A
header

فنون تشكيلية
Plastic Arts |
Arts plastiques

 
معارض تشكيلية
Exhibitions, Expositions
مقالات، دراسات، بحوث
Articles, Etudes et Recherches | Essays, Research
 

حوار مع الفنان صلاح حسن عبد الله

احتفاءً بكتابه "مساهمات في الأدب التشكيلي"

أجراه معه أسامة عباس

 

 

 

يمثل هذا الكتاب (مساهمات في الأدب التشكيلي) لمؤلفه صلاح حسن عبد الله وثيقة مهمة للتشكيل، باعتباره أول كتاب ينشر في اللغة العربية حول التشكيل الحديث في السودان. وقد توزعت أبوابه على النحو التالي: هذه المساهمة، كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، مدرسة الخرطوم وقضايا التراث، الصراعات الفكرية والنظرية الأساسية، الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين، الملاحق ثم غاليري ضم مجموعة من الأعمال التشكيلية للمؤلف وفنانين آخرين. وقد صدر هذا الكتاب عن مؤسسة أروقة للثقافة والعلوم بالخرطوم ضمن منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في العام 2005.

وهنا ولأجل الحوار، قدمت بعض الأسئلة للمؤلف على ضوء ما قرأت في الكتاب الذي اتبع أصلاً طريقة حوارية كان المؤلف يناقش عبرها أفكاراً وأشخاصاً ـ أفكاراً ما تزال ساخنة وأشخاصاً ما يزالون أحياءاً. وأيضاً، ولاعتباره صاحب كتاب في شأن التشكيل، يكون صلاح حسن عبد الله أحد الجديرين الذين يحق لي التوجه نحوهم بالسؤال، وقد سألته:

 

 

هذا الكتاب (مساهمات في الأدب التشكيلي) هو الأول من نوعه، رغم العلم، بواسطته أو قبله، بوجود نشاط تشكيلي، ونقاش وتداول حوله خلال الفترة التي حددها الكتاب أو في طيلة فتراته. سؤالي هو: لماذا هذا الكتاب هو الأول عن التشكيل في السودان؟

 

قبل أن نقر بأنَّ الكتاب هو الأول من نوعه في السودان، يلزمنا بعض من الدقة. فهنالك كتاب الدكتور راشد دياب، والذي اعترضته بعض الإشكالات القانونية فلم يتم نشره. وقد اضطلعت على نسخة منه بين يدي الدكتور راشد. ولاحظت انَّه يتكون من مجموعة من المواضيع المتفرقة. بعضها عبارة عن سيرة ذاتية لبعض التشكيليين السودانيين، وبعضها عبارة عن أراء لبعض التشكيليين حول بعض قضايا التشكيل والجزء الآخر هو بعض من أراء الدكتور راشد حول بعض قضايا التشكيل، وجزء آخر هو مادة تاريخية توثيقية، وهكذا. باختصار يمكن القول أنَّ محاولة الدكتور راشد دياب تنقصها فكرة وحدة الموضوع. رغم أنَّ منظمتي اليونسكو والأليكسو قدمتا دعماً مالياً بما قيمته 30.000 (ثلاثون ألف) دولار لإعداد كتاب الدكتور راشد دياب. وهنا فلنا أن نتساءل عن الأسس التي تقدم بها كل من اليونسكو والأليكسو دعمهما للإصدارات الثقافية الخاصة بهما. إضافة إلى أنَّ عنوان كعنوان "الفن التشكيلى في السودان" هو أشبه بما يصادفنا أحياناً من عبارات كعبارة "الفن الأفريقي أو الفن البدائي" بدون تحديد لأي فترة زمنية أو بيئة جغرافية يشملها موضوع البحث، وبدون تحديد لأي جانب من جوانب ما يسمى بـ "الفن الأفريقي أو البدائي" في موضوع البحث.

إذا رغبنا في الحديث عن الفن التشكيلي في السودان فلنا أن ننظر في المدى الجغرافي الواسع الذي يمثله السودان، وعلينا أيضاَ أن ننظر إلى واقع الحال في ندرة المراجع أو غيابها في أحيان كثيرة. ولنا أيضاً أن ننظر في أن أجزاء حاسمة مما هو متوفر من المراجع تمت كتابته عن طريق كتاب غير سودانيين. بنا حاجة للتحقيق والتدقيق في تاريخ السودان بمستوى لا يقل في أهميته عن مستوى اهتمامنا بمحاولة رصد الظواهر. من المستحيل لكتاب واحد أن يفي موضوع كموضوع "الفن التشكيلي في السودان" حقه في البحث.

كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلى"، الذي لم يجد الدعم من أى جهة كانت لإعداده، حاول ضبط موضوعاته. وهو محاولة لمنهجة المناقشة على جبهة التشكيل باختيار فترة محددة تاريخياً بما توفر من الإحاطة بموضوعاتها في جانب محدد هو جانب أدبيات التشكيل خلال الفترة موضوع الكتاب. بهذا الأفق فيمكن القول أنَّ كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" هو الأول من نوعه في السودان.

أشير أيضاً إلى كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن أبوسبيب "الفن، السياسة والهوية الثقافية في السودان" الذي صدر باللغة الإنجليزية عن جامعة  أبسالا بالسويد في العام 2004. وكتاب الدكتور صلاح حسن الجرق "سبعة حكايات من أفريقيا" والذي صدر هو الآخر أيضاً باللغة الإنجليزية عن أحد مراكز البحث بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 1997، وقد خصص الدكتور صلاح الجرق

جزءً أساسياً منه للحديث عن التشكيل في السودان. والكتابين ( كتاب أبوسبيب وكتاب صلاح الجرق) لم يتم توزيعهما داخل السودان. ترى ألا يوجد حل سوى أن نشد الرحال إلى أقاصي الدنيا كي ننشر كتاب عن التشكيل في السودان؟ أضيف إلى ذلك أنَّ الدكتور مصطفي عبده قد سبق له أن أصدر عشرة كتب تتعلق بفلسفة الجمال وفلسفة الفن، صدرت كلها وتم توزيعها خارج السودان أيضاً، عن طريق دار مدبولي للطباعة والنشر بالقاهرة، بعد أن تمَّ شراء النصوص من الدكتور مصطفي عبده.

وذلك يشير إلى إشكالية أخرى، لأنّ دور النشر تعمل وفقاً لشروط مجحفة تجاه الكتاب فضلاً عن شح هذه الدور داخل السودان. وهنا فلا يسعني إلا أن أتوجه بشكري لدار أروقة للثقافة والعلوم لتبنيها طباعة المخطوطة التي أصبح من الممكن أن توصف بكونها أول كتاب من نوعه في السودان، وبشروط كانت أفضل من شروط المؤسسات الأخرى العاملة في مجال نشر الكتاب. وشكري موصول أيضاً لمركز عبدالكريم ميرغنى ولمركز الدراسات السودانية اللذين احتفيا بالمخطوطة احتفاءً كبيراً وحاولا طباعتها، ولكنهما لم يوفقا نسبة لكثافة برنامج النشر الذي كان أمامهما أولاً، ثمَّ ارتفاع نفقات طباعة كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" مقارنة بالمخطوطات الأخرى. ثانياً، لأنَّ المخطوطة احتوت على نماذج كثيرة من الأعمال الملونة التي كان ضبط جودتها في الطباعة ضرورياً.

إذا تجاوزنا إشكالات النشر (كصناعة) في السودان، فمن الممكن أن يكون لدينا الكثير من الإصدارات عن التشكيل في السودان. مثلاً كتاب الأستاذ عبد الله محيي الدين الجنيد وهو سابق لكل المخطوطات التي سبق الحديث عنها بما في ذلك كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي". فلو كانت شروط الطباعة والنشر في السودان ميسرة، لتمت طباعة ونشر كتاب الأستاذ عبد الله محيي الدين قبل طباعة كتاب "ساهمات في الأدب التشكيلي".  النشر في السودان يعمل في ظل شروط سيئة للغاية كسوء شروط الصناعة في السودان. أو فلنقل، بشكل أدق، كسوء شروط الوجود الحياتى في السودان.

 

 

اتفقتم أنت ود. موسى الخليفة في مقدمتك وتقديمه لكتابك أنَّ الفترة المحددة في الكتاب (74 ـ 1986) كانت من أخصب فترات التشكيل في السودان. وهنالك بالمقابل وجهتا نظر إبراهيم الصلحي وعبد الله بولا، حيث يقول الأول بضرورة الالتقاء لطرح حوار فكري وأنَّه كان دائماً في إنتظار مثل هذا التجاوب، ويتحدث عبد الله بولا رافضاً المديح والإطراء المستمر ومطالباً بالحوار النقدي .كيف تنظر لهذه المقابلة بين رأيكم أنت وموسى الخليفة من جهة ورأي أو وجهة  نظر الصلحي وبولا من الجهة الأخرى؟

 

حديث الأستاذ الصلحي كان في العام 1974، وهذا التاريخ هو تاريخ بدايات الفترة موضوع الدراسة. أعقب دعوة الصلحي طرح كثير من القضايا على بساط البحث التشكيلي. ولن أقول إنَّ ما طرح كان كافياً. لأنَّ ما طرح من قضايا كان أكبر من حيز المدى الزمني الذي طرح فيه. ولكن لم يكن لما قبله أو لما بعده ما يوازيه من ناحية الكم أو النوع أو القدر العالي من الحيوية الذي تمتع به. وهنا فلنحفظ للصلحي حقه في مبادرته، والتي لا أحسبها إلا مبادرة طليعية، في طرح فكرة ضرورة الالتقاء بغرض المحاورة والمفاكرة. اعتقد أنَّ ما تمَّ من رصد داخل الكتاب يتسق تماماً، وبشكل مبدئي، مع ما طرحه الصلحي. صحيح أنَّ التحليل ربما يختلف من شخص لآخر حسب منهج التحليل الذي يتبعه كل شخص، إلا أنَّ توفير المادة الخام لموضوع البحث، على نحوٍ ما تمَّ في الكتاب، يضع دعوة الصلحي في محكها العملي، وليس ضدها. أما وجهة نظر عبد الله بولا فقد جاءت في سياق حواره مع محمد عبد الرحمن أبو سبيب والذي كان لديه من وجهات النظر ما هو مخالف لوجهة نظر عبد الله بولا، والذي أكد بدوره في طرحه الذي أشرت إليه، رغبة عميقة لتطوير المناقشة وتجذير مستوى الطرح في سبيل استجلاء المساحات التي لازالت معتمة من مساحات التناول.

وعليه فإنَّ وجهات النظر التي أشرت إليها هي ليست وجهات نظر متناقضة بل إنها تنحو كلها نحو تجذير مستوى الطرح والتوفر على مادة البحث. لقد سبق أن حاورت الأستاذ الصلحي في وقت لاحق (عقب معرضه بغاليري دارا 2001) حول وجهة نظره أعلاه فوجدته مازال عند نفس وجهة النظر (مرحلة الحصر والمعرفة والدراسة أولاً). ثمَّ تواصل الحوار مرة أخرى مع الأستاذ الصلحي على صفحات جريدة جهنم التي يصدرها حسن موسى بباريس، وذلك بإضافة عنصر جديد في المناقشة وهو انعقاد سمنار النشر والتوثيق التشكيلي الذي أقامه الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين خلال دورته الماضية، والذي تصدرت مشروعه نفس العبارة الجهنمية التي أطلقها إبراهيم الصلحي عام 1974. وعلى كل حال فإنَّ الحوارين مع الصلحى قد تماَّ قبل صدور الكتاب نفسه. وقد سعيت في وقت لاحق أيضاً مع الأستاذ الصلحي سعياً حثيثاً، ومن داخل الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين، لإنجاز مشروع الموسوعة التشكيلية. ولكنا لم نوفق، إلا أنَّ الجهد لا محالة سيتجدد بحثاً عن وسائل أخرى لإنجاز هذه المهمة الضرورية. وكل هذه الجهود بما في ذلك مطالبة عبد الله بولا بالموقف النقدي، كلها محاولات تصب في اتجاه مبادرة الصلحي، في اتجاه الرصد والبحث والتقصي في أضابير الحركة التشكيلية. وهو بحث لم ولن ينتهي في أي يوم من الأيام. ولكن ذلك لا ينفي أنَّ هنالك فترات أكثر خصوبة من غيرها. وأود أن أضيف هنا أنَّ الحديث عن خصوبة الفترة موضوع الكتاب قد جاءت معقباً عليها بالعبارة التالية: "وبالتأكيد فإنَّ فترة السبعينيات والثمانينيات ليست أخصب فترات الحركة التشكيلية على نحو مطلق. فهنالك فترات أكثر خصوبة قادمة. ونراها بعيون مفتوحة تماماً، بل ونؤسس لها بنقدنا للتجارب السابقة لتطويرها وإثرائها وتنقيتها، ولسنا في حاجة لمجاملة أحد" (الكتاب ص 26).

 

 

ليس هناك فصلاً قاطعاً حول نشوء مدرسة الخرطوم. فأنت تورد في الكتاب قول محمد حسين الفكي الذي يستند بدوره على ما قاله شبرين حول ظهور التسمية. كيف نشأت مدرسة الخرطوم ؟

 

نعم ليس هنالك فصلاً قاطعاً، حول نشأة مدرسة الخرطوم. وليس لي سوى أن أشير إلى ما سبق أن طرحه الأخ محمد حسين الفكي مستنداً إلى حديث الأستاذ شبرين في هذا الخصوص، والذي أفاد فيه بأنَّ السيد دينيس وليامز، الجامايكى الجنسية، أخذ معه بعضاً من أعمال الصلحى وشبرين لعرضها في نيجريا في العام 1964. ودينيس وليامز هو الذي استحدث اسم مدرسة الخرطوم. وهو اسم يبدو أنَّه قد ارتبط بالتصنيف الجغرافي لمدينة الخرطوم وسط أعمال أخرى لتشكيليين آخرين غير سودانيين. ولكن أعتقد أنَّ الإفادات الأكثر وزناً هي بطرف السيد أولي بايير، الفرنسى الجنسية، والذي لا نعرف عنه أكثر من ذلك. وتلك مسألة تستحق التوقف عندها. فالرجل الذي أنيطت به مهمة رسم مستقبل الحركة التشكيلية في السودان، نجد أنَّ التشكيليين السودانيين، ووسط الأغلبية الساحقة منهم، لا يعرفون عنه شيئاً. إنَّ السيد  أولي بايير يستحق هو الآخر أن يكون موضوعاً للبحث الكامل والمفصل. فيا ترى من هو أولى بايير؟ هل هو فنان تشكيلي؟ هل هو ناقد؟ أم هو تاجر لوحات، أم ماذا؟ على كل حال أتفق معك أنَّ البحث حول مدرسة الخرطوم لم ينته بعد، وعليه، فليتواصل هذا البحث حتى تتسنى لنا معرفة التاريخ بشكل مثابر. وإلا فإنَّ كثير من جهدنا سيظل ناقصاً ومبتوراً.

 

 

كيف اكتسبت مدرسة الخرطوم هذه السطوة؟ هل لبراعتها في التشكيل أم لشيء  آخر؟

 

أعمال رواد مدرسة الخرطوم لا تخلو من البراعة والمهارة التشكيلية العالية في جزء منها كما في أعمال الصلحى، يليه أحمد عبد العال على سبيل المثال والذي لم يسعفنا هو كي نصنفه ضمن مدرسة الخرطوم أو لا نصنفه. وعلى كل حال، فإنَّ الحكم لصالح براعة مدرسة الخرطوم لا يمكن أن نطلقه على كل الأعمال التي أعلنت انتمائها إليها. أما السطوة التي تتكلم عنها فهي مسألة لا علاقة لها ببراعة أو مهارة مدرسة الخرطوم في الرسم أو التلوين. السطوة التي حازتها مدرسة الخرطوم، نجد التفسير لها في أنَّها قد توفرت على مروِّج بارع وماهر هو المستر أولي بايير. بالطبع، لا أعنى أنَّ مدرسة الخرطوم قد سعت إلى المستر أولي بايير. ولكن أولي بايير هو الذي تبنى الترويج لمدرسة الخرطوم وفقاً لما يراه هو. هنالك الآن الكثيرون جداً من التشكيليين السودانيين البارعين والماهرين جداً ممن لم ينتموا لمدرسة الخرطوم ولم يجدوا ما وجدته مدرسة الخرطوم على يد المستر أولي بايير، كالمرحوم عمر خيرى، حسن محمد موسى، عبد الله بولا، محمد عبد الله عتيبي والذي كانت تجرى محاولات كثيرة لجره قسراً إلى معسكر مدرسة الخرطوم بينما أعماله لا علاقة لها بما عرف عن مدرسة الخرطوم. وفي نفس الوقت، فهو لم يجد من هذه "السطوة" على الساحة التشكيلية ما يوازى قدراته التشكيلية... إلخ .على كل حال، مسألة " السطوة" هذه لا علاقة لها بالقدرات والمهارات التشكيلية. فكم من التشكيليين وغير التشكيليين ممن يملأون الساحات هذه الأيام، بمستويات مختلفة، ولكن بغير وجه حق!!

 

 

لماذا لم يجد أشخاص مثل عمر خيري، حسن موسى، عبد الله بولا، محمد عبد الله عتيبى الرواج الذي وجده بعض منسوبي مدرسة الخرطوم؟

 

إذا تسنى للعالم أن يتطور وفقاً للرغبات الخيرة وحدها فلا شك أنَّ العالم سيتحول في هذه الحالة إلى جنة في الأرض. وعلى كل حال، فلست حالماً إلى هذا الحد. ولكن ما أفهمه هو أنَّنا نعمل داخل حركة اجتماعية. وهى حركة لها قوانينها التي تحكمها. ومعطيات هذه الحركة لا تتم وفقاً لأمزجة الناس مهما كانت خيِّرة.  الصراع الاجتماعي هو واقع ماثل أمامنا اليوم بكل آلامه وآثامه وشروره وسوءاته. وهو صراع كان وما يزال له أطرافه وممثلوه وأدواته على مدى التاريخ. أنا لا أتحدث عن أربعة تشكيليين فقط ممن لم يروج لهم. كان أولئك هم مجرد نموذج فقط. إذا عدت بالذاكرة إلى شهر سبتمبر 2005، فستجد أنَّ الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين قد احتفي بتسعة تشكيليين سودانيين ممن فازوا بجائزة نوما العالمية لرسومات الأطفال التي تنظم باليابان. وقد جاء فوز التشكيليين السودانيين بهذه الجائزة بداية على يد عبد الله محمد الطيب في العام 1978، أي مع بداية الدورة الأولى لأعمال المسابقة. أعقبه حسين جمعان، أحمد عامر جابر، حسان على أحمد، سيف الدين اللعوته، محمود جاه الله و طارق نصر. ثمَّ كان في آخر دورة كل من صلاح إبراهيم والأخ صباحى خلال العام 2004. فأين كانت الأجهزة، المناط بها مهمة الترويج، طيلة هذه الفترة ؟ وأين هي الأجهزة الرسمية المعنية بالأمر ؟ نأخذ مثالاً آخر على نحو موسع. فكلية الفنون تخرج اليوم متوسط أكثر من مائة تشكيلي سنوياً. ألا يوجد من بينهم من يستحق الالتفات إليه؟ ترى ما الذي تروج له أجهزة الإعلام وأغلب الصحف الصادرة اليوم ؟إنها لا تفعل سوى أن تكرس لأسماء محددة ومحدودة. أسماء أصبحت كطابعة البريد أو العملة، يمكن أن تجدها في أى مكان ولكن تداول غيرها محظور. أضف إلى ذلك أنَّ هنالك مؤسسات مضادة لا يعجبها ما نحاول أن نتحاور عليه الآن. وهى مؤسسات جاهزة ومجهزة لحياكة المؤامرات ضد من يخالفها الرأي. أفيدك أنَّ عبد الله بولا الذي ورد اسمه كطرف في النموذج أعلاه، هو أحد الأساتذة المفصولين من كلية الفنون، لا لسبب إلا لأنَّه قد خالف العقلية التحكمية داخل كلية الفنون، وبالطبع فإنَّ واقعة فصله لا تتسق مع الدعوة للترويج له. وهنالك كثيرون آخرون، لعلَّ آخرهم لن يكون هو الأستاذ عبد الله حسن بشير(جلٌّي) والذي شرب من كأس شبيه آخر، يوم أن تعرض لما لا يليق به بسبب عضويته في اللجنة التي قامت بحجب جائزة اللواء الزبير محمد صالح الإبداعية عن السيد عميد كلية الفنون. راجع في ذلك جريدة الصحافة ( عدد 6 وعدد 13 أبريل 2004). 

نحن في حاجة إلى مؤسسات وإستراتيجيات أعلى كفاءة حتى نتمكن من النظر في المسألة ككل، فالعمل الفردي لا يكفينا.

 

 

 ما هي السمات والأساليب المشتركة أو المتقاربة التي جعلت أولي بايير يدرج لوحات أفراد عديدين تحت ما أسماه "مدرسة الخرطوم" وراج من بعده ذلك الاسم وتلك الأساليب؟

 

السمات المشتركة هى: وحدات من المرئيات في التشكيل التقليدي في السودان كالبرش، الطبق، اللوح، الشرافة، الحروف العربية، مباني مدينة حلفا القديمة، مباني مدينة سواكن، الآيات القرآنية المكتوبة، الأقنعة الأفريقية... إلخ (الكتاب ص 72 ).

 

 

يلاحظ من خلال الكتاب أنَّ مدرسة الخرطوم تكون مرة تياراً موجوداً ومرة تياراً غير موجود. وهذا التأرجح بين وجودها وعدمه يشترك فيه كلٌ من روادها وخصومها. وأنت باعتبارك أحد خصومها تقول أنَّّ مدرسة الخرطوم أكدت نفسها كموروث ضمن موروثنا الثقافي، وفي مكان آخر تقول أنَّ مدرسة الخرطوم لم تكن تجربة جديدة ولا رائدة، وأنَّ تجاربهم في تجريد الحرف العربي كانت معروفة وكانت سائدة منذ أواسط الأربعينات لدى جماعة بغداد، وكذلك دعاوى إستلهام التراث كانت معروفة لدى تشكيليي دول العالم الثالث. وبالنسبة لأحمد عبد العال  ـ أحد منسوبي مدرسة الخرطوم ـ ينفي وجودها باعتبارها "باطل وغي"، وأنَّها اسم يراد له المد والجزر بغية تكريس لأسماء وأفراد ، وفي عام  1983، عاد عبد العال يدافع عن خيارات مدرسة الخرطوم الإسلامية في ندوة قضايا التشكيل. ويقول عنها محمد حسين الفكى "إنَّ هذا الاتجاه لم يصدر بياناً أو مانيفستو يتفق فيه أصحابه على صيغة إبداع وأسلوب عمل في حدود ذلك الإطار ومفهومه، إلا أنَّ ذلك أقر ضمناً في الأعمال والأقوال الخاصة بهم، ثمَّ أتت الجماعات المعارضة حديثاً لتساعد في إبراز ذلك وترسيخه في أذهان المشتغلين بالثقافة"، فما هي جلية الأمر؟

 

ما تسميه بالتأرجح في مدرسة الخرطوم هو في أصل المنهج الانتقائي الذي نهجته مدرسة الخرطوم. هو نموذج ساطع للمنهج الذي ينتقي مواقفه ويستعيرها حسب "الطلب"، أو حسب مقتضيات الحال. فأحمد عبد العال الذي شن هجوماً حاداً وعنيفاً ضد مدرسة الخرطوم واستخدم في حقها من العبارات ما لم يسبقه أو يعقبه عليه أحد حتى من قبل خصومها، هو نفسه الذي ساق من الدفاعات عن مدرسة الخرطوم ما لم يسبقه أو يعقبه عليه أي من منظريها. وهو نفسه الذي عاد مرة أخرى ليتخلى عنها وينشئ مدرسة الواحد بديلة عنها. ليس من السهل القول بأنَّه قد عاد مرة أخرى ليعيد اكتشاف أنَّ مدرسة الخرطوم "باطل وغي" حتى يتخلى عنها. ولكن تلك هي طبيعة المنهج الانتقائي. كما لنا أيضاً أن ننظر إلى الخطاب المتبادل اليوم بين الأستاذ شبرين (أحد رواد مدرسة الخرطوم) وبين الدكتور أحمد عبد العال. وهو ما لا يؤكد إلا عدم مبدئيتهما.

مدرسة الخرطوم ، على العكس مما ذهب إليه المروجون لها، لم تكن تجربة جديدة ولا رائدة كما هو مثبت بمراجعه. إلا أنَّ ذلك لن ينفي مساهماتها. هي إرث لنا ولكل الحركة التشكيلية في السودان بما فيها من "السمح" و"الشين". ولتبقى مساهمتها كما هي، بلا انتقاص منها وبلا زيادات أيضاً.

في حوارنا (علاء الدين الجزولي وشخصي) مع الصلحي سألناه عن غياب ملامح مدرسة الخرطوم في معرضه الأخير بغاليري دارا، في عام 2001. ولما كان المعرض هو معرض "إستعادي"، فقد كنا نتوقع أن يشمل جميع تجارب الصلحي عبر مختلف السنوات والتي يأتي على رأسها تجربته في مدرسة الخرطوم. وكان رد الصلحي هو أنَّ اختيار الأعمال أملته بعض إشكالات "الترحيل". كما أنَّه قد ترك اختيار الأعمال للجهة المنظمة (غاليري دارا). وذلك يعني أنَّ الجهة المنظمة للعرض تملك القرار الحاسم في تقديم ما يعرض وما لا يعرض. وأرجو ألا يفهم ذلك من باب محاولة النيل من غاليري دارا، فلها الشكر كونها قدمت لنا أعمال الصلحي بعد غياب عن الساحة دام لأكثر من ثلاثين عاماً. ولكن أقول ذلك وأنا أنظر من طرف آخر إلى المستر أولي بايير، مايسترو الترويج لمدرسة الخرطوم . فهو الذي نسف كل أعمال الصلحي في فترة ما قبل مدرسة الخرطوم وذلك في عبارته عن الصلحي حتى بعد التحاقه بكلية الإسليد بالمملكة المتحدة "إنَّ الفنان لم يكن قد وجد بعد."  وهي عبارة تمت صياغتها ضمن سياق كامل رتبه السيد أولي بايير. ثمَّ قدم مدرسة الخرطوم بعد ذلك داخل السياق الذي قام بترتيبه.

لقد أتاح لنا الصلحي في زيارته الأخيرة للخرطوم (2005) فرصة نادرة جداً لمشاهدة أعماله قبل التحاقه بكلية الإسليد بلندن وهى ما لا يشبه مدرسة الخرطوم من قريب أو بعيد. فبأي وجه حق يسقط السيد أولي بايير كل هذه التجربة الزاخرة والغنية جداً من حياة الصلحي؟ إنَّ ذلك لا يؤكد إلا شيئاً واحداً، وهو أنّنا في حاجة لإعادة القراءة في أعمال إبراهيم الصلحي بعيون هي ليست عيون المستر أولي بايير بأي حال من الأحوال. أو بعبارة أدق، فنحن في حاجة لمؤسسات من نوع جديد. مؤسسات ننشئُها ونؤسسها بأنفسنا، ونرعاها ونحرسها بأنفسنا بدلاً عن أن يؤسسها لنا الآخرون نيابة عنا. صحيح أنَّ الطريق في ذلك صعب وشاق ووعر وطويل، ولكنه أقصر الطرق.

 

 

هل يمكن القول أنَّه في الكثير مما وجه من نقد لمدرسة الخرطوم كان يستبطن الرفض لارتباط منسوبيها من الموهوبين بالسلطة، أو في قلة ذكائهم، أو هروبهم من منافحة الظلم في منابعه النظرية، بعدم تدبرهم للنظر مثلاً في أنَّ العدل والمساواة يجيئان قبل العروبة والإسلام أو أي عرق ودين آخرين، وأنَّ في استخدامهم، وهم الموهوبون، لتلك الوحدات المرئية الدالة على العربي والمسلم إصباغ ـ يعززه ما للفن من قوة ونفاذية ـ لهوية عربية واحدة في السودان الكبير المتعدد الأعراق والثقافات ؟ أم للنقد ـ نقد مدرسة الخرطوم ـ أبعاد أخرى؟

 

أولاً لا يمكن وصف رواد مدرسة الخرطوم بـ "قلة الذكاء" إذ لديهم من الذكاء ما يكفي. أما الهروب من منافحة الظلم فهو يعنى الموافقة على استمرار الظلم. فليس هنالك هروب محايد بل ولا يوجد أصلاً موقف محايد. ومشكلة مدرسة الخرطوم هي مشكلة منهج. وما طرحته مدرسة الخرطوم من قضايا كان أكبر من سعة المنهج "الانتقائي" الذي نهجته. كما أنَّ السعي في اتجاه إرضاء السلطة السياسية فضح الكثير عن بعض منتسبي مدرسة الخرطوم.

نعم، للنقد الذي وجه لمدرسة الخرطوم أبعاد أخرى وذلك في بحثه عن الرؤى الأكثر شمولاً لواقع الحركة التشكيلية. هو نقد ينطلق من مناهج التغيير الاجتماعي الشامل والكامل، في الفلسفة، في الاقتصاد، في التعليم، في الأدب ...إلخ، بدلاً عن اللهث خلف مركز الثقافة الغرب أوربية أو السلطة أياً كان شكلها.

 

 

في رأيك كيف ساهم هذا التطلب الناقد لمدرسة الخرطوم، والمنطلق من مناهج التغيير الاجتماعي الشامل والكامل في الفلسفة، الاقتصاد، التعليم، الأدب... إلخ، والباحث عن الرؤى الأكثر شمولاً لواقع الحركة التشكيلية، كيف ساهم هذا التطلب الناقد لمنسوبي مدرسة الخرطوم أو غيرهم ـ وهم المشتغلون في الرسم والتشكيل ـ في الاهتمام أكثر بالأفكار والرؤى والمواقف الفكرية أو السياسية وتاركاً للتشكيل واللوحة ؟

 

إذا راجعت أطروحات عبد الله بولا فقد قدم توضيحاً مهماً في هذا الخصوص ضمن عبارته: "لا يتم التغيير بتغيير المفاهيم وحدها. والمفاهيم التي تهتم بتغيير المفاهيم فقط هي مفاهيم مختلة ومخادعة. وفي نفس الوقت لا يتم التغيير، تغيير الواقع، إلا بتغيير المفاهيم التي تقف عقبة دون التغيير." (الكتاب ص 171). وليس من الحصافة في شيء أن نقلل من قيمة هذه المهمة، أعنى مهمة تغيير الأفكار التي تقف عقبة دون التغيير، وإلا تحولنا إلى المعسكر الآخر الذي يقف ضد التغيير، أي معسكر المؤسسة السائدة.

المهمة التي اضطلع بها النقد المنطلق من مناهج التغيير الشامل كانت ومازالت مهمة ليست سهلة في أي مستوى من مستوياتها وهى مهمة لم ولن تنته على هذا النحو من العجل. وحتى لا نذهب بعيداً عن موضوع السؤال، فإنَّ ما طرحته في هذا السؤال سبق للأخ محمد عبد الرحمن حسن، بقدرته العالية على المثابرة، سبق له أن قطع فيه شوطاً ما ضمن ورقة "دراسة في المنشور الصحفي"، والتي ساهم بها في سمنار النشر والتوثيق التشكيلي الذي عقده الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين في العام 2003 بقاعة الشارقة. وأرى أنَّ هذه المحاولة الخيرة والجريئة التي أقدم عليها الأخ محمد عبد الرحمن حسن، والتي لا أحسبها إلا محاولة في اتجاه تجذير مستوى الطرح والصعود به ، هي محاولة تنطوي على ما ليس بالقليل من المخاطر. وهو ما يتمثل في كيفية تحويل الأثر التشكيلي (المرئي) إلى أثر كتابي، أدبي أو صوتي (منطوق). وهذه المخاطر لا تنفي أنَّ محمد عبد الرحمن حسن هو تشكيلي وباحث متوفر على مادة بحثه ويقدم كتاباته بشكل علمي وممنهج، ويملك القدرة على تقديم كثير من الإفادات الضرورية مما لا تزال الحركة التشكيلية في حاجة إليه. لاحظ مثلاً ما أورده في ملاحظاته الختامية حول مسار الخطاب النقدي في الورقة المشار إليها (تمَّ التغاضي عن المساهمات التي لم تصنف ضمن الجماعات المدرسية ـ مدرسة الخرطوم، الكريستالية، الجمالية ـ بينما هنالك عدد كبير ممن تركزت جهودهم حول بحوث تشكيلية هامة استغرقت وقتاً وجهداً كبيرين  ـ على سبيل المثال المرحوم عمر خيري، مدثر قطبي، حسين جمعان وغيرهم ـ وقد أسهم بعض هذه الجهود في التأثير على كثير من أجيال التشكيليين). إلا أنَّ الحكم الذي أصدره الأخ محمد عبد الرحمن، هنا، ليس دقيقاً إلى هذا الحد. ولك في ذلك أن تراجع مقال "لغة أوقات المساء" التي كتبها حسن موسى عن أعمال عمر خيري على سبيل المثال. وحسن موسى تناول خلال الفترة موضوع الدراسة 15 معرضاً من بين 38 معرضاً تمت الإشارة إليها (الكتاب ص 28).

ومن ناحية أخرى أكثر شمولاً، فإنَّ الإشكالية قد كانت هي ما تم تجسيده داخل الكتاب على نفس الصفحة (الملاحظ أنَّ ضعف الإعلان للمعارض كان دائماً هو المدخل للإخفاقات التالية في عدم تناول المعارض التي أقيمت). طرف آخر من الإشكالية هو "إنَّ ما كتب عن المعارض، خلال الفترة موضوع الدراسة، لم يكن يوازي حجم الجهد التشكيلي الذي بذل داخل وخارج صالات العرض مما لم يعلن عنه، خاصة وأنَّ الأسماء التي عرفت بممارسة الكتابة حول قضايا التشكيل كانت شحيحة للغاية (الكتاب ص 29). وهنا، فلنضع خطين تحت كلمة "شحيحة" بما تشير إليه في فداحة الإشكالية.

صحيح أنَّ ما أسميته بالتطلب الناقد قد إهتم بالأفكار والرؤى والمواقف السياسية. ولكني لا أتفق معك في أنَّه قد ترك التشكيل واللوحة. وإذا راجعنا، على سبيل المثال، ما طرحه الأخ هاشم محمد صالح (وبالمناسبة فهو احد الطلاب المفصولين من كلية الفنون) نجد أنَّ الأخ هاشم محمد صالح قد لخص هذه النقطة بالذات بشكل جيد في حديثه عن الاتجاه المعارض لمدرسة الخرطوم: "إنَّ هذا الاتجاه ركز تركيزاً شديداً على تناول الأعمال الفنية لهذه المدرسة بالنقد. وكشف بأنَّ من ينتمون لهذه المدرسة كانوا يستغلون وحدات من الأعمال التراثية كالشرافة وزخارف البيوت... إلخ، ليركبوا منها لوحاتهم بدلاً عن جعل هذه اللوحات مختبراً لابتداع تراكيب وأشكال وألوان جديدة. فهذا الاتجاه

كان يعارض التعامل مع اللوحة باعتبار أنَّ لها معنى يمكن التعبير عنه بالكلمات وكان يعتبرها تجربة جمالية لها وسائل تعبيرها المختلفة (الكتاب ص 77). لقد فصل هاشم محمد صالح، ومعه آخرون، من كلية الفنون لمخالفتهم للعقلية السائدة. فهل رأيت كيف أنَّ المهمة لم تكن سهلة؟!!

 

 

في رأيك، هل تمَّ التغاضي فعلاً عن تلك الجهود التشكيلية التي ذكرها محمد عبد الرحمن (بوب)؟

 

إذا تعدلت العبارة قليلاً بحيث يشير السؤال إلى أنَّ هذه الجهود لم يتم تناولها كتابة، فإن المناقشة حول المسألة تكون في هذه الحالة ممكنة. أما بالنسبة لمسألة التغاضي عن هذه الجهود فإنَّ ذلك لم يكن وارداً. محمد حسين الفكي سبق له أن طرح وجهة نظر شبيهة بما يمكن أن نسميه بـ "التغاضي" عن بعض المساهمات، وذلك في كتابته عن معرض محمد إدريس يوسف (جريدة الأيام 15 فبراير 1977). وهو ما نفاه عبد الله بولا في العدد التالي من صفحة ألوان الفن والأدب: "إنَّ محمد إدريس شأنه شأن كثير من الشبان الذين عرضوا أعمالهم خلال العامين الماضيين في المراكز الثقافية، تعرض لإهمال شديد في ما يخص الإعلان والدعوة ومجمل النواحي الإعلامية. وهو سلوك درجت عليه في المدة التي ذكرناها جميع المراكز الثقافية (جريدة الأيام 22 فبراير1977) (الكتاب ص 28). وإضافة إلى ما ورد في الإجابة السابقة أحيلك أيضاً إلى ما ورد في الكتاب حول التداول الشفهي الكثيف الذي تمَّ خلال الفترة المعنية (الوعاء الأساسي لحركة النقد التشكيلي تمَّ شفاهةً. وهنالك كثير جداً من الأسماء التي أسهمت في تناول الظاهرة التشكيلية وفي استجلائها بقدرٍ كامل من المسئولية، إلا أنَّ إسهامات هذه الأسماء ظلت غالباً إسهامات شفهية (الكتاب ص 187). وعلى كل حال، وحتى لا نختزل دعوة الأخ محمد عبد الرحمن، فإنَّ المشروع الذي يطرحه هو مشروع متقدم. وهو مشروع في مستوى المناقشة ويستحق أن يفرد له حيزاً خاصاً من المناقشة. لقد سبق أن قدم محمد عبد الرحمن معرضاً لأعماله بفندق الهيلتون في أوائل التسعينات وحوى المعرض من الأعمال ما لا يقل في ثرائه عن مستوى ما يقدمه من طرح نظري. ولكن المعرض لم يتم تناوله كتابة، شأنه في ذلك شأن معارض عبد الله بولا وحسن موسى وصلاح حسن عبد الله...إلخ. وبالنظر إلى مواعين الحركة التشكيلية التي تفيض، كل يوم، على مواعين الكتابة، فمن هو المسئول عن كل ذلك. أكون متأكد جداً أنَّه لم تكن هنالك وسط أدبيات "التطلب الناقد" أي أفكار مسبقة حول ما يمكن أن نسميه بالتغاضي، لأنَّه لم تكن لتوجد أصلاً وسط ممثليه مثل هذه الفكرة. وإذا كنا بصدد الحديث عن التغاضي فلنكن أكثر دقة ونحدد "مَنْ تغاضى عن مَنْ ؟". لقد ظهر ذلك التغاضي المتعمد في أبهى صوره في معرض الفنان والأفكار (مهرجان الثقافة الرابع، قاعة الصداقة، ديسمبر 1980 (الكتاب ص 30 ) يوم أن تغاضى مقرر لجنة الفنون بالمهرجان (أحمد عبد العال) عن كافة ممثلي "التطلب الناقد" ولم يسمح لهم، دون الآخرين، بالعرض. ولكن الناس سكتوا على ذلك. ومن ناحية أخرى، فقد تم تزييل كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" بمجموعة كبيرة من الأعمال التشكيلية لتشكيليين مختلفين، ولكنك لم تجعلها موضوعاً للمناقشة داخل هذا الحوار. ولا أحسب أنَّك تترصد هذه الأعمال و تتغاضى عنها. المسألة وما فيها أنَّك مهموم في اللحظة بالذات بأشياء أخرى. وهذا هو ما حدث بالضبط داخل خطاب التطلب الناقد وضمن تناول ما تمَّ تناوله. كل حدود قدرتي عند النظر إلى لوحة أن تتناوشني الأحاسيس، وقد لا يحدث ذلك.

 

 

وعن أعمال التشكيل التي في كتابك كان ذلك هو الحال، ولم استطع أن أتقدم كثيراً لتخطي درجة الإحساس والتوجه إليك بالسؤال. ولكنني أستطيع أن أسأل: هل كان نتيجة عدم الكتابة كثيراً في التشكيل واللوحة، إضافة إلى الاهتمام كثيراً بالأفكار والمواقف السياسية والفكرية، ثمَّ الشفاهية التي صبغت كثيراً محاولات استجلاء الظاهرة التشكيلية، هل كانت النتيجة لكل ذلك، هي ضعف العلاقة بيننا وبين اللوحة والتشكيل ؟

لقد اخترت لنفسك أن تحجِّم قدرتك عند حدود "مناوشة الأحاسيس" في حالة النظر إلى اللوحة. وقد كان ولازال في وسعك أن تمدد هذه القدرة إلى ما هو أكثر من ذلك. وعلى كل حال فمن الممكن أن نبسط المسألة إلى أكثر مما تتخيله كأن تقول إنَّ هذا العمل يعجبني أو لا يعجبني. فذلك من حقك. بالطبع وفي ظل حالة الغموض والكهنوت التي تكتنف لوحة الحامل فربما يسألك سائل ويطالبك بتقديم ما لا طاقة لك به من التحليل الكامل الشامل لوجهة نظرك او بتقديم التبرير الكافي لها، إلا أنَّ ذلك ليس ملزماً إلى هذا الحد. وإبداء وجهة النظر سواء سميناه نقداً أو أي شيء آخر فهو يتأسس فقط على مجموعة من المعارف تظل أبداً هي معارف قابل لتطويرها وإثرائها بشكل مستمر وبلا أي نهايات. كما أرجو أن تلاحظ أنَّه من الممكن أن يستمع أي شخص إلى أغنية زاد الشجون مثلاً، أو مصر المؤمن، أو بوب مارلى... إلخ. ومن حقه أن يقول ما إذا كانت هذه الأعمال تعجبه أو لا، ولن يكون في ذلك ملزماً بتقديم التحليل الكامل، الشامل... إلخ لوجهة نظره، ولن يكون في حاجة إلى هذه الوصاية الحاسمة من النقاد من أي شاكلة فيهم لإفادته عن الأعمال الجديرة بالسماع وغير الجديرة بالسماع، وإلا فإنَ المسألة يكون بها كثير من العسف. وإذا تنازلنا قليلاً عن المصطلحات الفلسفية المعقدة والعبارات القوية من نوع "الما وراء، فضاء اللوحة، التركيب التحتي والتركيب الفوقي، الميتافيزيقيا"... إلخ، أو حتى المصطلحات المتداولة وسط المثقفين بشكل عادى كـ "النقد أو التحليل العلمي الرصين"... إلخ، فقد كان من الممكن لك أيضاً أن تبدى وجهة نظر عامة حول الأعمال داخل الكتاب مثلاً، أو تسأل عن الأسس التي تمَّ اختيار نماذج الأعمال بناءً عليها. أو عن الفكرة وراء شمولها لنماذج تمتد من التصميم الإيضاحي، إلى التلوين، إلى النحت إلى الرسم... إلخ.

 

إنَّ سؤالك يدفعني للحديث عن الأفكار أكثر من الحديث عن الأعمال. وعلى كل حال فأنت تسأل في مؤخرة السؤال عن اللوحة والتشكيل. ولكن الحديث عن اللوحة ليس مطابقاً للحديث عن التشكيل، لأنَّ التشكيل أوسع مدىً من اللوحة. فالناس يتعاملون يومياً، وبشكل عفوي جداً، مع التشكيل في مجالاته التطبيقية. ولكن إشكالية التذوق أو الكلام عن ضعف علاقتنا بالتشكيل، على النحو الذي أفصحت عنه، لا يظهران على السطح إلا أمام لوحة الحامل والمنحوتة. ولكي نكون أكثر دقة، فهما يظهران على السطح بشكل خاص أمام الأعمال التجريدية دون غيرها. ففي أعمال الرسم الواقعي (التمثيلي) لم نسمع بهذه الإشكالية. ومشكلة التجريد هي أنَّه يشكل أحد تمثلات نمط مركز الحداثة الغربية الوافدة بقوة السلاح وقوة رأس المال. ومفهوم التجريد كما ورد في مركز نشأته لم يكن موجوداً في إرثنا. لقد أخذنا عنهم ذلك المفهوم بدون أن نقوم بفحصه. ثمَّ أحكمت الدائرة علينا عندما تمثلنا تقاليد ونماذج مراكز النقد الغربي في شكله الحداثوي. وهو نقد له إستراتجياته وله أهدافه التي لم نكن طرفاً في صياغتها. لقد سمحنا للسيد أولي بايير أن يعبر فضاء حركتنا التشكيلية بأريحية كاملة دون أن نسأله. وأسلمنا قيادنا له. نحن في حاجة إلى إعادات نظر أكثر جذرية في كثير من الأمور، بما في ذلك قناعتنا بضعف العلاقة بيننا وبين التشكيل. واعتقد أنَّ الكتاب هو خطوة في هذا الاتجاه .

أنت صحفي ومتوفر على موضوع التحقيق الذي تقيمه، وتسأل بشكل موضوعي وبلا محاباة أو مجاملة. وتلك هي خطوة صحيحة في اتجاه فض الغموض والكهنوت حول الظاهرة التشكيلية والنزول بها من سماء الجن والشياطين إلى أرض الناس. ففي زمن ليس بعيداً كان التشكيلي هو كائن غريب، شيطاني، ساحر، أو ذات لا تشبه ذوات الناس العاديين. وكان التشكيل هو مجموعة من الطلاسم الكهنوتية غير القابلة للسؤال أو التداول حولها، والحديث عنه كان محتكراً لنوع خاص من (الكجور) اسمه (النقاد). وطالما أنَّ الموضوع قد طرح في بساط البحث العام بلا عقد وبلا ابتذال فأعتقد أنَّنا قد خطونا بذلك خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. سلسلة (بداية مشهد مصرع الإنسان الممتاز) التي أنتجها عبد الله بولا فتحت الباب واسعاً في هذا الاتجاه (الصحيح). ولكن السلسلة لم تجد بعد حظها الكافي من المناقشة. وأظنك قد لاحظت أنَّ عبد الله بولا كان حريصاً فيها على كلمة (بداية... إلخ) حسب توضيحه (...ولعلني قد اخترت عنوان مقالاتي توافقاً مع هذا الفهم "بداية مشهد مصرع الإنسان الممتاز". ذلك أنَّ الإنسان الممتاز يحتضر الآن ولن يقع مصرعه نهائياً إلا بتحول المجتمع البشري بأكمله إلى مجال للمبادرة الخلاقة؛ إلى مجتمع خالٍ من القهر الاقتصادي والثقافي... إلخ. وبما أنَّ ذلك قد بدأ في الحدوث فقد سمينا المقال "بداية … إلخ" . وليس في الأمر ما يثير بل إنَّه من الأمور التي تدعو إلى الفرح والاغتباط الكتاب ص 167). إلا أنَّ أركان مؤسسات الكهنوت ما زالت قائمة، ومازالت قادرة على الفعل. وعلى كل حال فإنَّ الأمر برمته قد طرح على طاولة البحث والمساءلة فرفعت الحجب. وفتح ذلك الباب واسعاً لطرح بقية الأسئلة التي قد لا يسعها الحيز هنا.

أنت تسال عما إذا كان (عدم الكتابة الكافية حول التشكيل واللوحة) هو الذي أنتج ضعف علاقتنا بالتشكيل. بالطبع فإنَّ عدم الكتابة عن التشكيل يشكل طرفاَ من أطراف الإشكالية. ولكن لا يمكن أن نحمله المسئولية بكاملها. وعدم الكتابة نفسه ما هو سوى مظهر لمشكلة أخرى هي ضعف حاسة التوثيق وتدوين الوقائع لدينا، وهو مظهر من مظاهر مشكلة ارتفاع صوت المشافهة التي قد تجعل المتشافه في حل من كثير من التزاماته تجاه أطروحاته. ودعني أسالك، فمتى كتبنا أصلاً كتابة كافية حول أي شيء مما يخص حياتنا؟ هنالك اليوم الكثير من الظواهر والوقائع في مختلف مناحي حياتنا مما هو غريب ومحير. مثلاً سوق الأوراق المالية الذي أفتتح في 1992، بينما قانونه أجيز في 1982. أي أنَّه تأخر عشر سنوات في تنفيذه. وفي نفس الوقت نجد أنَّ المشروع نفسه قد تمت صياغته وإجازته في 1962 على يد السيد عبد الماجد أحمد وزير المالية في تلك الفترة (ميزانيات السودان ـ وزارة المالية والاقتصاد الوطني ـ ميزانية العام المالي 62 /1963 المجلد الأول ص 144 – 145 ) ومثال آخر هو مشروع الكهرباء الدائري الذي أفتتح في النصف الأول من التسعينات بينما بدأ تنفيذ في منتصف الثمانينات. ولكن المشروع أصلاً هو من مشروعات المرحوم السيد الشريف حسين الهندي وزير المالية خلال فترة الديمقراطية الثانية في منتصف الستينات. لا أسوق هذه الأمثلة من باب الوقوف في جانب الـ "مع" أو الـ "الضد" من مشروع سوق الأوراق المالية أو مشروع الكهرباء الدائري. ولكن، فأي اقتصاد هذا الذي يمكن أن يتحمل تنفيذ مشاريعه كل هذا التأخير؟ هل المسألة "لعب عيال؟". منذ منتصف السبعينيات انطلق شعار مدوي يقول إنَّ السودان هو سلة غذاء العالم. ولكن سلة غذاء العالم تتشكل اليوم من ملايين الناس ممن يتحصلون على قوت يومهم بالكاد. فهل يوجد من بين "خبرائنا" الاقتصاديين أو الزراعيين ـ ويا لهم من خبراء ـ فهل يوجد اليوم بينهم من كتب لنا تفسيراً نفك به شفرة مثل هذه الطلاسم والألغاز؟ أنظر "خلفك وأمامك" كما يقول بشرى الفاضل. أنظر إلى صحفنا التي يسيطر اليوم على أغلبها رموز ومؤسسات الحركة التي كانت تسمى بالإسلاموية ولا ندري ما اسمها اليوم، أنظر إلى هذه الصحف وإلى حال صحفيينا داخلها، وهم الذين يعول عليهم في تشكيل الرأي العام وفي تسليط الضوء على البؤر الهامة في حياة الناس.

فإلى أي شيء انتهى حالهم؟ لقد صنعت منهم المؤسسة السائدة كائنات لها أسعارها ولها جمهورها. وولائهم يتحرك في اتجاه من يدفع أكثر. يبدو أننا نعيش الآن "بنية الوعي البرجوازي" في نسختها المشوَّهة، وليس "بنية الوعي الخلاق" حسب تحليلات الأستاذ الشيخ محمد الشيخ. ومن داخل هذه البنية (بنية الوعي البرجوازي) فماذا نتوقع من كتابنا أن يكتبوا؟ بل أين هو زمان الكتابة نفسه؟  الأستاذ عيسى الحلو كان يتساءل بما يشبه البراءة "هل انتهى زمن الحفل الجميل؟" (جريدة الرأي العام عدد 28 يناير 2005). ونحن نتساءل: هل انتهى زمن الكتابة؟ هل هو أصلاً بدأ؟ أم ماذا؟ الأستاذ محمد المكي إبراهيم سبق له أن قدم تحليله في ذلك يوم أن أرجع ما أسماه بـ "قصر النفس الكتابي" إلى تاريخ التصوف الطويل في السودان: "لقد أفلحت خمسة قرون من التصوف في طبع الفكر السوداني بطابع غير علماني" (...) وهو المسئول عن قصر النفس الخطابي والكتابي لأجيال السودانيين... إلخ"  (كتاب الفكر السوداني، أصوله وتطوره). ولنا أن نقارب ذلك بما كتبه الأستاذ محمد إبراهيم نقد في تحليله لطبيعة تركيبة البنى الاجتماعية في سودان ما بعد 1500 حيث جاءت في بداية تحليلاته فرضية ما كـ "فرضية مبهمة، نوعاً ما، تفترض أنَّ من بين سائر المؤثرات والعوامل، وهى كثر، لعبت أربع مؤسسات دور المفاعل النشط في كيمياء عصر التشكل والتكوين في سودان 1500 – 1900، وهى:

ـ علاقات الأرض.

ـ علاقات الرق والاسترقاق.

ـ الفكر الصوفي.

ـ الكيانات الإثنية والتكوينات الاجتماعية ونسق المعتقدات للقبائل النيلية وعلاقة النسق بمعتقد التوحيد.

(علاقات الرق ص 7). واهتمَّ بحث الأستاذ نقد بالتحليل في اتجاه المؤسسة الثانية (علاقات الرق والاسترقاق)، بينما بقيت المؤسسات الثلاثة الأخرى كمساحات بكر تنتظر البحث والكتابة التي لم تطالها بعد. ولاحظ أنََّ الأستاذ نقد نفسه هو الذي يستشهد أمامنا بالمثل الدارج والذي اكتفي بوصف القراءة، "القراية أم دق"، ونسى أنَّ الكتابة هي الدق ذات نفسه. وعلى كلٍ، فقد بقيت المساحة الشاغرة داخل البحث في المؤثرات والعوامل التي لعبت دور المفاعل النشط في عصر التشكل والتكوين في سودان 1500 ـ 1900، هي أوسع مدىً من المساحة التي شغلها البحث (بنسبة ثلاثة إلى واحد). وفي نفس الوقت، فإنَّنا نجد أنَّ البحث الذي تواصل في اتجاه علاقات الرق "لن يستقيم عوده وتستقر أركانه إن لم يتخذ من عهد التركية 1821 – 1885، محوراً له، فهي الذروة التي دفع محمد على باشا تلك المؤسسة نحوها، ولا تتضح الصورة على السفح من الجانبين إلا بتسلق واعتلاء القمة. فما فعلته تجارة الرقيق والاسترقاق عبر الأطلسي في غرب أفريقيا، فعلته التركية في السودان (علاقات الرق ص 10). ولكن، "وثائق الفترة التركية ليست متوفرة في دار الوثائق القومية. أين؟ أكثرها في دار الكتب وعابدين في القاهرة. بعضها في مكتب المستعمرات في لندن، بعضها في أرشيف السودان بجامعة درم" (ص 11). وما يثير الدهشة أنَّ "السلطات المختصة بدار الكتب بالقاهرة منعت الإطلاع على وثائق التركية" (ص 11). "وعلى كل فقد تأجل الفصل الخاص بالتركية عن هذه الصفحات ليصدر عندما ترفع دار الكتب حظرها" (نفس المصدر ص 11)، وهو الفصل الخاص بالذروة في موضوع البحث. وبذلك تتوسع مرة أخرى المساحة الشاغرة في بحث المؤسسة الثانية ضمن الفرضية التي افترضتها الدراسة وتظل هذه المساحة الشاغرة، فترة التركية، قيد الانتظار، بعد الانتظار الذي أقر تلقائياً في تأجيل بحث المؤسسات الثلاث الأخرى. ولكن، فلا مفر من طرح الأسئلة: الانتظار إلى متى؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا رفضت السلطات المختصة بدار الكتب بالقاهرة رفع الحظر عن وثائق التركية ؟ و... و... إلخ؟  وإذا قارنا ذلك بتحليلات الأستاذ محمد المكي إبراهيم نجد الآتي: إنَّ خمسة قرون من تاريخ التصوف في السودان هي المسئولة عن قصر النفس الكتابي لدى أجيال السودانيين المتعاقبة. بينما لدى الأستاذ محمد إبراهيم نقد نجد إنَّ "الفكر الصوفي" يمثل أحد أطراف "المفاعل النشط في كيمياء عصر التشكل والتكوين في سودان 1500 – 1900". وفي نفس الوقت فإنَّ مساحة هذا المفاعل النشط مازالت بكراً في انتظار "القراية أم دق" ثمَّ الكتابة على نفس النحو الذي وصفت به "الدق ذات نفسه". والخلاصة هي أنَّ قصر النفس الكتابي لدى الأستاذ محمد المكي إبراهيم هو أحد نتائج الفكر الصوفي. بينما الكتابة عن الفكر الصوفي تمثل إحدى الأوليات لدى الأستاذ محمد إبراهيم نقد. وهكذا فمن الممكن أن نصل إلى تناقض بلا حل. ملاحظة أخرى، وهى أن أحد دوافع الأستاذ محمد إبراهيم نقد تجاه الوثائق والكتابة كانت دافعاً ظرفياً هو "وحدة الاعتقال ووحشة الإقامة الجبرية، وتعذر بل واستحالة تبادل وجهات النظر والرأي مع المختصين والعارفين، اختصارا للوقت واقتصارا للجهد، وإرشاداً للأفضل من المراجع.. أصبحت الوثائق البديل المتاح، وأضحى الحوار معها نصف المشاهدة ونصف المعايشة لعصرها، وأمسى نصها ضابطاً ومنظماً للخلاصة والاستنتاج" (علاقات الرق ص 8) فهل سننتظر ظرفاً آخر من "وحدة الاعتقال ووحشة الإقامة الجبرية" لإكمال "القراية أم دق" ثمَّ الكتابة أو "الدق ذات نفسه"؟ هذا الوضع اللاإنسانى هو في حد ذاته مدعاة للنظر فيه، فكيف لنا أن نقبل ارتهان البحث والعمل الفكري لدينا لوحدة الاعتقال ووحشة الإقامة الجبرية؟ على كل فالبحثان يطرحان من الأسئلة ما يستحق هم وعناء المواصلة في ما يطرحانه. وأي بحث رصين لابد أن يطرح من الأسئلة بقدر ما يقدم من الأجوبة، وإلا فما عاد بحثاً.

 

وبدون الاسترسال فأخلص من كل ذلك إلى أنَّ عدم الكتابة هو إشكالية لا تهم التشكيل وحده ولكنها إشكالية تشمل مختلف مناحي حياتنا في التاريخ، في الأدب، الاقتصاد، في التعليم، في العمل السياسي... إلخ. وبالطبع فإنَّ التشكيل ليس استثناءاً في ذلك. الناس يطالبون التشكيليين بحقهم في فهم "التشكيل". ونحن أيضاً نطالب الناس بحقنا في أن نفهم ما يحدث من حولنا في مختلف مجالات حياتنا. وإذا كان تجميل العالم هو مسئولية التشكيليين، فلابد أن يكون للعالم أيضاً مسئولياته تجاه التشكيليين.

 

 

كيف تنظر لدورك كتشكيلي في الحياة؟

 

الإجابة على هذا السؤال تستلزم قبلاً الإجابة على السؤال عن دور التشكيل في الحياة. وهو سؤال خارج إمكانات التحقيق أو الاستطلاع الصحفي. هو سؤال ربما يصلح أن يكون موضوعاً لرسالة الماجستير أو الدكتوراه، أو ما يضاهيها مما هو مفترض من أشكال البحث العلمي. ولكن هموم مؤسساتنا الأكاديمية لم تستوعب بعد محاولة البحث في الإجابة على الأسئلة من هذا النوع. ولعلني أتفق جزئياً مع حسن موسى في حديثه عن موقف المؤسسة الأكاديمية مما أسماه حسن موسى بـ  "مركز المبادرة الفكرية" وأسميته أنت بشكل آخر بـ "التطلب الناقد". فحسن موسى يرى "أنَّ الشكل الأكاديمي ما هو إلا شكل بين أشكال أخرى، وفي نظري الضعيف، فهو ليس أكثر أشكال البحث كفاءة كونه يبقى رهين شروط المؤسسة، مؤسسة السلطة المهيمنة بمختلف أشكالها الفكرية والمادية. ولا يغيب على فطنتك أنَّه إن كان التشكيليون السودانيون قد أنتجوا أدبهم الجمالي خارج المؤسسات الأكاديمية المستقرة من نوع جامعة الخرطوم والقاهرة وأمدرمان الإسلامية بل وحتى خارج ـ  وقيل ضد ـ كلية الفنون نفسها فما ذلك إلا لأنَّ هذه المؤسسات الرصينة لم تكن في وضعية فكرية تؤهلها لمواجهة الأسئلة التي تمكنها من تأهيل خريجيها لمواجهة الأسئلة التي تصدى لها التشكيليون في ذلك الوقت، وفي نظري – الضعيف تاني فإنَّ المؤسسات المزعومة أكاديمية إياها هي مؤسسات مارقة من الجنة وسقطها، ودورها إنَّما يتبرر باستخدام السلطات لها كواجهات للحداثة العلموية ـ يعني همبول لا أكثر ولا أقل. هل أشتط في حكمي؟! ربما ولكن لا أحد يغالط في حقيقة أنَّ مؤسساتنا الأكاديمية الموقرة والمكلفة ظلت على الدوام بعيدة عن مركز المبادرة" (جريدة جهنم العدد 18، مايو 2001). إلا أنني ربما أختلف قليلاً مع حسن موسى في رفضه الذي يبدو كلياً للمؤسسة الأكاديمية، وإلا فلمصلحة من سنهجر المؤسسة الأكاديمية بكاملها للآخرين؟ لقد سبق أن عرضت كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" على الدكتور عبد الله علي إبراهيم، على أيام عمله بمركز الدراسات الآسيوية والأفريقية، وذلك بغرض تقديم مسودة الكتاب كدراسة للحصول بها على درجة الماجستير. ولكن مبدأ تقديم الدراسة بهذا الشكل لم يكن مقبولاً. لأنَّ من أسس المؤسسة الأكاديمية ضرورة الدخول إليها بـ "ذهنٍ صافٍ" حسب تعبيره، أي بدون أي فكرة مسبقة. وأحسب أنَّ المقصود بذلك هو الفكرة التي لا تتفق مع الأسس التي تعارفت عليها المؤسسة في ترتيب أكاديمياتها. وربما ألتمس العذر للدكتور عبد الله علي إبراهيم الذي لم يطلع على الدراسة قبل إصدار حكمه. إلا أنَّ الرأي السالف كان على العكس من رأي الدكتور محمد الحسن علي الذي اطلع على الدراسة بداية، فما كان منه إلا أن بادرني بعد ذلك بالاقتراح بأن أتقدم بهذه الدراسة إلى قسم الدراسات العليا بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا لنفس الغرض، الأمر الذي كان يتطلب قضاء عام كامل للحصول على الدبلوم العالي أولاً، ثمَّ عامين آخرين للحصول على درجة الماجستير. ولا شك أنَّ ذلك كان سيؤخر نشر الدراسة لمدة ثلاثة أعوام أخرى.

وعلى كلٍ، فإنَّ حال المؤسسة الأكاديمية قد ساء كثيراً بعد أن تحولت، في زمن الخصخصة، إلى مؤسسات توفيقية، توفق بين الأسس التجارية وبين الأسس الأكاديمية، على علاتها، مما تكلم عنه حسن موسى. وهكذا تبقى مساحات الأسئلة التي تنتظر الإجابات الشافية هي مساحات خارج أفق المؤسسة الأكاديمية. وعليه فلنقبل شكل التحقيق، صحفياً كان أو غير صحفي، كإمكانية واحدة من عدة إمكانيات أخرى في سبيل المحاولة للإجابة على مثل هذا السؤال. وهو نفس السؤال الذي سبق للسيد إرنست فيشر أن حاول الإجابة عليه، ولكن لم يكن أمامه من سبيل في ذلك  سوى أن يصدر كتاباً كاملاً حول المسألة وهو كتاب "ضرورة الفن". لقد استهل السيد فيشر كتابه بعبارة السيد جان كوكتو "إنَّ الشعر ضرورة.. وآه لو عرفت لماذا ؟" ولكن السيد فيشر يستدرك بانَّ جان كوكتو قد عبر "عن ضرورة الفن، وعبر في الوقت نفسه عن الحيرة إزاء دور الفن في المجتمع البرجوازي" (ضرورة الفن ص 7). ثمَّ يضاهي ذلك بوجهة نظر الرسام الهولندي موندريان والذي "يرى أنَّ الفن يمكن أن يختفي، وأنَّ الواقع سوف يحل محل الفن، إذ لم يكن الفن في جوهره إلا تعويضاً عن انعدام التوازن في الواقع الراهن. وقال: إنَّ الفن سيختفي عندما تصل الحياة درجة أعلى من التوازن". ولكن السيد فيشر، ورغم موافقته على فكرة أنَّ الفن هو بديل الحياة وأنَّ هذه الفكرة تحوي اعترافاً جزئياً بطبيعة الفن وضرورته، إلا أنَّه، وعلى العكس من موندريان، يرى أنَّ   "وجود التوازن بين الإنسان وعالمه هو أمر مستبعد حتى في أرقى أشكال المجتمع، ومن هنا نستطيع أن نستنتج ـ حتى من هذا الرأي ذاته ـ أنَّ الفن سيكون ضرورة في المستقبل كما كان في الماضي" (المصدر السابق). ثمَّ يستطرد السيد فيشر في تحليلاته العميقة على مدى صفحات الكتاب التالية في الحديث عن ضرورة الفن والذي يصفه بـ "الظاهرة الفريدة والمدهشة" (ضرورة الفن ص 8). بين أدبيات التشكيل في السودان لا أجد ما يسعفني أكثر من كتابات عبد الله بولا "جرى وساد زمناً طويلاً، وبدافع الرغبة في تجميد الفن، القول بأنَّ الفن نشاط كاشف عن أعماق النفس الإنسانية. وهذا القول على ما فيه من الصحة قول مضلل لأنَّه يتحرك من اعتبار التكوين النفسي للإنسان معطىً قبلياً. والنتيجة الحتمية لمثل هذا الفهم هي التعامل مع الفن على اعتبار أنَّه باعث ومنشط للإسقاطات الشخصية الموجودة قبلاً. وعلى هذا المنطق الميتافيزيقي يتأسَّس النقد السلفي الذي يصرف النظر عن قيم التشكيل الأساسية متوجها إلى البحث عن الموعظة والإرشاد والبواعث النفسية للفنان المختزلة في تصور ضيق الأفق عن دور الفن الاجتماعي والنفسي. يتحرك موقفي من موقع مخالف للمنطق السالف، إذ أرى أنَّ المأثرة الحقيقية للعمل الخلاق (ومنه الفن) هي تكوين وتأسيس هذه الأعماق بالأصل فالتكوين النفسي للإنسان هو نتاج تاريخه الاجتماعي، نتاج عمله الخلاق في المقام الأول. ذلك أنَّ هناك ما هو نتاج الإنجازات المدمرة المسئولة عن كل أشكال التدني النفسي التي لحقت بالإنسان. صادرة أعمالي ضد: مؤسسة القمع الثقافي؛ ضد تركة النقد الإسقاطي، ضد الغياب المتدثر بالرموز بديلاً عن الفعل. محاولة الحضور أمام روعة الصعوبة والغنى التي تطرحها الظواهر الجديدة وتطرحها في التشكيل حاجتنا "الجزء معلومة" إلى ابتداع وتركيب الأشكال (صالة المجلس البريطاني بأمدرمان 1977، الكتاب ص 229). منذ ذلك الزمان لم نسمع ما يعضد أو لا يعضد وجهة نظر عبد الله بولا أو حتى من يحاول أن يضاهيها في اتجاه الكلام عن الدور الاجتماعي للفن أو للتشكيل. ولا أحسب ذلك بسبب أنَّ القضية هى باب ما هو مفروغ منه وإلا لما تكبد السيد فيشر كل هذا البحث المطول في الحديث عن ( ضرورة الفن ). ولكن الأرجح هو أنَّ المسألة بما تنطوي عليه من مشاق فإنّ الخوض فيها لم ولن يكون سهلاً. أحاول أن أختصر وأقول بأنَّ الكائن الحيواني منذ أن تنفتح عينيه على الحياة فهي لا تنفتح إلا على مجموعة لا متناهية من الأشكال المرئية. على ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي منها، في الأجسام المتحركة وغير المتحركة، في الملابس، في الشوارع، في الأثاثات...إلخ. ولكن الخيال أداة الذهن البشري للعمليات الإبداعية ولتطوير الطبيعة، كان هو الخاصية التي امتاز بها الكائن البشرى على مدى التاريخ، على كافة الكائنات الحيوانية الأخرى. ولا شك أنَّ هذه الكائنات الحيوانية غير الإنسان تملك هي الأخرى القدرة على تطوير الطبيعة، إلا أنَّ تطويرها للطبيعة يتم بلا وعي. فالطيور، مثلاً، ظلت تبني أعشاشها منذ آلاف السنين بنفس الكيفية وبلا أي إضافات. لأنَّها لا تملك خاصية الخيال وبالتالي لا تملك خاصية الوعي. ولكن مع ميلاد الكائن البشرى على سطح الحياة، امتلك هذا الكائن البشري خاصية الخيال وبالتالي امتلك الوعي الذي أهله لتطويره الأشكال المرئية وغير المرئية بوعي وبشكل مستمر وبلا سقف، بل بحسابٍ لا متناهٍ للإضافات التي ظل يستحدثها على نحو مستمر بحثاً عن التوازن المستحيل الذي سبق أن تكلم عنه السيد موندريان.

لا يوجد شكل بلا لون ولا يوجد لون بدون شكل. عناصر الشكل هي الخط والنقطة والحجم. وعناصر الألوان الصناعية هي الأزرق والأحمر والأصفر. بينما مجموع هذه الألوان الثلاثة يكون اللون الأسود. وحالة انعدامها تشكل اللون الأبيض. من هذه العناصر المحدودة المتمثلة في الخط، النقطة، الحجم، واللون (أو المساحة) ظلت البشرية منذ فجرها الأول تمارس التشكيل وتعيد صياغة المرئيات على نحو مستمر وبلا توقف. وإذا توقف هذا المسعى فلابد أنَّ حياة الكائن البشري (ككائن بشري) ستتوقف هي الأخرى، وعندها سيتحول إلى أي كائن حيواني آخر. إنَّ قدرة البشر على إعادة صياغة شكل الحياة هي قدرتهم على العمل الخلاق، المبدع والتي لا تتأتى إلا بفعل الخيال والوعي الذي يملك القدرة على تجاوز ما هو مطروح تاريخياً إلى ما لم يطرح حتى هذه اللحظة.

 

 

 وماذا عن دورك أنت شخصياً كتشكيلي في الحياة؟

 

ما سبق كان مقدمة ضرورية لما سيأتي. ولتوضيح دوري كتشكيلي في الحياة، فأودًّ أن أفيدك أولاً بأنَّنى لست مدرساً، ولا واعظاً، ولا مرشداً. ودوري كتشكيلي في الحياة يأتي منه احترامي لعيون الناس، تماماً بالقدر الذي يتسنى لي به احترامي لعقولهم، اصطحب في ذلك مقولة الكريستاليين بأنَّ "العين لا ترى بمعزل عن الذهن". وأضيف أنَّ اليد لا ترسم، هي الأخرى أيضاً، بمعزل عن الذهن. ودوري يأتي منه احترامي لخياراتي ولخيارات الآخرين.. أنا أملك عينان، واحدة انغرست تماماً وبشكل كامل في تربة الواقع المادي الموضوعي التاريخي بكل سوءاته وعوراته. والثانية تحلق في سماء الأحلام الإنسانية الكبيرة حيث الأفق الذي لا تحده معطيات الواقع المادي الموضوعي التاريخي الطارئ، والذي هو طارئ رغم حزن الحزانى، وتشاؤم المتشائمين، ورغماً عن شمس السودان الحارقة واللافحة، ورغماً عن الهم والملاريا، ورغماً عن التدخل السافر من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية في أدق شئون حياتنا ورغماً عن القوى الأجنبية المسلحة التي تتجول اليوم في مختلف أنحاء السودان دون أن يسألها أحد.

هذا الدور، بهذه الكيفية، هو ليس دوراً متفرداً، فكل البشر الأسوياء هم كذلك. إلا أنَّ الوعي بالمساحة التي يتحرك داخلها الدور نفسه تظل على درجة خاصة من الأهمية. وهو دور التقى فيه على الطريق مع أناس آخرين كثيرين من التشكيليين وغير التشكيليين. ولعلك تسألني عن دور يتباين على عدة مستويات في الماضي، في الحاضر، ثمَّ دور في المستقبل. وهو مستقبل قابل للتحرك على مدى لا متناهِ من الاحتمالات. وأمَّا الحاضر فلا أملك منه سوى هذه اللحظة بالذات والتي تشاركني أنت فيها هموم التشكيل. وهى لحظة لا محالة أنَّها ستفضي بنا إلى مستقبل قادم يبدأ مباشرة من اللحظة التالية للحظتنا الآنية وهكذا. وبذلك تبقى الإمكانية الوحيدة في الحديث عن دوري هي إمكانية الحديث عن الماضي والتاريخ. لقد مارست الرسم والتشكيل بأدوات ووسائط عديدة ومختلفة. بداياتي الأولى كانت كبدايات كل طلاب كلية الفنون، أي قبل الالتحاق بها حيث بدأت برسم المناظر الطبيعية ووجوه الناس التي رسمت عدداً كبيراً منها بشكل لم أكن أتحرى فيه إلا ما يعجبني من صور الجرائد والمجلات. كما كنت أقوم بنقل أغلفة الكتب والمجلات التي تعجبني. ولا أنسى العدد الكبير من رسومات جمال كامل التي كنت أقوم بنقلها من أغلفة مجلة صباح الخير. إضافة إلى ذلك فقد كنت أقوم بنقل العناوين الرئيسية للصحف، إذ لم يكن لدىَّ المعرفة بأنَّ هذا النوع من التشكيل اسمه الخط العربي، وأنَّه أحد تخصصات كلية الفنون، وأنَّ له خمسة أنواع ولكل نوع منها أسسه وقواعده.

بعد كثير من التمارين، وبعد أن أصبحت أهلاً للثقة في الرسم لدى آخرين، أصبح اختياري لما أرسمه أكثر دقة حيث رسمت كثير من صور الأصدقاء، والشخصيات العامة وزملاء الدراسة وبعضاً من صور أسرهم وبعضاَ من أفراد الأسرة وسكان الحي. وأذكر ما كنت أشاهده من الفرح على وجوههم إذ كانت تلك الرسومات تعجبهم.

استعنت في رسوماتي في تلك الفترة بالنظر في رسومات بعض الرسامين من منطقة أمدرمان جنوب كعيون كديس، إبراهيم سليم، وبدوى أبو صلاح الذي كانت رسوماته تزين كثيراً من واجهات المحلات التجارية بسوق أمدرمان. ثمَّ رسومات أحمد سليمان (ود أب شنب) الذي تحول لاحقاً لاحتراف غناء الحقيبة، وهو زميل دراسة بالمرحلة الوسطى، وكان سابقاً لي في ممارسة الرسم. أدين بالكثير لأساتذتي بمدرسة المؤتمر الثانوية بأمدرمان (محمد على جناح، مبارك بلال، حسان، محمد محمود، فاروق عجباني ومحمد عبد المجيد)، والذين تعلمت على يديهم أشياء ما كنت لأتعلمها لو لا جهدهم ولا حصة التربية الفنية بمدرسة المؤتمر الثانوية والتي وجدت بها أشياء أخرى كثيرة مفيدة، حيث التقيت هنالك بعدد من الطلاب المبرزين أكاديمياً. وكان بينهم عدد من الرسامين (جراهام، مصطفي حسن خليفة، نصر الدين فضل، منزول، نورين، محمود، عبد الرحمن العشاء. ومن الصفوف الأمامية كان أمامنا هنالك عبد الله حاج محمد الشقليني، أو بيكاسو (كما كان ولا يزال يلقب) وصلاح حسن الجرق – ولا أدرى لماذا لم يلتحقوا بكلية الفنون). أفدت كثيراَ مما حملوه من آفاق طيبة. كما أنَّ المدرسة نفسها كانت مسرحاً لكثير من الأنشطة الموسيقية، الدرامية، الرياضية والجمعيات الأكاديمية والتي انتميت داخلها إلى جمعية الرسم حيث أنتجت عدداً كبيراً من الرسومات فيها. ثمَّ جمعية التاريخ التي قمت فيها برسم كل الشخصيات والأحداث التاريخية مما كان يهم نشاط الجمعية. وأذكر أنَّ أحد معارض الجمعية تحول إلى معرض للرسم أكثر منه معرضاً للتاريخ. ففي تلك الفترة كنت منجرفاً إلى الرسم بشكل كبير بعد أن سيطر على كل ما كان لدي من وقت ومن جهد تقريباً. فحتى اهتمامي بالأكاديميات انحسر كثيراً ولم أنتبه لذلك إلا مع مرحلة التقديم للدخول إلى كلية الفنون فقد كان الحصول على الشهادة السودانية هو شرط أساسي للدخول إلى كلية الفنون، حسب الإفادة التي تحصلت عليها من الأستاذ حسان.

ومن ناحية أخرى، أذكر أستاذنا النور عثمان أبكر أستاذ اللغة الإنجليزية ومدى ما أفدته منه في حصة الإنشاء الإنجليزية. ويبدو أنَّ بذرة الاهتمام بجماليات اللغة والكتابة لدىَّ قد نمت هنالك داخل حصة اللغة الإنجليزية أكثر منها داخل حصة اللغة العربية. وعموماً كانت علاقتنا بأساتذة اللغة الإنجليزية أكثر حميمية من علاقتنا بأساتذة اللغة العربية. أذكر من أساتذة اللغة الإنجليزية الأستاذ عبد الحفيظ محمد خليفة، الأستاذ مبارك يحيى، والذي عزَّ على الطلاب نقله من المدرسة فأقاموا له رحلة ترفيهية وداعاً له مع هدية كانت عبارة عن ساعة حائط. وربما إنبنى كل ذلك على كون منهج اللغة العربية كان أكثر انكفاءً ومحدودية، على العكس من منهج اللغة الإنجليزية الذي كان أكثر انفتاحاً، ويلبى احتياجاً أكثر في الحصول على المعرفة، أو ربما لأنَّ لكل معلم دوره في نقل خبراته ومعارفه لطلابه وفي تفتيح قدراتهم. تلك مسألة تستحق البحث فيها بشكل موضوعي بدون أن يشتم منها رائحة التحامل على مادة اللغة العربية أو أساتذة اللغة العربية والذين أكن لهم كل تقدير واحترام. ولكن طلب المعرفة سواء في اللغة العربية أو الإنجليزية أو في أي منحىً من مناحي الحياة هو شيء مؤرق. كما لا زلت أذكر أنشطة أبادماك التي كانت تغطى كثيراً من الساحات. وأذكر منها بوجه خاص قافلة طلائع النخيل بمروى والتي استضافتها في ذلك الوقت مدرسة المؤتمر الثانوية بأمدرمان، والتي شملت في ما شملت معرضاَ للتشكيل. وقد جاء في الأدبيات المصاحبة للمعرض "كل شىء في الرسم ممكن. فمن الممكن أن يكون للبقرة أربعة قرون أو ستة أرجل". وشيء من هذا القبيل من نوع الحديث الذي لم أكن لأسمع به من قبل. فعلى نهاية الستينات ونحن نرسم وجوه الناس والمناظر الطبيعية فقد كان هذا الحديث حديثاً غريباً ومدعاة لشحذ الخيال وللتفكير فيه. ولاحقاً أدركت أنَّ تلك كانت محاولة مبسطة جداً وذكية جداً من القائمين على أمر طلائع النخيل لشرح فكرة العمل التجريدي لشبان ما زالوا في مقتبل أيام عمرهم، أو لأناس ليسوا مختصين في مجال التشكيل. ويبدو لي أنَّ الأستاذ النور عثمان أبكر، الرجل الطليعي في ذلك الوقت، كان طرفاً في ترتيب استقبال قافلة طلائع النخيل بمروى، بمدرسة المؤتمر الثانوية، ولكنى لست متأكداً. المهم أنَّ المناخ العام، مناخ الستينات، مناخ المد الجماهيري والثقافي المتعاظم، كان مناخاً ملهماً ودافعاً. وما فتئت بين الحين والآخر أحاول إعادة القراءة فيه. وذلك هو دور لابد أنَ هنالك آخرين تكون مشاركتهم فيه ضرورية.

لم يكن داخل أسرتي هنالك من يمارس الرسم، ولكن والدتنا (عليها الرحمة) كانت تقوم بصناعة الأطباق. ولما كانت امرأة تنتمي إلى المدينة فقد كانت تصنع الأطباق من خيوط النايلون الملونة، وليس السعف. ولما كانت أعمالها وأعمالي تعجبها، فقد كانت تربط بين الاثنين وتمازحني أحياناً "إنت مخ الرسم ده قايل نفسك جبتو من وين؟ ما أنا جبدتك بيهو". وقد وجدت ذلك لاحقاً لدى عبد الله بولا في مصرع الإنسان الممتاز "لنا ملاحظة جديرة في هذا الصدد. كانت الشابات السودانيات في الخمسينيات يشغلن نوعاً من الفوط المطرزة، ويسمينها مشكلة بتسكين الشين وفتح بقية الحروف – إشتقاق راسه عديل" (الكتاب ص 168). فكيف تمكنت هذه المرأة (العادية) من النقر على أطروحات مصرع الإنسان الممتاز قبل صياغتها بوقت طويل. وذلك يعود بي إلى أطروحات حسن موسى (رجل الشارع العادي ليس عادياً). وعلى كل حال، فإنَّ ذلك يؤكد أنَّ كل الناس في وسعهم ممارسة التشكيل بما يختارونه من وسائط ومن خامات ليس بالضرورة أن يكون اعتمادها قد تمَّ في أي مؤسسة من المؤسسات الرسمية. وفي وسعهم تناول التشكيل بتجاوز عقد أنصاف المثقفين الذين أحالوا التشكيل إلى ممارسة كهنوتية تكون وقفاً على الفصائل المحسنة منهم فقط.

بعد المدرسة الثانوية التحقت بكلية الفنون حيث وجدت زخماً آخر وعالماً آخر أكثر انفتاحاً بما لا يقاس، والذي لولا هو لما كان هنالك كتاب اسمه "مساهمات في الأدب التشكيلي". وتخصصت داخل كلية الفنون في قسم الطباعة والتجليد، لقناعة ما، بأنَّ الخبرة التي يمكن اكتسابها في هذا القسم هي خبرة لا يمكن الحصول عليها إلا بالانتظام داخل القسم نفسه، حيث الوسائط المختلفة نوعياً في الماكينات والآلات وتكنيك الطباعة والتجليد... إلخ. وبالفعل فقد أتاح لي ذلك فرصة أن أمارس التشكيل بوسائط تختلف عن نوع الوسائط المتعارف عليها وسط خريجي كلية الفنون. تمكنت بناءاً عليها وخلال الثلاثين عاماً الماضية، من إنجاز عدد كبير جداً من المطبوعات لمختلف الشركات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية ولمؤسسات القطاع الخاص. ولعلني أعتز بشكل خاص بما كان لي من دور في تنفيذ كل مطبوعات حملة استقبال الفقيد الدكتور جون قرنق. كان عملاً كبيراً في حجمه وفي معناه، وأنجز في زمن كان خرافياً، أكثر من مائة ألف نسخة ملونة ألوان كاملة بمقاسات مختلفة وتصميمات مختلفة وأنواع مختلفة من الورق أنجزت كلها داخل السودان في أقل من أسبوع واحد. وكان بعدها الحدث الفاجع بالرحيل الأسطوري والمأساوي للفقيد الدكتور جون قرنق. فكانت مساهمتي في صياغة فكرة إعداد ملف يحرره التشكيليون الذين ساهموا في حملة الاستقبال. وتمَّ نشر الملف على صفحة "تشكيل" التي يصدرها الإتحاد العام للفنانين التشكيليين بجريدة الخرطوم. وهى صفحة ألب دوراً أسبوعياً تقريباً في إعداد مادتها مع الأخ تاج السر خليفة.

 

 لقد تراجع الحديث عن لوحة الحامل كثيراً أمام الحديث عن ثقافة الصورة سواء كانت متحركة أو غير متحركة. ولكن حركتنا التشكيلية ما زالت تقيس أداء التشكيليين بمعارض التلوين، فحتى احتفالات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية اكتفت بالتلوين والنحت والخزف والخط العربي في معارضها ولفظت ما عدا ذلك من أعمال التشكيل ؟ فأي تخلف هذا؟

وعلى كل حال، تجد أنَّ دوري قد تمدد أكثر من غيره في مجال الطباعة دون أن أفقد دوري في مجال التصميم الإيضاحي والذي أنجزت فيه عدداً كبيراً من التصميمات الإيضاحية خلال السنوات الماضية بعد أن أفدت فيه كثيراً من صديقي وزميلي في العمل والدراسة عبد المنعم الخضر محمود، وهو أحد خريجي قسم التصميم الإيضاحي، وظل منذ تخرجه يعمل بشكل أساسي في مجال التصميم الإيضاحي. فقد كان كثيراً ما يردد العبارة التي أفادها هو بدوره عن أستاذه وأستاذنا عبد الحليم عبيد "من السهل أن تمسك القلم. ولكن المشكلة هي ماذا ترسم؟". ولعل هذه العبارة هي مفتاح لا يصدأ لإنجاز أعمال التصميم الإيضاحي؛ هي مفتاح البحث عن الفكرة الجديدة والذكية في أعمال التصميم الإيضاحي. أفدت من كل ذلك بدون أن أفقد دوري في مجال التلوين والذي أنجزت فيه ثلاثة معارض فردية كان الأول في عام 1976 بصالة المجلس الثقافي البريطاني بأمدرمان، والثاني بفندق الهيلتون بالخرطوم ، والثالث بنادي الزهرة الرياضي بأمدرمان بدعوة كريمة من القائمين على أمر النادي، كل ذلك عدا مشاركاتي في المعارض الجماعية داخل وخارج السودان. على مستوى العمل التنظيمي، أديت ما تمكنت منه في أعمال اللجنة التنفيذية بالإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين على مدى ثلاثة دورات، لاعتقاد راسخ بأنَّ العمل الجماعي المؤسسي كان ومازال يشكل ضرورة قصوى رغم العقبات الكبيرة والإشكالات الكثيرة التي ما زالت تواجه العمل المؤسسي. وهى إشكالات لن يكتب لها الحل إلا بالعمل من داخل الإتحاد، وتحتاج إلى الكثير من سعة الأفق وسعة الصدر.

عقب معرضي الفردي الثاني بفندق الهيلتون، تكثَّفت لدي الأسئلة على صعيد العمل النظري تجاه العمل التشكيلي. فعملت على تكملة الأجزاء المتبقية من مخطوطة كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلى". وولَّد ذلك لديَّ كثير من الشغف بالكتابة. فنشرت منذ مطلع الألفية الثالثة عدداً كبيراً من المقالات حول مختلف قضايا التشكيل على عدد من الصحف. بدأت سلسلة هذه المقالات بدعوة من الأستاذ كمال الجزولي للمساهمة بالكتابة على صفحات عدد الثلاثاء المتميز بجريدة الصحافة ، بعد انقطاع دام عدة سنوات عن الكتابة على الصحف. وهنا فلا يسعني إلا أن أتوجه بشكري للأستاذ كمال الجزولي على تنبيهه الذي تمَّ في الوقت المناسب. يومها كانت هنالك بعض الأصوات الحائرة والمتشككة في جدوى الكتابة في ظل نظام الإنقاذ تحت ذريعة البحث عن إجابة على الأسئلة الفطيرة من نوع "ماهى الضمانات؟"، و"ماذا لو منعونا؟". وكانت إجابة الأستاذ كمال الجزولي هي، وببساطة، أنَّه "لا توجد أي ضمانات. أما إذا منعونا فسنتوقف". كانت تجربة عدد الثلاثاء المتميز بجريدة الصحافة تجربة جديرة بأن يعتز بها كل من كان طرفاً فيها. وعلى كل حال فقد قبلت دعوة الأستاذ كمال الجزولي وأصدرنا بعضاً من أدبيات التشكيل على عدد الثلاثاء المتميز... دخنا تبغنا "المر المجفف"، وحلمنا له ذلك المسجى بين طيات أيدينا، وعزفنا على قيثارته الخالدة عند بوابته المجيدة، يصحبنا الفأل الحسن وتاريخ الصبا والأيام البكر محفورة على أسنة الإبر "المسمَّمة بالكلام" وبغيره، وبداء العصبيات وبالعنت والإرهاق حتى فاضت سلسلة المقالات على مواعين وأوعية جريدة الصحافة لتشمل عدد آخر من الصحف (الأيام، الخرطوم، الرأي العام) واستمرت السلسلة حتى وصلت إلى خارج السودان على موقع قاليرى السودان للفنون التشكيلية وجريدة جهنم، لتشمل المداخلة في الحوار المطول الذي دار بين حسن موسى وإبراهيم الصلحي، والذي وصفه حسن موسى بـ "خصومة العقلاء". ويا لها من خصومة جهنمية تلك التي تستدعى توقف كل العقلاء للنظر فيها. ثمَّ ما كان لي من بعض المساهمات على موقع سودان للجميع. وهذه المجموعة من المقالات التي تمت الإشارة إليها هي الآن مخطوطة جاهزة للنشر في شكل كتاب سيكون هو الكتاب التالي لكتاب "مساهمات في الأدب التشكيلى". وأعتقد أنَّ الإنكباب المتواصل على ممارسة التشكيل بدون أفق نظري يستبصر إشكاليات الحركة التشكيلية لن يفيدنا كثيراً.

وأخيراً فليس لي إلا مثل ما قلت أولاً: إنَّ دوري يتمدد ما بين تربة الواقع المادي الموضوعي التاريخي وما بين سماء الأحلام الإنسانية الكبيرة.

 

 

أخيراً ما هو رأيك وأنت تنشر كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" ضمن منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، وهو الكتاب الذي يحلم بتشكيل لوحة يشترك فيها جميع السودانيين بكل أديانهم وثقافاتهم؟

 

طبعاً هذا السؤال يستبطن الاستنكار لأن يتم نشر الكتاب ضمن منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية. ولكن أعتقد أنَّ طباعة الكتاب خارج السودان كانت أولى بالاستنكار. لقد تخرجت في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية قسم طباعة وتجليد في العام 1975 وواصلت التدريب في فرز الألوان لمدة عام كامل خارج السودان. ومنذ تاريخ تخرجي وأنا اعمل في مجال الطباعة، حيث قمت خلال هذه السنوات بتنفيذ عدد كبير جداً من المطبوعات داخل السودان من موقف مبدئي، يتلخص في قناعتي بإمكانية تنفيذ كل مطبوعاتنا داخل السودان. مبدئية هذا الموقف تفيدنا أنَّ طباعة مطبوعاتنا خارج السودان لن نحصد منها إلا انهيار قطاع كامل، هو قطاع الطباعة بما فيه من مالكين وإدارات وفنيين. وهذا القطاع الذي أنتمي إليه عضوياً يهمني جداً تطويره وتطوره. ولكن عندما جاء الدور على مطبوعتي الوحيدة واليتيمة عجزت عن ذلك بسبب ارتفاع تكلفة الطباعة خاصة وأنًّ الكتاب يحوي عدداً كبيراً من الأعمال الملونة. مؤسسة أروقة التي قامت بالنشر لها استراتيجياتها ولها سياساتها. ولم يكن من الممكن المجادلة معها في الأمر بعد أن حملت هذه المخطوطة على مدى سبعة سنوات بحثاً عن ناشر يمكنه تمويل طباعتها. أما بخصوص الاستنكار لأن يتم نشر الكتاب ضمن منشورات الأمانة العامة للخرطوم عاصمة للثقافة العربية، فأحب أن أوضح أولاً بأنَّني لم أسعى لدى الأمانة العامة لنشر هذا الكتاب. لقد سعيت فقط لدى دار أروقة للثقافة والعلوم. وقد فوجئت بشعار الأمانة العامة على غلاف الكتاب مع كلمة السيد السعيد عثمان محجوب على الصفحات الداخلية. إلا أنَّ ذلك لم يكن مدعاة لاتخاذ موقف مضاد، لأكثر من سبب:

ـ أولاً مقاطعة فعاليات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية لم يكن لديها من الأسباب ما يكفي للاقتناع بها. لقد كان ذلك موضوعاً للمفاكرة داخل مجلس الإتحاد العام للفنانين التشكيليين وداخل لجنته التنفيذية. وتمَّ التوصل إلى صيغة وثيقة أساسية يشارك بها الإتحاد في الفعاليات. بناءً على هذه الوثيقة كانت واحدة من أهداف المشاركة في الفعاليات هي طباعة عدد من المخطوطات الخاصة بالتشكيل في وقت نجد فيه أنَّ المكتبة السودانية خالية تماماً من الكتاب التشكيلي. وقد جاء نشر الكتاب متسقاً تماماً مع ما ذهب إليه الإتحاد العام للفنانين التشكيليين.

ـ ثانياً: مقاطعة الفعاليات هي إمَّا أن تكون نتيجة لموقف مبدئي ضد سيادة وهيمنة الثقافة العربية وإمَّا أن تكون نتيجة لموقف مبدئي ضد الأمانة العامة بتكوينها الذي أعلن. ولنا أن نتساءل عن هذا الموقف المبدئي من الثقافة العربية .فلمصلحة من يتم هذا الموقف؟ هل هو لمصلحة الثقافة الأفريقية؟ أم هو لمصلحة الثقافة الأوربية؟

الثقافة الأفريقية لها إشكالاتها. ولنأخذ مثالاً لذلك ما تم بين التوتسي والهوتو، أو التناحر القبلي وسط قبائل جنوب أفريقيا أو الاستعلاء  العرقي بين بعض قبائل جنوب السودان ضد بعضها البعض مما لم تكن الثقافة العربية طرفاً فيه، تماماً كما أن كل من الثقافتين الأوربية والعربية لهما إشكالاتهما. ولنكن أكثر ديمقراطية ونحفظ للعرب حقهم في الاحتفاء بثقافتهم ونحفظ للأفارقة أيضاً حقهم في الاحتفاء بثقافتهم. ولكن فهنالك مواقف أكثر جذرية وعمقاً من مثل هذه المواقف الهتافية. وفي ذلك فأجزم لك بأنَّه لم توجد حتى اليوم أي ثقافة قومية بتمثل واحد. فأي ثقافة قومية تحمل تناقضاتها وصراعاتها الداخلية. فكل ثقافة قومية تحمل عناصر ديمقراطيتها تماماَ كما تحمل أيضاً عناصر تخلفها. وبذلك يصبح موقف الضد من الثقافة القومية عربية كانت أو أفريقية أو أوروبية هو موقف مخادع ولا يخلو من الانتهازية. وإذا كنا ننطلق من مواقف ديمقراطية فلدينا اليوم الكثير جداً من الحلفاء الطليعيين وسط ممثلي الثقافة العربية، يثرون حياتنا وينطقون ما ننطق ويحلمون بنفس ما نحلم به، تماماً كحلفائنا الآخرين وسط ممثلي الثقافة الأفريقية الذين يتحدثون بنفس لغتنا ويحملون كل ما نحمل من الهموم. بل إنَّ هؤلاء الحلفاء يتواجدون حتى وسط ممثلي الثقافة الأوروبية. إذاً فكيف سيتثنى لنا أن نتسق في موقف الضد مما يسمى بالثقافة العربية أو الأفريقية أو الأوروبية على هذا النحو من الإطلاق. أمَّا إذا كان هنالك موقف من الأمانة العامة بتكوينها الحالي، إذاً فلماذا نتركهم لوحدهم. إنَّ المال الذي تبذله الأمانة العامة في احتفالاتها هو مال المبدعين الممنوح لهم من اليونسكو والأليسكو. فلماذا نتركه للأمانة العامة؟

ثالثاً وأخيراً: فإذا كانت الأمانة العامة من الممكن أن تنشر مثل هذا الكتاب، والذي وصفته بأنَّه يحلم بتشكيل لوحة يشترك فيها جميع السودانيين بكل أديانهم وثقافاتهم، حسب تعبيرك، إذا كانت الأمانة العامة للخرطوم عاصمة الثقافة العربية من الممكن أن تتبنى نشر مثل هذا الكتاب فلماذا نعترض؟ كان الأجدر هو أن ندفع بالمزيد من المخطوطات للأمانة العامة (بالبلدي، نشيل حقنا وما نخليه ليهم). وهو ما حاوله الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين علَّه يسد بذلك بعضاً من فراغ المكتبة السودانية من الكتاب المختص بالتشكيل.

 

 

وهل طبعوا غير كتابك كتاب ؟

 

قُدمت مخطوطتين تشكيليتين من الإتحاد العام للفنانين التشكيليين إلى الأمانة العامة لطباعتهما، من أصل ستة مخطوطات تمَّ الاتفاق عليها. ولم تتم طباعة المخطوطتين. والمسئولية في ذلك تقع على عاتق مسئول أمانة النشر بالأمانة العامة الأستاذ عبد الحميد الفضل (وهو أحد خريجي الستينات بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم) والذي قام بتجميد هذه المطبوعات لأسباب لا نعرفها. وعندما طلبنا، في شهر ديسمبر، من السيد السعيد عثمان محجوب رئيس الأمانة العامة التدخل لإنقاذ المخطوطتين كانت الميزانية قد نفدت والحسابات قد أغلقت. كما واجهت الإتحاد إشكالات أخرى في ما يخص بقية المخطوطات الأخرى مما لم تكن الأمانة العامة طرفاً فيه. فكتاب محمد عبد الرحمن (بوب)، لم يقدم لأنَّ محمد عبد الرحمن كان مشغولاً خلال هذا العام بإعداد بحثه للحصول على درجة الماجستير. وكتاب علاء الدين الجزولي تم جمعه وتصحيحه على الكمبيوتر، ولكن علاء الدين سافر فجأة إلى خارج السودان وأخذ مخطوطته معه. كتاب الدكتور إدريس البنا (أطروحته في الدكتوراه) وقفت دونه مشكلة الجمع على الكمبيوتر، إذ كان الكتاب يتكون من 400 صفحة، وتم ضمه إلى المجموعة المتفق على طباعتها في وقت متأخر. الأستاذ عبد الله محيي الدين الجنيد تمّ الاتفاق معه، ولكن لم يتمكن الإتحاد من الوصول إليه لأخذ المسودة. أرى أنَّ ضعف الإمكانات المادية التي يعمل وفقاً لها الإتحاد كانت سبباً رئيساً في ذلك. ولكن وحتى نكون أكثر إنصافاً، فإنَّ المخطوطتين بطرف الأمانة العامة للخرطوم عاصمة للثقافة العربية تمَّ تسليمهما قبل أكثر من ستة أشهر للأمانة أي بتاريخ 25 مايو. ولكن الأمانة العامة للخرطوم عاصمة للثقافة العربية وإدارة النشر بها لم تفعل شيئاً.

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco