header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

"حشـــــرات الروح"
 


مصطفى مدثر

لا أعلم قطعياً كيف تكون الأفكار وما شكلها؟

وكيف تدور كأنها تركب صحناً أو تتقافز كالقردة الماجنة. لكنني أكاد أقطع أنها تجهيزات مادية قلقة ممكن تفكيكها تماماً كلعب الأطفال. وهي على تناهيها تنغز وتشك وتنفلت. تصطدم ببعضها محوّلة ضجيجها إلى ألم وتمتد وتشف ثم . . . ها هي ذي أفكار صغيرة سوداء كالبقع المتناهية النافرة إلى زوايا عين مجهدة. حشرات الروح المحمومة تلك تحوم قرب سقف الغرفة لبرهة. تتفادى فخاخ العناكب بحنكة مدهشة بالهرب عبر شرخٍ في زجاج النافذة الملبد بالندى الصباحي أو بالطيران العكسي الى مهابط مجهولة في دماغي أو بالسقوط عمودياً نحو بؤرة واجفة. ليس هناك ما هو أشد حدةً ومضاءً من فكرة قلقة.

ملقى على سريري منذ ليلة البارحة وساقاي مرفوعتان في وضع مقزز، وددت لو أن لي بخاخاً أُلاحقها به فيرديها تلك الأفكار! لو أنهم إبتدعوا المبيد الفكري "أم هم فعلوا؟" مبيد تنزلق حبيباته فوق سطح الاوهام ثم لا تلبث أن تخترق غلالات التخرص فتمزق نسيجها بحيث لا تقوى المخاوف على إعادة إنتاج حبكاتها الخانقة.

قفزت فجأة من السرير قبل أن تزهق روحي وتيرة التفكير في مكنزمات مخلوقات صباح السبت. كان جلياً أن الافكار القابعة داخل تجويف جمجمتي، ربما بسبب إنحطاط نوعها، هي أشد فتكاً من تلك الحائمة في أديم الغرفة ولذا فالبخاخ وحده لن يجدي كأداة ولا بد من مستحضر يسري في الدم ويتغلغل عبره إلى داخل الجمجمة. مستحضر يتصدى للفكرة منذ تفقيسها وانبثاقها يرقة تقتات من فوضى المعاني فيمنع تشرنقها بفعل الذكريات الصدئة وإرتشافها الشرنوقي لعصارة الامل المؤود فتغدو حشرة كاملة لها أكثر من خاصرة وروح لكنها عقيم مثل منظومة من حروف الجر.

سألتني مرةً هل يأتي يوم لا يكون فيه للأفكار معنى؟ كالعقارب المقطوعة الأذناب أو كالفلفل المنزوعة منه عصارة اللسع؟ رددت عليها: حتى لو أتى فهي ستظل أفكار وعلينا نحن أن نبحث لها عن معنى فالافكار لا تنهار وإنما العقارب والفلافل.

كنت موقناً نوعاً مما أقول وكانت عندما تسمعني أتحدث عن المعنى يتورد وجهها كأنها تتوقع مني إفضاءاً جديداً وحاسماً لكنني عجزت أن أقول لها هيا بنا! فحشرات الروح تلك لم تكن تتعاطى اليأس والتردد إنما تركتهما لي.

دفعت باب الحمام وأنا أرخي أُذني لأسمع جرساً بعيداً. كان المنظر لا بأس به. قليل من الصراصير المغلوبة على أمرها بفعل المبيد تتلوى على ظهورها. كنت منذ صغري أقول إن الصراصير تموت على ظهورها واتخذت ذلك مثلاً لم أعرف فيم أضربه إلاّ بعد أن تأكد لي أن الشئ الطبيعي يحدث لمجرد أنه شئ طبيعي وهذا التأكد بدوره لم يأتِ إلا في سياق القبول بالوقائع إذ أنني قبل الإذعان الذي لم يطلبه مني أحد كنت أُجادل أصدقائي أن هذا المثل الذي سككته لا يقل سداداً عن ذلك الذي يتحدث عن الطيور التي على أشكالها تقع أو على نفسها جنت براقش ولكن ببساطة لم يفكر أحد في هذا الامر. فأن تكون مضرب مثل هو ما يريده الناس وليس أن تكون ضارب أمثال.

كانت علبة المبيد الحشري قابعة تحت حوض غسيل الوجه المهترئ. تأملت تصميمها لأعرف كيف سيكون مختلفاً فيما لو كان الغرض منها هو إبادة الافكار، فلم أر أهمية لذلك لأن المطلوب من كل الاشياء التي تقتل أن تشترك في خاصية القتل كحد أدنى وليس على الشكل أي معوِّل. لماذا لا أُجرِّب المبيد الحشري كمبيد فكري؟ تاريخ العلم التجريبي يحكي عن تخرصات مثيلة.

أمسكت علبة المبيد الحشري وأطلقت رذاذها كثيفاً إلى أعلى. لدهشتي أحسست أن رأسي ينجذب إلى أعلى كأنه يتحرر ويشف. فجأة رأيتني في المرآة أمد يدي مهنئاً شخصين في بياض الزي الملائكي. إذ هو في تعلقه السمج بها خاط لنفسه بدلة بيضاء في لون فستانها. رأيتني أُهنئهما في جو من التسامح. بل إن منظر الاشياء القابعة على حافة حوض الغسيل أشرق أمامي لكن الاشياء نفسها لم تكن مشرقة. أكثر من فرشاتين مفعوصتين وأنابيب فعصها الفقر فأهرق ما فيها حتى أصبح الضغط عليها كل صباح طقساً عقيماً. وزجاجة العطر الفارغة التي أحضرتها فارغة لأنعم بشكلها المبتكر وكذلك لتأسيس علاقة ما يمكن الدفاع عنها يوماً. أخيراً إنجلت أمامي المرآة صافية حتى من لطع المعجون الدقيقة التي يحدثها السواك المتعجل. كان رأسي في المرآة عادياً لم يترك طنين الأفكار عليه أثر. رأس معلم ابتدائي عادي. ضبطت نفسي طربة لهذه الحقيقة فسألتها ما الذي يفرح؟ كونك مدرس إبتدائي عادي أم كون رأسك عادياً؟ في الحقيقة الإثنان معاً! أن تكون مدرس ابتدائي هو أمر مفرح حقاً. انظر لهذا الكم الهائل من الافكار التي تترى. جيوش من معاني الهزيمة والخذلان تنتظر إمدادها وترقيتها وربما تحسين ثكناتها فيما بعد الحروب الأبدية. وهي أفكار لا يقيدها معنى ولا ترتعد امام أي رقيب بل ولا تعرف محاكمات القيم وفوق ذلك فهي كالأنصال الحادة وفوق كونها كالأنصال فهي أوَّابة لا تنافحها بتفكيكها حتى تعود مرة أُخرى بعنفوان طازج. لو كنت رجل أعمال، مفكر عضوي أو حتى مهندس مثل عريسها ذلك المهندس البرم وبرم لوجه الله دون أن يملك رؤية معمارية حائرة للوجود. لو كنت مهندس فإن أفكاري ستنسدل عريضة قشيبة ومنتظمة كالمنسوجات الفاخرة من بطن ماكينة ما . . يقتلها الملل. هكذا أفكار تحمل في ثناياها جرعة السم التي تسهل انتحارها في الوقت المناسب ولذلك يدعونها أفكار عملية. أما في حالة مدرس الابتدائي من طرازي فإن الافكار تنقذف كمحتويات قنبلة إرهابية أو يكون لها فحيح وزمجرة وهذا غير ممل وشائك نوعاً. أن تكون رأسك عادية وسليمة هو ما يحمد عليه رب العالمين فبعد كل هذا الموار والانبثاق الحشري ليس هناك ثقوب في رأسك عدا تلك المألوفة.

نظفت أسناني جزعاً من إحتمال التأخير وامتثلت للدش البارد ثم خرجت منه إلى عراك البشكير المتخشب محاولاً ألا أُفكر في رائحته فهي لفظاعتها يمكن أن تكون سبباً لغارة فكرية جديدة لن تهدأ حتى بعد إنقضاء زمن الحصة الاولى.

على أعتاب حجرتي رصدت دبيب سحابة رقيقة ثم سمعت صوت الشرخ في الزجاج يتسع لآخر الأفكار المرعبة وهي تنجو بجلدها. ربما كان الإستحمام من وسائل إحداث الهدنة وعليَّ أن أتحقق. فها أنذا في معية هدوء مفاجئ سيصحبني حتى خارج الدار. سيهيئ لي أن أسمع صوت المشط وهو يتخلل شعري المبتل وسيتيح لي أن أسمع صوت القميص وهو يتدارك نفسه ليسع جثتي الملتبسة. سيلتف هذا الهدوء حول حذائي ويرخي أُذنية ليستمع إلى صريره الواهن.

هذا الهدوء الذي لم يأت من فراغ لن يذهب إلى فراغ إذ ستخبطه سيارة زاعقة عندما أخرج إلى الطريق العام. هذا الهدوء يدفعني أن أرفع صورتها كل صباح. عليَّ أن أتأكد يومياً أن ذلك التعبير في ركن شفتها السفلى يقول لي إنك لم تقنعني. سجال يومي بين إذعانها وحيرتي. هي لا تعي إذعانها ولا ترددي فالخطاب الذي كتبته لأشرح لها فيه هذين الأمرين لم أبعثه لها لأن شهر العسل يبعد الناس عن صناديق البريد. كتبت لها: ليس هناك عند أول انحناء للطريق متسع للعشق! وما هو خلف جدار الحياة ربما لا يكون الأبدية. فلماذا هدمت هذا الجدار وأنت الحريصة على الصخب . . .

توقفت فجأة عن القراءة. صوت مألوف تسنم أعناق جلبة الطريق ليتناهى إليَّ. إنه بص المدرسة ضل طريقه ليلقاني ولا شك! إندفعت أركض وأنا أهتف بلا صوت كمجنون في أول خطواته على سطح قمر جنونه. لم أدر أين ذهب صوتي لكن السائق رآني والأطفال. الأطفال حتماً سيلعقني ضجيجهم في البص. وبينما عيوني تتقلب في الأشياء العابرة، لمحتها. تحاول التسلل من فتحة دقيقة في نافذة البص لكن الأطفال فعصوها بصراخهم والندى زلقها داخل شق يتوارى فيه الزجاج. لم أستطع أن أتحرى حشرة هي أم فكرة!

انتهت

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco