header
 

 

الجنجـويــــد
قراءة في قصيدة "سرق الجنجويد غزالي"
للشاعر محمد المكي إبراهيم
  

بقلم محمد جميل أحمد*

إلى "ود المكي".... في عزلته البعيدة 

 

ربما كان الفرز الفني للنصوص الشعرية التي تشتق معناها الإنساني من مفردات الحرب  هو الرهان الوحيد لتأويل شعريتها الملتبسة. وبالرغم من التعقيد الكيميائي المنتج  لجماليات النص الشعري ـ ذك التعقيد الذي ينفذ من باطن الغياب إلى ظاهر التجربة الإنسانية للشاعر ـ بطريق يعجز الشاعر عن إعادة إنتاجها   كما هي ـ مرة أخرى ـ إلا أن أعظم تجليات المعنى الجمالي للنص (وهو معنى فوق البلاغة بكثير) هي تلك القدرة التي تشف عن تأويلها من ذات مفردات الحرب، دون أن تهدر الحربُ شعريتها. ذلك أن الفرق بين ما هو شعري، وبين ما هو خطابي آيدلوجي لا يعلق في الترتيب للقول عن الحدث والتجربة، بل في كيفية التعبير عن ذلك الحدث.

والبحث عن المعنى الشعري، على هذا النحو، لا يمتحن قدرة الشاعر في تخليص جماليات النص من حيثياته وسياقه الوضعي في اللغة والواقع فحسب ؛ بل إن هذا التحدي يجُبُّ، من طرف خفي، تلك التأويلات النظرية التي تدرج كتابة الشعر ضمن سياقات افتراضية تحد من حرية الخلق الشعري، التي لا تصغي إلا إلى منطقها الداخلي.

وهنا تـنشبك العلاقات الدلالية للنص في فضاء جمالي يحذف المقولات المجردة على نحو يغدو معه تجديد المتعة في تفاصيل النص المقروء أهم بكثير من تيماته المفترضة في اللغة والواقع. بمعنى آخر أن الذي يشد القارئ في متعة حقيقية هي تلك المعجزة الصغيرة للشعر حين يمس الكلمات والأشياء، سواء أكانت تلك الكلمات تتحدث عن أحداث كبرى كالحروب، أم عن شئون صغيرة وتفاصيل عابرة.

ذلك حين يدخل الشعر بالكلمات والأشياء في عالمه الحلمي، يقوض منطقها في قاموس اللغة والعالم، ويرهنها باستمرار لقوى سحرية من خارج الزمن الفيزيقي، بحيث يفيض تأثيرها، كلما أعاد القارئ تجديد النص،عبر القراءة المستمرة. وضمن هذا المنطق السحري للشعر تنتصر الكثافة على الكم، إذا أن التأثير لا يقاس إلا بتلك السلطة السحرية للكلمات. 

على هذا النحو تضغط قصيدة : ( سرق الجنجويد غزالي) للشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم، على مخيلة القارئ وشعوره حين يتأمل نسيجها الموحش، ولغتها الحوارية المضبوطة على أعصاب الضحية بأسلوب يشف عن ألم صاف، وينحت من الكلمات أهاويل تختزن في النص ما يفيض عنها ؛ فالحزن الساطع في نسيجها يوازي لمعان حركة السيف حين يقطع يد الضحية. وفي الأثناء يكتشف القاري كل ما يجعل ذلك الضوء القاسي وهجا تفيض عنه مفردات الخوف والوحشة والقسوة في لقطات مؤثرة. ذلك أن المعنى الإنساني العاري عن تداعيات الصنعة في هذا النص هو الذي يلقي على الكلمات دلالاتها الساطعة ؛ كالدم الذي يصبغ  الرمل في تلك  اللحظة حين يقطع (الجنجويد) يد الضحية من أجل الأسورة ؟!

يقول الشاعر على لسان المرأة / الضحية:

(قال لي فارس الجنجويد : هاتها

قلت أسورتي ؟

قال لي هاتها.

كنت وحدي

كنت خائفة ً

والمخيم كان بعيدا

والبنات اختفين وراء السياج).


منذ البداية يختزن الحوار المغلق للنص  علامات تشحن المعنى بما يغنيه عن فائض الدلالة الوضعية للاسم : (الجنجويد)، وهي مباشرة  تفجر اللحظة الشعرية، رغم تقشف الكلمات، واختزال الكثير من إشاراتها. فالحوار المغلق في الخارج يتحول  مونلوجا عنيفا في نفس الضحية عبر استرجاع  برقي يقفز على إيقاع الخوف، ويوازي لحظة النجاة بما يسمح لها بالخسارة والتسليم بالأمر؛ فحافز الضحية للنجاة هو كل ما كانت تجمجم به في لحظات المقايضة القاسية:

(كنت وحدي

كنت خائفة ً

والمخيم كان بعيدا

والبنات اختفين وراء السياج). 

 

لكن هذا البوح يكشف عن حالات أخرى تجعل تلك الضحية في مشهد نقيض لفعل السلب والنهب التي تقايض حياتها أمامه ؛ فالخوف، والمخيم،  والاختباء ، والسياج  كلها مفردات من قاموس  البؤس الإنساني، تنفي عن الضحية أن تكون في حال تغري بالسلب، وهذا المعنى يضع الضحية هنا في مشهد الطريدة التي يقع عليها الألم في محاولة النيل منها، وهي حالة تتماهى تماما مع حال الطريدة حين تعجز عن النجاة :

 (قلت خذها ؟

وبسطت يدي

سطع البرق من يده

ورأيت يدي وهي تسقط في الرمل هامدة ً

ورأيت غزالا يولي

ودم أحمر يصبغ الرمل حولي

قال لي فارس الجنجويد : أرفعيها) 

 

وعلى طريقة الشاعر في الإيحاء بما لا يمكن أن يقال على نحو خاطف، أو ما يعجز الوصف عن تحديده متعينا، يصور لنا حركة السيف السريعة ـ وهي تقطع يد الضحية لخطف الأسورة ـ بسطوع البرق، لكن الصورة هنا تقول لنا أكثر من الكلمات، حين نتأمل مصطلحات النص الخاصة في سياقاته التأويلية والسياسية ؛ فـ(الجنجويد)، و(الحرب)، و(اللجوء)، و(المخيم)، كلها مفردات تضيف لجماليات النص الذي يوظف العلاقة بينها شعريا، ما يفيض عن المعنى الإنساني للنص إلى المعني السياسي ؛ فحركة السيف السريعة هنا صورة من صورة الحرفية العالية في ممارسة العنف والقتل المتوحش . وقطع اليد من أجل الحصول على الأسورة يتجاوز بكثير معنى العنف إلى حالة  تقرن فعل (الجنجويد) حيال الضحية بفعل الصياد مع الطريدة  وهو معنى يحيل شرطه التأويلي إلى نظرة دونية من طرف الجنجويد للضحية،  بحيث تبدو المعاني السياسية في خلفيات مأساة (دارفور) ودلالاتها العنصرية واضحة من خلال هذا الحدث الرئيس في هذا النص.

لكن القصيدة  لا تتحدث عن ذلك  مباشرة، فالشعرية تضغط معاني النص بأقصى حمولاته المحايثة، عبر الإحالة الرمزية لكل الدلالات، بما في ذلك دلالة العنف و الدلالة السياسية التي تطابق مفرداتها مفردات النص دون أن يتحدث  عنها مباشرة.

لقد حرص الشاعر منذ البداية على خلق الصدمة الغنائية في النص، حين جعل الكلمة الأخيرة فيه علامة للسخرية السوداء، ولكنها في نفس الوقت تكثيف للقراءة الحارقة التي حاول الشاعر تصعيدها على نحو إنساني لذلك الحدث، وبصورة فيها الكثير من الغنائية الشفافة.

فالسخرية في قول فارس (الجنجويد) للضحية/ المرأة بعد أن قطع يدها ـ  :(أرفعيها) لا تضيف للحوار المغلق سوى تسلية عبثية  تليق بذلك القناع المتوحش للحرب، وتقع خارج المعنى الإنساني لحيثياتها.

ومع استحالة عودة اليد إلى مكانها بعد القطع ـ كما طلب (الجنجويد) ساخرا من الضحية ـ تستحيل الحرب كلها إلى أسطورة مخيفة تضع احتمالات الموت والحياة في موازاة النهب والسلب، وتختزل الصراع في مرجعية للعنف العاري.

هكذا وضع محمد المكي إبراهيم مفردات العنف والحرب والمأساة في شعرية خلاقة تضمر معنى أن يكون الشعر كشفا جماليا لقناع الآيدلوجيا السياسية التي توزع (الزجل الإنساني) ـ إعلاميا ـ  في أجندة الأطراف المختلفة، عن مأساة (دارفور) فيما تذهل عن يوميات الحرب والجنون والعبث، التي ينتبه لها الشعر وهو يصغي لضحايا الحروب في زمن منسي، فيحول مأساتهم  بقدرته السحرية من الهامش إلى مشاهد عصية على النسيان في ذاكرة الحروب، مثله مثل الفنون البصرية الأخرى التي خلدت الحالات الإنسانية الفردية ـ متجددة ً ـ عبر صور الكاميرا الضوئية والسينمائية بعد أن نسي الناس الحروب.

وربما كانت الطبيعة الغنائية للشعر الأمريكي المعاصر في هذا النص من أثر إقامة الشاعر في بلاد العزلة السعيدة، تلك الغنائية التي تختزن الحزن والجمال جميعا.   

 

 

 

* محمد جميل أحمد، كاتب سوداني مقيم في السعودية. له رواية بعنوان "بر العجم" صدرت  بدمشق (دار الحصاد)، 2007 ، وكانت الرواية قد فازت بالجائزة الثانية في مسابقة جائزة الطيب صالح في دورتها الثالثة العام 2005.

 

      

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS 2005
Copyrights 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco