header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

 الأجزاء الأخيرة من "سمر الفتنة"

رواية، الشركة العالمية للطباعة والنشر، الخرطوم، 2002

 

الحسن بكري

 

 

سيتذكر الفتى الذي حدث تلك الليلة البدرية إلى آخر أيام شيخوخته. ليلتها سيشمّ عطر أمه الذي لا يخفى عليه يتدافع نحوه من جهة البدر.  يجرى حسابات سريعة، فيقيس المسافة التي تفصل بين خبائه وصوت عواء الذئاب - يستثنى بالطبع عواء الذئاب التي تندب بزوغ البدر.  يكرر استنشاق العطر الهاطل، فيدرك أن العطر يتدحرج صوبه من جهة الجبل.  لن يتجاوز الأمر لديه مرحلة الشك العام فقط.  سيبدأ الأمر يسوء فعلاً عندما يذهب على أثر شذى أمه المتدافع.  يتحول أريج الغزل الرهيف إلى عبق حب كثيف. يعيد إجراء حساباته فيقيس المسافة بينه وبين بؤرة الحب المتأجج. زيادة في الحيطة يستعين بتأوهات اللذة وخوار الأمير النوبي التليع، أورفيولا، بقامته المديدة ذات الأربعة أذرع.  سيهبط من الفرس ويخرج نبلاً فينصبه ثم يصوبه جهة البدر.  يظل مصوباً وساكناً مثل فهد. سيطلق النبل، ويضع كفيه مثل قمع حول فمه لينادى أمه:  

ـ أمي، اقفزي يميناً!  يميناً، يميناً يا آمي!

يمضى بفرسه يعتلى الجبل.  سيلفي نبله منغرزاً في ظهر النوبي من جهة القلب وقد قضى نحبه عارياً، منتصباً تتدفق رائحة الحب من جسده اللامع.

لكن ليلة السمر تلك عجب الفتى الامبرراوي لرماية نور الدين. نظر جهة إلهته المذعورة وهتف مبتهلاً:

ـ أنجديني يا إلهة التلال المقفرة.

الإلهة، بصوت مرهق قالت:

ـ لا تضع وقتك في الأدعية الفارغة.

عيناه الكحيلتان تسمرتا على وجهها. رآها تسحب عتاد زينة كامل من جرابها: مرآة عتيقة مدية حلاقة حادة، صمغ عربي مخفف بالليمون لإزالة الشعر، دلكة، عطر خمرة، ودق، لخوخة، حطب سلم وطلح وعشرات وسائل التجميل.

اقترب منها ثم همس في أذنها:

ـ مولاتي تتزين؟

رآها منهمكة تزيل عنها بوارها المتراكم لتمسى جميلة كظبية. قالت هامسة:

ـ قد عشقت مولاتك، هامت بالفتى الرامي.

تقدستِ مالكة الأكوان المقفرة.

ـ أي، تقدست في يبسي وفى خصبي.

وفي مزاجها الطيب، شاءت إرادة الإلهة أن تخضر جبال الفور وتتدفق عيونها. وفي رواية أخرى، فإن الجبال قد خلقت تلك الليلة، خصيبة، ملتفة الشجر حلوة الثمر. أو، في رواية ثالثة، أنزلت الإلهة جنة من السماء فأينعت الجبال، هواؤها بليل وماؤها سلسبيل.  

 

***

اللغز الذي أعجز القرقياب أصله نوبي. ضاهى "الأصحاب" مخطوطات مختلفة من قصيدة لميناس. ورد اللغز في بعض النسخ وسقط في الأخرى. الأصحاب رجحوا أن تكون أجوبا هي من سربت اللغز إلى القصيدة. 

احتكت أجوبا بالفتى الامبرراوى فاشتعل جسدها قشعريرة. سمرها تلك الليلة غدا ناعماً كالحرير. وسمع الألويون أشعاراً لثلاث شاعرات نظمن قصائد من وحي ليلة القشعريرة فوجدوها قد اتفقت في وزنها وقافيتها، وكرروا سماعها فاتفقت موضوعاتها، ثم سمعوها من بعد تتطابق مفردة فمفردة. بعدها أدركوا أن تلك القصائد ما هي إلا سمر أجوبا الحريري الذي ألقت بعيد مجيء الإلهة الجوالة.

وقد انتهى الفتى بمخدع أجوبا فوهبها نضاراً جديداً.  قال لأجوبا:

ـ قد بورك جسدك من فوق سبع سماوات.

لم تفهم. رأت الفتى في أكمل هيئة، جمّلت وجهه الأصباغ وازدان بقرطين، سلاسل وأسورة.  كحيلة عيناه، ممشوط شعره، متطيّب. وفي ارتعاشها اللذيذ تضيع حكمتها فتسأل:

ـ  كيف؟  كيف؟ 

ـ أرأيت إذ ابتهلت ليلة السمر؟   

ـ ابتهلت إذ حلت بمؤخرتي الرجفة. 

- بالضبط.  تلك بركة مولاتي، سبحانها.

ازداد الأمر تعقيداً على تعقيد.  أضاف: 

ـ الفزاري أمّل أن يأخذك منى. 

ـ أهذا صحيح؟ 

ـ إذن لماذا الطيران وفيم الرمي؟

ـ آه صحيح! 

ـ هو رامٍ لا يُبارى، ما في ذلك شك. قد أغوى الإلهة. 

ـ أي إلهة؟

ـ ملكة القفار. 

ـ  الليلة نور الدين بين فخذي امبرراوية إذن؟ 

ـ  هو كذلك.

هذه ليلة الدفء الأشهر في تاريخ المملكة الألوية الواهنة. على أثرها جادت قريحة الامبرراوية بالخلق الخصيب فنشأت جبال الفور؛ قالت لها كوني فكانت. ومن ليلتها وهى تشيد بلا كلل البساتين والمروج.  في سويعات انهماكها تخطئ هدفها لتنمو السدود العشبية الكثيفة فتعيق الملاحة بالمراكب الكبيرة أو تنسى ضبط معدل نمو الأشجار فتنطلق هذه تتطاول حتى تكاد تخترق السماوات وتمسى متاهة هائلة تضل بها قطعان القردة بيوتها فيلفيها الصيادون نافقة من حسرة الغربة والحنين إلى الأوطان.

أجوبا ألقت اللغز على الامبرراوى.

ـ سيحتاج قومك إلى اللغز. خذه معك إلى قومك.

قالت أجوبا للفتى. 

ولما رأى عينيها تبرقان بمحبة ماكرة قال لها: 

ـ قومي أم قومك؟  

ـ لا فرق!   

وإذ شمّت رائحة جسده وتذوقت لعابه وماءه وعرقه ، فقد علمت أي نوع من النساء أمه.  رجح لديها أن فتى مثله يظهر في كل خمسة أجيال مرة.  تتضاءل الغلمة في الرجال على نحو متدرج من الجيل الأول نزولاً إلى الرابع، ثم تتدفق بغتة في الجيل الخامس بعد أن تكون قد همدت أو كادت في الرابع.  ومن الطريقة التي يغمز بها ويكوّع بها، ومن استدارة عجزه وضمور بطنه ونونية حاجبيه والغمازة بأسفل ذقنه فأمه امرأة فاتنة إلى حد لا يمكّنها من كبح غرائز الهوى فيها.

قرأت كفه. قالت: 

ـ ستعمّر حتى تبلغ المائة.

ـ طرب وضحك.  قال لها:

ـ ثم؟ 

ـ تثرى وتمتلك قطعان البقر والإبل.

إزداد طرباً فقهقه.  قال: 

ـ ثم؟ 

ـ ستقتل أميراً نوبياً يغوى امرأة تحبها.

هتف: 

ـ كذب العرافون وإن صدقوا.

قالت: 

ـ ستقتله إذا طلع البدر من المشرق مقدار خمسين رمحاً.

ـ لن أفعل. 

ـ ستلفيه قد تبطنها فحرثها.

ـ أعوذ بالله!!

***

قال هوريب لنهارة: 

ـ إبذلي النصيحة لأولادك وأحفادك هؤلاء يا شيخة.

كانت السماء غائمة بالسحاب الجون. هو ريب كان يبحلق في الغيم المتراكم.

ـ أيّة نصيحة، يا عزيزي؟

تساءلت نهارة. 

قال: 

ـ الآن وقد سلب الأعراب أرضنا، ما الذى يبقيهم هنا؟

قالت: 

ـ إذن فأنت لا تعلم يا حبيبي.  قد تفرقوا أيدي سبأ منذ زمان بعيد.  بعض كبارهم هاجروا شرقاً.  أما تذكر إذ جاءوك يطلبون إذنك بالهجرة؟ 

ـ  حسناً فعلوا.  وصغارهم؟ 

ـ أولئك أذنت لهم بالهجرة غرباً.  أما تذكر؟ 

ـ كيف لي أن أذكر؟ 

كأن الشيخوخة قد أخذت تذهب بصفائه الذي كان يبدو راسخاً.  قال يسألها:

ـ أما زال الأعراب متحلقين حولنا كالنسور؟ 

ـ بلى، مازالوا.  أشكر الله أن أبقوا عليك حيّاّ.

سكتا طويلاً ثم مضى يتكلم: 

ـ  تتحدثين كما لو كنت ألوية حرة.  إنك نصف هنا ونصف هناك.

قالت: 

ـ قاتلك الله يا هوريب‍‍‍‍‍ي!  أبعد كل هذه السنوات وكل هؤلاء البنون لا تنسى؟

نظر إليها معتذراً.  قال مترجّياً:   

ـ هل تغنين لي تلك الأغنية القديمة التي زعمت أن الناس على طول البلاد وعرضها قد أخذوا يتغنون بها من جديد؟ 

ـ أغنية "سوبا مع السلامة"؟

لازال صوتها متماسكاً رغم الشيخوخة.  أخذت ربابتها فشدت أسلاكها وغنت:

سوبا مع السلامة

أيتها الحلوة العليلة، مع السلامة.

أمست الطرقات مغلقة

إذن فالبقاء مستحيل

مع السلامة

سأعلق إنجيلي على الشجرة بصحن الدار

وأغرز سيفي بجانب المدخل وأرحل

فوداعاً

أمس رأيت أعرابي يعسكر بعائلته في الجوار

عينه علينا

لحيته تغطى صدره بالكامل

وعائلته مقرورة مشردة

مع السلامة.

كان هوريب صامتاً حتى بعد أن أكملت نهارة الغناء. سألته، كانت بادية الحزن:

ـ هل أعجبتك الأغنية؟

لم يرد. مضت تتحدث: 

ـ أدرى أنك تحب الولد الأصغر كثيراً. هو الآخر قد هاجر منذ زمان. 

كانا جالسين تحت الشجرة القائمة أما منزلهما. تركته وذهبت ناحية المدخل لكنها ما انفكت تحادثه. اعتادت على مزاجه السيئ تلك الأيام لذا لم تكن تنتظر منه ردوداً. قالت:

- أما الولد القمحي ذو الشعر السبيبي مثل ذيل الحصان فقد وعد أن يأتي ليزورنا كل سنتين، لكنه ما فعل.

تتجنب أن تدعو الأولاد بأسمائهم فهوريب أمسى لا يتذكر الأسماء. مضت تثرثر: 

- يقال أن الفونج قد شيدوا معملاً لصنع المشانق. البعض يقول أنه معمل منجنيقات. يقال أنهم ينوون غزو ديار الأحباش. 

استطردت ثرثرتها: 

ـ إن انتظروا أعرابنا هؤلاء حتى يتقنوا القصف بالمنجنيقات فسيطول انتظارهم.

سألت:                            

ـ ألا زلت على حلمك القديم؟  هل تؤمل أن تعمر ذراريك الأكوان؟‍

ضحكت ثم قالت: 

ـ يا للرجل الخرف. هؤلاء الأجلاف لن يبقوا علي كون تعمره ذراريك.

عادت ناحية الشجرة. سألته: 

ـ لماذا لا تتحدث؟ تحدث أيها الشيخ الهرم.

لم يرد.  اقتربت نهارة من رجلها. كان ملقى مثل نخلة خاوية، مال عنقه جهة كتفه، ذراعاه ممدودان عن آخرهما وعيناه النجلاوان مفتوحتان كأنه يحدق في السماء المعتمة. قالت تحدث الآفاق: 

- اللعنة! ها قد مات هوريب.

مضت تحادث نفسها: 

- الآن هو قطعاً لا يرى!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco