header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

 الفصل الرابع من "أحوال المحارب القديم"

رواية، مركز عبد الكريم ميرغني، أم درمان (السودان)، 2004

 

الحسن بكري

 

سعيت مبكراً للفوز بقلب الرضية وللحصول على وظيفة الملازم أول لدى حسين الطاهر. كيف يستطيع هذا العسكري، قصير القامة الذي لا يخلو من دمامة الاستمرار مقرباً من حسين الطاهر والرضية في وجودي أنا بجسدي المديد ووسامتي البينّة؟ 

جاءت الرضية ذلك النهار إلي ساحة الصيد حسب توجيهات والدها على صهوة الفرس الدهماء، الغراء، المحجلة. كانت في كامل زينتها، شعرها مضفور ضفائر صغيرة، ترتدي رحط فروسية أسود وقميص دمور قشي رائع يبدي صدرها الكاعب، مزججة الحاجبين، كحيلة العينين. على غير حالها أيام المعارك، أتتنا هادئة الطبع زاخرة الأنوثة. لكنها ما أن رأت طلقات الملازم الطائشة حتى عاد لها مرحها، وشرعت تقهقه، تصفق وتقفز، تسخر وتلقي الطرائف دون حساب.

ـ لن تصطاد فأرة بهذه الطريقة.

هتفت في وجه الملازم. رأته يركض بفرسه بين الأحراش فنادت:

ـ تعال ، تعال يا علي الكرار. هل تظن نفسك نابليون؟

كان قصيراً ومدوراً، فأعجبها التشبيه:

ـ توقف يا نابليون، توقف!

لن أتيح لها رؤيتي فور وصولها. بعد أن يأتيها الملازم، سأتقدم فأقف لصقه ليضحي قزماً ضئيلا بجانبي. ستدهش إذ تراني غدوت عملاقاً في بضعة شهور، الشهور التي قضتها تقاتل بالصعيد الشرقي، نواحي باو. تشرئب بعنقها، تطالع ملامحي الدقيقة، الجذابة، تقول:

ـ أوه، هاجو منصور، مستحيل.

أنحني أحتضنها مسلماً. تستطرد:

ـ هاجو! مستحيل.

لا شيء مستحيل يا رضية، لا شيء.

ـ أهلاً، سيدة نساء البطانة.

أجدها تطيل الارتماء في حضني. لابد أنها قررت أن تستحوذ علي وهي تستسلم لحضني ضحى يوم الصيد ذاك. تنتزع جسدها مني وتبدأ زعيقها في وجه الملازم مباشرة:

ـ أقول لك لن تصطاد فأرة.

تنظر إليّ ثم إلي الملازم وتصيح:

ـ من الآن فصاعداً يمكنك الرحيل واصطياد الفئران في بقاع أخرى.

سيرد الملازم بهدوء بطولي:

ـ أنا لم أخلق للصيد كما تعلمين.

ـ قل إذن لم خلقت؟  لماذا خلقت أساسا، يا نابليون؟

أصبحت متوترة ومغتاظة. كيف لا تفعل وهي تعاشر قزماً في بلاد يقطنها عملاق مثلي؟

ـ أنا أجيد القتال، هذه هي مهارتي الوحيدة!

يقول الملازم.

ـ هي مهارتك الوحيدة بالفعل.

تردد الرضية ضاحكة.

سأنتظرها حتى تصب جام غيظها على المقاتل البطل وأنصب شراكي، بعدها سأقول أنني ذاهب لاستدراج طيور الرهو والقطا من السفوح الشرقية. أنطلق بجوادي أتجه إلي السفوح مستعرضاً أثناء ذلك فروسيتي، فتياً، قوياً، فارعاً. سيتساقط الصيد بفخاخي بالعشرات.

ـ يا للصياد!

تقول الرضية. تسأل:

ـ متى ستشارك في المعارك؟

أقول:

ـ إذا انقضت هدنة الخريف.

ـ هل أنت جاهز؟

ـ جاهز منذ الليلة.

تردد تحدّجني، هائمة، لا تدري ما تقول:

ـ يا للصياد، يا للمقاتل، يا للمهارة!

 

***

 

في الشتاء اندلعت المعارك علي كافة الجبهات. جاءت الرضية إلي اللبايتور تصطحب الملازم جريحاً، لكنها لم تبق طويلاً، فالمعارك المندلعة لا تتيح وقتاً للبقاء. في السابعة عشرة لا يستطيع المرء أداء مهام كثيرة، فقمت والآخرون من جيلي ببيع الهبات من الأبقار والضأن لصالح المجهود الحربي وشاركنا في جباية عشور الحرب وتوريد الحصيلة لبيت المال أو أدينا تدريبات قاسية لإعداد أنفسنا لانضمامنا الوشيك لجيش التحرير.

تلقّى الملازم عناية جيدة، تغذى باللبأ ولبن النياق الطازج برغوته الكثيفة وعسل نحل اللبايتور الأصلي. تتم المعالجة في الغالب بأدوية بلدية، ودق، وسمن ضأني، أو ثمار وسيقان نباتات جافة منقوعة، فشرب الملازم كميات كبيرة من نقيع السنامكة والمحريب والحرجل وبذور الخلة.

قصصت على كاقو أخبار الملازم بعد أن استمعت إليها لساعات متصلة تقرأ الألواح. فيما بعد ستطول القصص، ليتأجل رحيلي لشهور طويلة، فقد أهملت مطالبة فكي هارون الإذن لي بالسفر. غدت مهمة إعداد وسرد أحداث أيام مراهقتي باللبايتور تستحوذ علي تفكيري تماماً، ورغم ظني أن المهمة ستنتهي بانقضاء شهور نقاهتي، إلا أنني فضلت الاستمرار في الحكي، إذ راق الأمر لكاقو كثيراً إضافة لتمكن الوقائع  بصيغتها الجديدة من وجداني الصافي إلي درجة جعل التغافل عنها مستحيلاً.

بعد شفاء الملازم وحلول هدنة الخريف، عادت الرضية وحسين الطاهر إلي البلدة. تحررت أراضي شاسعة جهة باو ووقعت كتائب معادية بأكملها في الأسر. لاحظنا أن مزاج الرضية أصبح رائقاً، فقد هطلت ألأمطار على مدى عينات الضراع مروراً بالطرفة وحتى السماك. سمحت الرضية بزراعة الدخن والذرة ود الفحل وتأكدت بنفسها أن إنتاجية البامية أم بقبق ستكون عالية وأن البطيخ البلدي ينمو نمواً جيداً، وقد زرع الأطفال، علي غير المعتاد، العنكوليب والسينات وأم بنة.

في انتظار نشوب المعارك بعد الخريف، قضى حسين الطاهر أوقاته يلعب السيجة والمنقلة ويشاهد مباريات التيوة، أو يشارك في رحلات صيد الغزلان بأعماق البطانة شرق الجبال. يعتمد على الرضية فيما يتعلق بتدبير المعاش وتصريف شؤون زوجاته الأربع وأطفاله العديدين. فيما عدا ممارسة الحب، المقاتل المحترف، طبقاً لحسين الطاهر، يقاتل فقط.

بقامتي المديدة وروحي الصلدة التي لا تلين، يا كاقو، أحصل على رضا حسين الطاهر فيستدعيني وبصوته الأجش، يردد:

ـ ما شاء الله، تبارك الله!

أقف أمامه، كما ترينني، هائل الجسد. يقول:

ـ قم ببعض الحركات الرياضية.

أمامه، عاريا،ً أستعرض عضلات ذراعيّ وصدري وظهري. أوتر عضلات بطني وفخذيّ فيقول:

ـ ما شاء الله، ما شاء الله!

أقفز في الهواء، أتقلب وأتشقلب، وأحط علي يدي فأمشي كبهلوان. يقول:

ـ هذا يكفي. قد اتخذتك ملازماً ثانياً.

لو استثنينا لعنتي العنجية الموروثة، يمكنني بقدراتي هذه أن أصير ملازماً أول لدي أي قائد آخر، عبد الرضي عايد أو جلي الناجي أو حتى قائد الألوية الصعيدية المتعجرف مبيور دينق، بكل تاريخه البطولي الطويل. أصدقك القول، يا كاقو، أن الاقتراح سيصيبني ببعض خيبة الأمل، إذ كيف يخطر ببال قائد منطقة البطانة، حيث نشأت وترعرعت، ترشيحي لوظيفة ملازم مساعد.

كالعادة كانت برمة أول من زفّ إليّ خبر قدوم الرضية. تصلني راكضة، تهز ذيلها هزّاً تتبعها جراؤها هذه المرة، سبعة جراء، كما اشتهت، سمينة مدورة. بارود جد برمة الكبير، لم يورث تلك الجراء السمان العمى والعرج، لذا فقد عوت برمة تحدثني سعيدة:

ـ جاءت الرضية للتو. هيا، الحق.

ـ الحق ماذا؟

ـ الحق قبل أن يستحوذ عليها كلب آخر.

ـ يا برمة، هذه الأمور اللذيذة يكون الإعلان عنها بطريقتك هذه مضراً جداً.

ـ كيف يكون الإعلان عن شيء لذيذ مضراً؟  يا للبشر! 

ـ ثم أننا يجب أن ننتظر حتى حلول الليل.

ـ سفاد بالليل! النهار هو أنسب الأوقات، لابد أن ترى وبرها الأسود اللامع وفخذيها وساقيها بربلتيهما العبلتين وأذنيها الطويلتين. أقول لك هيا، هيا، دع حركات الناس عديمة الجدوى هذه والحق.

الرضية تدخل بيوت البلدة كلها، وافرة الحيوية والنشاط، تصافح هذا وتقبل ذاك، وفي غمرة سعادتها بعودتها ليس مهمّاً إن رفست جماعة أطفال يلعبون الاستغماية أو ركلت ثلة مسنين جالسين يستدفئون بحر شمس الضحى من زمهرير رياح الخريف الجنوبية.

بعكس ما تقترح برمة، سأنتظر وحيداً بغرفتي. زيادة في الإثارة سأغلق الغرفة من الداخل بالمزلاج. ستأتي الرضية طيرانا، فتطرق الباب برفق. لا أفتح، فتطرق بعنف. لن يأخذ تحولها من الرفق إلا الشدة وقتاً. تاح، تاح، تركل الباب. مسكين باب غرفتي المنجور من خشب السيال القوي، النادر. دقائق معدودة، تراح تراح، فسقوط الباب محطما، منزوعاً من الدساتير التي تثبته علي الحائط، ثم اقتحام الغرفة. تأخذني الرضية في حضنها الشرس. ورغم قامتي المديدة وقوتي، استسلم لأشواق البطلة التي أضنتها الحروب؛ تعانقني بلهفة، تقفز تتعلق برقبتي، تهبط تحيط خصري ثم عجزي بذراعيها، تجذبني بشغف، تأخذني وترسلني. ثم دون أن تعير الباب المحطم الملقي على قارعة الطريق أي اهتمام، تدفعني، ساقطة فوقي على أرضية الغرفة الصلبة.

 

***

 

حثيثاً تسعى الرضية في مداواتي. تصاب بكراهية عميقة للملازم وتؤجل حركة الكتائب للميادين أسبوعين كاملين حتى يكتمل إعدادي للالتحاق بالمقاتلين بعد جلاء نظري وتجبير عرجي. تحاول إثناء حسين الطاهر عن عناده المتعلق بالاحتفاظ بملازمه الشاب وتقول أنني أحق بالرتبة منه، وأن ذهاب العمش والعرج هو مسألة وقت ليس إلا وأن ذلك إن لم يتم قبل حركة الكتائب فإنه قطعاً سيتم في الميدان. حسين الطاهر كان يصر علي بقاء الملازم ويتحرق توقاً للمغادرة لإشعال المعارك في جبهة الهوي الصعيدية.

الرضية ستستغل أيام الهدنة لتعليمي حيل حربية كثيرة وتحاول ابتكار وسائل علاج جديدة لمداواتي، لكنها لم تخف قلقها من أن يمنعني حسين الطاهر من مرافقة المقاتلين إذا لم يتم شفائي. هي تعلم أن اللعنة مثل التأتأة لا يمكن القضاء عليها قضاء مبرماً. حسين الطاهر نفسه، بتأريخه البطولي الرهيب، لا زال يعاني من ارتكاساتها. تقول تحاول طمأنتي:

ـ أنا نفسي أصاب بغثيان ملعون أحياناً.

تهتف:

ـ وأمس فقط رأيت تجعيدة تحت عيني اليمنى! اللعنة!

أنظر إليها فأجدها امرأة كاملة، لا يجد النقص سبيلاً إليها. هي أكيد من نوع آخر، أو على الأقل، من فصيلة غير فصيلتنا. أستمر في التحديق بها، أقول:

ـ لعل في النظر إليك نجاتي.

تقهقه ثم تقول:

ـ النظر إليّ، يا سليل العميان!

دخنتني بحطب أشجار السلم ووكأت عرجي بكاوية فخار من البجراوية وأرسلتني في زيارات روحية لمعابد أنقسنا بالصعيد الشرقي التي تم تحريرها حديثاً لكن الاختبارات التي أجراها عليّ حسين الطاهر لم تبيّن أي تقدم في حالتي. وقد ذكر لها حسين بأنه ربما يوصي بابتعاثي إلي جبال موية، يا كاقو، لتجريب وسائل علاج مجلوبة من السودان الغربي.

أما الملازم البطل فقد ساوره بعض الأمل في استمالة قلب الرضية مرة أخرى. ولظنه أن صدود الرضية له علاقة بجهله بقواعد الصيد، فقد تحصل على شراك عديدة، من أنواع مختلفة وربي كلاب سلوقية جديدة جلب لها مدربين من بلدات مجاورة وكلّف صيادين مهرة بتعليمه فنون الصيد. في بضعة أيام، مستعيناً بقواه الخفية، يا كاقو، غدا صياداً ماهراً. وقد اصطاد آلاف الأرانب وآلاف أخرى من القطا والرهو فتحسنت أحوال سكان اللبايتور بفضل قناطير لحوم الصيد وسمن الأطفال وقل عواء الكلاب الذي يتردد آناء الليل لأنها كانت تتضور جوعاً. لن يعجب الرضية تقدمه في تعلم الصيد فتدعي أن ما يقوم به ليس صيداً وتقسم بأبيها أن لا تمد يدها لتأكل الشواء الذي يعد من "الجثث" التي يأتي بها.

تتوالي اقتحامات الرضية المسائية العشوائية لغرفتي، وباقتراب نهاية هدنة الخريف، يزداد عدد ونوع الاقتحامات فتقع ليلاً ونهاراً. بسببها، يكون بنيان الحجرة قد تضعضع ويكون باب السيال قد تحول إلي كومة من الحطب عديم الفائدة وتنتبه الرضية لما حدث فتأمر بتشييد غرفة بديلة أكثر اتساعا وبنجارة باب سنط أكثر متانة. لكنها تبقي على الغرفة القديمة إلي حين اكتمال تشييد الجديدة.

لم تكن غاراتها بلا طائل علي كل حال. فقد تلبستني بعض البركة وبشرتني الرضية بأنني أحرز نجاحاً لا بأس به. كما لاحظت أنني أمسيت أرى كواكب أكثر في مجموعة الثريا وغدوت أعدو بسرعة أكبر لكنني لم أستطع أداء تمارين ركض المسافات الطويلة معلقاً بأذيال خيول السباق. أيضاً كبحت التغضن بوجه الرضية فغمرتها السعادة ليلة عكفت عليها ساعات متصلة حتى انمحت التجعيدة الوحيدة التي لاحظتها على وجهها.

لكن فترة تمديد الهدنة مرت وما شفيت فتسرب المقاتلون عبر النهر من دوني متوجهين إلي الهوي. حسين الطاهر مضى متخفّياً بصحبة ملازمه البطل، أما الرضية فقد وعدت بالعودة لإلحاقي بكتائب البطانة قريباً.

 

 

 

 

 
 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco