العمارة مستنقع التعذيب

الكتاب الثاني

اليوم الثاني ـ ذكر ما جرى

ما أقوم بنشره اليوم هوجزء من كتاب بعنوان "العمارة مستنقع التعذيب" أنوي نشره في المستقبل القريب. وقد وجدت مناسباً أن أنشر هذين الفصلين في الظروف التي يمر بها السودان الآن. وقعت هذه الأحداث عام 1992 بالخرطوم.

الكتاب الثاني

اليوم الثاني ـ ذكر ما جرى

الصبـــاح

دوت طرقات عالية على أبواب الزنازين ذلك الصباح، استيقظنا متوترين فأجسادنا كانت لا تزال تعبة وتحمل آثار الليلة السابقة. صدرت الأوامر بفظاظة أن نصطف على السطح. الساعة كانت تبدوحوالي الخامسة. كان علينا أداء الصلاة وعلى حراسنا التأكد من أن عدد المعتقلين كامل ومطابق لكشوفاتهم. كان التعداد دقيقاً بالرغم من أن الهروب من ذلك السطح كان صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً، وإذا تمّ، فأنه يتطلب قدراً من المهارة العالية والتنظيم والدعم الخارجي مما كان منعدماً في حالتنا. كان إجراء الحصر في ذلك الصباح يتم بطيئاً، وغالباً ما يكون سرعة وبطء اجراءات الحصر خاضعاً لسادية الحارس ومدى استمتاعه برؤية المعتقلين الذين كانوا إلى وقت قريب يحتلون مكاناً مرموقاً في الدولة أو الشأن العام وهم يرتجفون من البرد والإهانة. ذلك البطء في اجراءات الحصر أتاح لي ولأول مرة فرصة النظر من ذلك السطح والتأكد من الأماكن التي تحيط بالعمارة، ولدهشتي اكتشفت أن منزل رئيس الدولة، عمر البشير، لا يبعد أكثر من مائة متر من ذلك السطح. ومن ذلك الموقع المرتفع كان يمكن رؤية كل ما يجري في فناء داره، وتأكد لي أنه لا بد أن يكون عالماً بكل ما يجري على ذلك السطح. المنازل الأخرى التي تقع بالقرب من منزل رئيس الدولة كانت خاصة بالوزراء وكبار قادة الجيش والخدمة المدنية، هذا يعني أن تلك العمارة ـ منبع الإرهاب ومستنقع العنف ـ تقع داخل قلب السلطة. حكى لي أحد المعتقلين القدامى على ذلك السطح، أن أحد المعتقلين وكان كنغولي الجنسية، عندما شرع الحراس في تعذيبه، أفلت من بين أيديهم ووقف على السطح مواجهاً لمنزل رئيس الدولة منادياً، مستغيثاً به ومستنجداً. بالطبع لم يسمعه الرئيس أو سمعه ورفض مد المساعدة، المهم نال ذلك الشخص عذاباً مريراً على فعلته تلك، كما كان نتيجة ذلك فرض مزيد من الاجراءات القمعية من ضمنها تقييد المعتقل عند تعذيبه.

بعد أن تأكد الحراس من بقائنا على سطح العمارة أحياءً، أمرونا بالصلاة والرجوع الى أماكننا. في حوالي السادسة سمعت أحد الحراس يردد أسمي عالياً ويأمرني بالخروج الى السطح. عند خروجي كان هنالك أربعة أشخاص في انتظاري، وقبل أن أعرف ما الذي يجري انقض عليّ اثنان من الحراس وامسكا بذراعي ووضع الثالث قيداً من الحديد عليهما. كان لذلك القيد أو الطوق خاصية مدهشة اذا جاز لنا استخدام ذلك التعبير، وهو أن تضيق حلقته عند الساعد عند قيام الشخص المقيد به بأدنى حركة مما يعني الضغط على الساعد حتى مرحلة ايقاف سريان الدم في العروق والشلل التام. أن البشرية في مسيرة تطورها تتفنن في اختراع وتطوير أدوات تعذيب البشر وانتهاك حقوقهم. كم هو غالٍ ثمن التطور في هذا العالم! لم أكن مجرماً في يوم من الأيام كما كنت أرفض مطلقا أن أكون مقيداً، لذا ألجمتني الدهشة.

ثم دفعني بقوة وأنا في ذلك القيد الى مكان يقع خلف الزنازين، وأمام أحد نوافذ تلك الزنازين تم إيقافي. وضع طوق جديد حول أرجلي ومن ثم تم تعديل الطوق الذي في ساعدي بأن قيد كل ساعد على حدة بطوق، ثم قفل طرفي الطوقين الآخرين بقضبان النافذة العالية. هل رأيتم العبيد في الأفلام السينيمائية على سفن القراصنة وهم مقيدون بالأغلال تمخر بهم السفن نحو الأرض الجديدة؟! كان ذلك هو المشهد. ساعداي مقيدتان على قضبان النافذة، وجسدي ووجهي ملتصقان بجدران النافذة وقدماي مقيدتان بطوق من حديد. كنت هنالك معلقا بين السماء والأرض وقدماي بالكاد تلامسان سطح العمارة. كنت مشلولاً تماماً وعاجزاً عن الاٍتيان بأي حركة. كان حراسي اضافة إلى جبنهم يخشون المقاومة لذا كانوا كثيري الحذر والحيطة. أبقياني على ذلك الوضع فترة طويلة من الزمن ويبدو أن ذلك كان مقصوداً لاٍنهاكي الجسدي والمعنوي، كان العرق يتصبب من جميع أجزاء جسدي، في تلك اللحظة شعرت بامتنان كبير للرياضة التي كنت أمارسها في شبابي وكيف أنها كانت السبب في احتمالي هذا الوضع المحرج والصعب. بعد فترة طويلة من الوقت حضر الحراس وهم يحملون عصى غليظة وخراطيش للمياه، وبدأ ضربي على ظهري ووجهي وكامل قفاي وتكسرت "النصال على النصال" كما يقول الشاعر. كانوا يضربون بقوة وتشف على ظهري بالعصى التي يحملونها والتي يتم تغييرها بعد فترة بأخرى جديدة. كان ضربهم متزامناً ومترادفاً بسيل منهمر من الشتائم من نوع "انتم المحامين تفسدون العامة وتدافعون عن الباطل"، "إنكم معارضة"، "أنتم أولاد شراميط|، "أنكم أتفه من مشى على الأرض"، وغيرها من الإهانات التي لا يمكن أن تسطر على الورق دون الوقوع في طائلة خدش الحياء العام. كانوا حينما يضربون يتخيرون الأماكن المؤلمة، وكانت الحركة والمقاومة من جانبي مستحيلة في ذلك الوضع، لذا لم يكن لدي خياراً غير الثبات وكان الثبات يزعجهم ويزيد من قسوتهم. لم يكونوا يطلبون شيئا محدداً، كان الضرب من أجل الضرب، والعنف من أجل العنف كانت مطالبهم تتمثل في انكسار الآخر وكانوا يتمنون المستحيل. إن ما كانوا يقومون به لا يوجد في أدبيات الشعب السوداني وتراثه وأعرافه، فقد تعلمنا ونحن صغاراً ألا نعتدي على الضعيف، أن نتساوى مع الخصم في المعارك وألا نغدر بالآخرين. ولكنهم أتوا من عالم لا نعرفه ليحكموا في زمن المهانة والذل. إن ما كانوا يقومون به كان مطابقاً لما يحدث في معسكرات النازية في بوخنفالد* وأشفيتز* ومعسكرات الهلوكوست*. وتأكدت قناعتي أن الفكر المطلق متشابه في كل الأمكنة والأزمنة، وأن نهجهم الحضاري في عدم الاعتراف بالآخرين وتصفية معارضيهم في الرأي هو الوجه الآخر للنازية.

قال لي أصدقائي المعتقلين لاحقاً أن الصمت يخيفهم ويغيظهم وأن قليلاً من الانكسار كان كفيلاً بتقليل الضرب أو تخفيفه. ولكنهم تناسوا أن الانكسار يقود لمزيد من الانكسار وبداية السقوط لا حواجز لها. المهم بعد ساعات شارف عملهم على الانتهاء وتوقفوا عن الضرب، وتركت هنالك معلقاً وأنا على مشارف الإغماء. ولا أدري لماذا في تلك اللحظات تذكرت المسيح معلقاً ومصلوباً. ولا أدري كم مر من الزمن عندما حضروا الي وفكوا وثاقي فقد فقدت الاحساس بالزمن والألم. تم اقتيادي وعلى الأصح تم جري جراً حتى باب الزنزانة التي "أقيم" بها، وتركت هنالك. لم يجرؤ أحد من المعتقلين في داخل الزنزانة من الاقتراب مني فتحاملت على نفسي ودخلت وانهرت في أقرب موقع من الارهاق والتعب. كانت الآلام تنبعث من كل أجزاء جسدي ولكن الألم النفسي والمهانة والذل كان أكثر مرارة ومضاضة.

العمارة: واحدة من عمارتين بحي المطار تم بنائهما بواسطة الخبراء الروس في زمن نميري كسكن لضباط الجيش. تم تحويلهما لاحقاً كمكاتب لجهاز الأمن واستغلتهما سلطة الجبهة لتعذيب المعتقلين وتصفيتهم.

12 ديسمبر 2004



ذكر ما جرى في اليوم الثاني



الليل

ظللت على ذلك الوضع فترة طويلة استجمعت فيها قوتي وإرادتي. وفي بداية العصر أحضروا لنا طعاماً كي لا نموت فهم يجيدون لعبة الحياة. وهي تتلخص في عرفهم وباختصار ألا تشبع وألا تجوع وأن تظل معلقاً بين الموت وتوقاً للحياة.

بعد تناولنا الطعام عدنا الى غرفنا (الزنازين) مرة أخرى وبدأ الهمس وتبادل المعلومات والتجارب. فبعد انحسار الشك انهمرت المعلومات. المبدأ الأساسي في ذلك المكان أن تتكلم بصوت خافت لكي لا يصل صوتك للحراس حتى لا تعذب أنت ومن تبادله الحديث وذلك فن لا يجيده الا من عاش تلك التجربة. وجدت فسحة من الزمن لأفكر في الأسباب التي دعت لاعتقالي هذه المرة وقد كنت فعلاً مندهشاً ومحتاراً، فلم يمض على إطلاق سراحي من اعتقال دام عاماً قضيت جزءاً منه في سجن كوبر والجزء الاكبر في سجن شالا ـ الفاشر بدارفور، سوى شهرين. إضافة إلى أن الظروف السياسية في تلك الفترة لم تكن تشير الى أن سلطة الانقاذ (الجبهة) سوف تقوم بهجمة اعتقالات تجاه معارضيها. وقد كنا نعرف نذر تلك الاعتقالات ومقدماتها التي تتمثل في فبركة اتهامات تجاه المعارضة (محاولات انقلابية، اٍغتيالات سياسية، طابور خامس مع الحركة الشعبية...إلخ) ولم تكن أيٍ من تلك الاكاذيب قد تم الترويج لها اعلامياً. ولم تدم حيرتي طويلاً فقد أخبرني أحد المعتقلين وكان يجلس بقربي في "الزنزانة" أن أحد الأشخاص ـ كان موجوداً ضمن المعتقلين في ذلك السطح ـ قد ذكر تحت وطأة التعذيب والتهديد اسمي باعتباري من الناشطين سياسياً ضد نظام الانقاذ. لم يكتف بذلك، بل ذكر لهم كل أسماء أفراد أسرتي رجالاً ونساءاً. كنت أعرف ذلك الشخص وهو يسكن بالقرب من الحي الذي أسكن فيه، وكنت أكن له كثير من الود بالرغم من عدم التقائي به لعدة سنوات. لم أصدق في البداية تلك المعلومة حتى أكدها أكثر من شخص آخر وشعرت بالأسف وانتابني حزن عميق. من ما زاد دهشتي انني لم أكن في تلك الفترة أسكن في حي الموردة بل كنت أسكن في منزل شقيقتي بالعمارات ولم تكن تربطني بذلك الشخص أي علاقة سياسية أو تنظيمية أو حتى اجتماعية (سوف أتناول لاحقاً تلك الحادثة بالتفصيل).

المهم حاولت أن أسقط تلك الواقعة من تفكيري في ذلك الوقت وأن أهتم بما يدور حولي. مر الزمن بطيئا، والزمن في تلك الأماكن يمر ببطءٍ مخيف خاصة وأن المعتقل لا يدري ما سوف يحدث له في الساعات القادمة. كنت متوتراً بعض الشئ وزاد من توتري إحساسي بأن من معي في تلك الزنزانة كانوا يخبئون شيئاً لا أدري ما هو ولكنني أحسه في نظراتهم القلقة تجاهي. تناولنا عشاءاً متواضعاً بعد أن أُجبرنا على أقامة صلاة العشاء ثم عدنا الى غرفنا. استمر ذلك الهدوء المخيف والباعث للتوتر يعم أرجاء السطح. وفي حوالي التاسعة، تناهت إلى مسامعنا تلك الضجة المخيفة التي تعلن مجئ الحراس مرة أخرى. كانت الضجة هذه المرة أكثر عنفاً وصخباً وتأكد لي لاحقاً أنهم يتعمدون ذلك الصخب والصياح لزرع الخوف والرهبة في نفوس المعتقلين إضافة إلى أن تلك الضجة تمنحهم ذلك الأحساس الزائف بالقوة والقدرة على ايذاء الغير. اصطففنا مرة أخرى على السطح وكان على رأس القوة هذه المرة المسئول عن ادارة ذلك المستنقع، وهو ملازم يدعى مهدي (إسمه الحقيقي اٍبنعوف) يبدو عليه الجنون والعصبية. بدأ هو الحديث هذه المرة ذاكراً بجدية ووقار شديد أنهم يأخذون أجراً على أداء عملهم ووجودنا نوما ومرتاحين كل هذه الساعات يعني أنهم لا يؤدون واجبهم بصدق وأمانة. ثم واصل حديثاً من ذلك النوع الذي لا يرسخ في الذاكرة، كل الغرض منه أن نظل وقوفاً في البرد القارص متوتري الأعصاب. كان عملاً مدروساً ومتقناً، لذا بدأ تأثيره يظهر جلياً وسريعاً. فبعد ساعتين بالتحديد بدأ البعض يتقيأون ويسقطون على الأرض من الإرهاق والجوع والبرد. كان ممنوعاً تقديم المساعدة لخائري القوى وكان بين المعتقلين من يعاني من أمراض خطيرة كالقلب، الضغط، السكري، ومن هم كبار في السن. كانت أي بادرة لتقديم المساعدة تعني مزيداً من التعذيب للشخص الملقى على ذلك السطح إعياءاً ولجميع المعتقلين، والنصيب الأكبر من الضرب كان يناله من أراد تقديم المساعدة. كان ذلك إذلالاً مهينا ليس فقط للجسد ولكن للروح ومحاولة للنيل من القيم السودانية التي يؤمن بها الفرد السوداني والتي تتمثل في تقديم المساعدة ومد يد العون للآخرين عند الاحساس بضعفهم، كان المقصود من ذلك المنع هو بذر الإحساس بالعجز والفشل لدي المعتقل توطئة للاستسلام الكامل. فجأة، أوقف الملازم مهدي ذلك السيل الجارف من الكلمات وأمر الجميع بالانصراف ما عداي والمعتقل المهندس الفاضل ماهر. وفهمت في تلك اللحظة سر النظرات القلقة في عيون رفاقي طيلة ذلك اليوم فهم كانوا يعلمون أن ما تم في صباح ذلك اليوم هو البداية للتعذيب. أمر مهدي الحراس بأحضار الأدوات. لم نكن نفهم ماذا يقصد بالأدوات فذلك تعبير جديد لم نتعود عليه. كان بارد الاعصاب وهادئاً بشكل غريب وهو يصدر أوامره، ولا أدري لماذا ذكرني بجراح ماهر يستعد لأداء عملية غاية في الخطورة والدقة. كانت الأدوات المطلوبة والتي أحضرت له تتكون من أغلال من الحديد، عصى، قضبان حديد، خراطيش مياه وكرابيج صنعت بواسطة حرفي (فنان) يفهم الغرض من استخدامها وهي مكونة من عصى في رأسها جدائل من الأسلاك يبلغ عددها حوالي الأثني عشر سلكاً مثبتة بشكل جيد تجعلها أشبه بالأفعى الخرافية، إضافة إلى أواني (جرادل) مليئة بالماء البارد. حقاً أنها كانت مجموعة غريبة من الأدوات المنتقاة بعناية ولا رابطة بينها، كانت تبعث الهلع في القلوب في ذلك الهزيع الأخير من الليل خاصة اذا كنت تجهل الغرض من جمعها واستخدامها في ذلك السطح الذي يستحيل فيه المقاومة أو الهروب. وبدأ ذلك الجراح أو الجزار عمله، هجم علينا مع مجموعة من زبانيته وتم تقييدنا بواسطة الأغلال ذات الخاصية العجيبة التي تكلمت عنها سابقاً، والجديد عنها والذي علمته أنها أمريكية الصنع. نزعت القمصان من أجسادنا في ذلك البرد القارس ثم القى بنا على الأرض كخرفان ينوي ذبحها. كنا نرتجف من شدة البرد والقهر، وبدأ مسلسل الضرب مرة أخرى. كانوا ثلاثة يتناوبون ضربنا الملازم مهدي، شخص يدعى عبيد وآخر أسقطت أسمه الذاكرة رغم رسوخ صورته. كان ضرباً مبرحاً في أماكن أنتقت بعناية ومعرفة وتدريب مسبق. كانوا يختارون أكثر الأماكن إيلاماً. كان الضرب يرافقه كالعادة سباباً مقذعاً وبذيئاً. وكمرحلة التعذيب الأولى، لم يكونوا يطلبون شيئاً محدداً أو معلومة بعينها كان الضرب من أجل الضرب والعنف من أجل العنف*.

كان صديقي ماهر أكثر مكراً وحنكة مني "خبرة في المعتقلات"، فحينما يكثر عليه الضرب كان يدعي الاغماء أو الموت وكانوا يعلمون أنه مريض بالسكر والضغط فكانوا يتركونه للحظات، يكيلون الضرب علي طالما أنا أدعي التماسك. هؤلاء القتلة كانوا لا يفهمون انني لم اكن ادعي "الصنددة" ولكن لم يكن لدي خيار آخر غير الثبات. كانوا حينما يرهقون من الضرب يصبون من تلك الأواني مياهاً باردة على رؤوسنا وأجسادنا. كانت تلك الليلة الجحيم باردا وساخنا. كنت أتلوى من الألم وأحاول اتقاء الضربات المنهالة، ولكن كانت تلك المحاولات تضاعف الألم لأن القيد في تلك اللحظة كان يقوم بعمله، وهو الضغط على الأيدي حتى مرحلة وقف سريان الدماء، وكادت يدي أن تنشل بل وتعطل ابهام يدي اليسرى كلياً. قال لنا أصدقاؤنا الذين ينصتون من الزنازين لضربنا: "كنا في البداية نعد عدد الضربات على أجسادكم ولكن حينما بلغ التعداد المائة توقفنا، وكنا نتوقع موتكم!". كانت الدماء تسيل من جميع أجزاء أجسادنا خاصة الظهر ـ العنق ـ والأفخاذ، حتى استنشقت بأنفي رائحة دمائي مختلطة مع المياه. كان الضرب يسبب ألماً ولكن الألم الأكبر الذي كنا نحس به هو العجز وعدم القدرة على الدفاع ورد الاعتداء، كانت تجربة قلما يمر بها الإنسان. كنت أغيب عن الوعي أحيانا، ولكن المياه الباردة المنصبة على الرؤوس كانت تعيد الوعي سريعا، بالرغم من أن الغيبوبة في تلك الحالة كانت خيراً لنا. كان يطلب منا قهراً أن نتقلب بأجسادنا في حركة مستمرة وبشكلٍ حلزوني من أول السطح الى آخره حتى يتملكنا الدوار وهم مستمرون في ضربنا. كان الملازم مهدي أكثرهم عنفاً وقسوة وإيلاماً، كان يضرب بقسوة وتشفي وحقد، وكنت أتساءل هل كان هذا الحقد علينا شخصياً أم حقد على الفكر الذي نحمله ونجابه به نهجهم الحضاري المزيف؟ المهم كان ذلك المجنون والمعتوه والموتور متقناً في مزاولة عمله لدرجة الاعجاب وكان يستحق عن جدارة الاجر الذي "يقبضه" لتفرده في فنون التعذيب وايذاء الآخرين. لا أدري كم من الزمن استمر ذلك التعذيب المهين ولكن حينما توقف كنا قد أشرفنا على الهلاك. تم سحبنا الى زنزانتنا ورمى بنا الى رفاقنا، ثم غادروا السطح بسرعة فهم يهربون جبناً عند اتمام جريمتهم ليسهل منها التنصل لاحقاً خاصة عند موت المعتقل. شعرت بحركة بالقرب مني فوجدت رفاقي بالزنزانة يحيطون بي. بدأوا في تضميد جراحي وتحريك يدي وأرجلي خوف الشلل. وأنا أدين لهم بذلك الجهد خاصة المحامي أحمد عثمان، فلولاهم لانشل جزء من جسدي. كان أحمد يدلك أصابعي بحنو ورفق طوال تلك الليلة. ولولا تلك العناية المركزة، لانشلت حتماً أصابعي. كان من آثار تلك الليلة جروح في جميع أجزاء الجسد لم تندمل الا بعد فترة من الوقت وندوب اخرى داخل النفس لا زالت آثارها باقية.

* وردت معلومات لاحقاً ومؤكدة ان الجبهة الاسلامية في ذلك الوقت قد قامت بوضع مخطط اشرف على تخطيطه وتنفيذه امينها وعرابها، دكتور حسن الترابي وكان ذلك المخطط يتمثل في القبض على كوادر الاحزاب السياسية والتي يعتقد حزب الجبهة انها نشطة سياسيا، والقيام بتعذيبهم حتى درجة الانهيار المعنوي والجسدي وذرع الخوف والرهبة في نفوسهم حتى يمتنعوا من القيام بأي عمل سياسي. تلك التجربة منقولة من نموذج الدولة الاسلامية الايرانية الخمينية.

15 ديسمبر 2004

عدنان زاهر