header

مقالات، دراسات، بحوث
Articles, Etudes et Recherches
Essays, Research
نماذج من أعمال الموسيقيين السودانيين
Œuvres musicales soudanaises
Sudanese musical works
 

الملامح العامة للمشروع الغنائي للفنان محمد الأمين

نزار محجوب عتيق*


تقديم أولي:

هذا المقال لا يهدف إلى تقديم دراسة نقدية للمشروع الغنائي للفنان محمد الأمين، بقدر ما يأمل إلى وضع إطار نظري لدراسة أكثر عمقا/تخصصا لتناول هذا المشروع. وعليه فإن هذا الإطار مفتوح تماما للتعديل، الحذف أو الإضافة. في كل الأحوال آمل، بالفعل، أن يدفع هذا المقال بآخرين، أكثر تخصصا ومعرفة للإهتمام بهذا المشروع الغنائي ورصده بما يستحقه.

مع تقديري

نزار


في خريطة ومسيرة الأغنية/الموسيقى في السودان (أقصد تحديدا الشكل الغنائي الذي ظهر وانتشر تاريخيا من خلال الإذاعة السودانية الرسمية بأمدرمان)، ثمة مشاريع غنائية إكتمل بعضها أو توقف (لظروف لا إرادية نعلم أسبابها كالوفاة مثلا أو إرادية لا نعلم أسبابها بقدر ما ندرك نتائجها، وهو التوقف بالطبع)، ومشاريع أخرى ما تزال تبدع/تجرب وتسهم في تفعيل وتطوير تلك المسيرة. أسهمت كل هذه المشاريع،بنوعيها، بشكل مباشر في تلك المسيرة سواء من ناحية الشعر، اللحن، الموسيقى والأداء ....إلخ من كل نواحيها الشكلية والموضوعية.

المشروع الغنائي للفنان محمد الأمين، في تقديري، يعتبر من أهم تلك المشاريع الفاعلة والمتطورة ويشكل أحد أهم الركائز في هذه المسيرة، وعموما ثمة سؤالين أساسيين لابد من إثارتهما قبل تلمس ورصد هذا المشروع: أولهما: ماذا أعني بالمشروع الغنائي بالأساس؟ وثانيهما: هل يمكن وصف مشروع/تجربة ما بالاكتمال أو الإنتهاء (التوقف)؟.

وفي الإجابة عن السؤال الأول، فالمشروع الغنائي أعني به تحديدا "الرؤية الذاتية للفنان للواقع الاجتماعي/الغنائي ثم تحديد ما يمكن أن يضيفه هو لذلك الواقع من أجل تطويره والارتقاء به من كافة جوانبه، أو بمعنى آخر هو سؤال المبدع لنفسه: لماذا وكيف أغني؟ وللمشروع الغنائي مميزات أساسية هي: 1/ الأصالة 2/ الإستمرارية 3/ الإنفتاح والرغبة الجادة/الدائمة في التجديد.

1/ الأصالة:-

والأصالة هنا ليست بمعناها الجامد/اللاتاريخي الذي يتعامل معها باعتبارها منجز انتهى، يجب فقط إعادة تمثله ولكن بمعناها التاريخي أى (التمثل النقدي والاستيعاب العقلاني النقدي والإضافة الإبداعية إلى عصرنا وتراثنا. كما ذكر الأستاذ/ محمود أمين العالم). وجوهر الأصالة هو التفرد، الذي يضفي على كل مشروع طابعه المميز/شخصيته، والتي من خلالها يمكن تمييز كل مشروع عن الآخر بمجرد التدقيق السمعي حتى وإن كان بأداء صوتي آخر.
 

2/ الاستمرارية:-

وفي هذا يتمايز المشروع عن التجربة، فالتجريب بشكل عام هو سمة أساسية من سمات أي مشروع، وبالتالي فأي عمل/تجربة جديدة من خلال مشروع غنائي ما، هي بالضرورة إضافة مفترضة فيه، وبهذا تحديدا يختلف المغني صاحب المشروع عن غيره من الفنانين، فأعمال هؤلاء الغير هي تجارب نتعامل مع كل تجربة على حدة ونقيمها، لأنها لا تمثل جزءا من الهم الغنائي العام في السودان ومحاولة الإرتقاء به، ولأنها بالأساس لا تأتي من خلال رؤية شاملة لذلك الفنان لمسيرته/مشروعه الغنائي.

 

3/ الإنفتاح والرغبة الجادة/الدائمة في التجديد:-

لكي يكون المشروع الغنائي فاعلا ويكتسب مشروعيته كإضافة في مسيرة الغناء عموما، لابد أن يكون منفتحا على المشاريع – والتجارب- الأخرى بالضرورة من جانب، وأن يكون هو نفسه مفتوحا لأى إضافة يراها صاحب المشروع أو الآخرين أو تفرضها ظروف التطور (الإجتماعية، التقنية ...إلخ) من جانب آخر، وهذا بدوره يؤدي إلى خلق رغبة دائمة في التجديد والإضافة لذلك المشروع، لأن ما قد كان يعتبر إضافة للغناء من هذا الفنان قبل ثلاثين عاما مثلا، يعتبر هو نفسه تأخرا الآن، نظرا لظروف التطور الموضوعية التي تنعكس، على سبيل المثال، على النص الشعري ودلالاته، بالإضافة إلى ظروف التطور التكنولوجي وتغير ظروف التسجيل، والمعرفة الأكاديمية والتطور الذى تكتسبه أذن المتلقي السوداني .. إلخ. كل هذا يجعل من التجديد ضرورة وواجبا ملحا لكل صاحب مشروع غنائي.

من خلال هذه السمات يصبح لكل صاحب مشروع رؤيته التي –بالضرورة- يتمايز بها عن المشاريع الغنائية/الموسيقية الأخرى، وبهذا تتحدد/تتضح هويته، ورغم أن هم/هدف كل هذه المشاريع (حسب التحديد أعلاه للمشروع) هو التطوير في المسيرة الغنائية والموسيقية عموما، فإن لكل صاحب مشروع رهانه/آلياته التي بها يقترب من المستمع لكي يقدم إضافته لتلك المسيرة، فهناك مشاريع راهنت على النص الشعري (عثمان حسين، الكابلي) ، وأخرى علي اللحن والموسيقى (أميزهم التاج مصطفى، وردي، الكاشف، عركي، الموصلي، عقد الجلاد وغيرهم قليل)، وأخرى راهنت على الأداء الصوتي (عثمان مصطفى، أبو داؤد وغيرهم)، وليس هنا مجال تقييم مدى نجاح/إخفاق هذه الرهانات لتلك المشاريع.

مع ملاحظة أن هناك مشاريع غنائية حاولت بجدارة أن تغير حتى في الشكل العام للغناء مثل شرحبيل أحمد ، عثمان ألمو، العاقب محمد حسن، إبراهيم موسى أبا وعبد القادر سالم (في بداياته).

وللإجابة على السؤال الثاني (هل يمكن وصف مشروع/مسيرة فنية ما بالإكتمال أو الانتهاء (التوقف)؟! نظريا في تقديري يصعب ذلك، ولكن بالنظر إلى مسيرة الأغنية في السودان، هنالك بالفعل مشاريع مهمة انتهت، أو عجز منتجوها بالأساس من دفعها للأمام (كابلي، عثمان مصطفى وردي وغيرهم)، وأعني بذلك أنه وبعد نضوج/وضوح رؤية أصحاب هذه المشاريع، لم يتمكنوا من المضي بها قدما، وجاءت تجاربهم في فترات لاحقة متراجعة حتى بمقياس آليات/منطلقات تلك المشاريع الخاصة بها، فالكابلي مثلا لم يستطع تجاوز "حبيبة عمري" وكل ما أتى بعدها شكل تراجعا لذلك المشروع، وردي لم يقدم أعمالا أضافت لمشروعه الغنائي بعد "الحزن القديم"، عثمان مصطفى توقف تماما بعد "الذكريات"، أما عثمان حسين فهو الأكثر تراجعا منذ زمن طويل وهو المشروع الذي يمكن أن نصفه بكل اطمئنان بالتوقف.

عليه، وبناء على ما سبق أعلاه، كيف يمكن مقاربة المشروع الغنائي للفنان محمد الأمين؟
 

بالأساس يمكن رصد مميزات هذا المشروع كالآتي:
 

الأصالة :-

أصالة مشروع محمد الأمين الغنائي، في رأيي، تكمن في أنه نظر منذ بداياته لمسيرة الأغنية في السودان، والتقط من تلك المسيرة بعضا من محطاتها الأساسية في ذلك الوقت: جرأة ومغامرة الكاشف الكبرى بخلقه كيانا خاصا بالموسيقى داخل الأغنية بعيدا عن كونها ترديدا ومحاكاة لما يقوله الفنان (كورس)، ثم البناء الموسيقي لدى التاج مصطفى، وشباب وصخب إبراهيم عوض ثم الإحساس الموسيقى/الصوتي لكل كلمة عند عثمان حسين، التقط محمد الأمين كل ذلك متجاوزا ما رآه من سلبيات لعل أبرزها تسيب الأداء الآلي وقتها، وبدأ في تقديم رؤيته/مشروعه الخاص المتجدد حتى الآن، والذي ارتكز على: (1)الانضباط الآلي (2) استخدام "الهارموني" و"الكاونتربوينت" بما تستوعبه كل مرحلة من مراحل تطور الأذن الموسيقية لدى المستمع (3) الحوار الحميم الدائم فيما بينه وبين الموسيقى في ألحانه (4) التعبير اللحني العميق للمعاني والصور في النص الشعري الذي يتعامل معه (مثال ذلك: التردد والتمهيد لمقطع "ورا البسمات كتمت دموع" أو الأداء الصوتي الشديد الحساسية لمقطع "أنت عارف نحن بعدك" ومرجعاته، وهكذا).

رهان وآليات المشروع:

رهان وآليات المشروع الغنائي للفنان محمد الأمين بالأساس كان ولا يزال موسيقيا بحتا، وهو لم يتنازل عنه منذ بداياته، وهو يسعى دوما للوصول الى مستوى عال في الانضباط الآلي (ذكر د. الفاتح الطاهر في كتابه "أنا أمدرمان" بأن محمد الأمين عند بداياته وبعد التحاقه بالإذاعة، ترك كل هذا وعاد إلى مدينة "ود مدني" لإحساسه بأن الفرقة الموسيقية بها في ذلك الوقت لا تقوم بتنفيذ موسيقاه كما يأمل). ويحسب له مغامرته مع مجموعة من الموسيقيين الشباب من طلاب وخريجي معهد الموسيقى في أوائل الثمانينات (تلك المجموعة التي شكلت لاحقا حجر الزاوية في أوركسترا اسمندل) والتي من خلالها – أي تلك المجموعة- نستطيع تحديدا بداية نضوج ذلك الرهان الموسيقي، كما ان إتقان محمد الأمين وبراعته في العزف على آلة العود بالإضافة إلى سيطرته المقامية الكاملة مع جمال الأداء داخل مساحته الصوتية، كل ذلك أتاح له ارتياد أخيلة وأمزجة موسيقية/لحنية متباينة ساهمت بشكل مباشر في تنوع موسيقاه. (مثال ذلك: شال النوار، لما شفتك، طائر الأحلام، زاد الشجون، زورق الألحان. بتتعلم من الأيام، قلنا ما ممكن تسافر، همس الشوق وغيرها).

الإنفتاح على الآخر:

إصرار محمد الأمين على رهانه الموسيقي، ساهم وبشكل غير مباشر في التأسيس/التمهيد لمشاريع غنائية مهمة تالية له زمنيا مثل أبوعركي، الموصلي، عقد الجلاد وأوركسترا السمندل وغيرها، وبشكل مباشر في تعاونه مع أصحاب هذه المشاريع الغنائية في إنتاجهم (وعد و طريق الماضي مع عركي على سبيل المثال)، كما نلحظ أن محمد الأمين مؤخرا بدأ في التعامل المباشر مع موسيقيين آخرين في تناول/توزيع بعضا من أعماله (الموصلي، أسامه بابكر وسعد الدين الطيب) مما يضيف مذاقا جديدا لهذا المشروع.

هذه في تقديري هي أهم الملامح العامة لهذا المشروع الغنائي المتفرد والمستمر، وآمل أن نرى قريبا دراسات متخصصة تضئ لنا الكثير حوله.


 


* نزار محجوب عتيق

ولد بالخرطوم بحري في عام 1964
نال درجة ال بكالريوس في التربية من جامعة عين شمس في 1990
يقيم حالياً مدينة أكسفورد بانجلترا.
مهتم بالغناء والموسيقى في السودان ولديه مساهمات نقدية نُشرت ببعض الصحف السودانية مثل الرأي العام، والخرطوم، وجريدة الفجر التي كانت تصدر بلندن.

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco