header
 

الخفاء ورائعة النهار: موجهات القراءة وعتبات النص

وصف وقراءة الأغلفة والعنوان

عثمان تــراث

لرواية الخفاء ورائعة النهار، للقاص والروائي السوداني فيصل مصطفى، في طبعتها الأولى، غلاف خارجي أمامي وغلافان داخليان، ثم غلاف خارجي أخير. وبين الأغلفة الأربعة فروق شكلية ودلالية لابد من الوقوف عندها وعند عنوان الرواية، كموجهات قراءة، وعتبات هامة للدخول في النص. وتخبرنا هذه الطبعـة إن مصمـم الغلاف - ويبدو أن المقصـود به الغلاف الأول - هـو (إبراهيم الفاضل)، أي أنه شخص أخر غير المؤلف، وبالتالي يعتبر هـذا الغلاف، وبقيـة الأغلفة - التي يُفترض أيضاً أن مصممها هو غير المؤلف - موجهات لقراءة الرواية، فيما يُعتبر العنوان عتبة للدخول إلى متن الرواية.

1- الغلاف الخارجي الأمامي:

الغلاف الخارجي الأمامي لرواية "الخفاء ورائعة النهار" ازدحم بالألوان، والخطوط، والكتل، في عمل تشكيلي إيضاحي Graphic Design، احتل كل مساحته، وساهم في تشكّله نوعان من خـط اليد العـربي، همـا خـط النسـخ، وخـط حـر free hand، توزعان بأحجام مختلفة في أنحاء الغلاف، ولعبا دورا واضحا في ضبط إيقاع التصميم وخلق توازنه. ويُخبر هذان النوعان من الخط بجـمل ثلاث، هـي بالتـرتيب مـن أعلي إلى أسفل: "روايـة سـودانية"، "الخفاء ورائعة النهار" ، "فيصل مصطفي".

وفي بحث المتلقي عن الرسالة الكتابية التي يحملها الغلاف، تترشح (جملة) "رواية سودانية" لأن تكون أول ما يلفت انتباهه، فهذه الجملة ظهرت في الركن الأعلى الأيمن من الغلاف، وهو موقع متميز: يشبه موقع العناوين في الكثيـر مـن المطبوعات العربيـة، وغالبـاً ما تتوجـه إليـه تلقائياً، عينا القاري منذ الوهلة الأولي. وهي، كذلك، ظهرت بخط أسود داكن علي خلفية باهتة فاتحة الألوان، لدرجة تقرب من البياض، فكانت، وفقاً لكل ذلك، النص المكتوب الأبرز، مقارنه بمعظم المفردات المكتوبة في نفس الغلاف، والتي بدت وكأنها تبذل جهدها للظهور، وربما للتخفي، وسط زخم الخطوط والكتل والألوان.

ومع ذلك فان مفـردة "الخفاء"، ورغـم اتخاذها ركناَ قصياً في أسفل الغلاف، استطاعت أن تنافس بقـوة (جملة) "رواية سودانية" في جذب نظر المتلقي، من خلال ظهورها بحجم أكبر كثيراً من حجم تلك الجملة وبقية النصوص الكتابية، وعبـر ظهورها بلون ناصع البياض على خلفية كاملة السواد، في تضاد لونيContrast هو الأكثر حدة ووضوحاً بين مفردات الغلاف التشكيلية.

إذا حوّلت نظرك من النصوص المكتوبة إلي باقي أجزاء الغلاف، فغالبا أنك ستنتبه أولا إلي كتلة سوداء كبيرة تشكل رسما واقعيا لـصورة معتمة لرجل واقف، ربما تكون ظلاً منعكساً على مساحة رأسية، وهي أقرب ما تكون إلى السلويت Silhouette. ولذلك سنطلق عليها في بعض مواقع هذه الدراسة مصطلح (سلويت) لتقريب الشكل الذي ظهرت به.

هذا السلويت لرجل يظهر نصفه الأعلى من الرأس وحتى الخصر، يبدو شاباً، رأسه مرفوع قليلاً، وقليلاً يميـل ناحـية اليسـار. ولكنك لا تـدرك، بالضبط: أهو في مواجهتك (مواجهة المتلقي)، أم يعطيك ظهره ويحدق نحو أفق بعيد؟

ذلك الأفق بادٍ في أعلى الغلاف. ويظهر وكأنه ضوء أبيض فاقع مشوب بألوان باهتة جداً. يمتد هذا الضوء مشكّلاً حزاما عريضا مائلا من أقصى يمين الغلاف إلي أقصى يساره، ولكنه يزداد سطوعا حول رأس الرجل الواقف، وكأنه يشع من ذلك الرأس رغم سواده. وقد ساعد ذلك السطوح رأسَ الرجل في أن يبدو أكثر وضوحاً وتحديدا وسط شريط الضوء الفاقع.

ذلك الضوء تدنوه مساحة واسعة داكنة يسيطر عليها الأخضر الغامق الذي تخف كثافته، في بعض المواقع، بفعل البني الفاتح وقليـل مـن الأصـفر. والأكثـر دكنـة في هـذه المسـاحة هـو أجـزاء سلويت الرجل من العنق وحتى أسفل الصدر.

وبدون مقدمات ظاهرة، وفي غياب أي تدرج هارموني واضح، يفاجئ اللونان: البني الغامق والأصفر الفاقع، الأخضر في تلك المساحة الواسعة، فيقطعان عليه، بخط شبه مستقيم، فرص الانسياب إلى الأسفل والإحاطة ببقية السلويت، ويتوليان مسؤولية الإحاطة بالجـزء الأسـفل المتبقي منه، من أعلى مرفق اليد وحتى الخصر.

ولكن هل تفاجأ الأخضرُ، فعلاً، بالبني والأصفر، أم إنه متواطئ معهما؟ أو كانا كامنين فيه فبعثهما للقيام بدور ما؟ وربما تمردا عليه. يبدو من المؤكد ان هنالك علاقة ما تربطهم ببعضهم البعض. والذي يدل علي ذلك أن هناك ما يشبه الشهاب، بدأ لونه أخضر، ثم تحول إلي أصفر وبني، وانطلق من حواف المساحة الخضراء الواسعة ليخترق سلويت الرجل الواقف من منطقة الذراع، في الناحية اليمني من الغلاف، ثم أسرع في شكل خط أفقي غير منتظم ليتوقف، تدريجيا، عند منتصف صورة الرجل، تحت الصدر، قليلاً، أو أسفل الظهر.

تحت ذلك الشهاب، أنتهك أصفر كثيف، وأخضر قليل، الكتلة السوداء لـسلويت الرجل، هابطا إلى أسفل مع بعض الحمرة، مشكلاً ما يشبه ظل الضوء على الماءٍ.

وهل هناك ماء؟ .. نعم، الجزء الأسفل من الغلاف/ العمل التشكيلي، يوحي بذلك. ولكنه ماء مختلف، يسيطر عليه الأخضر، بمشاركة حلفائه الأصفر والبني متعدد الدرجات، وتحده من الأعلى وناحية اليمين حدود مستقيمة. ويخف لونه في الجزء الأقرب إلينا ليصل إلى ما يشبه لون الأفق الضوئي الفاقع في أعلى الغلاف.

فوق هذا الماء يطفو الجزء الأكبـر مـن عنــوان الروايـة: همــزة الألف الأخيـرة فـي كلمــة "الخفاء"، وكلمتا "رائعة النهار" بخط النسخ الأسود المحاط بهالة بيضـاء. أما الجزء الأول من العنوان وهو كلمة "الخفاء"، بدون همزتها، فقد جاء بخط حرfree hand عريض أبيض. وظهر جل رسم هذه المفردة على خلفية داكنة السواد، مستقيمة الحدود، تفردت بالسيطرة على كامل الركن أسفل يمين الغلاف. ونلاحظ، هنا، إن كامـل مفردة "الخفاء" تلتها نقطتان متتاليتان بنفس حجم خط ولون همزها، قبل مفردتي "رائعة النهار" اللتين التحم بهما واو العطف، واتخذ كذلك نفس نمط خطهما ولونها.

***

يُصنف التصميم الذي حمله الغلاف الخارجي الأمامي لرواية "الخفاء ورائعة النهار" ضمن بنية الفن التشكيلي التجريدي، ورغم أنه حمل بعض ملامح المدرسة التشكيلية الطبيعية، إلا أن هذه الملامح جاءت ضمن بنية تجريدية أشمل جعلت الكتابة النصية، الواردة في هذا الغلاف، جزءاً من تلك البنية له مساهمته الواضحة في تجريد العمل التشكيلي.

وإذا اعتبرنا أن انضباط سلويت الرجل الواقف، ومحاكاته للواقع، يشكل أوضح سمة طبيعية في تصميم الغلاف، فأن تلك السمة، إضافة إلى اكتسابها بعدها التجريدي ضمن البنية التجريدية الأشمل، فهي تكتسب، في حـد ذاتها، بعدا تجريـديا من خـلال اتخاذها لشكل السلويت، الذي يفتح الأفق واسعاً لارتحال خيالات المتلقي إلى ما يمكن ان تكون عليه ملامح ذلك الرجل، وحتى اتجاه جسده، وأسباب ودلالات وجوده في هذا الشكل، وفي هذا المكان الخيالي.

ويبدو الأمر كذلك أيضاً بالنسبة إلى الكتابة النصية الواردة في الغلاف ودلالات مفرداتها، وأوضح مثـل على ذلك إن مفـردة "الخفاء" التي تثير في الذهن دلالات مثل: عدم الظهور، الاختفاء، الغيب .. إلى غيرها من مفردات الحقل الدلالي الذي تستدعيه إلى الذهن، تبـدو في شـكلها وتصميمها، ضمن تصميم الغلاف، واضحة تماماً. فهي وردت بحجم خط كتابي هو الأكبر بين أحجام الخطوط التي كُتبت بها بقية مفردات الجُمل المكتوبة. وهي إضافة إلى ذلك جاء معظمها بلون أبيض على خلفية سوداء، مما جعلها أكثر ظهورا ووضوحا، رغم أن دلالة المفردة تقول عكس هذا الظهور والوضوح.

فهل يمكن أن نقرأ من ذلك أن الخفاء، الذي تتحدث عنه الرواية، هو خفاء ظاهر، باين، واضح؟ إذا قلنا ذلك فنحن أمام سمة شعرية جديدة، ربما يزيدها غموضا ولذة انفلات جزء من كلمة الخفاء، هو همزتها، للاستقرار في المساحة المجاورة، التي تشبه الماء الأخضر، في محاولة شجاعة، من تلك الهمزة، لاستعادة دلالة مفردتها، ومقاومة ظهورها المناقض لتلك الدلالة.

وبالمقابل من ذلك فان المعطوف عليه في عنوان الرواية: "رائعة النهار"، والذي يستدعي دلالة الوضوح والظهور، جاء بحجم أصغر كثيراً من حجم مفردة "الخفاء"، وبلون أسود محاط بهالة بيضاء على خلفية يشكلها خليط من الألوان. الأمر الذي جعل هذه الجزء من العنوان، مثله ومثل الجزء الأول المتكون من مفردة "الخفاء"، متجلياً في شكل مناقض لدلالته.

ويمنحنا تصميم الغلاف المـزيد مـن متعـة البصر، وفـرص التـأويل، مـن خـلال فصـله علامـة "الخفاء" عن علامة "رائعة النهار"، بالنقطتيـن المتتاليتين بعد همزة "الخفاء" مباشرة. وهاتان النقطتان لا يخفيان انحيازهن لمفردة "الخفاء" أو بالأقل لهمزتها، من خلال اتخاذهن لنفس حجم الخط الذي ظهرت به تلك الهمزة، ونفس لونها الأسود المحاط بهالة بيضاء.

إن النقطتين هنـا توحيـان بوقفة تجعلنا لا نقـرن دلالة "رائعة النهار"، سـريعا، بـدلالة "الخفاء"، حتى لا نظن أن الدلالتين متتابعتين تتابعا متصلاً وسهلاً، ونعتقد ان رائعة النهار ستعقب الخفاء، عاجلاً وبسهولة. فالأمر أكثر صعوبة ومشقة ويحتاج وقتاً، خاصة ان الخفاء أكثر ظهوراً وطغياناً، حسبما ظهر في الغلاف.

ومع ذلك وبما أن تلك النقاط، نقطتان وليست نقطة واحدFull stop، فإنهما يعطيان أيضاً معنى الاستمرار. وبالتالي فإن الوقفـة التي يفرضنها علين، ليست مسـتمرة، بـل مؤقتة ولحظية، فرائعة النهار، ولـو تأخـرت، فلابـد أنها سـتعقب الخفاء.

وإذا كانت النقطتان المذكـورتان، قـد انحازتا إلى "الخفاء"، فـإن حرف العطـف (الواو) بيـن "الخفاء" و"رائعة النهار" ورغم الدور الحيادي المتوقع منه، إلا انه أبى إلا أن يتعاطف مع الشق الثاني من العنوان، الذي طمسه التصميم وانحاز للجزء الأول على حسابه، فأتخذ ذلك الواو موقعه ملتصقاً بعلامة "رائعة النهار" وتسربل بنفس نوع خطها ونفس حجمه ولونها، في محاولة واضحة لدعمها وتقويتها في مواجهة "الخفاء".

إن الدور الدلالي الذي تقوم به مفردة "الخفاء" بالشكل الذي ظهـرت به، يقــوم بمثله سلويت الرجل: فهذا السلويت يخفي كل الملامح التفصيلية لصاحبه، ومع ذلك فإن حدوده هي الأكثر وضوحا وانضباطاً في الغلاف. الأمر الذي يسمح لنا بأن نرى ان هذا الرجل الواقعي الغامض، هو الأكثر وضوحا، وهو يشكل كتلة وحيدة، متميزة واضحة ومنضبطة الحدود. وعليه فهـو، أيضـاً، خفـاء ظاهـر بوضـوح.

أن الدلالات السائدة والمشهورة للونين الأسود والأخضر، اللذيّن يسيطران على تصميم الغلاف، دلالات مختلفة إلى حد كبير. فالأسود يستدعي في الذهـن، وهو يتعامل مع الكلام اليومي العادي، حقلاً دلالياً نجد فيه، غالباً، مفردات مثل: الظلام، الخفاء، الحزن، الغموض، الصعوبة، الحقد.. الخ. فيما يثير الأخضر دلالات أخرى مضادة، أو على الأقل مختلفة، مثل: العطاء، الحـرية، الجمال، الحياة، الخصب... الخ، وهذا الالتقاء بين الأسود والأخضر في غلاف الرواية يبدو أيضـا مشابها، بدرجة ما، لصياغة عنوانها: "الخفاء ورائعة النهار".

وإذا أدخلنا في الحسبان الألوان الأخرى، التي نازعت الأسود والأخضر سيطرتهما المطلقة، مثل البني والأصفر، وتأملنا في قدرة الأخيرين على اختراق بعض مساحة اللونين المسيطرين، فـان العمل التشكيلي/ الغلاف، سيفرض علينا مغادرة تلك الدلالات السائدة السهلة للأسود والأخضر، إلى دلالات أكثر تعقيدا وتداخلا. ثم تزداد درجة هذا التعقيد عندما ننظر إلى شكل العلاقات المتعددة بين ألوان الغلاف وتداخلها في بعض المواقع، وانفصالها عن بعضها البعض، بخطوط حادة مستقيمة، في مواقع أخرى.

هل نحن، إذن، أمام عمل تشكيلي يعبر عن واقع رديء ينتظر أملاً، ويحيطه خير محتمل، لا يخلو بدوره من احتمالات سوء ممكن؟

الراجح أننا في مواجهة خفاء ظاهر، أو حزن وظلام بائن. ولكـن في الأفق يبدو الضوء ظاهرا. ومع ذلك نحن لا ندرك تماما هل الرجل الواضح في قلب الغلاف (وهو يمثلنا) يتوجه نحو ذلك الضوء أو يعطيه ظهره؟ هل ذلك الضوء أمل قادم نتطلع إليه أم ماضٍ مشرق أدرنا له ظهورنا؟

ويبقى السؤال الأخير: هل الغلاف الخارجي الأمامي لرواية الخفاء ورائعة النهار يعبر عن ما ورد في الرواية ويحمل دلالاتها؟ وهل يتفق ما يرد في داخل الرواية مع ما يمكن أن يستدعيه ذلك الغلاف من دلالات؟

2 –الغـلاف الثانـــــــي:
الغلاف الثاني لرواية الخفاء ورائعة النهار عبارة عن ورقة بيضاء ناصعة، خالية تماما إلا من جملة صغيرة في أسفلها الأيسر: "الخفاء ورائعة النهار".

إذن نحن الآن في مواجهة بياض شبه شامل. صمت مفاجئ، ما أكثر حاجتنا إليه بعد صخب الغلاف الأول. استراحة ضرورية بعد جهود البصر والتفكير والتأويل التي يفرضها الغلاف الخارجي.

وهذا البياض يدعونا للكتابة، لتزيينه بالحبر. ويصل مبلغ كرمه أن يقول لكل قارئ: أكتب ما تريد، احتشد بما تشاء وأنت تدخل في هذه الرواية، فكل قولك هو هي. هو (الخفاء ورائعة النهار).

وبمعنى واضح، كوضوح (الخفاء)، يقول هذا الغلاف، إن هذا النص يرغب ويستعد لكل قراءة. أنه يعتبر أن كاتبه هو قارئه.

3- الغـلاف الثالـــث:

الغلاف الثالث ورقة بيضـاء أيضـا، لكـن هذه المـرة يتوسـطها عنوان الرواية وفوقه مباشـرة كلمة "رواية" وتحته اسم المؤلف، ثم جملة "صمم الغلاف إبراهيم الفاضل".

ربما يريد هذا الغلاف، بمظهره هذا، أن يقول: لقد اعتمدنا كل ما كتبه القارئ في الغلاف الثاني. وربما يريد أن يوجه الحرية التي أعطاها الغلاف الثاني للمتلقي، يرشّـدها للاهتداء بقـواعد ما يقرأه والمعلومات الأساسية عن هذا المقروء: إنه "رواية"، وهذه الرواية عنوانـها "الخـفاء ورائـعة النهار"، وكاتبها هـو "فيصـل مصطفي"، ومصمم غلافها "إبراهيم الفاضل".

وسواءً كان ما يحمله الغلاف الثالث اعتماداً لتسويد المتلقي لبياض الغلاف الثاني، أو توجيه له، فأن الرسالة التي حملها تميزت بحزم واضح، عبرت عنه حروف الكتابة الواضحة في مساحات مركزية من بياض الورقة. وهذا أمر أقل ما يفعله أن يوقظ القارئ من استراحة الغلاف الثاني، المكتظ بالبياض وبكثير من الصمت والهدوء، ويحفزه مجددا، يعيد إليه النشاط والفعالية للدخول إلى نص يحتاج قدراً كبيراً من التفكير ويثير قدراً مشابهاً من الانفعال.

4- الغـلاف الخارجي الأخيـــر:

الغلاف الخارجي الأخير لرواية (الخفاء ورائعة النهار)، احتوى أربع فقرات منفصلة عن بعضها البعض، وُضعت قبل بداية كل فقرة منها علامة الشَرطة (-) للتمييز بينها وبين بقية الفقرات. وقد علت هذه الفقرات صيغة: "هذا الكتاب"، الأمر الذي يخبرنا بشكل مباشر، إن تلك الفقـرات، هـي "هذا الكتاب"، الذي يتضمن رواية (الخفاء ورائعة النهار) مع أغلفتها. وواضـح هنا إن صـيغة "هذا الكتاب" لا تعني المعنى الذي أشارت إليه إلا مجازاً. وهي غالباً تعني أن الفقرات الأربع الواردة في الغلاف الأخير تشكل جوهر ما في الكتاب، أو أهم ما يود قوله، أو خلاصة هذا القول.. إلى غيرها من المعاني المشابهة.

هذه الفقرات الأربع يجمع بينها قاسم مشترك هو تحدثها جميعاً عن (روضه)، إحدى شخصيات الرواية. وبرصد أدق نلاحظ أن الفقرات الثلاث الأولى تم اجتزاؤها من أخر صفحـات الرواية، وتحديداً من الجزء رقــم ( 4) من الفصل الرابع والأخير، أما الفقرة الرابعة، فهي لم ترد في متن الرواية، وان وردت مدلولات تحمل دلالة منطوقها في نفس الفصل الرابع. واتبعت الفقرات الأربع تسلسلا، مـن أعلى إلى أسفل، يوحي بأنه يتابع تطور نظر (روضه) إلى الحياة، ودورها في هذه الحياة. وإذا حاولنا تحويل هذه الفقرات إلى جملة واحدة متصلة، من خلال إدخال بعض حروف ومفردات الربط، فإننا سنقرأ فقرة طويلة متصلة منطقياً، المحدد فيها بين أقواس هو ما ورد في الغـلاف بالنص:

"كان العالم أمام (روضة) متسعاً بلا حدود. وكانت الحياة تبدو لها حارة، عندما تحرِّك سطح السكون وتفض بكارة الطبيعة .. فـ "راحت تُسائل نفسها: ما أكثر النساء اللاتي يتشوقن للخروج، والمشاركة في مناهضة التخلف، بأضلاعه الثلاثة ورفع الوصاية". وقالت: "إنني أمتلئ عنفواناً، لابد أن أكون البادئة ... ألستُ ابنة عُبيد جمال الدين أحد رواد مؤتمر الخريجين الذين نافحوا الإنجليز، وقارعوهم حتى أجلوهم عن الوطن؟ .. وانطلاقا من ذلك "بدأت روضة جهاداً على الـدرب الطويل".

إن ما تضمنه هذا الغلاف الأخير، يُعتبر: إما موجه قراءة، أو عاقبة للرواية وخاتمة لها، وربما تمهيداً لما يأتي بعدها، باعتبار انه جاء بعد أخر صفحة من صفحات الرواية. كما لا يُستبعد أن يكون هذا الغلاف عتبة للدخول إلى متن الرواية، خاصة وان الكثير من القـراء يحرصون، قبل اقتناء أي كتاب، على قراءة ما هو وارد في الغلاف الأخير منه باعتبار انه يمثل تلخيصاً، أو إلقاء ضوء، على ما هو وارد في الكتاب، وما يتناوله من موضوعات، أو أهم ما جاء فيه.

وفي كل الأحوال، فان محتوى الغلاف الأخير، وباعتبـار ما ورد فيـه هـو "هذا الكتاب"، يرشــح (روضة) لأن تكون الشخصية المركزية، ويجعلها رمزاً للكيفية التي ينبغي التعامل بها مع القضايا التي تناولتها الرواية، وفي مقدمتها قضايا الحرية والاستقلال والفعالية، التي نرى أنها شكلت محور موضوعات الرواية ومركزها. وهو دور بالفعل لعبته روضة في داخل الرواية. ورغم وجود ثلاث شخصيات رئيسة أخرى يبدو إنهـا قاسـمت روضة هذا الـدور، هـي (عطا) و(وحكيم) و(نورا)، إلا ان هذا الغلاف يدعونا لتدقيق أكثر يمكن ان نكتشف عبره، ان "روضة" هي الشخصية التي تولت مهمة تعميق، أو ما يسميه الناقد حاتم الصكَر، "تبئير"، وجهة نظر السارد في ما يريد الحديث عنه وإيصاله إلينا.

كما يرشح هذا الغلاف الفصل الرابع والأخير من الرواية لأن يكون محور فصول الرواية، وأهمها، باعتبار أن ما جاء في الغلاف المذكور، تحت عنوان "هذا الكتاب"، تم اجتزاؤه من هذا الجزء، بما في ذلك دلالة الفقرة الرابعة التي لم ترد في متن الرواية بنصها هذا. وهذا ترشيح يؤكد سلامه محتوى الفصل الرابع من الرواية الذي وصلت فيه الحبكة ذروتها بمحاولة (نوفل) اغتصاب بنت (الخواجة مخالي)، كما تم فيه إيضاح ما آلت إليه مصائر شخصيات الرواية المركزية في زمن الحكاية.

5- عنوان الرواية:

عنوان الرواية الأولى لفيصل مصطفى، والذي يشكل العتبة الرئيسة للرواية، لم يخل كذلك من التجريد والشعرية والغموض. فهو، أولاً، لم يتكوّن من جملة كاملة، اسمية أو فعلية، بل تشكل في مجمله من معطوف هو مفردة "الخفاء" ومعطوف عليه، هو مفردتا "رائعة النهار"، الأمر الذي يسربل هذا العنوان بالغموض، مثله مثل الكثير من الروايات التي تحرص على اختيار مثل هذه العناوين لتعيين وإشهار نفسها باعتبارها عملاً إبداعياً وليس نصاً إخباريا عادياً.

وأتي عنوان (الخفاء ورائعة النهار)، بمتقابلين يوحيان بثنائية ضدية، ولكنه لم يعبر عن هذه الثنائية بالشكل السائد، فأورد متقابلين لا يسـتعملان غالباً ضمن الصـيغ القوليـة الاعتياديـة اليوميـة، إذ قــال: "الخفـاء ورائعة النهار". واليومي المعتاد أن نعبر عن مثل هذه الثنائية، في الحقل الدلالي الذي نعتقد إنها وردت ضمنه، بالقول: ( الخفاء والظهور)، أو (الخفاء والوضوح)، أو (خفاء الليل وضياء النهـار)، أو (الليـل والنـهار)، أو (الظلام والنور).. إلى غيرها من الثنائيات السهلة السائدة في التعبير عن مثل هذه الثنائية ضمن ذلك الحقل.

وذهب عنوان (الخفاء ورائعة النهار) في إبداعيته وتعقيده أكثر، فأختار ثنائية مفارقة من عدة نواحٍ :أهمها أنها ثنـائية بيـن مفـردة واحـدة من جـهة، هــي "الخفاء"، معطوفة على مضاف ومضـاف إليه همـا: "رائعـة النهار". وهي كـذلك ثنائية بين علامة مدلولها سهل نســبياً، هـي "الخفاء"، وعلامة مدلولها أكثر غموضاً وقدرة على الانفتاح والتعدد هي "رائعة النهار".

وإذا وضعنا في الاعتبار إن العلامة "رائعة النهار" تحيل إلى تعبير عربي قديم هو "رابعة النهار"، الذي يعني في القواميس العربية "منتصف النهار"، فإننا سنكون أمام سمة شعرية جديدة هي تحويل مفردة "رابعة" إلى "رائعة". ورغم أن هذا التحويل لم يبتدعه عنوان الرواية موضوع هذه الدراسة، بل ظهر قبلها في كثير من الكتابات، إلا أن وروده كمقابل لمفردة الخفاء كان جديداً، وقام بإزاحة، ذات دلالة، لما هو تقليدي وكلاسيكي، لصالح ما هو أحدث وأكثر تعقيداً وشعرية.

ومع ذلك فان عنوان (الخفاء ورائعة النها) لم يخل أيضاً من السمات التقليدية، وقد ظهرت هذه السمات في الثنائية التقليدية التي حملها العنوان بين متضادين، وهي ثنائية ظلت تحكم نمط التفكير البشري على مدى التاريخ، وشكلت منهجاً ساد طويلاً في التفكير الإنساني حيال حقائق الحياة والوجود، انطلاقاً من فكرة إن هذه الحياة هي صراع بين متضادات ثنائية مثل: الخير والشر، الحق والباطل، النور والظلام، الصحيح والخطأ...الخ. وإذا وضعنا في الاعتبار إن كلمة "النهار" الواردة في عنوان الرواية تعني، من ضمن ما تعني، في القواميس العربية القديمة "الوضوح"، فان هذه الثنائية تصبح بذلك نموذجاً لمثل هذه الثنائيات التقليدية " "الخفاء" في مقابل "الوضوح". الأمر الذي يوحي بأن رواية فيصل مصطفى الأولى رواية تقليدية، وإنها تتحدث عن صراع حاد بين قوتين متضادتين. لكن وعند قراءتنا للرواية سنكتشف بسهولة أنها تحمل الكثير من سمات الحداثة التي تخرجها من نمط الرواية التقليدية، وسنكتشف أيضاً ان الصراع الحادث فيها لم يتبدَ في منطوق الرواية في شكل صراع حاد، كحدة ثنائية:"الخفاء" والوضوح "ولم يشهد تقريباً أية أحداث دراماتيكية كبيـرة.

وهذا لا يعني إن عنوان "الخفاء ورائعة النهار" عنوان مخادع، لا يعبر عما ورد في الرواية، إنه يعبر عن ذلك، ولكن عبر الوسائل الإبداعية التي تقيه من المباشرة، ومن الوشاية الصريحة بما تقوله الرواية. ولابد أن نتذكر هنا إن الثنائية الضدية التي حملها العنوان لم تعبر عن حدة ثنائية ضدية مثل حدة ثنائية مفردتي: "الخفاء" و"الوضوح"، بل استبدلت مفردة "الوضوح" بمفردتين لا يمتان بصلة صوتية لها، هذا إضافة إلى أن كلمة "النهار" لم تعد مسـتعملة اليـوم بمعنى "الوضوح"، وإذا حاولنا إيجاد مقابل لها فهو مفردة "الليل" وليس "الخفاء". وتدخل مفردة "رائعة" لتزيد الأمر تعقيداً وجمالاً ولتقوم بدور واضح في كسر حدة الثنائية التقليدية. وليعطينا عنوان الرواية نموذجاً إبداعيا مـوفقاً لما يدور في متنها من أحداث وما تتخذه من تكنيكيات لم تخل بدورها من مثل هذا التعقيد.

ويجدر أن نلاحظ هنا إن المفردات التي تُكوّن عنوان "الخفاء ورائعة النهار" تم اجتزاؤها من متن الرواية، وتحديداً من الفصل الثالث المعنون "حكيم ونورا"، إذ وردت في الصفحة رقم (66) مفردتا "رائعة النهار" مقرونتان بنفـس الصـيغة، ثـم وردت في الصفـحة رقـم (71) مفــردة "خفاء". ونلاحظ هنا إن ورود المعطوف والمعطوف عليه في عنوان الرواية جاء مرتباً ترتيباً معكوساً في متنها، الأمر الذي من شأنه خلق فجوة/مسافة توتر بين منطوقي العنوان والمتن، وهي فجوة تزيد من شعرية وإبداعية النص وترشدنا إلى فهم وتلقي معطياته بأكثر من فهم ورؤية، من خلال إعادة ترتيب العلاقات التي يحفزها في الذهن بأكثر من شكل، ويمنحنا فرص أكبر لاستكشاف دلالات أخرى لما يقوله النص.

كما نلاحظ هنا إن جميع مكونات العنوان، التي وردت في متن الرواية، متعلقة بـ (نورا) وهي إحدى شخصيات الرواية: إذ وردت مفردة: "خفاء" على لسانها في حوار مع حكيم شرحت فيه أنها استطاعت الخروج من المنزل "خفاء" أي خلسةً، بسبب الحصار الشديد الذي يفرضه أبوها عليها، فيما وردت "رائعة النهار" على لسان الراوي وهو يحكي عن محاولات (نورا) للخروج من سياج القمع الذي ظل يفرضه عليها أبوها: "أما نورا فظنت أن الحفر بالأظافر على الصخر قد يفضي بها إلى مخارج تطل من خلالها على رائعة النهار".

إن تقدم مفردتي "رائعة النهار" في متن الرواية على مفردة "خفاء"، على العكس مما ورد في العنوان، يمكن ان يدل على أن العنوان، كعتبة للنص، أراد أن يقول لنا إن محاولات نورا للخروج إلى "رائعة النهار" كان مصيرها في النهاية الفشل، وان الخفاء، في المحصلة كان هو محاولتها لمقاومة هذا الفشل، ولكنه لم يكن سوى" طريق وعرة. مشت عليه حافية القدمين، وهي تستند على جدار العتمة وجذعها يهتز في وهن". حسبما تخبرنا أخر أسطر الرواية.

وإذا كنا قد اعتبرنا إن احتلال (روضة) للغلاف الأخير من الرواية يرشحها لأن تكون الشخصية المركزية، فان إتيان عنوان الرواية مجتزأ من فقرات ذات صلة مباشرة بـ (نورا) يرشح هذه الأخيرة لمركز لا يقل أهمية عن مركز روضه، ويجعلها، أيضاً، رمزاً للقضايا المركزية التي تتناولها الرواية، وفي مقدمتها قضية الحرية والاسـتقلال والفعالية. ومـع ذلك فان ورود العنوان عن (نورا) والغلاف الأخير عن (روضه) يمكن ان يجعل الشخصيتين وجهي نقيض، في علاقتهما مع هذه القضايا، وهذا يبدو واضحا في أحداث الرواية وبناء الشخصيتين، فروضة لم تتعرض لمقدار القمع الأسري الذي تعرضت له نورا، وهي بالتالي كانت أكثر اعتدالاً وتوازناً من الثانية، وانتهى بها المطاف إلى ان تكون عضواً فاعلاً في مجتمعها بعد أن نجحت في "بعث الحياة في أوصال جزء عاطـل عـن الفعـل" وظلت تتقـدم مرفوعة الهامة، وبصــرها يعانق قرص الشمس". أما (نورا) التي لم يجدِ حفرها بالأظافر على صخور أبيها، فإنها عوّضت عجزها بالخفاء والحيلة واستراق السوانح.

وإذا لاحظنا هنا العبارة التي وردت في نهاية أسطر الرواية عن (روضة) وهي تصفها بأنها "تتقدم مرفوعة الهامة وبصرها يعانق قرص الشمس"، والعبارة التي وردت في نفس الأسطر الأخيرة وهي تخبرنا ان (نورا) "اختارت طريقاً وعرة. مشت عليه حافية القدمين وهي تستند على جدار العتمة.." فسنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام متقابلي "قرص الشـمس" و"جدار العتمة" وهما يمثلان تقريبـا نفس المتقابلين في عنـوان الرواية. وعليه نسـتطيع القـول إن (نورا)، أو بالأصح الظروف التي عاشتها والطريق الذي سارت فيها، تمثل رمزاً لـ "الخفاء"، فيما تمثل حالة روضة رمزاً لـ "رائعة النهار"، دون أن يعني ذلك إن الدلالات التي يحيل إليها عنوان الرواية تقتصر على هذا التمثيل.

ولابد أن نتوقف هنا أمام تعبير جاء على لسان (حكيم) يوحي بدلالة عنوان الرواية، أو هو صياغة أخرى لذات العنوان تمثلت في مقولته "العتمة والإضاءة" التي جاءت في رسالة كتبها إلى (عطا) يحكي فيها عن ما فجره في نفسه الانتقال من بيئة ثقافية إلى أخرى، من أفكار وأسئلة حول طبيعة الإنسان والعلاقات الإنسانية. يقول (حكيم) في رسالته: "ما أغرب الإنسان" ! "إنه كائن مبهم مستغلق عصي الاستكناه حتى على نفسه (...) فالإنسان هنا مجرد رقم! .. مجرد ترس في دولاب العمل، هذا على الأقل الانطباع الأول الذي استوقفني وأنا أحاول التعرف على طبيعة العلاقات الإنسانية ومدى تأثيرها في تكويني النفسي! فلم أعرف شيئاً متعارف عليه ، بل كل ما كان أمامي كرة مطاطية تتقاذف بين العتمة والإضاءة".

وإذا اعتبرنا هنا إن ثنائية "العتمة" و"الإضاءة" تعطي تقريباً نفس دلالة ثنائية "الخفاء" و"رائعة النهار" فإننا وبحكم السياق الدلالي الذي وردت فيه الثنائية الأولى، نستطيع القول ان عنوان الرواية يتحدث عن صعوبة اكتشاف كنه الإنسان، انه هنا يتحدث عن قضية فلسفية ووجودية عميقة ومعقده، ويقول لنا إن هذه الصعوبة ليست مطلقة، أو ليست مستمرة، بل أنها تراوح بين العتمة والإضاءة، بين الصعوبة والسهولة، بين فقد القدرة، لزمن يطول أو يقصر، على معرفة الحقيقة، ولزمن ترى فيه انك قد امتلكتها ورأيتها كما هي، ثم تعود مرة أخرى إلى حالة فقدان القدرة، ومنها إلى الحالة الأخرى وهكذا دواليك، ككرة مطاطية تتقاذف بين الحالتين.

ورواية (الخفاء ورائعة النهار) إذ تخبرنا إن هذه المراوحة شعر بها (حكيم) في محاولاته لاكتشاف الفروق بين المجتمع السوداني الذي كان يعيش فيه، والمجتمع الأوروبي الذي انتقل إليه، وهي تركز الصراع المحوري فيها بين الوطني السوداني والمستعمر الأوروبي، فهي بذلك تقول لنا أيضاً إن هذا الصراع ليس بالضرورة أن يكون صراع أضداد. وان النظر للأخر - سواء كان شخصاً، أو مجموعة بشرية، أو حدثاً، أو رأياً .. الخ - باعتباره شر محض، أو خير محض، يخفي أجزاءً أخرى من الحقيقة التي يمكن تراوح بين هذا وذاك. أو تقع في مكان ما بينهما.

ومع ذلك فان (حكيم) اعتقد إن انطباعه الأول لم يعرّفه شيئاً متعارف عليه، رغم أن ذلك الانطباع وضعه أمام أول مداخل المعرفة الحقيقية، وهي أنها ككرة مطاطية تتقاذف بين الإضاءة والعتمة. ولاعتقاده هذا فانه أوقف هذا التقاذف عنوة، فانحاز للمجتمع الذي أتي منه ضد الذي ذهب إليه. ثم سرعان ما اكتشف ان ذلك اختيار غير مدقق فيه، فرجع ليرى أن العالم الذي انتقل إليه عالم مختلف لكن "يظل الشخص إنسـاناً في البدء والمنتهى". لكــن وفي هـذه المــرة أنهــي (حكيم) الثنائية مرة أخرى لصالح طرف ضـد الأخـر، فأصبح لا يـرى سـوى العتمــة/ الخفـاء: "وهكذا بدأ لي الإنسان مبهماً وغارقاً في محيط من العتمة، بل تائهاً في غابة من الغموض، وقد بدأت بنفسي فوجدتها مستغلقة وتأبى الإفصاح". وربما يكون هذا هو الذي جعل (حكيم) يقدم في خطابه مفردة العتمة على مفردة الإضاءة، وهو نفس الترتيب الذي اتخذه عنوان الرواية عندما وضع "الخفاء" قبل "رائعة النهار" وجعل "الخفاء" أوضح ما في تصميم الغلاف الخارجي للرواية.

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco