السودانية، ثم تزيد على ذلك بمعاناتها من التهميش الثقافي ممثلاً في ضياع اللغة والهوية. في الجانب الآخر، وبما أن المجموعات المستعربة التي مورس التمركز والتهميش باسمها، لم يكن حظها أفضل تنموياً، فإن هذا الأمر يستوجب منها أن تسارع باكتشاف تهميشها ومن ثم الوقوف في خندق واحد مع باقي القوى الأفريقية المهمشة، وذلك في سبيل تفكيك مركزية الدولة وسياساتها التهميشية. إن المعركة الحاسمة في مناجزة الدولة المركزية قد تجري داخل شوارع العاصمة المثلّثة وأحيائها التي جذبت إليها أهلنا المهمّشين لامتصاصهم وتذويبهم ومن ثمّ إعادة إنتاجهم ثقافياً كما تجذب الثقوب السوداء إليها كائنات الكون فتحيلها إلى العدم.

في هذا لا يملك المرء إلاّ أن يشير إلى الإمكانات السياسية والفكرية الهائلة التي تنطوي عليها هذه الوحدة. في هذا سأضرب مثالاً واقعياً متّخذاً من مناطق مثل الكلاكلات والحاج يوسف نموذجاً، وذلك لاكتظاظها بأهلنا من جميع أقاليم السودان، مثل مناطق أخرى كثيرة بالعاصمة. إن تحالفاً يجمع أهل الجنوب مع أهلنا بدارفور مع أهلنا من جبال النوبة مع أهلنا من منطقة المناصير، مع أهلنا من منطقة النوبة بشمال السودان، مع أهلنا من منطقة الأنقسنا وصعيد النيل الأزرق، مع أهلنا من جبهة الشرق، فضلاً عن القوى المستنيرة من باقي أقاليم السودان .. إن تحالفاً كهذا، فضلاً عن أنه سيكتسح أيّ انتخاباتٍ تُجرى في بحر أيامنا القادمة، سيقلب الموازين على كل الأصعدة. فهو أولاً سيفرز الكيمان أيديولوجياً، بصرف النظر عن مسمّيات اليمين واليسار والوسط التي لم تجدنا فتيلا. ثانياً سيظهر هذا التحالف من هم الأغلبية ومن هم الأقلية على أرضيةٍ من الواقع صلبة. ثالثاً ستتوفّر ولأوّل مرّة منذ قيام دولة الفونج الفرصة الحقيقية لتفكيك ماكينة التمركز والتهميش إلى غير رجعة، ليقف السودان ولأول مرّة منذ 500 سنة على قدميه الحقيقيتين، مارداً أفريقياً يتكلّم بأكثر من مائة لغةٍ معترفٍ بها من الدولة من بينها العربية والإنكليزية.

بهذا، وبهذا وحده يمكن لقوى الهامش أن تصنع التاريخ والمجد، وهو تاريخ قد صنعته منذ الأزل وباقي الأمم لمّا تصحُ بعد من سباتها. إن المدخل إلى هذا المجد أن تتّحد قوى الهامش أولاً، وهي وحدة نراها قريبة من حيث إمكانية تحقّقها؛ بعد ذلك على قوى الهامش أن تُلقي بكلّ ثُقْلها خلف الحركة الشعبية، رائدة نضال القوى المهمّشة، لكسب جولة الانتخابات القادمة. في هذا ستحتاج القوى المهمّشة إلى رؤية ناهجة للنهضة بها تَطْرِقُ الدّربَ عن بيّنة لا تحسّساً وتلمّساً تتمثّل في الجمع بين الثقافة والتنمية.

 

التنمية والثقافة: المدخل إلى تفكيك آليات التمركز والتهميش

إن آليات التمركز والتهميش لا يمكن أن يكتمل تفكيكها، حتى إذا تمّ تفكيك عرى هذا النظام الفاشي، إلاّ إذا ما تمّ ربط الجانب التنموي مع الجانب الثقافي في عملية مركبة واحدة دون فصل بينهما. إن هذه الخطوة تستدعي النظر إلى المواطن التاريخية بالنسبة للمجموعات المهمّشة بوصفها أقاليم ذات خصوصية إثنية وثقافية، وبالتالي تنموية وسياسية، الأمر الذي يضعها جميعاً على قدم المساواة مع باقي المناطق المهمشة وما يتبع ذلك من التقسيم العادل للسلطة والثروة والحفاظ على الهوية واللغة. في هذا تذهب الورقة إلى ضرورة الاعتراف بحق كل المجموعات الأفريقية التي تعاني من التهميش المزدوج في تقرير المصير والحكم الذاتي، وأن تكون لكل واحدة منها حكومة إقليمية ببرلمان إقليمي وتتمتع بحق إرساء الاتفاقيات مع الجهات الخارجية بما لا يتعارض والسيادة القومية وذلك بغية توفير التمويل اللازم لمشروعات التنمية.

إن جعل التخطيط التنموي تخطيطاً ثقافياً معنياً بكل أدوات ومؤسسات الثقافة والوسائط المعرفية الأخرى من وسائل اتصال جماهيري، ومسرح ومهرجانات، يقوم على هذه النظرة والتي بدونها سينهدم الأساس المشروع لرفع الفقر والتهميش تنموياً وثقافياً. إن من حق أي مجموعة ثقافية أن تكون لها محطة إذاعة وتلفزيون تبثّ بلغاتها. كما من حق أي مجموعة ثقافية أن تكون لها صحف ومجلات بلغاتها أيضاً. إن كل هذا لن يتأتّى لهم إلاّ إذا تمكنّوا من دفع فاتورة هذه النهضة. فالثروة والرفاهية لا تهبط على الناس من السماء، بل يصنعها الناس بالرؤية الناهجة وبأيديهم وقوّة عزيمتهم. إن هذا هو ما يستوجب منّا النظر إلى أي المناطق الجغرافية ذات المجموعات الأفريقية التي عانت من التهميش المزدوج بوصف كل واحدٍ منها إقليماً قائماً بذاته وذا خصوصية ثقافية وتنموية وبالتالي سياسية.

 

تقرير المصير أم الانفصال

إنه لمن الخطأ الفادح أن يتعامل المرء مع مصطلحي "تقرير المصير" و"الانفصال" باعتبارهما مترادفين. ذلك لأن مفهوم تقرير المصير يقوم في أساسه على أن مجموعةً بعينها قد تعرضت للظلم التاريخي من قبل المركز، وفي سبيل رد هذه المظالم فقد أُعطيت الحق في أن تقرر مصيرها وكيف يكون أمرها داخل الدولة السودانية بنفسها، فإذا ما تمّ لها ذلك، استمرّت على الوحدة، وإذا لم يتمّ لها ذلك نزعت عندها للانفصال. لقد تعرّض الجنوب للظلم والاضطهاد لقرون وقرون؛ ومما زاد الأمر سوءً ذلك الإزراء بالعرق الأفريقي وباللون الأسود التي اتّسمت به الأيديولوجيا الإسلاموعروبية في السودان، أي بلد السود. ولم يقف هذا الإزراء أن بلغ حد التمييز العنصري، بل فاته ليتّحد مع مفاهيم مؤسسة الرق وارتباطها بأفريقيا السوداء دامغاً بذلك كل إنسان أسود، في بلد اسمه "السودان"، أي بلد السود، على أنهم عبيد [راجع أحمد سيكينجا، 1996].

لقد كانت هذه هي الأسس الأخلاقية التي قامت عليها نضالات قوى الهامش يقودها أهلنا في جنوب السودان لوحدهم لعقود وعقود، حتى لحق بهم الآخرون من أهلنا بجبال النوبة والأنقسنا، فدارفور والشرق دواليك، والبقية آتية. إزاء تعنّت الدّولة (الحامية الرئيسية للأيديولوجيا الإسلاموعروبية)، وإزاء الخسائر الجسيمة في المال والأرواح التي ظلّت تدفعها مجموعات الهامش، نزع بعضها نحو الإنفصال يأساً من هذه الدّولة السّودانية التي يقوم مشروعها الوطني على بوتقة الانصهار والتمركز والتّهميش. وهذه هو مأتي اللبس في الدمج بين المصطلحين. إننا لا ينبغي أن ننتظر حتى يبلغ الظلم والاضطهاد بباقي مجموعات الهامش ما بلغه بأهلنا في الجنوب. وهذا ما يستدعي المطالبة بحق كل المجموعات المهمّشة بتقرير المصير لتحدد موقعها من الإعراب في خارطة السودان الواحد، حتى إذا لم تُعطَ هذا الحق، حُقّ لها حينها أن تطالب وتواصل نضالها من أجل الانفصال.

أما أن يشرع بعض المثقفين بالترويج إلى أن على مجموعات الهامش بالمطالبة بالانفصال قبل ذلك، متّخذةً من المطالبة بتقرير المصير بوصفه مقدّمة طبيعية للانفصال، فإنه لا يعالج شيئاً، ذلك لأنه ينطوي على هروبٍ من المشكلة. فالمشكلة هي كيفية إدارة التّعدّد والتّنوّع الثّقافي والإثني من حيث توزيع السلطة والثّروة. فإن عجزنا عن إدارة هذه المشكلة وهي في إطار تشكيلاتها الكبرى (الجنوب، جبال النّوبة والإنقسنا، دارفور، الشّرق، والشّمال، ثم الوسط)، فإنّا سنكون أعجز عن أن ندير المشكلة وهي في إطار تفصيلاتها الدّقيقة. ذلك لأن الجنوب متعدّد ثقافيّاً أيضاً، كما هو الوضع في دارفور، وفي كل إقليم على حدة. فكأنّنا سنهرب من مشكلة التّعدّد، لنقع في ذات المشكلة لاحقاً. إن من يعجز عن إصلاح ساعة حائط، سيكون أعجز عن إصلاح ساعة يد. أهدى من ذلك أن نستعصم بوحدة السّودان كهدف إستراتيجي، ومن ثمّ نوحّد الجهود لتفكيك مركزية الدّولة.

إن برنامج الأحادية الثقافية هذا لم يعد الآن في صالح السودان، كما إنه لم يعد في صالح الثقافة العربية ـ الإسلامية نفسها. لكل هذا، آن الأوان كيما ننتقل ونتطور من مرحلة "بوتقة الإنصهار" إلى مرحلة "الوحدة في التنوع" حيث تتوازن  حقوق الجماعات والثقافات في الرفاهية والنماء. لقد دخل السودان منذ استقلاله وحتى الآن فى متوالية عددية من الفشل. فكل نظام حكم كان أفشل من سابقه ديمقراطيا كان أم عسكرياً. إن القاسم المشترك الأعظم لكل هذه الأنظمة كان ـ ولا يزال ـ هو عملية التمركز والتّهميش. عليه إن هذا الفشل هو فى الواقع فشل مشروع الأحادية فى إدارة أزمات بلد متعدد الثقافات [لمزيد من التفاصيل، راجع: محمد جلال هاشم: 1999].

 

السودان الجديد: الحرية والعدل والسلام

إن السودان دولة متعددة الثقافات والأعراق والأديان والألوان والأقاليم، مما يفرض علي مؤسسة الدولة أن تحترم وتدافع عن هذه الحقوق الأساسية. إلا أن مؤسسة الدولة في السودان تشكلت وفقاً لأيديولوجيا ثقافية ودينية أحادية، فكان أن تورطت بشكل مباشر في مجمل عمليات التمركز والتهميش، وما تبع ذلك من قهر واضطهاد ثقافي وعرقي وديني. إن الكثير من الفوارق والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في السودان ساهمت مؤسسة الدولة في صنعها وتكريسها. لا يمكن للإنسان أن يقبل بالقهر والدونية، وإن شروط الحياة الكريمة يجب أن تقوم على مبادئ الحرية والعدل والسلام التي تقوم على أساس أن الناس متساوون في الواجبات والحقوق التي يكسبونها بالمواطنة، دون اعتبار للعرق أو الثقافة أو الدين أو الوضع الاجتماعي، إذ لا سلام بلا عدل، ولا عدل بلا حريّة. إن أي توجه أو قانون يقوم على التمركز والتهميش، أو يؤدي إلى وضعية كهذه، لا يجوز أن يصدر من مؤسسة الدولة، بل ينبغي على الدولة أن تعمل على إلغائه. لذلك عندما تتبنى الدولة موقفا كهذا، يكون من حق المجموعات الأخرى مناهضة ومحاربة هذا الوضع الظالم لإزالته. إن التعايش السلمي لا يمكن تحقيقه وحراسته إلا من خلال دستور يراعي الحقوق الأساسية لجميع المواطنين دون تمييز عرقي أو ديني، ويؤسس للديموقراطية التعددية وحكم القانون وحقوق الإنسان وذلك بعد أن يتم تفكيك آليات التمركز والتهميش.

 

 

مراجع عربية

·        أبكّر آدم إسماعيل (1997)، جدلية المركز والهامش (3 أجزاء)، الخرطوم.

·        إنتصار الزين صغيرون (1999)، "معاني أسماء الالسودان القديمة ودلالاتها الجغرافية والثقافية"، ورقة مقدمة لمؤتمر الأسماء الجغرافية، اللجنة القومية للأسماء الجغرافية بالتعاون مع جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، قاعة الشارقة، الخرطوم، 6 ـ 8 أبريل.

·        حركة العدل والمساواة (2003)، الكتاب الأسود، الجزء الثاني.

·        عبد الغفّار محمد أحمد (1988)، قضايا للنقاش: في إطار إفريقية السودان وعروبته، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.

·        منصور خالد [1993]؛ النخبة السودانية وإدمان الفشل، جزءان، دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة

·        محمد جلال هاشم (1999)، منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديموقراطية في الثقافة السودانية، الخرطوم.

·        الواثق كمير (إعداد وتحرير) [بدون تاريخ]، جون قرنق: رؤبته للسودان الجديد: قضايا الوحدة والهوية، المجموعة الاستشارية لتحليل السياسات والاستراتيجيات، القاهرة.

مصادر أولية: مذكّرات وصحف

·        جريدة الصحافة، عدد 3892، 31/3/2004 (الصفحة الأولة)، عنوان: "طرح 6.1 مليون فدان في وادي حلفا أمام الشركات المصرية وفق عقود انتفاع طويلة الأجل".

·        مجموعة العمل النوبي (2004)، "المذكّرة المرفوعة إلى كوفي عنان بشأن بيع الحوض النوبي لتوطين ملايين الفلاحين المصريين)، الخرطوم، 18 أبريل 2004.

·         

مراجع إنكليزية                  

·        Hasan, Y.F. “ed.” (1971), Sudan in Africa, Khartoum University press.

·        (1973), The Arabs and the Sudan: from the Seventh to the Early Sixteenth Century, Khartoum University press, Khartoum.

·        Hāshim, M. Jalāl (2005), "Sudan Civil Wars in the National Context", a Paper presented in the 5th Conerence of Pan Africanism, 26-29 May, Windhoek, Namibia.

·        ………………….. (Forthcoming), To be or not to be: Sudan at Cross Roads, Khartoum.

·        Mazrui, Ali (1971), “The Multiple Marginality of the Sudan”, in Yusuf Fadl Hasan “ed”, Sudan in Africa, Khartoum University Press, Khartoum.

·        Sikainga, Ahmed [1996]; Slaves into Workers: Emancipation and Labour in Colonial Sudan, Modern Middle-Eastern Studies No. 18, Austin, Texas.

·       Welsby, D. “ed.” (2000), Life on the Desert Edge: Seven Thousands Years of Settlement in the                       Northern Dongola Reach of the Nile, Sudan Archaeological Research society, London.

 

مواقع شبكية

·       www.ahram.org.eg/archive/Index.asp

·       www.aljzeera.net/channel/aspx

·       www.ethnologue.org

 

 

 

 

* ورقة عمل قدمت في إطار "نداء لندن من أجل السلام والتنمية والعدالة في شرق السودان"، 17 سبتمبر 2005.

The London Call For Peace, Development & Justice in Eastern Sudan, 17 September 2005, Wech Community Centre, Harrow Road, Athens Gardens, Elgin Estate, London WG 3RZ

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved
 

Web designers/ developers:mardisco